Indexed OCR Text

Pages 701-720

يوم ، فلو نذر اعتكاف ليلة لم يصح ، وإن نوى معها اليوم لعدم محليتها للصوم ،
أما لو نوى بها اليوم صح ، والفرق أنه في الحالة الأولى جعل اليوم تبعاً لليلة ،
ولما بطل نذره في المتبوع وهو الليلة ، بطل في التابع وهو اليوم ، وأما في الحالة
الثانية ، فقد أطلق الليلة ، وأراد اليوم مجازاً مرسلاً ، باستعمال الليلة في مطلق
الزمن وهو اليوم ، فكان اليوم مقصوداً .
ولو نذر الاعتكاف ليلاً ونهاراً ، يصح ، وإن لم يكن الليل محلاً للصوم ،
لأنه يدخل الليل تبعاً .
وقال المالكية(١) : الاعتكاف قربة ونافلة من نوافل الخير ومندوب إليه
بالشرع أو مرغب فيه شرعاً للرجال والنساء ، لاسيما في العشر الأواخر من
رمضان ، ويجب بالنذر .
وقال الشافعية والحنابلة(٢): الاعتكاف سنة أو مستحب كل وقت، إلا أن
يكون نذراً، فيلزم الوفاء به ؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ فعله وداوم عليه، تقرباً إلى الله
تعالى ، واعتكف أزواجه بعده معه . فإن نذره وجب الوفاء به على الصفة التي
نذرها من تتابع وغيره ، لحديث: (( من نذر أن يطيع الله فليطعه))(٣) وعن عمر
أنه قال: (( يارسول الله: إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، فقال :
أوف بنذرك)»(٤) .
المطلب الثاني - ما يوجبه النذر على المعتكف :
إذا نذر المسلم نذر يوم أو أيام ، فهل يدخل معه الليل ، وهل يجب التتابع
(١) الشرح الصغير: ١ / ٧٢٥، القوانين الفقهية: ص ١٢٥، بداية المجتهد: ١ / ٢٠٢.
(٢) مغني المحتاج: ١ / ٤٤٩، المهذب: ١ / ١٩٠، المغني: ٣ / ١٨٤، كشاف القناع: ٢ / ٤٠٥ .
(٣) رواه البخاري .
(٤) رواه البخاري ومسلم .
- ٧٠١ -

بين الأيام أم لا ، ومتى يدخل المعتكف هل قبل الغروب أم قبل طلوع
الفجر ؟ .
الجمهور يرون دخول الليل مع اليوم ، ويجب التتابع بين الأيام المنذورة
كأسبوع أو شهر، ويدخل المعتكف قبل غروب شمس ذلك اليوم ، ويخرج بعد
الغروب من آخر يوم . والشافعية لايرون دخول الليلة مع اليوم إلا في العشر
الأخير من رمضان ، ولا يلزمه التتابع فيه على الأظهر إلا بشرط ، ويدخل
المعتكف قبل طلوع الفجر ، ويخرج منه بعد غروب الشمس(١) .
وعبارة الحنفية : من أوجب على نفسه اعتكاف يومين فأكثر ، لزمه اعتكافها
بلياليها ؛ لأن الليالي تدخل تبعاً لأن ذكر الأيام بلفظ الجمع يدخل فيها لياليها ،
ويلزمه تتابعها وإن لم يشترط التتابع ؛ لأن مبنى الاعتكاف على التتابع ، بخلاف
الصوم فإن مبناه على التفرق ؛ لأن الليالي غير قابلة للصوم ، فيجب على
التفرق ، أما الاعتكاف فالأوقات كلها قابلة له .
وتدخل الليلة الأولى ، ويدخل المسجد قبل الغروب من أول ليلة ، ويخرج
منه بعد الغروب من آخر أيامه .
ومن نذر اعتكاف الليالي لزمته الأيام ، وتلزمه الليالي بنذر اعتكاف أيام
متتابعة ، ويلاحظ أن الليالي تابعة للأيام إلا ليلة عرفة وليالي النحر فتبع للنُّهُر
الماضية رفقاً بالناس .
وعبارة المالكية : ولزم المعتكف يوم بليلته المنذورة ، وإن نذر ليلة فقط ،
(١) فتح القدير: ٢ / ١١٤ وما بعدها، الدر المختار: ٢ / ١٨٦ ومابعدها، نور الإيضاح: ص ١٢٠ ، اللباب:
١ / ١٧٦، الشرح الصغير: ١ / ٧٢٩ وما بعدها، المجموع: ٦ / ٥١٩ - ٥٢٦، مغني المحتاج: ١ / ٤٥٥ وما بعدها ،
المهذب: ١ / ١٩١، كشاف القناع: ٢ / ٤١٢ - ٤١٣، المغني: ٣ / ٢١٠ _ ٢١٥.
- ٧٠٢ _

فن نذر ليلة الخميس ، لزمه ليلته وصبيحتها ، ولا يتحقق الصوم الذي هو من
شروط الاعتكاف إلا باليوم ، لا إن نذر بعض يوم فلا يلزمه شيء .
ولزم تتابع الاعتكاف في نذر مطلق ، أي لم يقيد بتتابع ولاعدمه ، وأما
الاعتكاف غير المنذور ، فيلزم مانواه قل أو كثر بدخوله معتكفه .
ولزم دخول المعتكف قبل الغروب أو معه ، ليتحقق له كمال الليلة . ولزم
خروجه من معتكفه بعد الغروب ليتحقق له كال النهار .
وعبارة الحنابلة : من نذر اعتكاف شهر ، لزمه التتابع ، ودخلت فيه
الليالي ، ودخل معتكفه قبل غروب شمس ليلته الأولى ، ولا يخرج إلا بعد غروب
شمس آخر أيامه .
وإن نذر اعتكاف يوم لم يجز تفريقه ، ولم تدخل ليلته ، ويلزمه أن يدخل
معتكفه قبل طلوع الفجر ، ويخرج منه بعد غروب الشمس ؛ لأن الليلة ليست
من اليوم ، وهي من الشهر ، وإطلاق اليوم يفهم منه التتابع فيلزمه ، كما لو قال
متتابعاً، وكذا إطلاق الشهر يقتضي التتابع، كما لوحلف: ((لا يكلم زيداً شهراً))
وكمدة الإيلاء والعنة والعدة ، بخلاف الصيام . فإن أتى بشهر بين هلالين أجزأه
ذلك ، وإن كان الشهر ناقصاً ، وإن اعتكف ثلاثين يوماً من شهرين جاز؛
وتدخل فيه الليالي ؛ لأن الشهر عبارة عنهما ، ولا يجزئه أقل من ذلك .
وعبارة الشافعية : إذا نذر اعتكاف يوم لم يلزمه معه ليلة ، بلاخلاف ،
فالليلة ليست من اليوم ، بل يلزمه أن يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر ،
ويخرج منه بعد غروب الشمس ؛ لأن حقيقة اليوم : مابين الفجر وغروب
الشمس .
وإن نذر اعتكاف شهر بعينه ، لزمه اعتكافه ليلاً ونهاراً أي دخلت لياليه ،
- ٧٠٣ -

سواء أكان الشهر تاماً أم ناقصاً؛ لأن الشهر عبارة عما بين الهلالين أي جميع
الشهر، تم أو نقص إلا أن يستثنيها لفظاً . وإن نذر اعتكاف نهار الشهر، لزمه
النهار دون الليل ؛ لأنه خص النهار ، فلا يلزمه الليل . وهذا موافق للحنابلة .
والراجح عند الأكثرين من الشافعية أنه إن نوى التتابع أو صرح به ، لزمته
الليلة ، وإلا فلا .
والصحيح أنه لا يجب التتابع بلاشرط ، وأنه لو نذر يوماً لم يجز تفريق
ساعاته ، وأنه لو عين مدة كلأسبوع وتعرض للتتابع فيها لفظاً وفاتته ، لزمه
التتابع في القضاء ، وإن لم يتعرض للتتابع لم يلزمه في القضاء جزماً ؛ لأن التتابع
فيه لم يقع مقصوداً ، بل لضرورة تعين الوقت ، فأشبه التتابع في شهر رمضان .
ولو قال : لله علي أن أعتكف العشر الأخير من رمضان ، دخلت لياليه ،
حتى الليلة الأولى ، ويجزئه وإن نقص الشهر، لأن هذا الاسم يقع على مابعد
العشرين إلى آخر الشهر ، بخلاف قوله : عشرة أيام من آخر الشهر ، وكان ناقصاً
لا يجزئه ؛ لأنه جرَّد القصد إليها ، فيلزمه أن يعتكف بعده يوماً .
ولو نذر اعتكاف يوم معين ففاته فقضاه ليلاً ، أجزأه . ولو نذر اعتكاف
يوم قدوم زيد فقدم ليلاً ، فالمعتمد أن يقضي يوماً كاملاً ، وذلك إذا قدم حياً
مختاراً ، فلو قدم به ميتاً أو قدم مكرهاً ، فلاشيء عليه .
المبحث الثالث - شروط الاعتكاف
يشترط لصحة الاعتكاف ما يلي(١):
(١) الدر المختار: ٢ / ١٧٧ - ١٧٩، فتح القدير: ٢ / ١٠٦ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ١١٩، القوانين
الفقهية: ص ١٢٥، الشرح الصغير: ١ / ٧٢٥ ومابعدها، المهذب: ١ / ١٩٠ - ١٩٢، مغني المحتاج: ١ / ٤٥٣
وما بعدها، المغني: ٣ / ١٨٤ - ١٨٦، كشاف القناع : ٢ / ٤٠٦ - ٤٠٩ .
- ٧٠٤ -

اً - الإسلام : فلا يصح الاعتكاف من الكافر ؛ لأنه من فروع الإيمان .
٢ - العقل أو التمييز: فلا يصح من مجنون ونحوه ، ولامن صبي غير مميز؛ لأنه
ليس من أهل العبادات ، فلم يصح منه الاعتكاف کالكافر ، ويصح اعتكاف الصبي
المميز .
اً - كونه في المسجد : فلا يصح في البيوت ، كمابينا ، إلا أن الحنفية أجازوا
للمرأة الاعتكاف في مسجد بيتها : وهو محل عينته للصلاة فيه .
٤ - النية اتفاقاً: فلا يصح الاعتكاف إلا بالنية، للحديث المتقدم: ((إنما
الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ مانوى » ولأنه عبادة محضة ، فلم تصح من غير
نية كالصوم والصلاة وسائر العبادات . وأضاف الشافعية: إن كان الاعتكاف
فرضاً ، لزمه تعيين النية للفرض ، لتميزه عن التطوع .
٥ - الصوم: شرط مطلقاً عند المالكية، وشرط عند الحنفية في الاعتكاف
المنذور فقط دون غيره من التطوع ، وليس بشرط عند الشافعية والحنابلة فيصح
بلاصوم ، إلا أن ينذره مع الاعتكاف ، ويصح عند الجمهور غير المالكية اعتكاف
الليل وحده إذا لم يكن منذوراً .
ودليل المشترطين حديث: (( لااعتكاف إلا بصوم))(١) .
ودليل غير المشترطين حديث عمر أنه قال: (( يارسول الله ، إني نذرت أن
أعتكف في المسجد الحرام ليلة ، فقال له: أوف بنذرك)) (٣) وفي رواية أنه جعل
على نفسه أن يعتكف يوماً .. الخ فلم يشترط له الصيام ، ولصحة اعتكاف
الليل، لأنه لاصيام فيه، ولحديث ابن عباس: (( ليس على المعتكف صيام إلا
(١) رواه الدارقطني والبيهقي عن عائشة، إلا أنه ضعيف (نصب الراية: ٢ / ٤٨٦).
(٢) رواه البخاري ومسلم، والدارقطني عن ابن عمر عن عمر ( نصب الراية: ٢ / ٤٨٨).
الفقه الإسلامي جـ٢ (٤٥)
- ٧٠٥ -

أن يجعله على نفسه)) (١) .
٦ - الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس : شرط عند الجمهور، إلا أن الخلو
من الجنابة شرط عند المالكية لحل المكث في المسجد ، لالصحة الاعتكاف ، فإذا
احتلم المعتكف وجب عليه الغسل إما في المسجد إن وجد فيه ماء ، أو خارج
المسجد .
وكذلك قال الحنفية : الخلو من الجنابة شرط لحل الاعتكاف ، لالصحته ،
فلو اعتكف الجنب ، صح اعتكافه مع الحرمة . وأما الخلو عن الحيض والنفاس
فهو شرط لصحة الاعتكاف الواجب وهو المنذور ؛ لأن الصوم شرط لصحته ،
ولا يصح الصوم من الحائض والنفساء .
٧ - إذن الزوج لزوجته : شرط عند الحنفية والشافعية والحنابلة ، فلا يصح
اعتكاف المرأة بغير إذن زوجها ، ولو كان اعتكافها منذوراً. ورأى المالكية أن
اعتكاف المرأة بغير إذن زوجها صحيح مع الإثم .
وأضاف ابن جزي المالكي شرطاً آخر: وهو الاشتغال بالعبادة على قدر
الاستطاعة ليلاً ونهاراً ، من الصلاة والذكر والتلاوة خاصة ، عند ابن القاسم ،
ومن سائر أعمال الآخرة عند ابن وهب ، فعلى الأول، وهو الراجح ، لا يشهد
جنازة ولا يعود مريضاً ، ولا يدرس العلم ، وعلى الثاني : يفعل ذلك .
المبحث الرابع : ما يلزم المعتكف وما يجوز له
اتفق الفقهاء على أنه يلزم المعتكف في الاعتكاف الواجب البقاء في المسجد ،
لتحقيق ركن الاعتكاف وهو المكث والملازمة والحبس ، ولا يخرج إلا لعذر شرعي
أو ضرورة أو حاجة .
(١) رواه الدارقطني عن ابن عباس ، ورجح الدارقطني والبيهقي وقفه، وأخرجه الحاكم مرفوعاً، وقال :
صحيح الإسناد ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٦٨).
- ٧٠٦ -

قال الحنفية(١) : يجوز للمعتكف الخروج في اعتكاف النفل أو السنة المؤكدة ،
لأن الخروج ينهي الاعتكاف ولا يبطله ، لكن لو شرع في المسنون وهو العشر
الأواخر من رمضان بنيته ، ثم أفسده ، يجب عليه قضاؤه : أي قضاء العشر كله في
رأي أبي يوسف ، وقضاء اليوم الذي أفسده لاستقلال كل يوم بنفسه ، في رأي
جمهور الحنفية .
وحرم على المعتكف اعتكافاً واجباً الخروج إلا لعذر شرعي كأداء صلاة الجمعة
والعيدين ، فيخرج في وقت يمكنه إدراكها مع صلاة سنة الجمعة قبلها ، ثم يعود ،
وإن أتم اعتكافه في الجامع صح وكره .
أو لحاجة طبيعية : كالبول والغائط وإزالة النجاسة ، والاغتسال من جنابة
باحتلام ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة .
أو لحاجة ضرورية : كانهدام المسجد ، أو أداء شهادة تعينت عليه ، أو خوف
على نفسه أو متاعه من المكابرين ، أو إخراج ظالم له كرهاً وتفرق أهله . وعليه
أن يدخل مسجداً آخر غيره من ساعته .
فإن خرج ولو ناسياً ساعة بلا عذر ، فسد الواجب ، وانتهى به غيره ،
وعليه قضاء الواجب الذي أفسده إلا إذا أفسده بالردة ؛ لأنها تسقط ما وجب
عليه قبلها . وإن خرج لعذر يغلب وقوعه : وهو الحاجة الطبيعية والشرعية لم
يفسد اعتكافه . وإن خرج لعذر نادر كإنجاء غريق وانهدام مسجد ، فلا يأثم ،
لكن يبطل اعتكافه ، إذا لم يخرج إلى مسجد آخر مباشرة .
ويفسد اعتكافه بالخروج لعيادة مريض أو تشييع جنازة ، وإن تعينت
عليه ، إلا أنه لا يأثم، كما في المرض. قالت عائشة: ((السنة على المعتكف ألا
(١) فتح القدير: ١٠٩/٢ - ١١٢، الدر المختار ورد المختار: ١٨٠/٢ - ١٨٥، مراقي الفلاح: ص١١٩
- ٧٠٧ -

يعود مريضاً ، ولا يشهد جنازة ، ولا يمسَّ امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة
إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع)) (١)
والأكل والشرب والنوم والعقد المحتاج إليه لنفسه أو عياله كبيع ونكاح
ورجعة يكون في معتكفه ؛ لأن النبي لة لم يكن له مأوى إلا المسجد ، ولأنه
يمكن قضاء هذه الحاجة في المسجد ، فلا ضرورة إلى الخروج .
فلابأس بأن يبيع ويبتاع في المسجد من غير أن يحضر السلعة ، لأنه قد
يحتاج إلى ذلك بأن لا يجد من يقوم بحاجته ، لكن يكره تحريماً البيع لتجارة
وإحضار المبيع أو السلعة إلى المسجد ، ومبايعة غير المعتكف فيه مطلقاً ؛ لأن
المسجد محرر عن حقوق العباد، وفيه انشغال بها، وورد حديث: ((جنبوا
مساجدكم - أو مساجدنا - صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم ، وبيعكم ،
وخصوماتكم ... الحديث))(٢)، وثبت أنه ((وَ ◌ّ نهى عن الشراء والبيع في
المسجد ، وأن ينشد فيه ضالة ، أو ينشد فيه شعر ، ونهى عن التحلق قبل الصلاة
يوم الجمعة))(٣)
وأما الأكل والشرب والنوم لغير المعتكف في المسجد ، فمكروه إلا لغريب ،
كما في أشباه ابن نجيم ، وقال ابن كمال : لا يكره الأكل والشرب والنوم فيه مطلقاً
مقيماً كان أو غريباً ، مضطجعاً أو متكئاً ، رجلاه إلى القبلة أو إلى غيرها .
وقال المالكية(٤) : لا يخرج من معتكفه إلا لأربعة أمور: لحاجة الإنسان ،
(١) رواه أبو داود والنسائي ( نيل الأوطار: ٢٦٧/٤ )
(٢) حديث ضعيف رواه ابن ماجه والطبراني في معجمه من حديث واثلة بن الأسقع ، ورواه الطبراني أيضاً
من حديث أبي الدرداء وأبي أمامة ، ورواه عبد الرزاق من حديث معاذ ( نصب الراية: ٤٩١/٢ - ٤٩٢)
(٣) رواه أصحاب السنن وحسنه الترمذي
(٤) القوانين الفقهية: ص١٢٥، الشرح الصغير: ٧٣٤/١ وما بعدها
- ٧٠٨ -

ولما لابد منه من شراء معاشه ، وللمرض ، والحيض ، وإذا خرج لشيء من ذلك ،
فهو في حكم الاعتكاف حتى يرجع . فلا يخرج لعيادة مريض وصلاة جنازة
وصعود لأذان أو سطح للمسجد ، ويجوز سلامه على من بقربه ، وتطيبه بأنواع
الطيب وإن كره للصائم غير المعتكف ، لأن معه مانع يمنعه من إفساد اعتكافه
وهو بالمسجد ، وجاز له أن يزوج ويتزوج ، ويستصحب ثوباً غير الذي عليه ،
لأنه ربما احتاج له .
وقال الشافعية(١) : لا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لغير عذر ، لقول
عائشة: ((إن كان رسول الله مَ ◌ّ ليدخل علي رأسه وهو في المسجد، فأُرجِّله ،
وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان ، إذا كان معتكفاً))(٣) فيجوز أن يخرج
رأسه وأرجله أو يخرج للحاجة الطبيعية ، ولا يبطل اعتكافه لحديث عائشة
هذا . فإن خرج من غير عذر بطل اعتكافه ؛ لأنه فعل ما ينافي الاعتكاف : وهو .
اللبث في المسجد .
وله أن يخرج إلى منارة المسجد ليؤذن فيها ، ولو كانت على الراجح خارج
المسجد وخارج رحبته ( وهي ما كان مضافاً إلى المسجد محجراً عليه ) ولا يبطل
اعتكافه ، ويجوز أن يمضي إلى البيت للأكل ، ولا يبطل اعتكافه ، في النصوص ؛
لأن الأكل في المسجد ينقص المروءة ، فلم يلزمه . كما له الخروج لشرب الماء إن
عطش ولم يجد الماء في المسجد .
ويخرج لصلاة الجنازة وعيادة المريض في اعتكاف التطوع ، ولا يخرج في
اعتكاف الفرض ، فإن خرج في الحالين بطل اعتكافه .
(١) المجموع: ٥٢٨/٦ _ ٥٦٥، المهذب: ١٩٢/١ - ١٩٤
(٢) رواه البخاري ومسلم .
- ٧٠٩ -

ويلزمه الخروج لصلاة الجمعة إن كان من أهل الفرض ، والاعتكاف في غير
الجامع ؛ لأن الجمعة فرض في الشرع ، فلا يجوز تركها بالاعتكاف ، ويبطل
اعتكافه وتتابعه في الأصح المشهور من نصوص الشافعي ؛ لأنه كان يمكنه الاحتراز
من الخروج ، بأن يعتكف في غير الجامع ، فإن لم يفعل بطل اعتكافه .
ويلزمه الخروج لأداء شهادة إن تعين عليه ؛ لأنه تعين لحق آدمي ، فقدم
على الاعتكاف ، ولا يبطل اعتكافه على الراجح ؛ لأنه مضطر إلى الخروج .
وللمعتكفة أن تخرج إذا طلقت لتعتد ، ولا يبطل اعتكافها أيضاً ، لاضطرارها
إلى الخروج .
ومن مرض مرضاً لا يؤمن معه تلويث المسجد كإطلاق الجوف وسلس
البول ، خرج كما يخرج لحاجة الإنسان ولا ينقطع التتابع على المشهور الصحيح .
وإن كان مرضاً يسيراً يمكن معه المقام في المسجد من غير مشقة كالصداع ووجع
الضرس والعين ونحوها لم يخرج ، فإن خرج بطل اعتكافه . وإن كان مرضاً يشق
معه الإقامة في المسجد لحاجته إلى الفراش والخادم وتردد الطبيب ونحو ذلك ،
فيباح له الخروج ، والأصح أنه لا ينقطع به التتابع
S
وإن أغمي عليه ، فأخرج من المسجد ، لم يبطل اعتكافه ؛ لأنه لم يخرج
باختياره وإن سكر فسد اعتكافه . وإن ارتد ثم أسلم بنى على اعتكافه .
وإن حاضت المعتكفة ، خرجت من المسجد ؛ لأنه لا يمكنها المقام في
المسجد ، ولم يبطل اعتكافها إن كان في مدة لا يمكن حفظها من الحيض ، وإذا
طهرت بنت عليه ، كما لو حاضت في صوم شهرين متتابعين . ويبطل اعتكافها
إن كان في مدة يمكن حفظها من الحيض ، كما لو حاضت في صوم ثلاثة أيام
متتابعة .
- ٧١٠ -

ويبطل الاعتكاف بالخروج إلى الحج الذي أحرم به ؛ لأن الخروج حدث
باختياره لأنه كان يسعه أن يؤخره .
وإن خاف من ظالم فخرج واستتر ، لم يبطل اعتكافه ؛ لأن مضطر إلى
الخروج بسبب هو معذور فيه .
وإن خرج من المسجد ناسياً أو مكرهاً محمولاً أو أكره حتى خرج بنفسه ، أو
أخرجه السلطان ظلماً لم يبطل اعتكافه، لقوله معَّ: ((رفع عن أمتي الخطأ
والنسيان وما استكرهوا عليه))(١) فإن أخرجه السلطان بحق ، كأن وجب عليه
حق وهو يماطل به مع قدرته عليه ، أو أخرجه ليقيم عليه عقوبة شرعية من حد
أو قصاص أو تعزير ثبت عليه بإقراره ، بطل اعتكافه . وإن ثبت عليه بالبينة
لم يبطل ولا ينقطع به التتابع ، فإذا عاد بنى .
وإن خرج لعذر ، ثم زال العذر، وتمكن من العود ، فلم يعد ، بطل
اعتكافه ؛ لأنه ترك الاعتكاف من غير عذر ، فأشبه إذا خرج من غير عذر .
ويجوز للمعتكف أن يلبس ما يلبسه في غير الاعتكاف ؛ إذ لم ينقل عن
النبي ظاهر أنه غير شيئاً من ملابسه . ويجوز أن يتطيب ويتزين ؛ لأنه لو حرم
التطيب عليه لحرم ترجيل الشعر كالإحرام ، وقد روى الشيخان أن عائشة كانت
ترجل شعر رسول الله مؤاتٍ في الاعتكاف ، فدل على أنه لا يحرم عليه الطيب .
ويجوز أن يتزوج ويزوج قياساً على جواز الطيب ، ويجوز دراسة العلم
وتدريسه ، لأن ذلك كله زيادة خير ، ويجوز أن يأمر بالأمر الخفيف في ماله
وضيعته ، ويبيع ويبتاع ، لكنه لا يكثر منه ؛ لأن المسجد ينزه عن أن يتخذ
(١) حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس بلفظ ((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ
والنسيان وما استكرهوا عليه ».
- ٧١١ -

موضعاً للبيع والشراء ، فإن أكثر من ذلك كره لأجل المسجد ، ولم يبطل به
الاعتكاف . ويجوز أن يأكل في المسجد ؛ لأنه عمل قليل لابد منه ، ويجوز أن
يضع فيه المائدة ؛ لأن ذلك أنظف للمسجد ، ويغسل فيه اليد ، وإن غسل في
الطست فهو أحسن .
وقال الحنابلة(١) : المعتكف الذي لزمه تتابع الاعتكاف كمن نذر شهراً أو أياماً
متتابعة ونحوه ، لم يجز له الخروج من المسجد إلا لحاجة الإنسان أو لما لابد له
منه، أو لصلاة الجمعة، لحديث عائشة السابق: ((السنة للمعتكف ألا يخرج إلا لما
لابد له منه)» كحاجة الإنسان من بول وغائط وقيء بغتة وغسل متنجس
يحتاجه ، والطهارة عن الحدث كغسل جنابة ووضوء لحدث ؛ لأن الجنب يحرم
عليه اللبث في المسجد ، والمحدث لا تصح صلاته بدون وضوء .
ويخرج المعتكف ليأتي بمأكول ومشروب يحتاجه إن لم يكن له من يأتيه به .
ولا يجوز خروجه لأجل أكله وشربه في بيته ، لعدم الحاجة ، لإباحة ذلك في
المسجد ، ولا نقص فيه .
ويخرج للجمعة إن كانت واجبة عليه ؛ لأنه خروج لواجب فلم يبطل
اعتكافه ، كالمعتدة ، أو شرط الخروج إليها ، وإن لم تكن واجبة ، للشرط ، وله
التبكير إليها ؛ لأنه خروج جائز ، فجاز تعجيله ، كالخروج لحاجة الإنسان ،
وله إطالة المقام بعد الجمعة ، ولا يكره لصلاحية الموضع للاعتكاف .
ويخرج لنفير متعين إن احتيج إليه ؛ لأن ذلك واجب كالجمعة ، ولشهادة
تعيَّن عليه أداؤها ، ولخوف من فتنة على نفسه أو حرمته ، أو ماله نهباً أو حريقاً
ونحوه كالغرق ؛ لأنه عذر في ترك الواجب بأصل الشرع كالجمعة ، ولمرض يتعذر
(١) المغني: ١٩١/٣ - ١٩٦، ٢٠٠ - ٢١٠، كشاف القناع: ٤١٤/٢ - ٤٢٠
- ٧١٢ -

معه المقام ، أو لا يمكنه المقام معه إلا بمشقة شديدة ، بأن يحتاج إلى خدمة أو
فراش ، ولا يبطل اعتكافه بخروجه لشيء مما تقدم للحاجة إليه .
ولا يجوز له الخروج إن كان المرض خفيفاً كصداع وحمى خفيفة ووجع
ضرس ؛ لأنه خروج لما له منه بد ، فأشبه المبيت ببيته .
ولا يبطل اعتكافه أيضاً إن أكرهه السلطان أو غيره على الخروج من
معتكفه ، بأن حمل وأخرج ، أو هدده قادر بسلطنة ، أو تغلب كلص وقاطع
طريق ، فخرج بنفسه ؛ لأن مثل ذلك يبيح ترك الجمعة والجماعة ، فهو كالمريض
والحائض .
ولا يبطل اعتكافه أيضاً إن خرج من المسجد ناسياً ، للحديث السابق
((عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))، ويبني على اعتكافه إذا
زال العذر في كل ما تقدم مما لا يبطل فيه الاعتكاف .
وتخرج المرأة المعتكفة من المسجد لوجود حيض ونفاس ، فإذا طهرت
رجعت إلى المسجد ؛ لأن اللبث معهما في المسجد حرام ، وتخرج أيضاً لعدة وفاة
في منزلها ، لوجوبها شرعاً كالجمعة ، وهو حق لله ولادمي، لا يستدرك إذا ترك ،
بخلاف الاعتكاف ، ولا يبطل بذلك .
ولا تمنع المستحاضة الاعتكاف ؛ لأن الاستحاضة لا تمنع الصلاة ، ويجب
عليها أن تتحفظ لئلا تلوث المسجد .
ولا يعود المعتكف مريضاً ولا يشهد جنازة ، ولا يجهزها خارج المسجد إلا
بشرط بأن يشترط ذلك ؛ أو وجوب بأن يتعين ذلك عليه ، لعدم غيره ؛ لأنه
لابد منه إذاً .
وإن شرط الوطء في اعتكافه أو الخروج للفرجة أو النزهة أو البيع للتجارة ،
- ٧١٣ -

أو التكسب بالصناعة في المسجد ؛ لم يجز الشرط ؛ لأن الله تعالى قال :
﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) فاشتراط ذلك اشتراط لمعصية الله
تعالى ، والصناعة في المسجد منهي عنها في غير الاعتكاف ، ففي الاعتكاف أولى ،
وسائر ما ذكر يشبه ذلك ، ولا حاجة إليه .
ولا يجوز للمعتكف أن يتجر أو يتكسب بالصنعة ، إلا ما لابد له منه ،
للنهي السابق عن البيع والشراء في المسجد .
ولابأس أن يتزوج ( يعقد عقد الزواج ) في المسجد ، ويشهد النكاح ؛ لأن
الاعتكاف عبادة لا تحرم الطيب ، فلم تحرم النكاح كالصوم ، ولأن عقد النكاح
طاعة ، وحضوره قربة ، ومدته لا تتطاول ، فيتشاغل به عن الاعتكاف ، فلم
يكره فيه ، كتشميت العاطس ورد السلام .
ولا بأس أن يتنظف بأنواع التنظيف؛ لأن النبي مع الإ ((كان يرجل رأسه
وهو معتكف )» وله أن يتطيب ويلبس الرفيع من الثياب ، ولكن ليس ذلك
بمستحب .
ولا بأس أن يأكل المعتكف في المسجد ، ويضع سفرة كيلا يلوث المسجد ،
ويغسل يده في الطست ، ولا يجوز أن يخرج لغسل يده ؛ لأن من ذلك بدأ .
والخلاصة : أن الخروج المباح في الاعتكاف الواجب أربعة أنواع :
أحدها : مالا يوجب قضاء ولا كفارة : وهو الخروج لحاجة الإنسان وشبهه
مما لا بد منه .
والثاني : ما يوجب قضاء بلا كفارة : وهو الخروج للحيض .
والثالث : ما يوجب قضاء وكفارة يمين : وهو الخروج لفتنة خاف منها على
نفسه إن قعد في المسجد ، أو على ماله نهباً أو حريقاً . فإذا أمن بنى على مامضى
إذا كان نذر أياماً معلومة ، وقضى ما ترك ، وكفر كفارة يمين .
- ٧١٤ _

والرابع : ما يوجب قضاء ، وفي الكفارة وجهان : وهو الخروج الواجب
كالخروج في النفير أو العدة أو أداء الشهادة ، ففي قول القاضي أبي يعلى :
لا كفارة عليه ؛ لأنه واجب لحق الله تعالى ، فأشبه الخروج للحيض . وظاهر
كلام الخرقي : وجوبها ؛ لأنه خروج غير معتاد ، فأوجب الكفارة ، كالخروج
لفتنة .
المبحث الخامس - آداب المعتكف ومكروهات الاعتكاف
ومبطلاته :
آ - آداب المعتكف(١):
اً - يستحب للمعتكف التشاغل على قدر الاستطاعة ليلاً ونهاراً بالصلاة ،
وتلاوة القرآن ، وذكر الله تعالى نحو لا إله إلا الله ، ومنه الاستغفار، والفكر
القلبي في ملكوت السموات والأرض ودقائق الحكم، والصلاة على النبي معد ◌ّة ،
وتفسير القرآن ودراسة الحديث ، والسيرة ، وقصص الأنبياء وحكايات
الصالحين ، ومدارسة العلم ، ونحو ذلك من الطاعات المحضة . وعد المالكية ذلك
من شروط الاعتكاف على سبيل الندب ، لكنهم مع الحنابلة كرهوا اشتغال
المعتكف بعلم ولو شرعياً ، تعليماً أو تعلماً إن كثر لا إن قل ؛ لأن المقصود من
الاعتكاف صفاء القلب بمراقبة الرب ، وهو إنما يحصل غالباً بالأذكار وعدم
الاشتغال بالناس ، والكتابة ولو كان المكتوب مصحفاً ، لما فيها من اشتغال عن
ملاحظة الرب تعالى ، وليس المقصود من الاعتكاف كثرة الثواب ، بل صفاء مرآة
القلب الذي به سعادة الدارين .
اً - يسن الصيام للمعتكف عند الجمهور (غير المالكية) الذين
(١) الدر المختار: ١٨٥/١، القوانين الفقهية: ص١٢٥ وما بعدها، الشرح الصغير: ٧٣٠/١ - ٧٣٥ ، المهذب:
١٩٤/١، المغني: ٢٠٣/٣ وما بعدها، كشاف القناع: ٤٢٢/٢.
- ٧١٥ -

لا يشترطونه ، والمالكية يشترطون الصوم ، والحنفية يشترطونه في الاعتكاف
المنذور .
٣ - يندب أن يكون الاعتكاف في المسجد الجامع عند المالكية والشافعية
الذين لا يشترطون ذلك ، كما اشترطه الحنفية والحنابلة ، وأفضل المساجد لذلك :
المسجد الحرام ثم المسجد النبوي ، ثم المسجد الأقصى .
٤ - يندب الاعتكاف في رمضان ، لأنه من أفضل الشهور، لا سيما في العشر
الأخير من رمضان بالاتفاق ؛ لأن فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ؛ لما
بينا وهو ماروي عن عائشة ((أن النبي ◌ُ ◌ّ كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا
الليل ، وأيقظ أهله ، وشد المئزر))(١) .
٥ - يندب مكث المعتكف ليلة العيد إذا اتصل اعتكافه بها، ليخرج منه إلى
المصلى ، فيوصل عبادة بعبادة ، ولما ورد من فضل إحياء هذه الليلة: (( من قام
ليلتي العيد ، محتسباً لله تعالى ، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب))(٣) أي أن الله
يثبته على الإيمان عند النزع وعند سؤال الملكين وسؤال القيامة .
٦ - يجتنب المعتكف كل مالا يعنيه من الأقوال والأفعال ، ولا يكثر
الكلام ؛ لأن من كثر كلامه كثر سَقَطه، وفي الحديث (( من حسن إسلام المرء
تركه مالا يعنيه ))(٣) .
ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش ، فإن ذلك مكروه في غير
الاعتكاف ، ففيه أولى ، ولا يبطل الاعتكاف بشيء من ذلك ؛ لأنه لما لم يبطل
بمباح الكلام لم يبطل بمحظوره .
(١) متفق عليه ( نيل الأوطار: ٢٧٠/٤ )
(٢) رواه ابن ماجه عن أبي أمامة .
(٣) حديث حسن رواه الترمذي وغيره هكذا عن أبي هريرة .
- ٧١٦ -

ولا يتكلم المعتكف إلا بخير ، ولا بأس بالكلام لحاجته ، ومحادثة غيره ، فإن
صفية زوج النبي صَ لّ قالت: ((كان رسول الله ◌ُ لّ معتكفاً، فأتيته أزوره
ليلاً ، فحدثته ، ثم قمت ، فانقلبت ، فقام معي ليقلبني - وكان مسكنها في دار
أسامة بن زيد - فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي عَ لّ أسرعا، فقال النبي
عَظِلٍّ: ((على رِسْلكما، إنها صفية بنت حيي ، فقالا: سبحان الله ، يا رسول
الله ، فقال : إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف
في قلوبكما شراً، أو قال: شيئاً))(١)، وقال علي رضي الله عنه: ((أيما رجل
اعتكف فلا يساب ولا يرفث في الحديث ، ويأمر أهله بالحاجة - أي وهو
يمشي - ولا يجلس عندهم))(٢).
ب - مكروهات الاعتكاف :
إن ترك بعض الآداب المذكورة مكروه ، وكذلك يكره ما يلي في المذاهب
الفقهية :
يكره تحريماً عند الحنفية(٢): إحضار المبيع في المسجد ؛ لأن المسجد محرر من
حقوق العباد ، فلا يجعله كالدكان .
ويكره عقد ما كان للتجارة ، لأن المعتكف منقطع إلى الله تعالى ، فلا
يشتغل بأمور الدنيا .
ويكره الصمت إن اعتقده قربة ؛ لأنه منهي عنه ؛ لأنه صوم أهل الكتاب ،
وقد نسخ .
(١) متفق عليه .
(٢) رواه الإمام أحمد .
(٣) مراقي الفلاح ونور الإيضاح: ص١١٩، الدر المختار: ١٨٤/٢ وما بعدها
- ٧١٧ -

ويكره عند المالكية ما يأتي(١):
اً - أن ينقص عن عشرة أيام أو يزيد عن شهر.
٣ - أكله بفناء المسجد أو رحبته التي زيدت لتوسعته ، وإنما يأكل فيه على
حدة .
اً - أن يعتكف القادر بدون أكل أو شرب أو لباس حتى لا يخرج، فإن
اعتكف غير مكفي ، خرج لأقرب مكان لشراء ما يحتاجه ، وإلا فسد اعتكافه .
ويكره اعتكاف ما ليس عنده ما يكفيه .
٤ - دخوله بمنزل به أهله ( أي زوجته ) أثناء خروجه لقضاء حاجة ، لئلا
يطرأ عليه منهما ما يفسد اعتكافه .
٥ - الاشتغال بعلم إن كثر ولو شرعياً، تعليماً أو تعلماً ؛ أو بكتابة وإن كان
المكتوب مصحفاً ؛ لأن المقصود من الاعتكاف رياضة النفس وصفاء القلب بمراقبة
الرب ، وذلك يحصل بالذكر والصلاة . وأجاز العلامة خليل للمعتكف إقراء
القرآن على غيره أو سماعه من الغير ، لا على وجه التعليم والتعلم .
٦ - الاشتغال بكل فعل غير ذكر وتلاوة وصلاة ، كأن يشتغل بعيادة
مريض ، وصلاة جنازة ولو لاصقت المعتكف ، وصعود الأذان بمنار أو سطح ،
وإقامة الصلاة ، أما الإمامة فلابأس بها، بل مستحبة، لأنه ملّ كان يعتكف
ويصلي إماماً .
لاً - السلام على الغير إن بعد ، وجاز سلامه على من بقربه . ويكره عند
الشافعية(٢) : الإكثار من اتخاذ موضع للبيع والشراء ، أو العمل الصناعي ،
(١) الشرح الصغير: ٧٣٢/١ - ٧٧٤، الشرح الكبير: ٥٤٨/١ وما بعدها .
(٢) المهذب : ١٩٤/١ .
- ٧١٨ -

حم
والحجامة والفصد إن أمن تلويث المسجد ، وإلا حرم .
ويكره عند الحنابلة(١): الاشتغال بإقراء القرآن وتدريس العلم ودرسه
ومناظرة الفقهاء ومجالستهم وكتابة الحديث ونحو ذلك مما يتعدى نفعه . والخوض
فيما لا يعنيه من جدال ومراء وكثرة كلام ونحوه ، والصمت عن الكلام ؛ لأنه
ليس من شريعة الإسلام، لحديث علي: (( لا صات يوم إلى الليل))(٣) و ( دخل
أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها : زينب ، فرآها لا تتكلم ، فقال : مالها
لا تتكلم ؟ فقالوا : حجت مصمتة ، فقال لها : تكلمي ، فإن هذا لا يحل ، هذا
من عمل الجاهلية ، فتكلمت))(٣).
جـ - مبطلات الاعتكاف :
يبطل الاعتكاف أو يفسد بما يأتي(٤):
O
اً - الخروج بلا عذر شرعي كالخروج لصلاة الجمعة ، أو حاجة طبيعية كالبول
أو الغائط، أو ضرورة كانهدام المسجد، على التفصيل الذي ذكرناه في (( ما يلزم
المعتكف)» ويبطل الاعتكاف بالخروج عند المالكية وإن وجب كالجهاد المتعين
والحبس في دين .
٣ - الجماع ، ولو كان عند الجمهور ناسياً أو مكرهاً ليلاً أو نهاراً؛ لأن الوطء
في الاعتكاف حرام بالإجماع ، لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في
(١) المغني : ٢٠٤/٣، كشاف القناع: ٤٢٢/٢ وما بعدها .
(٢) رواه أبو داود بلفظ ((لا يتم بعد احتلام ولاصات يوم إلى الليل)) وأسند أبو حنيفة عن أبي هريرة أن النبي
مَّتُ نهى عن صوم الوصال ، وعن صوم الصمت .
(٣) رواه البخاري .
(٤) الدر المختار: ١٨٥/٢ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص١٢٠، الشرح الكبير: ٥٤٣/١ وما بعدها ، القوانين
الفقهية: ص١٢٦، الشرح الصغير: ٧٢٨/١، ٧٣٧ وما بعدها، مغني المحتاج: ٤٥٢/١ - ٤٥٥، المهذب: ١٩٣/١
ومابعدها ، المغني: ١٩٦/٣ - ٢٠٠، كشاف القناع: ٤٠٩/٢ - ٤٢١ ومابعدها .
- ٧١٩ -

المساجد ، تلك حدود الله فلا تقربوها ) فإن وطئ في الفرج عمداً أفسد اعتكافه
بالإجماع .
وكذا في غير العمد عند الجمهور ؛ لأن ما حرم في الاعتكاف استوى عمده
وسهوه في إفساده كالخروج من المسجد ، ولا كفارة في الوطء عند الحنابلة في
ظاهر المذهب ، وفي باقي المذاهب ، لأن الاعتكاف عبادة لا تجب بأصل الشرع ،
فلم تجب يإفسادها كفارة كالنوافل .
وقال الشافعية : الجماع المفسد هو المتعمد مع العلم والاختيار، فلا يفسد
الاعتكاف بالجماع ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً ، كالخروج في هذه الحالات ، ولأنها
مباشرة لا تفسد الصوم ، فلم تفسد الاعتكاف كالمباشرة فيما دون الفرج ، ولعموم
قوله مَ الله: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)).
٣ - الإنزال في حال المباشرة بشهوة كالقبلة واللمس والتفخيذ، بالاتفاق،
لعموم قوله تعالى : ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ .
أما لو أمنى بالتفكر أو بالنظر ، أو باشر ولم ينزل ، فلا يفسد اعتكافه عند
الجمهور ؛ لأنها مباشرة لا تفسد صوماً ولا حجاً ، فلم تفسد الاعتكاف ، كالمباشرة
لغير شهوة ، لكن الشافعية قيدوا ذلك بما إذا لم يكن عادة له ، فإن كان ذلك
عادة له فيفسد الاعتكاف .
وقال المالكية : الإمناء بالفكر أو النظر ، والمباشرة وإن لم ينزل تفسد
الاعتكاف ؛ لأنها مباشرة محرمة ، فأفسدت الاعتكاف كما لو أنزل ، ولا بأس
بالمباشرة لغير شهوة اتفاقاً كأن تغسل رأسه أو تناوله شيئاً؛ لأن ((النبي عل ◌ّ كان
يدني رأسه إلى عائشة وهو معتكف فترجله )) .
٤ - الردة: فإذا ارتد المعتكف ، بطل اعتكافه لقوله تعالى: ﴿لئن أشركت
- ٧٢٠ -