Indexed OCR Text
Pages 441-460
الشافعي قال : ما يدركه المسبوق أول صلاته ، وما يقضيه آخر صلاته لقوله عَلقوله: ((ما أدركتم فصلوا، ومافاتكم فأتموا )) وهذا هو المتبادر للذهن المتفق مع ترتيب ما أنجز من أعمال الصلاة ، فمن أدرك ركعة في صلاة المغرب ، قام إلى ركعة واحدة ، فقرأ الفاتحة وسورة ، ثم جلس للتشهد ، ثم أتى بركعة يقرأ فيها الفاتحة فقط . وقال الحنفية والحنابلة في ظاهر المذهب : ما يقضيه المسبوق أول صلاته ، وما يدركه مع الإمام آخرها ، أي عكس ترتيب ما أنجز من أعمال الصلاة لخبر ((ما أدركتم فصلوا، ومافاتكم فاقضوا)»، فيقرأ دعاء الافتتاح ويتعوذ ، ويقرأ السورة بعد الفاتحة ، وإذا أدرك مع الإمام ركعة من المغرب فقط ، صلى ركعتين من غير أن يجلس بينهما ، ثم قام . وقال المالكية : يفرق بين الأقوال والأفعال ، فيقضي في الأقوال أي القراءة ، كالحنفية والحنابلة ، ويبني في الأفعال أي الأداء كالشافعية . خامساً - متى تبطل صلاة الخوف ؟ قال الحنفية(١) : تفسد صلاة الخوف بمشي لغیر اصطفاف ، وسبق حدث ، وركوب مطلقاً أي لاصطفاف أو غيره ؛ لأن الركوب عمل كثير ، وهو مما لا يحتاج إليه ، بخلاف المشي ، فإنه أمر لابد منه ، حتى يصطفوا بإزاء العدو . كما تفسد بقتال كثير ، لابقليل كرَمْية سهم ، فلا يقاتل المصلون حال الصلاة لعدم الضرورة إليه ، فإذا فعلوا ذلك ، وكان كثيراً ، بطلت صلاتهم لمنافاته للصلاة من غير ضرورة إليه ، بخلاف المشي ، فإنه ضروري لأجل الاصطفاف . (١) الدر المختار: ١ / ٧٩٤، فتح القدير: ١ / ٤٤٤، اللباب: ١ / ١٢٦. - ٤٤١ - قال النووي(١): لا يجوز الصياح ولا غيره من الكلام بلاخلاف، فإن صاح فبان منه حرفان ، بطلت صلاته بلاخلاف ؛ لأنه ليس محتاجاً إليه ، بخلاف المشي وغيره . ولا تضر الأفعال اليسيرة بلاخلاف ؛ لأنها لا تضر في غير الخوف ففيه أولى . وأما الأفعال الكثيرة : فإن لم تتعلق بالقتال ، بطلت الصلاة بلاخلاف . وإن تعلقت به كالطعنات والضربات المتوالية ، فإن لم يحتج إليها أبطلت بلاخلاف أيضاً ؛ لأنها عبث . وإن احتاج إليها فالأصح عند الأكثرين : أن الصلاة لاتبطل ؛ قياساً على المشي ، ولأن مدار القتال على الضرب ، ولا يحصل المقصود غالباً بضربة وضربتين ، ولا يمكن التفريق بين الضربات . سادساً - الصلاة عند التحام القتال واشتداد الخوف : اتفق الفقهاء - كما أشرنا - على أنه ليس للصلاة كيفية معينة عند اشتداد الخوف من العدو ، ويصلي العسكر إيماء . وعبارات الفقهاء في ذلك ما يأتي : قال الحنفية(٢): إن اشتد خوف العسكر بحيث لا يدعهم العدو يصلون وعجزوا عن النزول ، صلوا ركباناً فرادى ؛ لأنه لا يصح الاقتداء لاختلاف المكان بين الإمام والمأمومين ، ويومئون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاءوا ، إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة ، لقوله تعالى : ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً ﴾ ، وسقط التوجه للقبلة للضرورة ، كما سقطت أركان الصلاة . (١) المجموع: ٤ / ٣١٧، المهذب: ١ / ١٠٧ . (٢) الدر المختار: ١ / ٧٩٤، فتح القدير: ١ / ٤٤٥، مراقي الفلاح: ص ٩٤، اللباب: ١ / ١٢٧. - ٤٤٢- والسابح في البحر : إن أمكنه أن يرسل أعضاءه ساعة صلى بالإيماء ، وإلا لاتصح صلاته ، كصلاة الماشي والسائف ، وهو يضرب بالسيف ، فلا يصلي أحد حال المسايفة . وقال الجمهور : تجوز الصلاة إيماء عند اشتداد الخوف وفي حال التحام القتال ، وهي صلاة المسايفة . وعبارة المالكية(١): تجوز الصلاة عند اشتداد الخوف ، وفي حال المسايفة أو مناشبة الحرب ، في آخر الوقت المختار، إيماء بالركوع والسجود إن لم يمكنا ، ويخفض للسجود أكثر من الركوع ، فرادى ( وُحداناً) ، بقدر الطاقة ، مشاة وركباناً ، وقوفاً أو ركضاً ، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها . فيحل للمصلي صلاة الالتحام للضرورة مشي وهرولة وجري وركض ، وضرب وطعن للعدو، وكلام من تحذير وإغراء ، وأمر ونهي ، وعدم توجه للقبلة ، ومسك سلاح ملطخ بالدم . فإن أمنوا في صلاة الالتحام أتموا صلاة أمن برکوع وسجود . وعبارة الشافعية(٢): إذا التحم القتال أو اشتد الخوف يصلي كل واحد كيف أمكن راكباً وماشياً ، وأومأ للركوع والسجود ، إن عجز عنهما ، والسجود أخفض . ويعذر في ترك القبلة ، وكذا الأعمال الكثيرة لحاجة في الأصح ، ولا يعذر في الصياح بل تبطل به الصلاة ، ويُلقي السلاح إذا دُمي دماً لا يعفى عنه ، حذراً من بطلان الصلاة ، فإن احتاج إلى إمساكه بأن لم يكن له منه بد ، أمسكه للحاجة . ولاقضاء للصلاة حينئذ في الأظهر . (١) بداية المجتهد: ١ / ١٧٢، الشرح الصغير: ١ / ٥٢٠ - ٥٢١، شرح الرسالة: ١ / ٢٥٤، القوانين الفقهية: ص ٨٣ . (٢) مغني المحتاج: ١ / ٣٠٤ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٠٧ . - ٤٤٣ - وله أن يصلي هذه الصلاة ( أي شدة الخوف ) حضراً وسفراً ، في كل قتال وهزيمة مباحين وهرب من حريق وسيل وسبع وغريم عند الإعسار، وخوف حبسه . وعبارة الحنابلة(١) : إذا كان الخوف شديداً ، وهم في حال المسايفة ، صلوا رجالاً وركباناً ، إلى القبلة وإلى غيرها ، يومئون إيماء بالركوع والسجود على قدر الطاقة ، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم كالمريض ، يبتدئون تكبيرة الإحرام إلى القبلة إن قدروا أو إلى غيرها . ويتقدمون ويتأخرون ، ويضربون ويطعنون ، ويكرون ويفرون ، ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها . ويصح أن يصلوا في حال شدة الخوف جماعة ، بل تجب ، رجالاً وركباناً ، بشرط إمكان المتابعة ، فإن لم تمكن لم تجب الجماعة ولا تنعقد . ولا يضر تأخر الإمام عن المأموم في شدة الخوف ، للحاجة إليه . ولا يضر تلويث سلاحه بدم ولو كان كثيراً ، وتبطل الصلاة بالصياح والكلام لعدم الحاجة إليه . وتجوز هذه الصلاة لمن هرب من عدوه هرباً مباحاً كخوف قتل أو أسر محرَّم بأن يكون الكفار أكثر من مثلي المسلمين ، أو هرب من سيل أو سبع ونحوه ، كنار أو غريم ظالم ، أو خاف على نفسه أو أهله أو ماله من شيء مما سبق . (١) المغني: ٢ / ٤١٦ - ٤١٨، كشاف القناع: ٢ / ١٨ وما بعدها . - ٤٤٤ - المبحث الثامن صلاة الجنازة ، وأحكام الجنائز والشهداء والقبور فيه أربعة مطالب ، علماً بأن المراد بالجنازة - بفتح الجيم أو كسرها - الميت في النعش : المطلب الأول - ما يطلب من المسلم قبل الموت ، وما يستحب حالة الاحتضار وبعد الموت من التجهيز . المطلب الثاني - حقوق الميت ( الغسل ، والتكفين ، والصلاة عليه ، وحمل الجنازة والدفن ) . المطلب الثالث - التعزية والبكاء على الميت . المطلب الرابع - الشهادة في سبيل الله . وفي كل مطلب فروع كثيرة ، نبحث كل مطلب منها على حدة . المطلب الأول - ما يطلب من المسلم قبل الموت ، وما يستحب حالة الاحتضار وبعد الموت من التجهيز : الاستعداد للموت : الموت جسر بين حياتين : حياة الدنيا الفانية ، وحياة الآخرة الخالدة ، والدنيا مزرعة للآخرة ، فمن عمل صالحاً في دنياه ، نجا من سوء الحساب والعذاب في الآخرة ، وكان من الخالدين في جنان الله ، ومن عمل سوءاً كان من المعذبين في نار جهنم إلا أن يعفو الله عنه . والموت انتقال من عالم لآخر ، وليس فناء ، وإنما هو مفارقة الروح للبدن ، والروح عند جمهور المتكلمين : جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر ، وهو باق لا يفنى عند أهل السنة . وقوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها ) تقديره عند موت أجسادها . - ٤٤٥ _ والمستحب لكل إنسان ذكر الموت والاستعداد له(١)، لقوله معَ في: (( أكثروا من ذكر هاذم اللذات)) (٢) يعني الموت ، والهاذم : القاطع . زاد البيهقي والنسائي: ((فإنه ماذكر في كثير إلا قلله ، ولاقليل إلا كثره )) أي كثير من الدنيا، وقليل من العمل. ولحديث ابن مسعود: (( أن رسول الله ماتم قال لأصحابه : استحيوا من الله حق الحياء ، قالوا : نستحبي يانبي الله ، والحمد لله ، قال : ليس كذلك ، ولكن من استحيا من الله حق الحياء ، فليحفظ الرأس وماوعى ، وليحفظ البطن وماحوى ، وليذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، ومن فعل ذلك ، فقد استحيا من الله حق الحياء ))(٣). والاستعداد للموت : بالخروج من المظالم ، والتوبة من المعاصي ، والإقبال على الطاعات ، لقوله تعالى: ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً، ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ ولما روى البراء بن عازب أن النبي مطلع أبصر جماعة يحفرون قبراً، فبكى حتى بلَّ الثرى بدموعه، وقال: (( إخواني لمثل هذا فأعدوا ))(٤) أي تأهبوا واتخذوا له عُدة ، وهي ما يعد للحوادث . عيادة المريض: وتسن عيادة المريض (6) قال البراء: ((أمرنا رسول الله عَ اقٍ باتباع الجنائز وعيادة المريض))(١)، وعن أبي هريرة مرفوعاً: ((حق المسلم على المسلم ست : إذا لقيته فسلم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك (١) المهذب: ١ / ١٢٦، مغني المحتاج: ١ / ٣٢٩، كشاف القناع: ٢ / ٨٧، المغني: ٢ / ٤٤٨ . (٢) رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر بلفظ ((أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت )) ورواه الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة ، ورواه آخرون عن أنس ، وهو صحيح . (٣) رواه الترمذي بإسناد حسن . (٤) رواه ابن ماجه ياسناد حسن . (٥) مغني المحتاج: ١ / ٣٥٧، المهذب: ١ / ١٢٦، المجموع: ٥ / ٩٤ - ١٠٣، المغني: ٢ / ٤٤٩، كشاف القناع: ٢ / ٨٥ ٣ ٠٩١ (٦) رواه البخاري ومسلم . - ٤٤٦ - فانصح له ، وإذا عطس فحمد الله فشمته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات فاتبعه))(١)، وعن علي رضي الله عنه: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: مامن مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي ، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح ، وكان له خريف في الجنة))(٣). الرقية : وإذا دخل على مريض دعا له بالصلاح والعافية ورقاه ، قال ثابت لأنس : يا أبا حمزة اشتكيت ، قال أنس : أفلا أرقيك برقية رسول الله مٍَّ؟ قال: بلى، قال: ((اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي، شفاء لا يغادر سقماً))، وروى أبو سعيد قال: (( بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ، من شر كل نفس، وعين حاسدة ، الله يشفيك))(٣). والمستحب أن يقول: (( أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك)). سبع مرات، لما روي أن النبي عَ اقّ قال: ((من عاد مريضاً لم يحضره أجله ، فقال عنده سبع مرات : أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ، عافاه الله تعالى من ذلك المرض ))(٤). ويستحب أن يقرأ عنده فاتحة الكتاب ، لقوله ◌ّ في الحديث الصحيح : ((وما يدريك أنها رقية؟))، وأن يقرأ عنده سورة الإخلاص والمعوذتين . فقد ثبت ذلك عنه عَ ◌ّ، وروى أبو داود: ((أنه مُّ ◌ِّ قال: إذا جاء رجل يعود مريضاً ، فليقل : اللهم اشف عبدك ينكأ بك عدواً ، أو يمشي لك إلى صلاة )) ، وصح أن جبريل عاد النبي صَ لّ فقال: ((بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ، (١) رواه البخاري ومسلم وأبو داود . (٢) قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . (٣) قال أبو زرعة : كلا هذين الحديثين صحيح . (٤) حديث صحيح رواه أبو داود والحاكم والترمذي والنسائي عن ابن عباس ، قال الترمذي: هو حديث حسن ، وقال الحاكم : صحيح على شرط البخاري . - ٤٤٧ - من شر كل نفس ، أو عين حاسد، الله يشفيك، باسمه أرقيك)) وأنه عاقل كان إذا دخل على من يعوده، قال: ((لابأس ، طهور إن شاء الله)). مجاملة المريض : ويسأل العائد المريض عن حاله ، وينفّس له في الأجل بما يطيب نفسه، إدخالاً للسرور عليه، ولقوله معد ◌ّل: ((إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل ، فإنه لايرد من قضاء الله شيئاً ، وإنه يطيب نفس المريض))(١) ويرغبه في التوبة والوصية، لحديث (( ماحق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عنده))(٢). ولا يطيل العائد الجلوس عند المريض خوفاً من الضجر ، وتكره العيادة وسط النهار، ويعاد بكرة أو عشياً ، ويعاد في رمضان ليلاً ، لأنه ربما رأى من المريض ما يضعفه . الشكوى والصبر وحسن الظن بالله تعالى : ويخبر المريض عن حاله من الوجع ، ولو لغير طبيب بلاشكوى ، بعد أن يحمد الله ، لحديث ابن مسعود مرفوعاً: ((إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاكٍ)). ويستحب أن يصبَّر المريض وكل مبتلى ، للأمر به في قوله تعالى : ﴿واصبر وماصبرك إلا بالله﴾ وقوله: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) وقوله تع الى: ((والصبر ضياء))(٣)، وروي أن امرأة جاءت إلى رسول الله ◌ٍُّ فقالت : يارسول الله ، ادع الله أن يشفيني ، فقال : إن شئت دعوت الله فشفاك ، وإن شئت فاصبري ولاحساب عليك ، فقالت : أصبر ولاحساب (٤) علي )،(٤). (١) رواه ابن ماجه ، وهو ضعيف. (٢) متفق عليه من حديث ابن عمر . (٣) رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري . (٤) رواه البغوي بلفظه عن أبي هريرة ، ورواه بلفظ آخر البخاري ومسلم عن ابن عباس . - ٤٤٨ - والصبر الجميل : صبر بلاشكوى إلى المخلوق ، والشكوى إلى الخالق لاتنافي الصبر، بل هي مطلوبة ، ومن الشكوى إلى الله قول أيوب: ((رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين)) وقول يعقوب: (( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله )). وينبغي أن يكون المريض حسن الظن بالله تعالى ، لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله وخ اتم قال: ((لايموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى))(١) ومعناه: أن يظن أن الله تعالى يرحمه ، ويرجو ذلك كرماً ورحمة ومسامحة ؛ لأنه أكرم الأكرمين يعفو عن السيئات ، ويقيل العثرات ، فيقدم الرجاء على الخوف ، كما في الحديث الصحيح: (( أنا عند حسن ظن عبدي بي))(٢). كراهة تمني الموت : يكره تمني الموت لضر نزل بالمرء في بدنه أو ضيق في دنياه أو نحو ذلك، ففي الصحيحين: (( لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه ، فإن كان لابد فاعلاً ، فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي ، وتوفني ما كانت mo's الوفاة خيراً لي )» . ولا يكره تمني الموت لضرر بدينه أو خوف فتنة، لقوله علاقةٍ: «وإذا أردت بعبادك فتنة ، فاقبضني إليك غير مفتون )). وتمني الشهادة في سبيل الله ليس من تمني الموت المنهي عنه . التداوي : قال الشافعية: ويسن للمريض التداوي، لخبر: (( إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير المحرَّم)) (٣)، وخبر ابن مسعود: (( ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء ، جهله من جهله ، وعلمه من علمه ، فعليكم بألبان البقر ، فإنها (١) رواه مسلم . (٢) متفق عليه في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً، زاد أحمد: ((إن ظن بي خيراً فله، وإن ظن شراً : فله )» . (٣) قال الترمذي : حسن صحيح . الفقه الإسلامي جـ٢ (٢٩) - ٤٤٩ - تُرِمُّ من كل الشجر))(١) أي تأكل. وخبر أبي الدرداء: (( إن الله تعالى أنزل الداء والدواء ، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولاتداووا بالحرام)) (٢) ويكره إكراه المريض على التداوي وعلى الطعام ، لما في ذلك من التشويش عليه . قال النووي في المجموع(٣): إن ترك التداوي توكلاً ، فهو فضيلة . وكذلك قال الحنابلة(٤): ترك الدواء أفضل ؛ لأنه أقرب إلى التوكل . ولا يجب التداوي ولو ظن نفعه ، لكن يجوز اتفاقاً ، ولا ينافي التوكل لخبر أبي الدرداء السابق . ويحرم التداوي بسُمّ لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). عيادة الذمي : قال الحنابلة(٥): تحرم عيادة الذمي كبدائته بالسلام . وقال الشافعية(١): لا تستحب عيادة الذمي ، لكن تجوز إن كان هناك جوار أو قرابة أو نحوهما كرجاء إسلامه ، وفاء بصلة الرحم وحق الجوار. جاء في صحيح البخاري عن أنس قال: ((كان غلام يهودي يخدم النبي ◌ّ فرض ، فأتاه النبي ◌ُّ يعوده، فقعد عند رأسه ، فقال له: أسلم ، فنظر إلى أبيه ، وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم ، فأسلم ، فخرج النبي ◌َّم وهو يقول : الحمد لله الذي أنقذه من النار)) . 5 توبة اليأس وإيمان اليأس(٧): اتفق العلماء على أن إيمان اليأس لا يقبل ، (١) رواه ابن حبان والحاكم عن ابن مسعود . (٢) رواه أبو داود في سننه بإسناد فيه ضعف، ولم يضعفه هو، ومالم يضعفه فهو عنده صحيح أو حسن . وروى البخاري عن أبي هريرة ((إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء)). (٣) المجموع : ٥ / ٩٥ . (٤) كشاف القناع: ٢ / ٨٥ (٥) كشاف القناع: ٢ / ٨٨ . (٦) المجموع: ٥ / ٩٩، مغني المحتاج: ١ / ٣٢٩ _ ٣٣٠. (٧) رد المحتار والدر المختار: ١ / ٧٩٦ . - ٤٥٠ - لقوله تعالى : ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ﴾ والبأس : معاينة أسباب الموت بحيث يعلم قطعاً أن الموت يدركه لامحالة . وقال الأشاعرة : إن توبة اليأس لاتقبل كإيمان اليأس ، لعدم الاختيار ، وعدم توافر ركن التوبة : وهو العزم بطريق التصميم على ألا يعود في المستقبل إلى ما ارتكب من المعاصي . والمختار عند الحنفية : أن توبة اليأس مقبولة ، لا إيمان اليأس ؛ لأن الكافر غير عارف بالله تعالى ، ويبدأ إيماناً وعرفاناً جديداً ، والفاسق عارف ، وحاله حال البقاء، والبقاء أسهل من الابتداء، ولقوله ◌ّ لام: ((إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر))(١) والغرغرة تكون قرب كون الروح في الحلقوم ، وحينئذ فلا يمكن النطق . موت الفجأة وهيئة البعث : صح أن الميت يبعث بالحالة التي يموت فيها من الأعمال، لقوله مَ القلم: ((يبعث كل عبد على مامات عليه)) (٢). وصح أن موت الفجأة أخذة أسف ، وروي أنه تم استعاذ من موت الفجأة . والتوفيق بين الأمرين أن يحمل الأول على من له تعلقات يحتاج بسببها إلى الإيصاء والتوبة ، أما المتيقظون فإنه تخفيف ورفق بهم ، روي عن ابن مسعود وعائشة : أن موت الفجأة راحة للمؤمن ، وأخذة غضب للكافر(٣) . ما يستحب حالة الاحتضار : يستحب للمحتضر وهو من حضره الموت (١) أخرجه أبو داود وأحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي عن ابن عمر، وهو حديث حسن . (٢) رواه مسلم وابن ماجه عن جابر . (٣) مغني المحتاج: ١ / ٣٦٨. - ٤٥١ - ٠ ولم يمت ما يأتي(١) علماً بأن علامة الاحتضار : استرخاء قدميه ، واعوجاج منخره . وانخساف صدغيه : أ - إضجاعه على جنبه الأيمن إلى القبلة، اتباعاً للسنة، لقوله عَ لّ عن البيت الحرام: ((قبلتكم أحياء وأمواتاً))(٢)، ولقول حذيفة: ((وجهوني)) وقول فاطمة الزهراء لأم رافع: (( استقبلي بي القبلة))(٣). فإن تعذر ذلك لضيق المكان ونحوه يوضع مستلقياً على قفاه ووجهه وقدماه نحو القبلة ؛ لأنه أيسر لخروج روحه . وإن شق عليه ترك على حاله . ويسن تجريع المحتضر بماء بارد بملعقة أو قطنة مثلاً . ب - تلقينه الشهادة مرة: وهي ((لاإله إلا الله)) بأن يقول القريب عنده ذلك، لقوله ◌َ يٍّ: ((لقنوا موتاكم لاإله إلا الله))(9) وزيد في رواية : (( فإنه ليس مسلم يقولها عند الموت إلا أنجته من النار)) وروى أبو داود والحاكم حديثاً عن معاذ: (( من كان آخر كلامه لاإله إلا الله، دخل الجنة)). وقال الحنفية والمالكية : يلقن ندباً الشهادتان قبل الغرغرة ، لأن الأولى لا تقبل بدون الثانية . وذلك عند الجميع في لطف ومداراة . من غير إلحاح عليه ولاتكرار ولا أمر، لئلا يضجر، فإن تكلم بشيء فيعيد تلقينه لتكون ((لاإله إلا الله )) آخر كلامه . (١) الدر المختار ورد المختار: ٧٩٥ - ٨٠٠، فتح القدير: ١ / ٤٤٦ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ٩٤ وما بعدها، اللباب: ١ / ١٢٧ ومابعدها، بداية المجتهد: ١ / ٢١٨، القوانين الفقهية: ص ٩١، الشرح الصغير: ١ / ٥٦١ - ٥٦٣، الشرح الكبير: ١ / ٤٢٣، مغني المحتاج: ١ / ٣٣٠ - ٣٣٢، ٣٥٧، المهذب: ١ / ١٢٦ ومابعدها ، المغني: ٢ / ٤٤٩ - ٤٥٣، كشاف القناع: ٢ / ٩٢ - ٩٦. (٢) رواه أبو داود، وقال عليه السلام: ((خير المجالس مااستقبل به القبلة)). (٣) أخرجه أحمد ( نصب الراية : ٢ / ٢٥٠). (٤) أخرجه الجماعة إلا البخاري عن أبي سعيد الخدري ، وروي أيضاً عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وعائشة وعبد الله بن جعفر وواثلة بن الأسقع، وابن عمر ( نصب الراية: ٢ / ٢٥٣). - ٤٥٢ - وأضاف الحنفية : لا يلقن بعد تلحيده : وضعه في القبر ، وإن فعل فالتلقين مشروع عند أهل السنة، ويكفي أن يقال: (( يافلان ابن فلان ، أو ياعبد الله بن عبد الله ، اذكر دينك الذي كنت عليه في دار الدنيا ، من شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وقل : رضيت بالله ربا ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً))(١) . ويغتفر في حق المحتضر ماظهر منه من كلمات كفرية ، ويعامل معاملة موتى المسلمين ، حملاً على أنه في حال زوال عقله . وقد أجمع أهل السنة على أن سؤال الملكين في القبر حق ، وأن كل ذي روح من بني آدم يسأل في القبر. والأرجح عند ابن عبد البر والسيوطي : أن الآثار دلت على أنه لا يكون السؤال إلا لمؤمن أو منافق ، ممن يكون منسوباً إلى أهل القبلة بظاهر الشهادة ، دون الكافر الجاحد . وذكر السيوطي أن من لايسأل ثمانية : الشهيد والمرابط ، والمطعون ، والميت زمن الطاعون إذا كان صابراً محتسباً ، والصدِّيق ، والأطفال ، والميت يوم الجمعة أو ليلتها ، والقارئ كل ليلة : تبارك الملك . وضم بعضهم إليها السجدة ، والقارئ في مرض موته : قل هو الله أحد . حـ - قراءة القرآن عند المحتضر: قال المالكية : تكره القراءة عند الموت إن فعله استناناً كما تكره القراءة بعد الموت ، وعلى القبر ؛ لأنه ليس من عمل السلف ، لكن المتأخرون على أنه لابأس بقراءة القرآن والذكر وجعل ثوابه للميت ، ويحصل له الأجر إن شاء الله. وقال الجمهور: يندب قراءة (( يس)) (أ) روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه أمر بالتلقين بعد الدفن، فيقول: ((يافلان ابن فلان، اذكر دينك الذي كنت عليه ، من شهادة أن لاإله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأن الجنة حق ، والنار حق ، وأن البعث حق ، وأن الساعة آتية لاريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد علي نبياً ، وبالقرآن إماماً ، وبالكعبة قبلة ، وبالمؤمنين إخواناً )). - ٤٥٣ - : لحديث ((اقرؤوا على موتاكم يس))(١) واستحسن بعض متأخري الحنفية والشافعية قراءة ((الرعد)) أيضا، لقول جابر: ((إنها تهون عليه خروج روحه)). والحكمة من قراءة (( يس)) أن أحوال القيامة والبعث مذكورة فيها ، فإذا قرئت عنده ، تجدد له ذكر تلك الأحوال . ء - أن يتولى أرفق أهل المريض به، وأعلمهم بسياسته ، وأتقاهم لربه تعالى إذا مات لاقبل الموت : إغماض عينيه ، وشد لَحْييه ( الفك السفلي ) بعصابة من أسفلها، وتربط فوق رأسه، تحسيناً له: ويقول: ((بسم الله ، وعلى ملة رسول الله ، اللهم يسّر عليه أمره ، وسهّل عليه مابعده ، وأسعده بلقائك ، واجعل ما خرج إليه خيراً مما خرج عنه )) قال الحنفية : ويخرج من عنده الحائض والنفساء والجنب ، لامتناع حضور الملائكة بسببهم . ويحضر عنده الطيب كبخور، وتلين مفاصله(٢) من اليدين والرجلين ، وتلين أصابعه، ويستر جميع بدنه بثوب خفيف كما فعل بالنبي مَ لّ إذا سُجِّي ( غطي ) ببُرد حِبرة ( ثوب فيه أعلام ) ، ويوضع على بطنه شيء ثقيل من أنواع الحديد ، لئلا ينتفخ فيقبح منظره ، ويوضع على سرير ونحوه مما هو مرتفع لئلا تسرع له هوام الأرض ، وتنزع ثيابه عنه لئلا يسرع فساده ، ويوجه للقبلة كمحتضر، كما تقدم ، وتوضع يداه بجنبيه ، ولا يجوز وضعهما على صدره ؛ لأنه من عمل الكفار وتكره عند الحنفية قراءة القرآن عنده حتى يغسل . وجاز تقبيل الميت تبركاً ومودة واحتراماً؛ لأن رسول الله مُ لتّ قبل عثمان بن مظعون ، وقبل (١) رواه أبو داود وابن حبان وصححه، وابن ماجه وأحمد (نيل الأوطار: ٤ / ٢٢). (٢) بأن يرد ساعده إلى عضده ثم يمده ، ويرد ساقه إلى فخذيه ، وفخذيه إلى بطنه ، ويردهما . - ٤٥٤ - ۔ أبو بكر النبي بعد موته(١) وإن أحب أهل الميت أن يروه لم يمنعوا ، لقول جابر : لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي . هـ - النعي : قال الجمهور غير الحنابلة(٢): لا بأس بإعلام الناس بموت إنسان للصلاة وغيرها، لما روى الشيخان: أنه مافل نعى لأصحابه النجاشي في اليوم الذي مات فيه ، وأنه نعى جعفر بن أبي طالب ، وزيد بن حارثة ، وعبد الله بن رواحة . واستحس بعض متأخري الحنفية وهو الأصح النداء في الأسواق لجنازة الشخص إن كان عالماً أو زاهداً ، أو ممن يتبرك به . وهذا هو الأولى لاسيما في عصرنا لتعلق حقوق بالميت ، والتزامه بالواجبات . ويكره نعي الجاهلية وهو النداء بذكر مفاخر الميت ومآثره ، للنهي عنه ، كما صححه الترمذي . وهو أمر يخالف مجرد الإعلام بالموت . وقال الحنابلة(٣) : يكره النعي : وهو أن يبعث منادياً ينادي في الناس : أن فلاناً قد مات، ليشهدوا جنازته، لما روى حذيفة قال: سمعت النبي معد له ينهى عن النعي(٤) ، وقال حذيفة: إذا مت فلا تؤذنوا بي أحداً ، فإني أخاف أن يكون نعياً، وقال ابن عمر: ((الإيذان بالميت نعي الجاهلية)». وقد قرر صاحب المهذب عند الشافعية كراهة نعي الميت ، إلا أن المعتمد هو ماذكره النووي أولاً . (١) الحديث الأول رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه عن عائشة، والحديث الثاني رواه البخاري والنسائي وابن ماجه عن عائشة ( نيل الأوطار: ٤ / ٢٤ - ٢٥). (٢) الدر المختار: ١ / ٨٤٠، مراقي الفلاح: ص ٩٥، الشرح الصغير: ١ / ٥٦٢، مغني المحتاج: ١ / ٣٥٧. (٣) المغني: ٢ / ٥٧٠، المهذب: ١ / ١٣٢. (٤) قال الترمذي : هذا حديث حسن . - ٤٥٥ - و - الإسراع بالتجهيز : إذا تيقنا من الموت يستحب الإسراع في أمور ثلاثة : التجهيز ، وقضاء الديون ، وتفريق وصيته . أما التجهيز : فيستحب المسارعة فيه ، خوفاً من تغير الميت ، قال الإمام أحمد: ((كرامة الميت تعجيله)) لما روي أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي مَّمِ يعوده، فقال: ((إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت ، فآذنوني به وعجّلوا ، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن يُحبَس بين ظهري أهله )»(١) . وتؤيده أحاديث الإسراع بالجنازة ، مثل حديث علي: (( ثلاث ياعلي لا يؤخرن : الصلاة إذا آنت ، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤاً))(٢). ولا بأس أن ينتظر بالجنازة مقدار ما يجتمع لها جماعة ، للدعاء له في الصلاة عليه ، مالم يخف عليه ، أو يشق على الناس . وأما الإسراع بقضاء الدين: فلتخفيف المسؤولية عن الميت، قال البائع: (« نفس المؤمن معلقة بدينه ، حتى يقضى عنه))(٣) هذا إذا كان له مال يقضى منه دينه . وأما من لامال له ، ومات عازماً على القضاء، فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه ، مثل حديث أبي أمامة: (( من دان بدين ، في نفسه وفاؤه ، ومات ، تجاوز الله عنه ، وأرضى غريمه بما شاء ، ومن دان بدین وليس في نفسه وفاؤه ، ومات ، اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة))(٤) وحديث ابن عمر: ((الدين دينان ، فمن مات وهو ينوي قضاءه ، فأنا وليه ، ومن مات (١) رواه أبو داود عن الحصين بن وَحْوَح، وهو غريب، وفي إسناده مجهولان (نيل الأوطار: ٤ / ٢٢). (٢) أخرجه أحمد، والترمذي إلا أنه قال: ((لا تؤخرها)) مكان ((لا يؤخرون)) (نيل الأوطار: ٤ / ٢٣). (٣) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي ، وقال : حديث حسن ، من حديث أبي هريرة (٤) أخرجه الطبراني عن أبي أمامة مرفوعاً . ١ - ٤٥٦ - ولا ينوي قضاءه ، فذلك الذي يؤخذ من حسناته ، ليس يومئذ دينار ولادرهم)»(١) . وأما المسارعة إلى تفريق وصيته : فذلك ليعجل له ثوابها ، بانتفاع الموصى له المطلب الثاني - حقوق الميت : للميت على ذويه وإخوانه حقوق أربعة ، هي فروض كفائية بالإضافة إلى حق أو واجب التجهيز السابق ذكره : وهي الغسل والتكفين والصلاة عليه ، ودفنه وحمل جنازته واتباعه ، لإجماع العلماء ، وللأمر به في الأخبار الصحيحة في غير الدفن ، إلا أن اتباعه سنة كما سنبين ، فلو دفن قبل غسله أو تكفينه لزم نبشه ، ثم يتدارك ماحدث : الفرض الأول - تغسيل الميت : حكم الغسل ، وصفة الغاسل ، وحالة المغسول وشروطه ، وكيفية الغسل ومقداره ومندوباته ، هل يوضأ الميت(٢). أولاً - حكم الغسل : غسل الميت فرض كفاية ، لقوله تع في الذي سقط من بعيره: ((اغسلوه بماء وسِدْر، وكفنوه في ثوبيه))(٣). وتسن المبادرة لغسل الميت عند التيقن من (١) أخرجه الطبراني أيضاً (راجع الأحاديث في نيل الأوطار: ٤ / ٢٣). (٢) الدر المختار: ١ / ٨٠٠ - ٨٠٦، فتح القدير: ١ / ٤٤٨ - ٤٥١، مراقي الفلاح: ص ٩٦ وما بعدها ، اللباب: ١ / ١٢٨ - ١٣٠، الشرح الصغير: ١ / ٥٤٢ - ٥٤٩، القوانين الفقهية: ص ٩٢ ، بداية المجتهد: ١ / ٢١٨ - ٢٢٥، مغني المحتاج: ١ / ٣٣٢ - ٣٣٦، المهذب: ١ / ١٢٧ - ١٢٩، المغني: ٢ / ٤٥٣ - ٤٦٤، ٥٢٣، ٥٣٧ - ٥٣٩، كشاف القناع: ٢ / ٩٦ - ١١٢ . (٣) متفق عليه ، والسدر : ورق النبق ، لأن له رغوة كالصابون . - ٤٥٧ - موته ، ولو دفن قبل الغسل ، لزم نبشه ويغسل . فإن لم يوجد إلا بعض الميت يغسل ويصلى عليه عند الشافعية والحنابلة ، لفعل الصحابة . وقال أبو حنيفة ومالك : إن وجد الأكثر، صلي عليه ، وإلا فلا . ويقوم التيم مقام غسل الميت عند فقد الماء أو تعذر الغسل ، كما إذا خيف تقطع بدنه إذا غسل ، وإلا فإنه يغسل بصب الماء عليه . ثانياً - صفة الغاسل : ٦ - من هو الأولى بالغسل ؟ يغسل الرجل الرجل ، وتغسل المرأةُ المرأةَ ، فكل منهما أولى بجنسه اتفاقاً ، حتى لو حضر الميت الرجل كافر ومسلمة أجنبية غسله الكافر عند الجمهور ، والمرأة الأجنبية أولى بالغسل من الزوج خروجاً من الخلاف . وهل يغسل الرجل زوجته وبالعكس ؟ قال الحنفية : لا يجوز للرجل غسل زوجته ومسها لانقطاع النكاح ، ويجوز له النظر إليها في الأصح ؛ لأن النظر أخف من المس ، فجاز لشبهة الاختلاف . ويجوز للمرأة أن تغسل زوجها ، ولو كانت معتدة من طلاق رجعي لبقاء العدة ، أو كانت ذمية ، بشرط بقاء الزوجية إلى وقت الغسل . وقال الجمهور : يجوز لكل من الزوجين غسل الآخر بعد الموت ، ويلفان خرقة على اليد ، ولا مس ، سواء أكانت المرأة مسلمة أم ذمية ، إذا اتصلت الرابطة الزوجية إلى الموت ، اتفاقاً ، وكذا للمرأة غسل زوجها وإن انقطعت الرابطة الزوجية عند الشافعية بأن انقضت عدتها وتزوجت ، عملاً بحديث عائشة الثاني الآتي . وقال غير الشافعية : المرأة البائنة كالأجنبية ، والمطلقة الرجعية كالزوجة فعلاً . وينظر أحد الزوجين إذا غسل الآخر غير العورة . ودليلهم على غسل أحد الزوجين الآخر : حديث عائشة ، قالت : رجع إلي - ٤٥٨ - رسول اللّه ◌َ ائل من جنازة بالبقيع ، وأنا أجد صداعاً في رأسي ، وأقول : وارأساه ، فقال : بل أنا وارأساه ، ماضرّك لو مُتُّ قبلي، فغسّلتكِ وكفنتكِ ، ثم صليت عليك ودفنتكِ (١) . وكانت عائشة تقول: ((لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ، ماغسَّل رسولَ الله عَاتٍ إلا نساؤه))(٢) . وغسَّل علي فاطمة رضي الله عنهما ، وأوصى الصديق زوجته أسماء أن تغسله فغسلته . ويغسل الرجل ذوات محارمه من فوق ثوب . ويجوز اتفاقاً للرجل والمرأة تغسيل صبي وصبية لم يشتهيا ؛ لحل النظر والمس له . ويصح عند الحنابلة مع الكراهة كون الغاسل صبياً مميزاً . وأولى الناس بغسل الميت الرجل : أولاهم بالصلاة عليه ، وأولى الناس بالمرأة : قراباتها ، ويقدمن على زوج ، في الأصح عند الشافعية والحنابلة . وقال المالكية : يقدم الزوجان على العصبة وعلى قرابة المرأة من المحارم ، بحكم الحاكم عند التنازع . فأولى الناس بالرجل : هم الرجال العصبات من النسب ، فيقدم الأب ثم الجد ، ثم الابن ثم ابن الابن ، ثم الأخ ثم ابن الأخ ، ثم العم ثم ابن العم ؛ لأنهم أحق بالصلاة عليه ، فكانوا أحق بالغسل ، ويقدم الأفقه على الأسن ، ثم الزوجة بعدهم في الأصح عند الشافعية والحنابلة ، فالأجانب أولى من الزوجة خروجاً من (١) رواه أحمد وابن ماجه . (٢) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (راجعهما في نيل الأوطار: ٤ / ٢٧). - ٤٥٩ - الخلاف . ثم المرأة المحرم كأم وبنت وأخت وعمة وخالة عند المالكية ، فإن لم توجد امرأة محرم ولو بمصاهرة ممته امرأة أجنبية . وقدم الحنابلة على العصبات : وصي الميت إن كان عدلاً ، فهو أولى الناس بغسل الميت ؛ لأنه حق للميت ، فقدم فيه وصيه على غيره ، كباقي حقوقه ، ولأن أبا بكر أوصى أن تغسله زوجته أسماء ، وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين . وأولى الناس بالمرأة : ذات القرابة المحرمية : وهي كل امرأة لو كانت رجلاً ، لم يحل له نكاحها بسبب القرابة ؛ لأنهن أشد في الشفقة ، ثم ذوات الأرحام غير المحارم كبنت العم ، ثم المرأة الأجنبية ، ثم الزوج في الأصح عند الشافعية والحنابلة ، فالأجنبية أولى من زوج ، خروجاً من الخلاف ، ثم رجال القرابة المحارم كترتيب أولويتهم في الصلاة ، وابن العم كالأجنبي . فإن ماتت امرأة بين رجال فقط ، أومات رجل بين نساء فقط ، يممه الَحْرم ، فإن لم يكن يممه الأجنبي عند الحنفية والحنابلة والشافعية بخرقة أو حائل ، وقال المالكية : يمر الرجل المرأة الأجنبية إلى كوعيها ، وتيمه إلى مرفقيه . ٢ - شروط الغاسل: يشترط في الغاسل عند الحنابلة ما يأتي : أ - الإسلام : فلا يصح كون الغاسل كافراً؛ لأن الغسل عبادة ، وليس الكافر من أهلها .. ب - النية: لحديث ((إنما الأعمال بالنيات)). جـ - العقل : لأن غير العاقل ليس أهلاً للنية . ولم يشترط الجمهور شرطي الإسلام والنية ، فيصح غسل الكافر ، ويجزئ الغسل بدون نية ، لكن يجب غسل الغريق ، فيحرك في الماء بنية الغسل ثلاثاً ؛ - ٤٦٠ _