Indexed OCR Text
Pages 481-500
أولاً - حكم الصلاة على الميت : الصلاة على الميت غير الشهيد فرض كفاية على الأحياء بالإجماع ، كالتجهيز والغسل والتكفين والدفن(١) ، إذا فعلها البعض ولو واحداً سقط الإثم عن الباقين ، وهي من خصائص هذه الأمة ، كالإيصاء بالثلث . وقد صلى الصحابة على النبي مِالتّ ، وأمر النبي بالصلاة على السقط والطفل، وصلى النبي على النجاشي(٢). وإذا أريدت الصلاة، نودي ((الصلاة على الميت)). وهي عند الحنفية(٢) فرض على كل مسلم مات إلا أربعة هم : البغاة وقطاع الطرق ، إذا قتلوا في الحرب ، وأهل العصبية ، والمكابر في مصر ليلاً بسلاح ، أو بخناق ( وهو من تكرر منه الخنق في المصر ) . أما البغاة : وهم قوم مسلمون خرجوا على طاعة الإمام بغير حق ، فلا يغسلون ولا يصلى عليهم ، إهانة لهم ، وزجراً لغيرهم عن فعلهم ، وذلك إذا قتلوا في أثناء حربهم . أما إذا قتلوا بعد استيلاء السلطة الحاكمة عليهم ، فإنهم يغسلون ويصلى عليهم ؛ لأن قتلهم حينئذ للسياسة أو لكسر شوكتهم ، فهو في حكم الحد ، لعود نفعه إلى الجماعة . وأما قطاع الطرق : وهم جماعة من المسلمين خرجوا على المارة بقصد أخذ أموالهم ، فلا يغسلون ولا يصلى عليهم كالبغاة إذا قتلوا في الحرب ، ويغسلون ويصلى عليهم إذا قتلوا بعد ثبوت يد الإمام عليهم ؛ لأن قتل قاطع الطريق في (١) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٨١١، ٨١٤، مراقي الفلاح: ص ٩٨، العناية بهامش فتح القدير: ١ / ٤٥٥، المهذب : ١ / ١٣٢ . (٢) روى الصلاة على النبي ابن ماجه عن ابن عباس ، وروى أحمد وأبو داود الصلاة على السقط عن المغيرة ، وروى أحمد والنسائي والترمذي الصلاة على الطفل ، وروى أحمد والشيخان الصلاة على النجاشي ( نيل الأوطار : ٤ / ٤١، ٤٥، ٤٨) . (٣) الدر المختار: ١ / ٨١٤ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ٣٦١. الفقه الإسلامي جـ ٢ (٣١) : - ٤٨١ - هذه الحالة حد أو قصاص ، ومن قتل بذلك يغسل ويصلى عليه . ويكون قتله قصاصاً في حالة سقوط الحد كقطع الطريق على قريب محرم . فلومات واحد من البغاة أو القطاع حتف أنفه قبل الأخذ أو بعده ، يصلى عليه . وأما أهل العُصْبة أو العصبية : وهم الذين يتعاونون على الظلم ، ويغضبون للقوم أو القبيلة(١) ، فحكم المقتولين منهم في العصبية كحكم أهل البغي على التفصيل السابق . ومثلهم الواقفون الناظرون إليهم إن أصابهم حجر أو غيره ، وماتوا في تلك الحالة . أما لو ماتوا بعد تفرقهم فيصلى عليهم . وأما المكابر في مصر بسلاح أو خنق : فهو قاطع طريق على الرأي المفتى به عند الحنفية ، وهو قول أبي يوسف ، إذا كان في المصر ليلاً مطلقاً ، أو نهاراً بسلاح أو بتكرر الخنق منه ، يقتل سياسة لسعيه بالفساد ، ولدفع شره . وحكمه كقاطع الطريق ، أو البغاة ، لا يغسل ولا يصلى عليه . ولا يصلى على قاتل أحد أبويه إهانة له إذا قتله الإمام قصاصاً ، فإن مات حتف أنفه يصلى عليه . ومن قتل نفسه عمداً يغسل ويصلى عليه ، على المفتى به عند الحنفية ، وعند الشافعية ، وإن كان أعظم وزراً من قاتل غيره ؛ لأنه فاسق غير ساع في الأرض بالفساد ، وإن كان باغياً على نفسه كسائر فساق المسلمين . ورأى قوم كأبي يوسف وابن الهمام أنه لا يصلى عليه ، لما في صحيح مسلم أنه عليه السلام أتي برجل قتل نفسه ، فلم يصل عليه (٢) . (١) العصبي: من يعين قومه على الظلم، ويغضب لعصبته، ومنه الحديث ((ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية » حديث حسن رواه أبو داود عن جبير بن مطعم . (٢) رواه مسلم عن جابر بن سمرة . - ٤٨٢ - وقال المالكية(١) : ولا يصلي الإمام على من قتله في حد أو قصاص ، ويصلي عليه غيره، لأن رسول الله صَ لّه لم يصل على ماعز، ولم ينه عن الصلاة عليه(٢). وقال المالكية أيضاً : وينبغي لأهل الفضل أن يجتنبوا الصلاة على المبتدعة ، ومظهري الكبائر ، ردعاً لأمثالهم . واستثنى الحنابلة من فرضية صلاة الجنازة الشهيد والمقتول ظلماً ، كما استثنى الجمهور غير الحنفية الشهيد كما سيأتي. وقد ثبت أنه مع تل ترك الصلاة على الغال ( الخائن ) من الغنيمة، وقاتل نفسه(٣). ثانياً - من هو الأولى بالصلاة على الجنازة ؟ للفقهاء آراء ثلاثة (٤): الرأي الأول - للحنفية : السلطان إن حضر أو نائبه أحق بالصلاة على الميت بسبب السلطنة ، ولأن في التقدم عليه ازدراء به ، فإن لم يحضر فالقاضي ؛ لأنه صاحب ولاية ، فإن لم يحضر فيقدم إمام الحي ؛ لأنه رضيه في حياته ، فكان أولى بالصلاة عليه في مماته ، ثم يقدم الولي الذكر المكلف بترتيب عصوبة أو أولياء النكاح إلا الأب فيقدم على الابن ، ويقدم الأقرب فالأقرب كترتيبهم في ولاية الزواج . ولمن له حق التقدم أن يأذن لغيره . ومن له ولاية التقدم أحق ممن أوصى له الميت بالصلاة عليه على المفتى به ؛ لأن الوصية باطلة . (١) بداية المجتهد: ١ / ٢٣١ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص ٩٤، شرح الرسالة: ١ / ٢٧٦. (٢)أخرجه أبو داود . (٣) الأول رواه أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي عن زيد بن خالد الجهني ، والثاني رواه الجماعة إلا البخاري عن جابر بن سمرة ( نيل الأوطار: ٤ / ٤٦ - ٤٧ ). (٤) فتح القدير: ١ / ٤٥٧، ٤٦٣، الدر المختار: ١ / ٨٢٣ وما بعدها، اللباب: ١ / ١٣١ ومابعدها، مراقي الفلاح: ص ٩٨، بداية المجتهد: ١ / ٢٣٣، القوانين الفقهية: ص ٩٤، الشرح الصغير: ١ / ٥٥٨ ، مغني المحتاج: ١ / ٣٤٦ وما بعدها، المغني: ٢ / ٤٨٠ - ٤٨٥، كشاف القناع: ٢ / ١٢٧ . - ٤٨٣ - فإن صلى عليه غير الولي والسلطان ونائبه ، فللولي إعادة الصلاة ، ولو على قبره إن شاء ، لأجل حقه ، لالإسقاط الفرض . وإن صلى الولي لم يجز لأحد أن يُصلي عليه بعده ؛ لأن الفرض تأدى بالأول ، والتنفل بالصلاة على الجنازة غير مشروع . فإن دفن ولم يُصَلَّ عليه ، صلّي على قبره ، مالم يغلب على الظن تفسخه ، لاختلاف الحال والزمان والمكان . الرأي الثاني - للمالكية والحنابلة : أحق الناس بالصلاة على الميت : من أوصى الميت أن يصلي عليه ، عملاً بفعل الصحابة ، فقد أوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر ، وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب ، وعائشة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة ، وأم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد ... إلخ ، ثم الوالي أو الأمير، للحديث السابق: ((لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه))، ثم الأولياء العصبات على ترتيب ولايتهم في النكاح ، فيقدم الأب وإن علا ، ثم الابن وإن سفل ، ثم الأقرب فالأقرب من العصبات ، فيقدم الأخ ، ثم العم ثم ابن العم ، وهكذا . لكن يقدم الأخ وابنه عند المالكية على الجد ؛ لأنه يدلي بالبنوة ، والجد يدلي بالأبوة . ويصلي النساء في المذهب المالكي عند عدم الرجال دفعة واحدة أفذاذاً ، إذ لاتصح إمامتهن لديهم . ويقدم الأفضل فالأفضل ، فيقدم الرجال على النساء ، والكبار على الصغار، ومن له مزية دينية ، فإن استووا قدم بالسن ، فإن استووا قدم بالقرعة أو التراضي . هذا قول المالكية. وعبارة الحنابلة: يقدم الأحق بالإمامة في المكتوبات، لعموم قول النبي ما ائتل: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)). - ٤٨٤ _ الرأي الثالث - للشافعية في الجديد : أن الولي أولى بالإمامة من الوالي ، وإن أوصى الميت لغير الولي ، لأن الصلاة حقه ، فلا تنفذ وصيته يإسقاطها كالإرث ؛ لأن المقصود من الصلاة على الجنازة هو الدعاء للميت ، ودعاء القريب أقرب إلى الإجابة لتألمه وانكسار قلبه . وأما وصايا الصحابة بالصلاة عليهم ، فمحمولة على أن أولياءهم أجازوا الوصية . فيقدم الأب ، ثم الجد وإن علا ، ثم الابن ، ثم ابنه وإن سفل ، ثم الأخ ، والأظهر تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب ، ثم ابن الأخ الشقيق ، ثم لأب ، ثم بقية العصبة النسبية على ترتيب الإرث ، فيقدم عم شقيق ثم لأب ، ثم ابن عم شقيق ثم لأب . ثم ذوو الأرحام ، يقدم الأقرب فالأقرب ، فيقدم أبو الأم ، ثم الأخ لأم ، ثم الخال ، ثم العم لأم . ولو اجتمع وليان في درجة كابنين أو أخوين ، وكلاهما صالح للإمامة ، فالأسن في الإسلام العدل أولى من الأفقه ونحوه . ثالثاً - حالة اجتماع الجنائز : عام اتفقت المذاهب(١) على جواز الصلاة على الجنائز المتعددة دفعة واحدة ، وعلى أن إفراد كل جنازة بصلاة أفضل ، ويقدم الأفضل فالأفضل ؛ لأن الإفراد أكثر عملاً وأرجى قبولاً . وفي حال اجتماع الجنائز قال الحنفية : تصف صفاً عريضاً ، ويقوم الإمام عند أفضلهم ، أو تصف صفاً طويلاً مما يلي القبلة ، بحيث يكون صدر كل واحد منهم قدام الإمام ، محاذياً له . (١) مراقي الفلاح: ص ٩٩، الدر المختار: ١ / ٨٢١ - ٨٢٢، القوانين الفقهية: ص ٩٥ ، مغني المحتاج : ١ / ٣٤٨، المغني : ٢ / ٥٦٢ . - ٤٨٥ - رابعاً - أركان صلاة الجنازة وسننها وكيفيتها : لصلاة الجنازة ركنان عند الحنفية ، وخمسة عند المالكية ، وسبعة عند الشافعية والحنابلة . أما مذهب الحنفية(١) : فللصلاة عندهم ركنان: التكبيرات الأربع ، والقيام . والتكبيرة الأولى - تكبيرة الإحرام ركن لاشرط ، فلم يجز بناء تكبيرة أخرى عليها . والتكبيرات أربعة ، كل تكبيرة قائمة مقام ركعة . ويجب السلام مرتين بعد التكبيرة الرابعة . فالواجب عندهم شيء واحد وهو السلام ، والركن : اثنان : التكبير والقيام . والنية شرط لاركن ، ولاتجوز الصلاة على الجنازة راكباً ولاقاعداً بغير عذر استحساناً. وسنن الصلاة : ثلاثة : التحميد والثناء ، والدعاء فيها ، والصلاة على النبي عَاقٍ. أما التحميد والثناء: فهو ((سبحانك اللهم وبحمدك)) بعد التكبيرة الأولى ، والصلاة على النبي بعد الثانية ، والدعاء للميت بعد الثالثة . ويندب أن تكون صفوف المصلين ثلاثة للحديث الآتي: (( من صلى عليه ثلاثة صفوف غفر له )» . وكيفيتها : أن يرفع المصلي يديه في التكبيرة الأولى فقط ، ويدعو بعدها بدعاء الثناء: وهو ((سبحانك اللهم وبحمدك))، ثم يصلي على النبي مَ له ، كما في التشهد بعد التكبيرة الثانية ؛ لأن تقديمها سنة الدعاء(٢) ، ثم يكبر تكبيرة يدعو فيها لنفسه وللميت وللمسلمين ، ثم يكبر الرابعة ويسلم ؛ لأن النبي معطفه كبر أربعاً (١) الدر المختار: ١ / ٨١٣، ٨١٦، مراقي الفلاح: ص ٩٨، فتح القدير: ١ / ٤٥٩ ومابعدها . (٢) قال رسول الله مَ التّ: ((إذا أراد أحدكم أن يدعو فليحمد الله، وليصل على النبي، ثم يدعو)). - ٤٨٦ - في آخر صلاة صلاها(١) ، فنسخت ما قبلها، فكان مابعد التكبيرة الرابعة أوان التحلل ، وذلك بالسلام . وليس بعد هذه التكبيرة دعاء إلا السلام في ظاهر الرواية . واختار بعض مشايخ الحنفية أن يقال: ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ﴾ أو ﴿ ربنا لاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا .. الآية) ولاقراءة ولا تشهد فيها ، ولو كبر الإمام خمساً ، لم يتبع ، فيمكث المؤتم حتى يسلم معه إذا سلم . ولا يتعين للدعاء شيء معين ، والدعاء بالمأثور بعد التكبيرة الرابعة أحسن وأبلغ لرجاء قبوله، ومنه: ((اللهم اغفر له وارحمه ، وعافه واعف عنه ، وأكرم نُزُله ، ووسِّع مَدْخله ، واغسله بالماء والثلج والبَرَد ، ونقه من الخطايا كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَس ، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله (٥٢، وأدخله الجنة، وقه فتنة القبر وعذاب النار))(٣). ومن المأثور أيضاً: (( اللهم اغفر لحيِّنا وميتنا وشاهدنا وغائبنا ، وصغيرنا(٤) وكبيرنا ، وذكرنا وأنثانا ، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ، ومن توفَّيته منا ، فتوفَّه على الإيمان ، اللهم لاتحرمنا أجره ولاتضلَّنا بعده )»(٥) . ولا يستغفر لمجنون وصبي ، إذ لاذنب لهما، ويقول في الدعاء: ((اللهم اجعله (١) روي من حديث ابن عباس عند الحاكم ، ومن حديث عمر بن الخطاب عند البيهقي والطبراني ، ومن حديث ابن أبي حثة عند ابن عبد البر، ومن حديث أنس عند الحارث بن أبي أسامة في مسنده ( نصب الراية : ٢ / ٢٦٧) . (٢) المراد إبدال الأوصاف لاإبدال الذوات . (٣) رواه مسلم والترمذي والنسائي عن عوف بن مالك، وقال: ((حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت)) ( سبل السلام : ٢ / ١٠٤ ) . (٤) أي ثبته عند التكليف للأفعال الصالحة ، وإلا فلاذنب له ، والمراد : استيعاب الدعاء ، فالمعنى : اغفر للمسلمين كلهم . (٥) رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة (سبل السلام: ٢ / ١٠٥) والمراد بكلمة ((الإسلام)) المعنى اللغوي وهو الاستسلام والانقياد لله تعالى، والمراد بكلمة ((الإيمان)) المعنى الشرعي وهو التصديق القلبي، والإسلام مناسب لحال الحياة : وهو الانقياد بالأعمال الظاهرة ، والإيمان مناسب لحال الوفاة لأن العمل غير موجود . - ٤٨٧ - لنا فَرَطاً، واجعله لنا أجرأ وذخراً، واجعله لنا شافعاً ومشفعاً))(١). وأما مذهب المالكية(٢): فلصلاة الجنازة عندهم خمسة أركان : أولها : النية : بأن يقصد الصلاة على هذا الميت ، أو على من حضر من أموات المسلمين ، ولا يشترط معرفة كونه ذكراً أو أنثى ، ولا يضر عدم استحضار أنها فرض كفاية ، ولااعتقاد الذكورة أو الأنوثة ، إذ المقصود هذا الميت . وثانيها : أربع تكبيرات ، لا يزاد عليها ولا ينقص عن الأربعة ، كل تكبيرة بمنزلة ركعة في الجملة . فإن زاد الإمام خامسة عمداً أو سهواً لم ينتظر ، بل يسلمون قبله ، وصحت لهم وله أيضاً ، إذ التكبير ليس كالركعات من كل وجه . فإن انتظروا سلموا معه وصحت الصلاة . وإن نقص عن الأربع سبّح له ، فإن رجع ، وكبر الرابعة كبروا معه وسلموا بسلامه ، وإلا يرجع كبروا لأنفسهم وسلموا وصحت . وإنما خالفت صلاة الجنازة غيرها ؛ لأن بعض السلف كان يرى أنها أكثر من أربع تكبيرات ، وبعضهم يرى أنها أقل . ويرى الشيعة الإمامية(٣) أنها خمس تكبيرات بينها أربعة أدعية ، ولا يتعين دعاء . ودليل القائلين بالزيادة على أربع حديث حذيفة : أنه صلى على جنازة (١) فرطاً: أي أجراً متقدماً، والفرط : هو الذي يتقدم الإنسان من ولده ، وذخراً: ذخيرة ، وشافعاً مشفعاً أي مقبول الشفاعة . (٢) الشرح الصغير: ١ / ٥٥٣ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص ٩٤، شرح الرسالة: ١ / ٢٨٠ - ٢٨٤ الشرح الكبير: ١ / ٤١١ - ٤١٣، بداية المجتهد: ١ / ٢٢٦ ومابعدها . (٣) المختصر النافع في فقه الإمامية : ص ٦٤ . - ٤٨٨ - فكبر خمساً ، ثم التفت ، فقال : مانسيت ولاوهِمت ، ولکن کبرت کما کبر النبي عَالقلم، صلى على جنازة فكبر خمساً(١) . ورجح جمهور أهل السنة كون التكبير أربعاً بمرجحات منها : أنها في الصحيحين، ولإجماع الصحابة على العمل بها، وأنها آخر ماوقع منه عطائه(٢). وثالثها: الدعاء للميت بين التكبيرات بما تيسر، ولو: (( اللهم اغفر له)) ويدعو بعد التكبيرة الرابعة إن أحب ، وإن أحب لم يدع وسلم ، والمشهور عدم وجوب الدعاء ، والمختار عند الدردير : وجوب الدعاء بعد هذه التكبيرة ، وليس في الصلاة قراءة الفاتحة ، لكن من الورع مراعاة الخلاف . ويثنِّي إن كان الميت اثنين ، ويجمع إن كانوا جماعة ، فيقول في حال التثنية: ((اللهم إنها عبداك وابنا عبيدك ، وابنا أمتيك كانا يشهدان)) ويقول للجماعة: ((اللهم إنهم عبيدك، وأبناء عبيدك ، وأبناء إمائك كانوا يشهدون)) ويغلب الذكر على الأنثى إن اجتمع ذكور وإناث . ودليل مشروعية الدعاء للميت حديث : ((إذا صليتم على الميت ، فأخلصوا له الدعاء))(٣). والدعاء من الإمام والمأموم بعد كل تكبيرة، وأقله: «اللهم اغفر له )) أو ارحمه وما في معناه . وأحسنه دعاء أبي هريرة رضي الله عنه وهو أن يقول بعد الثناء على الله تعالى، والصلاة على نبيه: ((اللهم إنه عبدك وابن عبادك ، وابن أمتك ، كان يشهد أن لاإله إلا الله ، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به ، اللهم إن كان (١) رواه أحمد ، وفي إسناده يحيى بن عبد الله الجابري ، وهو متكلم عليه. وروى البخاري عن علي أنه كبر على سهل بن حنيف ستاً، وقال : إنه شهد بدراً ( نيل الأوطار: ٤ / ٥٩ ). (٢) أخرج الحاكم عن ابن عباس: ((آخر ماكبر رسول الله وط فل على الجنائز أربع)) (نيل الأوطار: ٤ / ٥٨). (٣) رواه أبو داود وابن حبان وابن ماجه وفيه ابن إسحق، وقد عنعن ( نيل الأوطار: ٤ / ٦٣). - ٤٨٩ - محسناً فزد في إحسانه ، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته ، اللهم لاتحرمنا أجره ، ولاتفتنا بعده))(١) . ويقول في المرأة: «اللهم إنها أمتك وبنت عبدك، وبنت أمتك)) وفي الطفل الذكر: «اللهم إنه عبدك وابن عبدك ، أنت خلقته ورزقته وأنت أمتَّه وأنت تحييه ، اللهم اجعله لوالديه سلفاً وذخراً وفرطاً(٢)، وأجراً، وثقل به موازينهما ، وأعظم به أجورهما ، ولاتفتنا وإياهما بعده ، اللهم ألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم ، وأبدله داراً خيراً من داره ، وأهلاً خيراً من أهله ، وعافه من فتنة القبر ، وعذاب جهنم )» . ورابعها : تسليمة واحدة يجهر بها الإمام بقدر التسميع ، وندب لغير الإمام إسرارها . وخامسها : قيام لها لقادر على القيام ، لالعاجز عنه . ومندوباتها : اً - رفع اليدين حذو المنكبين عند التكبيرة الأولى فقط. اً - وابتداء الدعاء بحمد الله والصلاة على نبيه ◌َ ل، بأن يقول: ((الحمد لله الذي أمات وأحيا ، والحمد لله الذي يحبي الموتى ، وهو على كل شيء قدير ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت وباركت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، في العالمين إنك حميد مجيد)). اً - وإسرار الدعاء. : (١) وروي أيضاً عن أبي قتادة، رواه أحمد والبيهقي وذكره الشافعي، وسنده ضعيف ( المجموع: ٥ / ١٩٣ - ١٩٥ ) . (٢) أي أجراً يتقدمهما حتى يردا عليه ، كما سبق بيانه . - ٤٩٠ - ٤ - ووقوف إمام وسط الميت الذكر ، وحذو منكبي غيره من أنثى أو خنثى ، جاعلاً رأس الميت عن يمين الإمام ، إلا في الروضة الشريفة ، فتجعل رأسه على يسار الإمام تجاه رأس النبي موظٍّ، وإلا لزم قلة الأدب. ودليلهم حديث سمرة: ((أن النبي مُؤفةٍ صلى على امرأة ماتت في نفاسها ، فقام عليها وسطها))(١) قال الحافظ ابن حجر في الفتح: أورد المصنف ( البخاري ) الترجمة ، وأراد عدم التفرقة بين الرجل والمرأة ، وأشار إلى تضعيف مارواه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك أنه صلى على رجل ، فقام عند رأسه ، وصلى على امرأة فقام عند عجيزتها . وكيفية الصلاة على المشهور: أن يكبر ، ثم يبتدئ بحمد الله والصلاة على رسوله - الصلاة الابراهيمية، ويدعو للميت، يقول هذا إثر كل تكبيرة، ويقول بعد الرابعة : اللهم اغفر لحينا وميتنا وحاضرنا وغائبنا ، وصغيرنا وكبيرنا ، وذكرنا وأنثانا ، إنك تعلم متقلبنا ومثوانا ، ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ، الأحياء منهم والأموات . اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان ، ومن توفيته منا ، فتوفه على الإسلام ، وأسعدنا بلقائك ، وطيبنا للموت وطيبه لنا ، واجعل فيه راحتنا ومسرتنا . ثم يسلم . وقال الشافعية والحنابلة(٢) : لصلاة الجنازة أركان سبعة إلا أن النية عند الحنابلة شرط لاركن ، كما قال الحنفية . اً - النية كسائر الصلوات، لقوله ◌َالَ: ((إنما الأعمال بالنيات)) وصفة (١) رواه الجماعة وحسنه الترمذي (نيل الأوطار: ٤ / ٦٦). (٢) مغني المحتاج: ١ / ٣٤٠ - ٣٤٢، ٣٦١، المهذب: ١ / ١٣٣ وما بعدها، المجموع: ٥ / ١٨٤ - ١٩٨، المغني: ٢ / ٤٨٥ - ٤٩٢، ٥٠٠ - ٥١٦، كشاف القناع: ٢ / ١٣٠ - ١٣٥. 1 - ٤٩١ - النية : أن ينوي الصلاة على هذا الميت ، أو هؤلاء الموتى إن كانوا جماعة . وتكفي نية مطلق الفرض . ولا يجب تعيين الميت ، فإن عين ، وأخطأ بطلت الصلاة عند الشافعية . ويضع يمينه على شماله بعد حطهما ، أو فراغ التكبير ، ويجعلهما عند الحنابلة تحت سرته ، وعند الشافعية : ما بين سرته وصدره . ويتعوذ ويبسمل قبل الفاتحة ، ولا يستفتح أي لا يقرأ دعاء الافتتاح ؛ لأنها صلاة مبنية على التخفيف ، ولذلك لم يشرع فيها قراءة سورة بعد الفاتحة . ٢ - أربع تكبيرات بتكبيرة الإحرام: لما في الصحيحين عن أنس وغيره : ((أن النبي ◌ُّ كبر على الجنازة أربعاً)) وفي صحيح مسلم: ((أن النبي ◌ُّ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه ، فخرج إلى المصلى ، وكبر أربع تكبيرات )» وفي مسلم أيضاً عن ابن عباس ((أنه ◌ُ ◌ّ صلى على قبر بعدما دفن، وكبر أربعاً))(١) وقد قال ◌َ ◌ّ: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فإن خمس الإمام لم تبطل الصلاة ، في الأصح عند الشافعية ، ولا يتابعه المأموم ، بل يسلم أو ينتظره ليسلم معه . وقال الحنابلة : إن كبر الإمام خمساً كبر المقتدي بتكبيره ، ولاتجوز الزيادة على سبع تكبيرات ، ولا أنقص من أربع ، والأفضل ألا يزيد على أربع خروجاً من الخلاف . اً - قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى: كغيرها من الصلوات ، ولخبر البخاري وغيره: (( أن ابن عباس قرأ بها في صلاة الجنازة ، وقال : لتعلموا أنها سنة)). ومحلها بعد التكبيرة الأولى ، كما روى البيهقي. والمعتمد لدى الشافعية أنه تجزئ الفاتحة بعد غير التكبيرة الأولى من الثانية والثالثة والرابعة . (١) قد ثبت الأربع في رواية أبي هريرة وابن عباس وجابر ( نيل الأوطار: ٤ / ٤٨ ومابعدها ، ٥٧ ). - ٤٩٢ - ٤ - الصلاة على رسول الله عَ اقلٍ ( الصلاة الابراهيمية) بعد الثانية ، لفعل السلف ، والصحيح عند الشافعية أن الصلاة على الآل لاتجب . وتجب عند الحنابلة وتكون كما في التشهد ، ولا يزاد عليه . ٥ - الدعاء للميت بعد الثالثة بخصوصه ؛ لأنه المقصود الأعظم من الصلاة ، وماقبله مقدمة له ، للحديث السابق: (( إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء )) وأقله: ((اللهم ارحمه، واللهم اغفر له)) والأكمل ماسيأتي . ولا يكفي الدعاء للمؤمنين والمؤمنات . ويجب أن يكون الدعاء بعد التكبيرة الثالثة ، اتباعاً للسنة ، ولا يجب بعد الرابعة . أَ - السلام بعد التكبيرات وهو في الصلاة كغيرها من الصلوات في كيفيته وتعدده . اً - القيام إن قدر عليه ، كغيرها من الفرائض ، ولاخلاف بين العلماء في أنه لا يجوز لأحد أن يصلي على الجنازة ، وهو راكب ؛ لأنه يفوت القيام الواجب . وسننها : رفع اليدين في التكبيرات حذو المنكبين ، ووضعهما بعد كل تكبيرة تحت صدره عند الشافعية ، وتحت سرته عند الحنابلة . وإسرار القراءة . والأصح عند الشافعية ، والحنابلة : ندب التعوذ دون الافتتاح ، والتأمين بعد الفاتحة . وتسوية الصف في الصلاة على الجنازة ، كما فعل النبي ◌ُّ في الصلاة على النجاشي، وأضاف الشافعية : التحميد قبل الصلاة على النبي ◌ُّ ، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بعد الصلاة على النبي ، والتسلية الثانية . وأضاف الحنابلة : ويسن وقوف المصلي مكانه حتى ترفع الجنازة ، کما روي عن ابن عمر ومجاهد ، ويستحب في المذهبين ثلاثة صفوف ، لحديث: ((من صلى عليه - ٤٩٣ - ثلاثة صفوف فقد أوجب)) (١) . واتفق الفقهاء على أنه تسن صلاة الجنازة جماعة ، لحديث (( مامن مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا وجبت))(٢) وتجوز فرادى لأن النبي عَّ التّ مات فصلى عليه الناس فوجاً فوجاً . كيفية الصلاة : يقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة فقط من غير سورة سراً ولو ليلاً، لفعل النبي مَ اه(٣)، كما بينا، ثم يصلي سراً على النبي مؤ هله بعد التكبيرة الثانية ، لماروى الشافعي والأثرم بإسنادهما عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ◌ُّ الفر (( أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سراً في نفسه ، ثم يصلي على النبي مُطائر ، ويخلص الدعاء للميت، ثم يسلم )(٤). وتكون الصلاة على النبي، كما في التشهد؛ لأنه مع الإ لما سألوه: ((كيف نصلي عليك ؟ علمهم ذلك )) كما تقدم ، ولا يزيد على ما في التشهد . ويدعو للميت في التكبيرة الثالثة سراً بأحسن ما يحضره، لقوله معد لة: ((إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء )) ولا تحديد في الدعاء للميت ، ويسن الدعاء بالمأثور، فيقول: ((اللهم اغفر لحينا وميتنا .. )) و((اللهم اغفر له وارحمه .. )) الخ مماسبق ذكره عند الحنفية ، و(( اللهم هذا عبدك وابن عبدك ، خرج من روح (١) رواه الخلال بإسناده ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن. (٢) حديث حسن رواه أبو داود والترمذي (٣) رواه البخاري وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي عن ابن عباس، ورواه الشافعي في مسنده عن أبي أمامة بن سهل ( نيل الأوطار: ٤ / ٦٠ ). (٤) نيل الأوطار: ٤ / ٦٠ ، وفي إسناده مطرف، وقد قواه البيهقي في المعرفة من حديث الزهري ، وأخرج نحوه الحاكم من وجه آخر، وأخرجه أيضاً النسائي وعبد الرزاق ، قال في الفتح : وإسناده صحيح . - ٤٩٤ _ الدنيا وسَعَتها ، ومحبوبه وأحباؤه فيها ، إلى ظلمة القبر وماهو لاقيه ، كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبدك ورسولك وأنت أعلم به ، اللهم إنه نزل بك ، وأنت خير منزول به ، وأصبح فقيراً إلى رحمتك ، وأنت غني عن عذابه ، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له ، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه ، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته ، ولقه برحمتك رضاك ، وقه فتنة القبر وعذابه ، وافسح له في قبره ، وجاف الأرض عن جنبيه ، ولقه برحمتك الأمن من عذابك ، حتى تبعثه إلى جنتك ياأرحم الراحمين))(١) . ويقول في الطفل: ((اللهم اجعله فَرَطاً لأبويه ، وسلفاً وذخراً ، وعظة واعتباراً، وشفيعاً، وثقِّل به موازينَهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما ) لأن ذلك مناسب للحال . ويقول عند الشافعية بعد التكبيرة الرابعة: (( اللهم لاتحرمنا أجره ، ولاتفتنًا بعده ، واغفر لنا وله )) ويسن أن يطول الدعاء بعد هذه التكبيرة الرابعة ، لثبوته عنه ◌َ ا﴾(٢) ويقرأ آية: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به .. ) الآية . ويقف عند الحنابلة بعد التكبيرة الرابعة قليلاً . لما روى الجوزجاني عن زيد ابن أرقم أن النبي عَ اللّه ((كان يكبر أربعاً، ثم يقف ماشاء الله ، فكنت أحسب هذه الوقفه لتكبير آخر الصفوف )» ولا يشرع بعدها دعاء . والخلاصة : أن صلاة الجنازة تبدأ بالنية وتشتمل على أربع تكبيرات ودعاء للميت حال القيام، وصلاة على النبي عَ لَّ وفاتحة وسلام إلا أن النية شرط لاركن (١) جمع ذلك الشافعي رضي الله عنه من الأخبار، واستحسنه الأصحاب . (٢) رواه الحاكم وصححه . - ٤٩٥ - عند الحنفية والحنابلة ، ومحل الدعاء عند الجمهور بعد التكبيرة الثالثة ، وعقب كل تكبيرة حتى الرابعة على المعتمد عند المالكية ، والصلاة على النبي مسنونة عند الحنفية ، مندوبة عند المالكية ، ركن عند الآخرين ، والسلام واجب عند الحنفية ركن عند الجمهور ، وقراءة الفاتحة مكروهة تحريماً بنية التلاوة جائزة بنية الدعاء عند الحنفية ، ومكروهة تنزيهاً عند المالكية وركن عند الآخرين . ولو زاد الإمام عن أربع تكبيرات لا يتابعه المقتدي في الزيادة ، وإنما ينتظره ليسلم معه عند الحنفية والشافعية ، ويسلم عند المالكية ، ويتابعه إلى سبع تكبيرات عند الحنابلة . خامساً - مكان وقوف الإمام من الجنازة : اختلف الفقهاء في تحديد مكان وقوف الإمام أمام الجنازة على آراء (١): فقال الحنفية : يندب أن يقوم الإمام بحذاء الصدر مطلقاً للرجل والمرأة ؛ لأنه محل الإيمان ، والشفاعة لأجل إيمانه ، وعملاً بما روي عن ابن مسعود . وقال المالكية : يقف الإمام عند وسط الرجل ، وعند منكبي المرأة . وقال الشافعية : يندب أن يقف المصلي إماماً أو منفرداً عند رأس الرجل ، وعند عجز الأنثى ، أي ألياها ، اتباعاً للسنة ، كما روى الترمذي وحسنه، وحكمة المخالفة : المبالغة في ستر الأنثى . أما المأموم فيقف في الصف حیث کان . وقال الحنابلة : يقوم الإمام عند صدر الرجل ووسط المرأة . ومنشأ (١) الدر المختار: ١ / ٨١٩، بداية المجتهد: ١ / ٢٢٨ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص ٩٥ ، مغني المحتاج: ١ / ٣٤٨، المغني: ٢ / ٥١٧ ، فتح القدير: ١ / ٤٦٢، الشرح الكبير مع الدسوقي: ١ / ٤١٨. - ٤٩٦ - الخلاف: اختلاف الآثار في ذلك: ففي حديث سمرة بن جندب قال: (( صليت وراء رسول الله ورؤاقل على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها رسول الله عَ لّه في الصلاة وسطها))(١) وفي حديث أبي غالب الحنَّاط قال: ((شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل ، فقام عند رأسه ، فلما رُفِعت أُتي بجنازة امرأة ، فصلى عليها ، فقام وسطها ، وفينا العلاء بن زياد العلوي ، فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة ، قال: يا أبا حمزة: هكذا كان رسول الله ◌َ هل يقوم من الرجل حيث قمتُ، ومن المرأة حيث قمتُ، قال: نعم(٢))) وفي لفظ لأبي داود: ((فقال العلاء بن زياد: هكذا كان رسول الله مع تل يصلي على الجنازة كصلاتك يكبر عليها أربعاً ، ويقوم عند رأس الرجل ، وعجيزة المرأة ، قال: نعم)). فمنهم من أخذ بحديث سمرة للاتفاق على صحته ، وقال : المرأة في ذلك والرجل سواء ؛ لأن الأصل أن حكمهما واحد ، إلا أن يثبت في ذلك فارق شرعي . ومنهم من صحح حديث أبي غالب ، وقال: فيه زيادة على حديث سمرة ، فيجب المصير إليها ، وليس بينهما تعارض أصلاً . سادساً - حالة المسبوق في صلاة الجنازة : اتفق الفقهاء على أن المسبوق يتابع الإمام فيما لحقه ، ويتم مافاته ، ولكن لهم تفصيلات في كيفية الإتمام(٣) . فقال الحنفية : المسبوق ببعض التكبيرات يكبر للتحريمة ثم لا يكبر في (١) رواه الجماعة ( نيل الأوطار: ٤ / ٦٦ ). (٢) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وأبو داود ( المصدر السابق ). (٣) الدر المختار: ١ / ٨١٩ - ٨٢١، الشرح الصغير: ١ / ٥٥٦، مغني المحتاج: ١ / ٣٤٤، المغني: ٢ / ٤٩٤ ، ما بعدها، كشاف القناع: ٢ / ١٣٩، القوانين الفقهية: ص ٩٥، بداية المجتهد: ١ / ٢٣٠. الفقه الإسلامي جـ٢ (٣٢) - ٤٩٧ - الحال ، بل ينتظر تكبير الإمام ليكبر معه للافتتاح ؛ لأن كل تكبيرة ركعة ، كما سبق ، ثم يكبر مافاته كالمدرك الحاضر ، بعد فراغ الإمام ، تكبيراً متتابعاً ، بلادعاء إن خشي رفع الميت على الأعناق . أما لو جاء المسبوق بعد تكبيرة الإمام الرابعة فقد فاتته الصلاة ، لتعذر الدخول في تكبيرة الإمام . وكذلك قال المالكية : يكبر المسبوق للتحريمة ، ثم يصبر وجوباً إلى أن يكبر الإمام ، فإن كبر صحت صلاته ، ولا يعتد بها عند أكثر المشايخ ، ثم يدعو المسبوق بعد فراغ الإمام إن تركت الجنازة ، وإلا بأن رفعت وإلى التكبير بلا دعاء وسلم . فالمالكية كالحنفية تماماً . وقال الشافعية : يكبر المسبوق ويقرأ الفاتحة ، وإن كان الإمام في تكبيرة أخرى غير الأولى ، فإن كبر الإمام تكبيرة أخرى قبل شروع المأموم في الفاتحة بأن كبر عقب تكبيره ، كبر معه ، وسقطت القراءة ، وتابعه في الأصح ، كما لو ركع الإمام عقب تكبير المسبوق ، فإنه يركع معه ، ويتحملها عنه . وإذا سلم الإمام وجب على المسبوق تدارك باقي التكبيرات بأذكارها .5 وقال الحنابلة : من فاته شيء من التكبير قضاه متتابعاً ، فإن سلم مع الإمام ولم يقض ، فلابأس وصحت صلاته ، أي أن المسبوق بتكبير الصلاة في الجنازة يسن له قضاء مافاته منها على صفته ، عملاً بقول ابن عمر : إنه لا يقضي . ولما روي عن عائشة أنها قالت: (( يارسول الله ، إني أصلي على الجنازة ، ويخفى علي بعض التكبير ؟ قال : ماسمعت فكبري ، ومافاتك فلاقضاء عليك))(١) . (١) ذكر الحديث في المغني وكشاف القناع ، المكان السابق . - ٤٩٨ - فإن خشي المسبوق رفع الجنازة ، تابع بين التكبير من غير قراءة ولاصلاة على النبي مَ له ولادعاء للميت ، سواء رفعت الجنازة أم لا. ومتى رفعت الجنازة بعد الصلاة عليها لم توضع لأحد يريد أن يصلي عليها ، تحقيقاً للمبادرة إلى مواراة الميت ، أي يكره ذلك . سابعاً - شروط الصلاة على الميت : يشترط في المصلي لصحة صلاة الجنازة شروط الصلاة(١) من إسلام وعقل وتمييز وطهارة وستر عورة ( مع أحد العاتقين عند الحنابلة ) وطهارة أو اجتناب نجاسة في البدن والثوب والمكان ، واستقبال القبلة ، والنية ، وغيرها من الشروط إلا الوقت ، لأنها صلاة ، فهي كغيرها من الصلوات ، سوى الوقت ، والجماعة فلا يشترطان فيها ، أما الوقت فمطلق غير مقيد بزمن معين ، وأما الجماعة فلا تشترط فيها كالمكتوبة ، بل تسن لخبر مسلم: (( مامن رجل مسلم يموت ، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً ، إلا شفعهم الله فيه )، ويسقط فرض الصلاة بواحد ؛ لأن الجماعة لا تشترط فيها ، ولا يسقط الفرض بالنساء ، وهناك رجال ، في الأصح عند الشافعية ؛ لأن فيه استهانة بالميت . وإنما صلت الصحابة على النبي عَ الّ فرادى(٢) - كما رواه البيهقي وغيره - لعظم أمره ، وتنافسهم في ألا يتولى الإمامة في الصلاة عليه أحد ، أو لأنه لم يكن قد تعين إمام يؤم القوم ، فلو تقدم واحد في الصلاة ، لصار مقدماً في كل شيء وتعين للخلافة . ويشترط على المذهب عند الشافعية ألا يتقدم المصلي على الجنازة الحاضرة ، (١) رد المحتار: ١ / ٨١١، القوانين الفقهية: ص ٩٥، مغني المحتاج: ١ / ٣٤٤، كشاف القناع: ٢ / ١٣٤، ١٣٦، المهذب: ١ / ١٣٢، ١٣٥، بداية المجتهد: ١ / ٢٣٥، الشرح الصغير: ١ / ٥٧٤ . (٢) أي جماعات بعد جماعات . - ٤٩٩ - ولاعلى القبر إذا صلي عليه ، اتباعاً لفعل السلف ، ولأن الميت كالإمام . ويشترط في الميت لفرضية الصلاة عليه ما يأتي(١): اً - أن يكون الميت مسلماً: ولو بطريق التبعية لأحد أبويه ، أو للدار ، فلا يصلى على كافر أصلاً لقوله تعالى: (( ولاتصل على أحد منهم مات أبداً »، ويصلى على سائر المسلمين من أهل الكبائر والمرجوم في الزنا وغيرهم . اً - أن يكون جسده هو أو أكثره موجوداً، وهذا شرط عند الحنفية والمالكية . فلا يصلى على عضو . اً - أن يكون حاضراً موضوعاً على الأرض أمام المصلي، في اتجاه القبلة : وهذا شرط عند الحنفية والحنابلة أيضاً ، فلا يصلى على غائب ، ومحمول على نحو دابة ، وموضوع خلف الإمام ، ووافقهم المالكية على اشتراط كون الميت حاضراً . وأما الصلاة على النجاشي فهي خصوصية له . وأما وضع الميت أمام المصلي فمندوب عند المالكية . وتجوز الصلاة عند الشافعية والمالكية على الميت المحمول على دابة أو أيدي الناس أو أعناقهم . ٤ - أن يكون قبل الصلاة عليه معلوم الحياة : وهذا شرط عند الجمهور خلافاً للحنابلة ، فلا يصلى على مولود ولاسِقْط، إلا إن علمت حياته بارتضاع أو حركة ، أو يستهل صارخاً ، كما سنبين . ٥ - طهارة الميت : فلا تجوز الصلاة عليه قبل الغسل أو التيمم . أَ - ألا يكون شهيداً: وهو من مات في معترك الجهاد ، وهذا شرط عند (١) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٨١١ - ٨١٣، القوانين الفقهية: ص ٩٣ وما بعدها. مراقي الفلاح: ص ٩٨ ، المهذب : ١ / ١٣٢، المجموع: ٥ / ١٦٥، كشاف القناع: ٢ / ١٢٦، المغني: ٢ / ٥٥٨ وما بعدها . - ٥٠٠ -