Indexed OCR Text

Pages 341-360

جـ - محل الميلاد : هو البلد الذي ولد ونشأ فيه ، وفيه أهله وعشيرته ،
ويشمل هذين الاثنين عند الحنفية : الوطن الأصلي إذ هو موطن الولادة ، أو
التزوج ، أو التوطن .
د - محل الإقامة المؤقتة : هو المكان الذي يقيم فيه لفترة زمنية مؤقتة أو
لمهمة قد تطول وقد تقصر، ويقابله عند الحنفية ((وطن الإقامة )) إذا كانت نصف
شهر فأكثر ، ووطن السكنى إذا أقام دون نصف شهر .
هـ - بلد الزوجة : هو البلد الذي له فيه زوجة إما الزوجة الوحيدة أو
الثانية ويدخل تحت مفهوم الوطن الأصلي .
وبحثنا يتردد بين هذه المصطلحات الأربعة الأخيرة .
قال الحنفية(١):
الوطن ثلاثة أنواع :
الوطن الأصلي : هو الذي ولد فيه أو تزوج ، أو لم يتزوج وقصد التعيش
فيه ، لا الارتحال عنه .
ووطن الإقامة : موضع نوى الإقامة فيه نصف شهر فما فوقه .
ووطن السكنى : هو ما ينوي الإقامة فيه دون نصف شهر ، وهذا لم يعتبره
المحققون في حالة تغيير الموطن .
متى يتم المسافر الصلاة عادة ؟ إذا دخل المسافر بلده أي محل إقامته
الدائمة ، أتم الصلاة ، وإن لم ينو الإقامة فيه ، كأن دخله لقضاء حاجة ؛ لأنه
(١) اللباب: ١٠٩/١، مراقي الفلاح: ص٧٣، الدر المختار ورد المختار: ٧٣٦/١، ٧٤٢ وما بعدها، فتح
القدير : ٤٠٣/١ وما بعدها .
- ٣٤١ -
٠

معين للإقامة ، وقد زال سبب الرخصة وهو السفر. هذا ان سار مدة السفر (٣
أيام بلياليها ) ، وإلا بأن رجع إلى بلده قبل قطع مسافة السفر ، أتم بمجرد نية
العودة ، لعدم تحقق السفر المجيز للقصر . وإذاً فيجب عليه الإتمام في هاتين
الحالتين : العودة للوطن ، ونية العودة قبل قطع مسافة القصر، فإن عاد بعد
قطع مسافة القصر ، يقصر حتى يعود لبلده بالفعل .
متى يتم المسافر الصلاة ومتى يقصر حالة الانتقال عن الوطن ؟
أ - الانتقال عن الوطن الأصلي: يتم الصلاة إذا انتقل من محل الإقامة الدائمة
كمركز الوظيفة اليوم إلى موطن آخر له فيه زوجة ، أو إلى محل الميلاد الذي بقي
له فيه أهل أي زوجة ، كالريف ، فمن كان موظفاً في دمشق مثلاً ثم سافر إلى
قريته الأصلية في الريف لزيارة الأهل ( الزوجة ) ، أتم الصلاة ، سواء أكانت
المسافة بين مقر العمل أو الوظيفة وبين الريف مسافة القصر أم لا ؛ لأنه في هذه
الحالة يكون له موطنان ، وكل منهما وطن أصلي له .
فإن لم يبق له أهل في الريف ، وإن بقي فيه عقار ( أرض أو دار) ، قصر
الصلاة ؛ لأن محل الميلاد وإن كان وطناً أصلياً له ، إلا أنه بطل بمثله وهو مقر
عمله ، وبه يتبين أن الوطن الأصلي للإنسان يبطل إذا هاجر بنفسه وأهله ومتاعه
إلى بلد آخر ، فإن عاد إلى بلده الأول لعمل مثلاً ، وجب عليه قصر الصلاة .
كذلك يقصر الصلاة إن عاد إلى بلد مقر الوظيفة ، بعد أن انتقل عنها بكل
أهله ، واستوطن بلداً غيرها ؛ لأنه لم يبق له وطناً ، إذ إن الوطن الأصلي يبطل
بمثله ، دون السفر عنه ، بدليل أنه عليه السلام بعد الهجرة عد نفسه بمكة من
المسافرين ، أما لو سافر عنه إلى بلد آخر مدة مؤقتة كأن ترك دمشق إلى حلب ،
ثم عاد إليه فيتم الصلاة ؛ لأن الوطن الأصلي لا يبطل حكمه بوطن الإقامة ولا
بالسفر ؛ لأن الشيء لا يبطل بما هو دونه ، بل بما هو مثله أو فوقه .
- ٣٤٢ -

ب - الانتقال عن محل الإقامة المؤقتة (وطن الإقامة ) : من تنقل في
البلدان فأقام في بلد نصف شهر مثلاً ، ثم عاد إليه ، قصر الصلاة فيه مالم ينو
الإقامة مجدداً نصف شهر ؛ لأن وطن الإقامة يبطل حكمه بمثله ، وبالسفر عنه أي
بإنشاء السفر منه ، كما يبطل بالوطن الأصلي .
ولا يبطل وطن الإقامة بإنشاء السفر من غيره ، ما دام المسافر يمرّ عليه ،
وما دامت المسافة بينه وبين المكان الذي أنشأ السفر منه دون مسافة القصر .
وقال المالكية (١) :
يمتنع القصر على المسافر وعليه الإتمام إن عاد إلى بلدته الأصلية التي نشأ فيها
وينتسب إليها ، أو مرّ فيها ، أو إلى البلد التي نوى فيها إقامة دائمة ، أو إلى بلد
الزوجة التي دخل بها وكانت غير ناشر وإن لم ينو إقامة أربعة أيام ، أو إلى البلد
التي نوى فيها الإقامة أربعة أيام فأكثر. أما دخول بلد الزوجة التي لم يدخل بها
أو كانت ناشزاً ، فلا يمنع القصر .
أما في أثناء الرجوع ، فإن الرجوع في حقه سفر مستقل ، فإن كان هناك
مسافة قصر ، قصر الصلاة ، وإلا فلا ، ويتم الصلاة حينئذ .
ويمتنع القصر أيضاً بنية دخوله وطنه أو مكان زوجته في أثناء الطريق ، إن
لم يكن بينه وبين المحل المنوي دخوله مسافة القصر الشرعية .
وقال الشافعية (٢):
الوطن : هو محل الإقامة الدائمة صيفاً وشتاء . ويمتنع القصر برجوعه إلى
(١) الشرح الكبير: ٣٦٢/١ وما بعدها، الشرح الصغير: ٤٨٠/١ وما بعدها .
(٢) مغني المحتاج : ٢٦٤/١
- ٣٤٣ - -

وطنه ، وإلى موضع نوى الإقامة فيه مطلقاً ، أو أربعة أيام صحيحة ، أو لحاجة
لا تنقضي إلا في المدة المذكورة ، كما يمتنع القصر بنية الرجوع إلى وطنه أو بالتردد
فيه وهو ماكث غير سائر، ومستقل غير تابع ، ولو بمحل لا يصلح للاقامة
كمفازة ، من دون مسافة القصر ، فإن نوى الرجوع وهو سائر أو تابع لغيره
كالزوجة لزوجها فيقصر حتى يرجع فعلاً .
وكذلك يقصر إذا كان قاصداً المرور بوطنه فقط دون الإقامة ، كما أنه يقصر
في بلد أقام فيها إن كان يتوقع قضاء حاجة كل وقت إلى ثمانية عشر يوماً ،
ويقصر أيضاً بالرجوع إلى غير وطنه ( وهو غير محل الإقامة الدائمة ) وإن كان له
فيه أهل أو عشيرة ، ولا يقصر بنية الرجوع إلى غير وطنه إذا كان الرجوع لغير
حاجة ، فإن كان لحاجة كتطهر فيقصر .
وقال الحنابلة (١) :
من رجع إلى الوطن الذي سافر منه ، أو نوى الرجوع قبل قطع مسافة
القصر ، فلا يقصر وإنما يتم الصلاة ، كما إنه يتمها إذا مرّ ( أي مسافر) بوطنه،
ولو لم يكن له حاجة سوى المرور ؛ لأنه في حكم المقيم إذ ذاك .
أو مر ببلد له فيه امرأة ، ولو لم يكن وطنه ، حتى يفارقه ، لأنه كما سبق في
حكم المقيم إذ ذاك .
أو مر ببلد تزوج فيه ، حتى يفارقه، لحديث عثمان، سمعت النبي معلق
يقول: ((من تأهل في بلد ، فليصل صلاة المقيم))(٢) وظاهره : ولو بعد فراق
الزوجة ، أما لو كان له به أقارب كأم وأب أو ماشية أو مال ، لم يمتنع عليه
القصر ، إذا لم يكن مما سبق .
(١) كشاف القناع: ٦٠٠/١
(٢) رواه أحمد
- ٣٤٤ -

خلاصة آراء المذاهب في الحالات التي يمتنع فيها القصر ويصبح
المسافر فيها في حكم المقيم :
الحنفية(١) : يمتنع القصر بنية الإقامة نصف شهر ببلد أو قرية واحدة ، لا
ببلدتين لم يعين المبيت بإحداهما ، وبالعودة إلى وطنه ( محل إقامته الدائمة ) ، إن
قطع مسافة القصر عن بلده ، وباقتداء المسافر بالمقيم ، وبعدم الاستقلال بالرأي ،
وبعدم قصد جهة معينة .
المالكية (٢): يقطع القصر أحد أمور خمسة :
الأول - دخول بلدِهِ الراجع هو إليه ، سواء أكانت وطنه أم لا ، وإن لم ينو
إقامة أربعة أيام إلا مقيماً ببلد إقامة مؤقتة تركه ناوياً السفر ، ثم عاد إليه ، فله
القصر .
والمراد ببلده الذي سافر منه: هو وطنه أو محل زوجته الكائن في أثناء
المسافة . وإنما كان دخول البلد قاطعاً للقصر؛ لأن دخول البلد مظنة للإقامة ،
فإذا كفت نية الإقامة في قطع القصر ، ففعل الإقامة أولى .
الثاني - الرجوع إلى وطنه أو محل زوجته المدخول بها قبل أن يقطع مسافة
القصر ، ومجرد الأخذ في الرجوع يقطع حكم السفر .
الثالث - دخول وطنه أثناء المرور عليه : بأن كل بمحل آخر غير وطنه ،
وسافر منه إلى بلد آخر .
الرابع - نية الإقامة أربعة أيام صحاح تستلزم عشرين صلاة ، أو العلم مسبقاً
بإقامة الأربعة الأيام عادة في محل ، اعتادت القافلة أن تقيم فيه .
(١) اللباب شرح الكتاب: ١٠٧/١ - ١٠٨، مراقي الفلاح: ص٧٢، الدر المختار: ٧٣٦/١ - ٧٣٨
(٢) الشرح الكبير: ٣٦٢/١ - ٣٦٤، الشرح الصغير: ٤٨٠/١ - ٤٨١ .
- ٣٤٥ _

الخامس - دخول مكان زوجة دخل بها فقط ؛ لأنه في حكم الوطن . أما
دخول مكان الأقارب كأم أو أب ، فلا يقطع السفر ولا يمنع القصر .
الشافعية(١) : يمتنع القصر بنية الإقامة أربعة أيام صحيحة ، وبالعودة
لوطنه ( محل الإقامة الدائمة ) ، وباقتداء المسافر بالمقيم أو بمشكوك السفر ، وبعدم
قصد جهة معينة ، وبعدم الاستقلال بالرأي دون مسافة القصر ، وبسفر المعصية ،
وبانقطاع السفر أثناء الصلاة ، وبعدم نية القصر أثناء الإحرام .
الحنابلة (٢): يمنع القصر ويجب الإتمام في إحدى وعشرين صورة :
الأولى - مرور المسافر بوطنه ولو لم يكن له حاجة سوى المرور عليه
الثانية - المرور ببلد له فيه امرأة ، ولو لم يكن وطنه
الثالثة - المرور ببلد تزوج فيه ، وقد سبق ذكر هذه الحالات قريباً
الرابعة - إن أحرم مقيماً في حضر ، ثم سافر .
الخامسة - إن دخل عليه وقت صلاة في الحضر ، ثم سافر .
السادسة - إن أحرم بالصلاة الرباعية في سفر ، ثم أقام ، كراكب سفينة
وصلت إلى وطنه أثناء الصلاة ، تغليباً لحكم الحضر .
السابعة والثامنة - إن ذكر صلاة حضر في سفر، أو عكسه : أي صلاة سفر
في حضر، لزمه أن يتم ؛ لأنه الأصل ، فغلّب حكم الحضر .
التاسعة والعاشرة - ائتم بمقيم أو بمن يلزمه الإتمام .
الحادية عشرة - ائتم بمن يشك في كونه مسافراً ، أو بمن يغلب على ظنه أنه
(١) مغني المحتاج: ٢٦٧/١ - ٢٧١
(٢) كشاف القناع: ٦٠٠/١ - ٦٠٥
- ٣٤٦ -

مقيم ، ولو بان بعدئذ كونه مسافراً ، لعدم الجزم بكونه مسافراً عند الإحرام .
الثانية عشرة - أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ، ففسدت وأعادها : كمن يقتدي
بمقيم فيحدث في أثناء الصلاة ، فيلزمه إعادتها تامة ؛ لأنها وجبت عليه أولاً تامة ،
١
فلا يجوز أن تعاد مقصورة .
الثالثة عشرة - إن لم ينو القصر عند دخوله الصلاة أي عند إحرامه ، فيلزمه
أن يتم ؛ لأنه الأصل ، وإطلاق النية ينصرف إليه .
الرابعة عشرة - إن شك في الصلاة : هل نوى القصر أم لا ، ولو تذكر بعدئذ
في أثناء الصلاة ، لزمه أن يتم ، لوجود ما أوجب الإتمام في بعضها ، فغلب ؛ لأنه
الأصل .
الخامسة عشرة - إن تعمد ترك صلاة أو بعضها في سفر، بأن أخرها بلا
عذر ، حتى خرج وقتها ، فيلزمه أن يتم ، قياساً على السفر المحرَّم ، لأنه صار
عاصياً بتأخيرها متعمداً من غير عذر .
السادسة عشرة - العزم على قلب السفر لمعصية كقطع الطريق ، ونية
الرجوع في مكان بينه وبين موطنه دون مسافة القصر .
.5
السابعة عشرة - إن تاب في الصلاة من سفر المعصية ، لزمه أن يتم ، وكذلك
يتم إن قصر معتقداً تحريم القصر ، ولو أنه مخطئ في اعتقاده .
الثامنة عشرة - إن نوى المسافر في الصلاة الإتمام ، بعد أن نوى القصر، أتم
وجوباً ؛ لأنه رجع إلى الأصل .
التاسعة عشرة - إن نوى إقامة مطلقة: بأن لم يحدها بزمن ، في بلد ، ولو في
دار حرب ، أو في بادية لا يقام فيها ، لزوال السفر المبيح للقصر بنية الإقامة .
العشرون - إن نوى إقامة أكثر من عشرين صلاة ، أتم .
- ٣٤٧ _
٠٠٠

الحادية والعشرون - إن شك في نيته : هل نوى إقامة ما يمنع القصر أم لا ،
أتم ؛ لأن الإتمام هو الأصل ، فلا ينتقل عنه مع الشك في مبيح الرخصة .
سادساً - قضاء الصلاة الفائتة في السفر :
سبق بيانه في بحث قضاء الفوائت ، وأوجز هنا آراء الفقهاء فيه :
قال الحنفية والمالكية(١) :
من فاتته صلاة في السفر قضاها في الحضر ركعتين ، كما فاتته في السفر ،
ومن فاتته صلاة في الحضر قضاها في السفر أربعاً ؛ لأنه بعدما تقرر لا يتغير ؛
ولأن القضاء بحسب الأداء .
وقال الشافعية والحنابلة(٢):
الصلاة الفائتة في الحضر ، تقضى أربعاً سواء في السفر أم في الحضر ؛ لأن
القصر رخصة من رخص السفر ، فيبطل بزواله كالمسح ثلاثة أيام ، ولأنها ثبتت
في ذمته تامة ، وفائتة السفر تقضى مقصورة في السفر دون الحضر ، في الأظهر
عند الشافعية ؛ لأنها وجبت في السفر ، فينظر إلى وجود السبب .
وقد تعادل في نظري الرأيان ، وللمرء الأخذ بأحدهما ، ويختار بحسب
ما يراه أحوط ديناً .
سابعاً - صلاة السنن في السفر :
قال النووي (٢): قد اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر ،
(١) فتح القدير: ٤٠٥/١، مراقي الفلاح: ص٧٢، اللباب: ١١٠/١، القوانين الفقهية: ص٧١، الشرح
الكبير : ٢٦٣/١
(٢) مغني المحتاج : ٢٦٣/١، المغني : ٢٨٢/٢ وما بعدها .
(٣) نيل الأوطار: ٢١٩/٣ وما بعدها .

واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة ، فتركها ابن عمر وآخرون ، واستحبها
الشافعي وأصحابه والجمهور .
ودليلهم أولاً - الأحاديث العامة الواردة في ندب مطلق الرواتب ، وحديث
صلاته ◌ُ ◌ّ الضحى في يوم الفتح، وركعتي الصبح ، حين ناموا حتى طلعت
الشمس ، وأحاديث أخر ذكرها أصحاب السنن .
وثانياً - القياس على النوافل المطلقة .
وأما ما في الصحيحين عن ابن عمر، أنه قال: صحبت النبي مع المه ، فلم أره
يُسبِّح - أي يتنفل - في السفر، وفي رواية: صحبت رسول الله مع الله، وكان
لا يزيد في السفر على ركعتين ، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك ، فقال النووي :
لعل النبي ◌َُّفّ كان يصلي الرواتب في رحله ، ولا يراه ابن عمر، فإن النافلة في
البيت أفضل ، ولعله تركها في بعض الأوقات تنبيهاً على جواز تركها .
وقال الحنفية(١) : ويأتي المسافر بالسنن الرواتب إن كان في حال أمن وقرار
أي نازلاً مستقراً ، وإلا بأن كان في حال خوف وفرار، أي في السير ، لا يأتي
بها ، وهو المختار.
المطلب الثاني - الجمع بين الصلاتين :
أولاً - مشروعية الجمع :
يجوز عند الجمهور غير الحنفية(٢) الجمع بين الظهر والعصر تقديماً في وقت
الأولى ، وتأخيراً في وقت الثانية ، والجمعة كالظهر في جمع التقديم ، وبين المغرب
(١) الدر المختار: ٧٤٢/١ .
(٢) الشرح الكبير: ١ / ٣٦٨، مغني المحتاج: ١ / ٢٧١ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٠٤، كشاف القناع: ٢ /
٣، المغني: ٢ / ٢٧١ .
- ٣٤٩ -

والعشاء تقديماً وتأخيراً أيضاً في السفر الطويل كما في القصر ( ٨٩ كم) .
فالصلوات التي تجمع : الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء في وقت إحداهما
ويسمى الجمع في وقت الصلاة الأولى : جمع التقديم ، والجمع في وقت الصلاة
الثانية : جمع التأخير . والأفضل عدم الجمع خروجاً من الخلاف ، ولعدم مداومة
النبي ◌ُ ◌ّ عليه ، ولو كان أفضل لأدامه كالقصر.
ودليل جمع التأخير : الثابت في الصحيحين عن أنس وابن عمر رضي الله
عنهما ، أما حديث الأول، فقال أنس: كان رسول الله مَ ◌ّ إذا رحل قبل أن
تزيغ - تميل ظهراً - الشمس ، أخر الظهر إلى وقت العصر ، ثم نزل يجمع بينهما ،
فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب(١) .
وأما حديث ابن عمر فهو ؛ أنه استُغيث على بعض أهله ، فجدّ به السير ،
فأخر المغرب حتى غاب الشَّفَق ، ثم نزل ، فجمع بينهما ، ثم أخبرهم أن رسول الله
عَّ ◌ُّ كان يفعل ذلك إذا جدَّ به السير (٣)
8
ودليل جمع التقديم : الصحيح من حديث معاذ رضي الله عنه : أن النبي
والتّ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع
المغرب ))(٣) .
وقال الحنفية(٤): لا يجوز الجمع إلا في يوم عرفة للمحرم بالحج جمع تقديم بين
(١) متفق عليه (نيل الأوطار: ٣ / ٢١٢).
(٢) رواه الترمذي بهذا اللفظ، ومعناه عند الجماعة إلا ابن ماجه . وروي حديث جمع التأخير أيضاً عن
معاذ بن جبل وابن عباس رضي الله عنها ( نيل الأوطار: ٣ / ٢١٣ وما بعدها ) .
(٣) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه ، والدارقطني والحاكم، والبيهقي وابن حبان وصححاه (المصدر
السابق ) .
۔۔
(٤) اللباب: ١ / ١٨٥، ١٨٧ .
- ٣٥٠ _

الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين ؛ لأن العصر يؤدى قبل وقته المعهود ،
فيفرد بالإقامة إعلاماً للناس . وفي ليلة المزدلفة جمع تأخير بين المغرب والعشاء
بأذان واحد وإقامة واحدة ؛ لأن العشاء في وقتها فلم تحتج للإعلام .
واحتجوا بأن مواقيت الصلاة تثبت بالتواتر ، فلا يجوز تركها بخبر الواحد .
وقال ابن مسعود فيما يرويه الشيخان: (( والذي لا إله غيره ، ماصلى رسول
الله ◌ُ ◌ٍّ صلاة قط إلا لوقتها إلا صلاتين، جمع بين الظهر والعصر بعرفة،
وبين المغرب والعشاء بجَمْع)) أي بالمزدلفة .
والحق : جواز الجمع لثبوته بالسنة ، والسنة مصدر تشريعي كالقرآن .
ثانياً - أسباب الجمع بين الصلاتين وشروطه :
اتفق المجيزون الجمع تقديماً وتأخيراً على جوازه في أحوال ثلاثة : هي السفر ،
والمطر ونحوه من الثلج والبرد ، والجمع بعرفة والمزدلفة ، واختلفوا فيما سواها ، وفي
شروط صحة الجمع .
فقال المالكية(١): أسباب الجمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء
تقديماً وتأخيراً ستة : هي السفر ، والمطر ، والوحل مع الظلمة ، والمرض كالإغماء
ونحوه ، وجمع عرفة ، ومزدلفة ، وكلها يرخص لها الجمع جوازاً للرجل أو المرأة ،
إلا جمع عرفة ومزدلفة ، فهو سنة .
أما السفر : فيجوز فيه الجمع مطلقاً ، سواء أكان طويلاً أم قصيراً في مسافة
القصر ، إذا كان في البرّ لافي البحر ، قصراً للرخصة على موردها ، وکان غير عاص
بالسفر وغیر لاه .
ويشترط لجواز جمع التقديم في السفر شرطان :
(١) الشرح الصغير: ١ / ٤٨٧ - ٤٩٢، الشرح الكبير: ١ / ٣٦٨ - ٣٧٢، القوانين الفقهية: ص ٨٢ ، بداية
المجتهد : ١ / ١٦٥، ١٦٧ .
- ٣٥١ -

اً - أن تزول عليه الشمس (يدخل الظهر ) وهو مسافر في مكان نزوله
للاستراحة .
اً - أن ينوي الارتحال قبل وقت العصر، والنزول للاستراحة بعد غروب
الشمس فإن نوى الاستراحة قبل اصفرار الشمس ، صلى الظهر فقط ، وأخر العصر
وجوباً لوقتها الاختياري ، فإن قدمه أجزأته الصلاة .
وإن نوى الاستراحة بعد الاصفرار وقبل الغروب ، صلى الظهر في وقته ،
وخُيِّر في العصر إن شاء قدمها ، وإن شاء أخَّرها حتى ينزل للاستراحة .
وإن دخل وقت الظهر ( أي بزوال الشمس ) وهو سائر: فإن نوى النزول
وقت الاصفرار أو قبله ، أخر الظهر ، وجمعها مع العصر جمع تأخير ، وإن نوى
النزول بعد الغروب ، فيجمع بين الصلاتين جمعاً صورياً ، فيصلي الظهر في آخر
وقتها الاختياري ، والعصر في أول وقتها الاختياري .
والمغرب والعشاء له حكم هذا التفصيل، مع ملاحظة أن غروب الشمس ينزل
منزلة الزوال عند الظهر ، وطلوع الفجر كالغروب، وابتداء الثلثين الأخيرين من
الليل كاصفرار الشمس .
وأما المرض كالمبطون أو غيره فيجيز الجمع الصوري : بأن يصلي الفرض
المتقدم في آخر وقته الاختياري ، والفرض الثاني في أول وقته الاختياري ،
وفائدته عدم الكراهة . أما الصحيح فله الجمع الصوري مع الكراهة .
ومن خاف إغماء أو دَوْخة أو حمى عند دخول وقت الصلاة الثانية ( العصر أو
العشاء ) فله تقديم الثانية عند الأولى ؛ جوازاً على الراجح .
والخلاصة : أن المريض يجمع إن خاف أن يغيب على عقله أو إن كان الجمع
أرفق به ، ووقته في وقت الأولى .
- ٣٥٢ _

وأما المطر أو البرد أو الثلج ، أو الطين مع الظلمة الواقع أو المتوقع : فيجيز
جمع التقديم فقط لمن يصلي العشاءين ( المغرب والعشاء ) بجماعة في المسجد ، إذا
كان المطر غزيراً يحمل أوساط الناس على تغطية رؤوسهم ، والوحل أو الطين
كثيراً يمنع الناس من لبس الحذاء . ولا يجوز الجمع إلا باجتماع الوحل مع الظلمة ،
لابأحدهما فقط .
ولو انقطع المطر بعد الشروع في الجمع ، جاز الاستمرار فيه .
والمشهور أن يكون هذا الجمع بأذان وإقامة لكل واحدة من الصلاتين ويكون
الأذان الأول للمغرب على المنارة بصوت مرتفع والثاني بصوت منخفض في
المسجد ، لاعلى المنارة ، ويؤخر البدء بالمغرب ندباً بعد الأذان بقدر ثلاث
ركعات ، ثم ينصرف الناس إلى منازلهم من غير تنفل في المسجد ؛ لأن النفل
حينئذ مكروه ، فلانفل بعد الجمع في المسجد ، ولاوتر حتى يغيب الشفق .
ولا يتنفل بين الصلاتين ، والنفل مكروه لا يمنع صحة الجمع ، ولا يجوز هذا
الجمع لجار المسجد ، ولو كان مريضاً يشق عليه الخروج للمسجد ، أو كان امرأة
ولا يخشى منها الفتنة .
وكذلك لا يجوز هذا الجمع لمن صلى منفرداً في المسجد إلا أن يكون إماماً راتباً
له منزل ينصرف إليه ، فإنه يجمع وحده ، وينوي الجمع والإمامة ؛ لأنه ينزل
منزلة الجماعة .
وتجب نية الجمع في الصلاة الأولى كنية الإمامة .
وأما الجمع في الحج فهو سنة اتفاقاً ، فيسن للحاج أن يجمع بين الظهر والعصر
جمع تقديم بعرفة، سواء أكان من أهلها أم أهل غيرها من أماكن النسك كمنى
الفقه الإسلامي جـ ٢ (٢٣)
- ٣٥٣ -

ومزدلفة ، أو من أهل الآفاق ، ويقصر من لم يكن من أهل عرفة للسنة ، وإن لم
تكن المسافة مسافة قصر .
ويسن أيضاً للحاج أن يصلي المغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة ، ويسن
قصر العشاء لغير أهل مزدلفة ؛ لأن القاعدة أن الجمع سنة لكل حاج ، والقصر
خاص بغير أهل المكان الذي فيه وهو عرفة ومزدلفة .
الشافعية(١) : أجازوا الجمع فقط في السفر والمطر والحج بعرفة ومزدلفة .
أما الجمع بسبب المطر أو الثلج والبرد الذائبين : فالأظهر جوازه تقديماً لمن
صلى بجماعة في مسجد بعيد ، وتأذى بالمطر في طريقه ، والمذهب الجديد منع جمع
التأخير فيه ؛ لأن استدامة المطر غير متيقنة فقد ينقطع ، فيؤدي إلى إخراج
الصلاة عن وقتها من غير عذر.
ودليلهم على جواز جمع التقديم : ما في الصحيحين عن ابن عباس ((صلى بنا
رسول الله ◌َ تّ بالمدينة الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً)) زاد مسلم
((من غير خوف ولاسفر)). وشرط جواز التقديم: وجود المطر عند السلام من
الصلاة الأولى ، ليتصل المطر بأول الثانية ، فلابد من امتداده بينهما ، ولا يضر
انقطاعه فيماعدا ذلك .
ويجمع العصر مع الجمعة في المطر جمع تقديم ، وإن لم يكن موجوداً حال
الخطبة ؛ لأنها ليست من الصلاة .
والمشهور في المذهب عدم جواز الجمع بسبب الوحل والريح والظلمة والمرض
لحديث المواقيت للصلاة ، ولا يجوز مخالفته إلا بنص صريح .
(١) المجموع: ٤ / ٢٥٣ - ٢٦٩، المهذب: ١ / ١٠٤ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ٢٧١ - ٢٧٥ .
- ٣٥٤ -

و((لأن النبي ◌ُّ التر مرض أمراضاً كثيرة، ولم ينقل جمعه بالمرض صريحأهم
ولأن من كان ضعيفاً ومنزله بعيداً عن المسجد بعداً كثيراً ، لا يجوز له الجمع ،
مع المشقة الظاهرة ، فكذا المريض .
ويندب جمع التقديم للحاج بعرفة ، وجمع التأخير بمزدلفة ، كما قال المالكية .
وأما الجمع بسبب السفر فيجوز تقديماً وتأخيراً إذا كان السفر طويلاً كما في
القصر .
ويشترط لجمع التقديم ستة شروط :
• الأول - نية الجمع : أي أن ينوي جمع التقديم ، في أول الصلاة الأولى ، وتجوز
في أثنائها في الأظهر ، ولو مع السلام منها .
الثاني - الترتيب أي البُداءة بالأولى صاحبة الوقت : وهو أن يقدم الأولى ،
ثم يصلي الثانية ؛ لأن الوقت للأولى ، وإنما يفعل الثانية تبعاً للأولى ، فلابد من
تقديم المتبوع ، فلو صلاهما مبتدئاً بالأولى ، فبان فسادها بفوات شرط أو ركن ،
فسدت الثانية أيضاً ، لانتفاء شرطها من البداءة بالأولى ، ولكن تنعقد الثانية
نافلة على الصحيح .
الثالث - الموالاة أي التتابع بألا يفصل بينهما فاصل طويل ؛ لأن الجمع
يجعلهما كصلاة واحدة ، فوجب الولاء کركعات الصلاة أي فلا یفرق بينهما ، كما
لا يجوز أن يفرق بين الركعات في صلاة واحدة ، فإن فصل بينهما بفصل طويل
ولو بعذر كسهو وإغماء ، بطل الجمع ، ووجب تأخير الصلاة الثانية إلى وقتها ،
لفوات شرط الجمع ، وإن فصل بينهما بفصل يسير ، لم يضر ، كالفصل بينهما
بالأذان والإقامة والطهارة، لما في الصحيحين عن أسامة: ((أن النبي ◌ُ الله لما جمع
بنمرة ، أقام للصلاة بينهما ))
- ٣٥٥ _
. -
١

ويعرف طول الفصل بالعرف ؛ لأنه لاضابط له في الشرع ولا في اللغة .
وللمتيم الجمع بين الصلاتين على الصحيح ، كالمتوضئ ، فلا يضر تخلل طلب
خفيف للماء ؛ لأن ذلك من مصلحة الصلاة ، فأشبه الإقامة ، بل أولى ؛ لأنه
شرط دونها .
ويلاحظ أن هذه الشروط الثلاثة ( نية الجمع ، والترتيب والموالاة ) لاتجب
في جمع التأخير على الصحيح .
الرابع - دوام السفر إلى الإحرام بالصلاة الثانية ، حتى ولو انقطع سفره بعد
ذلك أثناءها . أما إذا انقطع سفره قبل الشروع في الثانية ، فلا يصح الجمع ، لزوال
السبب .
الخامس - بقاء وقت الصلاة الأولى يقيناً إلى عقد الصلاة الثانية .
السادس - ظن صحة الصلاة الأولى : فلو جمع العصر مع الجمعة في مكان
تعددت فيه لغير حاجة ، وشك في السبق والمعية ، لا يصح جمع العصر معها جمع
تقديم .
ويشترط لجمع التأخير شرطان فقط :
الأول - نية التأخير قبل خروج وقت الصلاة الأولى ، ولو بقدر ركعة : أي
بزمن لو ابتدئت فيه ، كانت أداء . وإلا فيعصي ، وتكون قضاء . ودليل اشتراط
النية : أنه قد يوخر للجمع ، وقد يؤخر لغيره ، فلابد من نية يتميز بها التأخير
المشروع عن غيره .
الثاني - دوام السفر إلى تمام الصلاة الثانية ، فإن لم يدم إلى ذلك بأن أقام
ولو في أثنائها، صارت الأولى ( وهي الظهر أو المغرب ) قضاء ؛ لأنها تابعة
للثانية في الأداء للعذر ، وقد زال قبل تمامها .
- ٣٥٦ -

أما الترتيب : فليس بواجب ؛ لأن وقت الثانية وقت الأولى ، فجاز البداية
بماشاء منهما . وأما التتابع : فلا يجب أيضاً ؛ لأن الأولى مع الثانية كصلاة فائتة
مع صلاة حاضرة ، فجاز التفريق بينهما . وإنما الترتيب والتتابع سنة ، وليس
بشرط .
أما سنة الصلاة : فإذا جمع الظهر والعصر قدم سنة الظهر التي قبلها ، وله
تأخيرها ، سواء أجمع تقديماً أم تأخيراً ، وله توسيطها إن جمع تأخيراً ، سواء قدم
الظهر أم العصر. وإذا جمع المغرب والعشاء، أخر سنتها، وله توسيط سنة
المغرب إن جمع تأخيراً ، وقدم المغرب ، وتوسيط سنة العشاء إن جمع تأخيراً وقدم
العشاء . وماسوى ذلك ممنوع.
الحنابلة (١): يجوزجمع التقديم والتأخير في ثمان حالات :
إحداها - السفر الطويل المبيح للقصر أي قصر الصلاة الرباعية : بأن يكون
السفر غير حرام ولامكروه ، ويبلغ مسافة يومين ، لأنه أي الجمع رخصة تثبت
لدفع المشقة في السفر ، فاختصت بالطويل كالقصر والمسح ثلاثاً .
الثانية - المرض: الذي يؤدي إلى مشقة وضعف بترك الجمع، لأن النبي صَ لّ
((جمع من غير خوف ولامطر)) وفي رواية ((من غير خوف ولاسفر)) (٢)، ولاعذر
بعد ذلك إلا المرض ، واحتج أحمد بأن المرض أشد من السفر . والمريض مخير في
التقديم والتأخير كالمسافر ، فإن استوى عنده الأمران فالتأخير أولى .
الثالثة - الإرضاع : يجوز الجمع لمرضع ، لمشقة تطهير النجاسة لكل صلاة ،
فهي كالمريض .
(١) كشاف القناع: ٢ / ٣ -٨، المغني: ٢ / ٢٧٣ - ٢٨١.
(٢) رواهما مسلم من حديث ابن عباس .
- ٣٥٧ _

الرابعة - العجز عن الطهارة بالماء أو التيم لكل صلاة : يجوز الجمع لعاجز
عنهما ، دفعاً للمشقة ؛ لأنه كالمسافر والمريض .
الخامسة - العجز عن معرفة الوقت : يجوز الجمع لعاجز عن ذلك كالأعمى .
السادسة - الاستحاضة ونحوها : يجوز الجمع لمستحاضة ونحوها كصاحب
سلس بول أو مذي أو رعاف دائم ونحوه ، لما جاء في حديث حَمْنة السابق حين
استفتت النبي ◌َ ◌ّ في الاستحاضة، حيث قال فيه: ((فإن قويت على أن
تؤخري الظهر ، وتعجلي العصر، فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين ، فافعلي ))(١)
ومن به سلس البول ونحوه في معناها .
السابعة والثامنة : العذر أو الشغل : يجوز الجمع لمن له شغل ، أو عذر يبيح
ترك الجمعة والجماعة ، كخوف على نفسه أو حرمته أو ماله ، أو تضرر في معيشة
يحتاجها بترك الجمع ونحوه . وهذا منفذ يلجأ إليه العمال وأصحاب المزارع للسقي
في وقت النوبة ( أو الدور ) .
والجمع للمطر : جائز بين المغرب والعشاء ، كما قال المالكية ، لما قال أبو سلمة
ابن عبد الرحمن: « إن من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب
والعشاء))(٢) وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله مع له.
ولا يجوز الجمع بين الظهر والعصر ، لقول أبي سلمة السابق ، فلم يرد إلا في
المغرب والعشاء . والجمع للمطر يكون في وقت الأولى ، لفعل السلف ، ولأن
تأخير الأولى إلى وقت الثانية يفضي إلى لزوم المشقة والخروج في الظلمة ، أو طول
الانتظار في المسجد إلى دخول وقت العشاء . وإن اختار الناس تأخير الجمع جاز .
(١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه .
(٢) رواه الأثرم .
٠١٠٠ ٠
- ٣٥٨ -

والمطر المبيح للجمع : هو ما يبل الثياب ، وتلحق المشقة بالخروج فيه .
والثلج والبرد كالمطر في ذلك . أما الطل والمطر الخفيف الذي لا يبل الثياب
فلا يبيح .
وأما الوحل بمجرده فهو عذر في الأصح ؛ لأن المشقة تلحق بذلك في النعال
والثياب ، كما تلحق بالمطر ؛ لأن الوحل يلوث الثياب والنعال ، ويعرض
الإنسان للزلق فيتأذى به بنفسه وثيابه ، وذلك أعظم من البلل .
وأما الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة : فيبيح الجمع في الأصح ؛ لأن
ذلك عذر في الجمعة والجماعة، روى نافع عن ابن عمر، قال: ((كان رسول الله
عَ ◌ّ ينادي مناديه في الليلة المطيرة أو الليلة الباردة ذات الريح: صلوا في
رحالكم ))(١).
وهذه الأعذار كلها تبيح الجمع تقديماً وتأخيراً ، حتى لمن يصلي في بيته ، أو
يصلي في مسجد ولو كان طريقه مسقوفاً ، ولمقيم في المسجد ونحوه كمن بينه وبين
المسجد خطوات يسيرة ، ولو لم ينله إلا مشقة يسيرة .
وفعل الأرفق من جمع التقديم أو التأخير لمن يباح له أفضل بكل حال ،
لحديث معاذ السابق ، المتضمن التخيير حسب الحاجة بين التقديم والتأخير (١) ،
وروى مالك عن معاذ: ((وأخر النبي ◌َ ◌ّ الصلاة يوماً في غزوة تبوك ، ثم خرج
فصلى الظهر والعصر جميعاً ، ثم دخل ثم خرج ، فصلى المغرب والعشاء جميعاً))(٣)،
فإن استويا فالتأخير أفضل لأنه أحوط ، وفيه خروج من الخلاف ، وعمل
بالأحاديث كلها .
(١) رواه ابن ماجه .
(٢) رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وروى الشافعي وأحمد نحوه عن ابن عباس (نيل الأوطار: ٣ / ٢١٣).
(٣) قال ابن عبد البر : هذا حديث ثابت الإسناد .
- ٣٥٩ -

لكن الجمع في أثناء الحج يكون تقديماً بين الظهر والعصر في عرفة ، وتأخيراً
في المزدلفة بين المغرب والعشاء، لفعلته التعٍ ، لاشتغاله وقت العصر بعرفة
بالدعاء ، ووقت المغرب ليلة مزدلفة بالسير إليها .
شروط الجمع : ويشترط لصحة الجمع مطلقاً تقديماً وتأخيراً : مراعاة الترتيب
بين الصلوات ، فيقدم الأولى على الثانية ، ولا يسقط - على الصحيح في المذهب -
الترتيب هنا بالنسيان ، كما يسقط في قضاء الفوائت .
ويشترط لصحة جمع التقديم شروط أربعة أخرى :
الأول - نية الجمع عند الإحرام بالصلاة الأولى: لحديث ((إنما الأعمال
بالنيات)) .
الثاني - الموالاة : فلا يفرق بين المجموعتين إلا بقدر الإقامة والوضوء الخفيف ؛
. لأن معنى الجمع المتابعة والمقارنة ، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل، والخفيف
أمر يسير وهو معفو عنه ، وهما من مصالح الصلاة .
التالث - وجود العذر المبيح للجمع من سفر أو مرض ونحوه عند افتتاح
الصلاتين المجموعتين ، وعند سلام الأولى ؛ لأن افتتاح الأولى من موضع النية
وفراغها ، وافتتاح الثانية موضع الجمع ، فلو انقطع المطر ، ولم يوجد وخل بعده
قبل ذلك ، بطل الجمع .
الرابع - دوام العذر إلى فراغ الثانية شرط في السفر والمرض : فلو انقطع
السفر قبل ذلك ، بطل الجمع ، ولا يشترط دوام العذر إلى فراغ الثانية في جمع
مطر ونحوه كثلج وبرد إن خلفه وحل .
ويشترط لجمع التأخير شرطان :
الأول - نية الجمع في وقت الصلاة الأولى مالم يضق وقتهمه نمن فعلها، فإن
- ٣٦٠ -