Indexed OCR Text

Pages 321-340

يعتبر السير فيه بثلاثة أيام ولياليها بحسب طبيعته ، وإن كانت تلك المسافة في
السهل تقطع بمادونها .
ومجموع مدة الثلاثة الأيام بالساعات يختلف حسب كل بلد ، ففي مصر
وماساواها من العرض عشرون ساعة وربع ، في كل يوم سبع ساعات إلا ربعاً ،
ومجموع الثلاثة الأيام في الشام عشرون ساعة إلا ثلث ساعة تقريباً في كل يوم ست
ساعات وثلثي ساعة إلا درجة ونصفاً .
وقال الجمهور غير الحنفية (١) : السفر الطويل المبيح للقصر المقدر بالزمن :
يومان معتدلان أو مرحلتان بسير الأثقال ودبيب الأقدام ، أي سير الإبل المثقلة
بالأحمال على المعتاد من سير وحط وترحال وأكل وشرب وصلاة كالمسافة بين جدة
ومكة أو الطائف ومكة أو من عسفان إلى مكة . ويقدر بالمسافة ذهاباً : بأربعة
برد أو ستة عشر فرسخاً ، أو ثمانية وأربعين ميلاً هاشمياً ، والميل: ستة آلاف
ذراع(٢) ، كما ذكر الشافعية والحنابلة ، وقال المالكية على الصحيح : الميل ثلاثة
آلاف وخمسمائة ذراع ، وتقدر بحوالي (٨٩كم) وعلى وجه الدقة : ٨٨,٧٠٤ كم ثمان
وثمانين كيلو وسبعمائة وأربعة أمتار، ويقصر حتى لو قطع تلك المسافة بساعة
واحدة ، كالسفر بالطائرة والسيارة ونحوها ؛ لأنه صدق عليه أنه سافر أربعة
برد .
والمسافة في البحر كالمسافة في البر .
ودليلهم: قول النبي مَ اّ: «ياأهل مكة ، لا تقصروا في أقل من أربعة
(١) بداية المجتهد: ١ / ١٦٢، الشرح الصغير: ١ / ٤٧٤ وما بعدها، الشرح الكبير: ١ / ٣٥٨ - ٣٦١،
المهذب: ١٠٢/١، المغني: ٢ / ٢٥٥ وما بعدها، المجموع: ٤ / ٢١٣ وما بعدها .
(٢) الذراع: أربعة وعشرون أصبعاً كما ذكر الشافعية والحنابلة، أو ٣٢ أصبعاً كما بينا في جدول المقاييس،
والذراع : ٤٦٫٢ سم، والاصبع: ست شعيرات معتدلات ، وتساوي ١٫٩٢٥ سم.
الفقه الإسلامي جـ٢ (٢١)
- ٣٢١ -

برد، من مكة إلى عُسْفان)) (١) وماروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما :
كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة بُرُد ، فمافوق ، ولأن في هذا القدر
تتكرر مشقة الشد والترحال ، وفیما دونه لاتتكرر .
وهذه المسافة عند الشافعية محددة تماماً ، فيضر نقص المسافة مهما قل . وهي
تقريباً لاتحديداً عند الحنابلة والمالكية ، فلا يضر عند الحنابلة نقصان المسافة عن
هذا المقدار بشيء قليل كميل أو ميلين ، ولا يضر عند المالكية نقصان ثمانية أميال .
واستثنى المالكية خلافاً لغيرهم ( الجمهور) من هذه المسافة أهل مكة ومنى
ومزدلفة والمُحَصَّب إذا خرجوا في الحج للوقوف بعرفة ، فإنه عملاً بالسنة يسن لهم
القصر في الذهاب والإياب إذا بقي عليه شيء من أعمال الحج التي تؤدى في غير
وطنهم ، وإلا بأن وصلوا وطنهم أتموا الصلاة .
وناقش ابن قدامة (٢) أدلة الجمهور : بأنه روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف
المذكور ، وأنه معارض لظاهر القرآن ؛ لأن ظاهره إباحة القصر لكل من ضرب
في الأرض بدون تحديد مسافة، وأنه مخالف لسنة النبي معلقة، قال أنس: «إن
رسول الله ◌ُ التّ كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ ، صلى
ركعتين)) (٣)، وقال ابن قدامة في نهاية نقاشه: الحجة مع من أباح القصر لكل
مسافر ، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه .
(١) رواه الدارقطني عن ابن عباس ، وروي موقوفاً على ابن عباس، قال الخطابي : هو أصح الروايتين عن
ابن عمر . وقول الصحابي عند الحنابلة حجة ، خصوصاً إذا خالف القياس .
(٢) المغني : ٢ / ٢٥٧ وما بعدها .
(٣) رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائي أنه سأل أنساً .. والتردد بين الأميال
والفرسخ شك من الراوي: شعبة ( نيل الأوطار : ٣ / ٢٠٥).
- ٣٢٢ -

-
الثاني - نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة :
قال الحنفية (١): يجوز القصر في كل سفر، سواء أكان قربة أم مباحاً أم
معصية ، فيجوز القصر لقاطع الطريق ونحوه ممن كان عاصياً بسفره ؛ لأن القبح
المجاور لشيء مشروع لا يعدم المشروعية ، والقبح المجاور: هو ما يقبل الانفكاك
كالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة ، فإنه قبُح لترك السعي ، وهو قابل للانفكاك ،
إذ قد يوجد ترك السعي للجمعة ، بدون البيع ، وبالعكس ، فكذا السفر ، فإنه
يمكن قطع الطريق والسرقة مثلاً بلاسفر ، وبالعكس . أما القبح لعينه كالكفر ،
أو القبح شرعاً كبيع الحر ، فإنه يعدم المشروعية . ودليلهم بعبارة أخرى على أن
العاصي والمطيع في سفرهما سواء في الرخصة: هو إطلاق النصوص وهو: (( وإذا
ضربتم في الأرض .. )) ولأن نفس السفر ليس بمعصية ، وإنما المعصية مايكون
بعده أو يجاوره ، فلا يؤثر على رخصة القصر .
وقال الجمهور غير الحنفية(٢): لاتباح الرخص المختصة بالسفر من القصر والجمع
والفطر والمسح ثلاثاً والصلاة على الراحلة تطوعاً في سفر المعصية كالإباق ، وقطع
الطريق ، والتجارة في الخمر والمحرمات ، وهذا هو العاصي بسفره أي الذي أنشأ
سفراً لأجل المعصية أو يقصد محلاًّ لفعل محرم ، فلا يقصر الصلاة ، ويحرم عليه
القصر ؛ لأن السفر سبب الرخصة ، فلاتناط بالمعصية ، فيكون المبدأ عندهم :
((الرخص لاتناط بالمعاصي)) حتى أكل الميتة ، لقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير
باغ ولاعاد ، فلاإثم عليه﴾ أباح الأكل إن لم يكن عادياً ولاباغياً ، فلا يباح لباغ -
ولاعاد ، ولأن الترخص شرع للإعانة على تحصيل المقصد المباح توصلاً إلى
(١) الدر المختار: ١ / ٧٣٣، ٧٣٦، تبيين الحقائق: ١ / ٢١٥ ومابعدها، فتح القدير: ١ / ٤٠٥ ومابعدها .
(٢) بداية المجتهد: ١ / ١٦٣، الشرح الصغير: ١ / ٤٧٧، مغني المحتاج: ١ / ٢٦٨، المهذب: ١ / ١٠٢،
المغني: ٢ / ٢٦١ وما بعدها، ٨ / ٥٩٧، كشاف القناع: ١ / ٥٩٦، ٦ / ١٩٤.
- ٣٢٣ -

المصلحة ، فلو شرع ههنا ، لشرع إعانة على المحرم ، تحصيلاً للمفسدة ، والشرع
منزه عن هذا .
وذكر المالكية أنه يكره القصر للاه بالسفر .
أما العاصي في السفر : وهو الذي قصد سفراً لغرض مشروع ، لكنه ارتكب
في أثناء السفر معصية كزنا أو سرقة أو غصب ، أو قذف أو غيبة ، فيجوز له
الترخص من قصر وغيره ؛ لأنه لم يقصد السفر لذلك أي للمعصية ، وإنما لغرض
مشروع ، فهو كالمقيم العاصي .
قال النووي الشافعي : لو أنشأ امرؤ سفراً مباحاً ثم جعله معصية فلا ترخص
في الأصح ، ولو أنشأه عاصياً ثم تاب ، فمنشئ للسفر من حين التوبة .
الثالث - الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالقصر - أول السفر :
لا تكفي نية السفر لقصر الصلاة قبل مباشرة السفر وتجاوز حدود البلد ، بل
لابد من مباشرة السفر حتى يحق له القصر والفطر ، وقد اتفق الفقهاء(١) على أن
أول السفر الذي يجوز به القصر ونحوه : هو أن يخرج المسافر من بيوت البلد التي
خرج منها ويجعلها وراء ظهره ، أو يجاوز العمران من الجانب الذي خرج منه ،
وإن لم يجاوزها من جانب آخر ؛ لأن الإقامة تتعلق بدخولها ، فيتعلق السفر
بالخروج عنها ، لقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض ، فليس عليكم جناح أن
تقصروا من الصلاة﴾ ولا يكون ضارباً في الأرض حتى يخرج . وسيأتي تفصيل
المذاهب في هذا الموضوع .
ولا يتم صلاته حتى يدخل أول بيوت البلد الذي يقصده للإقامة فيه .
(١) الكتاب مع اللباب: ١ / ١٠٧، مراقي الفلاح: ص ٧١ ، فتح القدير: ١ / ٣٩٦ ، بداية المجتهد : ١ /
١٦٣، الشرح الصغير: ١ / ٤٧٦ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ٢٦٣ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٠٢، المغني: ٢ /
٢٥٩ - ٢٦١ .
- ٣٢٤ _

ولا يزال المسافر على حكم السفر حتى ينوي الإقامة مدة معينة سنذكرها .
الرابع - مقدار الزمان الذي يقصر فيه إذا أقام المسافر في موضع :
يظل للمسافر حق القصر مالم ينو الإقامة في بلد مدة معينة ، وقد اختلف
الفقهاء على رأيين في تقدير هذه المدة(١) .
فقال الحنفية : يصير المسافر مقيماً ، ويمتنع عليه القصر إذا نوى الإقامة في
بلد خمسة عشر يوماً ، فصاعداً ، فإن نوى تلك المدة ، لزمه الإتمام ، وإن نوى
أقل من ذلك قصر .
ودليلهم : القياس على مدة الطهر للمرأة ؛ لأنها مدتان موجبتان العودة إلى
الأصل ، فإن مدة الطهر توجب إعادة ماسقط بالحيض ، والإقامة توجب إعادة
ماسقط بالسفر ، فكما قدر مدة الطهر بخمسة عشر يوماً ، فكذلك يقدر أدنى مدة
الإقامة . وهذا التقدير مأثور عن ابن عباس وابن عمر ، قالا : إذا دخلت بلدة
وأنت مسافر ، وفي عزمك أن تقيم بها خمسة عشر يوماً ، فأكمل الصلاة ، وإن
كنت لاتدري متی تظعن فاقصر .
٠
وإن كان ينتظر قضاء حاجة معينة ، له القصر ولو طال الترقب سنين ،
فمن دخل بلداً ، ولم ينو أن يقيم فيه خمسة عشر يوماً ، وإنما يترقب السفر ،
ويقول : أخرج غدا أو بعد غد مثلاً ، حتى بقي على ذلك سنين ، صلى ركعتين
أي قصر ؛ لأن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر ، وكان يقصر ، وروي عن
جماعة من الصحابة مثل ذلك .
(١) فتح القدير مع العناية: ١ / ٣٩٧ وما بعدها، اللباب: ١ / ١٠٧ ومابعدها، بداية المجتهد: ١ / ٦٣
ومابعدها، الشرح الصغير: ١ / ٤٨١، مغني المحتاج: ١ / ٢٦٤ ومابعدها، المهذب: ١ / ١٠٣، كشاف القناع: ١ /
٦٠٥، القوانين الفقهية: ص ٨٥، الشرح الكبير: ١ / ٣٦٤.
- ٣٢٥ _

وإذا دخل العسكر أرض الحرب ، فنووا الإقامة بها خمسة عشر يوماً ، أو
حاصروا فيها مدينة أو حصناً ، قصروا ، ولم يتموا الصلاة ، لعدم صحة النية ؛ لأن
الداخل قلق غير مستقر ، فهو متردد بين أن يَهزِمِ العدو فيَقر ، أو يُهزَم من عدوه
فيفر . وهذا موافق لمذهب المالكية أيضاً .
وقال المالكية والشافعية : إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع ، أتم
صلاته ؛ لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض ، والمقيم والعازم على
الإقامة غير ضارب في الأرض ، والسنة بينت أن مادون الأربع لا يقطع السفر ،
ففي الصحيحين: ((يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً)) وأقام النبي مَ لّ بمكة في
عمرته ثلاثاً يقصر(١) .
وقدر المالكية المدة المذكورة بعشرين صلاة في مدة الإقامة ، فإذا نقصت عن
ذلك قصر .
ولم يحسب المالكية والشافعية يومي الدخول والخروج على الصحيح عند
الشافعية ؛ لأن في الأول حط الأمتعة ، وفي الثاني الرحيل ، وهما من أشغال
السفر .
5
وقال الحنابلة : إذا نوى أكثر من أربعة أيام أو أكثر من عشرين صلاة ،
أتم ، لحديث جابر وابن عباس أن النبي ◌ُ الّ قدم مكة صبيحة رابعة ذي الحجة ،
فأقام بها الرابع والخامس والسادس ، وصلى الصبح في اليوم الثامن ، ثم خرج إلى
منى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقال أنس: (( أقمنا بمكة عشراً نقصر
(١) راجع نيل الأوطار: ٣ / ٢٠٧ ومابعدها. أما حديث الصحيحين فهو أن النبي عائل حرم الإقامة بمكة على
المهاجرين ، ثم رخص لهم أن يقيموا ثلاثة أيام ( المجموع: ٤ / ٢٤٣).
- ٣٢٦ -

الصلاة ))(١) ، قال ابن حجر في الفتح: ولاشك أنه خرج من مكة صبح الرابع
عشر ، فتكون مدة الإقامة بمكة ونواحيها عشرة أيام بلياليها ، كما قال أنس ،
وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام ، لاسواها ، لأنه خرج منها في اليوم الثامن ،
فصلى بنى .
ويحسب من المدة عند الحنابلة يوم الدخول والخروج .
فإن كان ينتظر قضاء حاجة يتوقعها كل وقت أو يرجو نجاحها أو جهاد
عدو أو على أهبة السفر يوماً فيوماً ، جاز له القصر عند المالكية والحنابلة ، مهما
طالت المدة ، مالم ينو الإقامة ، كما قرر الحنفية .
وقال الشافعية : له القصر ثمانية عشر يوماً غير يومي الدخول والخروج ؛
لأنه مَّ امٍ أقامها بمكة عام الفتح لحرب هوازن ، يقصر الصلاة(٢).
ثالثاً - شروط القصر :
(٣).
اشترط الفقهاء لصحة القصر الشروط الآتية
١ - أن يكون السفر طويلاً مقدراً بمسيرة مرحلتين أو يومين أو ستة عشر
فرسخاً عند الجمهور ، أو ثلاث مراحل أو ثلاثة أيام بلياليها عند الحنفية ، على
الخلاف السابق بيانه .
(١) متفق عليها ( المصدر السابق ).
(٢) رواه أبو داود عن عمران بن حصين ، والترمذي وحسنه ، وإن كان في سنده ضعيف ؛ لأن له شواهد تجبره
كما قال ابن حجر. ورويت روايات أخرى أصحها أنها تسعة عشر، كما قال البيهقي ، وقدمت رواية الثمانية عشر على
التسعة عشر مع كونها أصح ، لأن الأولى عن عمران سليمة من الاضطراب ، والأخرى عن ابن عباس مضطربة ، ففيها
تسعة عشر ، وسبعة عشر .
(٣) تبيين الحقائق: ١ / ٢٠٩ - ٢١٦، القوانين الفقهية: ص ٨٤ - ٨٥، الشرح الصغير: ١ / ٤٨٦، مغني
المحتاج: ١ / ٢٦٦ - ٢٧١، المهذب: ١ / ١٠١ - ١٠٣، الحضرمية: ص ٧٦ وما بعدها، كشاف القناع: ١ / ٥٩٣ -
٦٠٣، مراقي الفلاح : ص ٧١ .
- ٣٢٧ -
٠

٢ - أن يكون السفر مباحاً غير محرم أو محظور كالسفر للسرقة أو لقطع
الطريق ، ونحو ذلك ، في رأي الجمهور غير الحنفية . فإن قصر المرء في سفر
المعصية لاتنعقد صلاته عند الشافعية والحنابلة ؛ لأنه فعل ما يعتقد تحريمه كمن
صلى وهو يعتقد أنه محدث ، ويصح القصر مع الإثم عند المالكية .
ولا يقصر عند الحنابلة لسفر مكروه ، ويقصر عند المالكية والشافعية .
ويرى الحنفية : أنه يجوز القصر في السفر المحرم والمكروه والمباح كمابينا
ويقصر لسفر التجارة والتنزه والتفرج، ولزيارة المساجد والآثار ، والقبور ، وهو
الصحيح عند الحنابلة في زيارة القبور .
٣ - مجاوزة العمران من موضع إقامته: كمابينا ، وللفقهاء تفريعات في
توضيح هذا الشرط .
فقال الحنفية (١) : أن يجاوز بيوت البلد التي يقيم فيها من الجهة التي خرج
منها ، وإن لم يجاوزها من جانب آخر . وأن يجاوز كل البيوت ولو كانت متفرقة
متى كان أصلها من البلد ، وأن يجاوز ماحول البلد من مساكن ، والقرى المتصلة
بالبلد . ويشترط أن يجاوز الساحة ( الفناء ) المتصلة بموضع إقامته : وهو المكان
المعد لصالح السكان كركض الدواب ودفن الموتى وإلقاء التراب .
ولا يشترط أن تغيب البيوت عن بصره ، ولا مجاوزة البيوت الخربة ، ولا
مجاوزة البساتين ؛ لأنها لاتعتبر من العمران ، وإن اتصلت بالبناء أو سكنها أهل
البلدة .
وإذا كان ساكناً في الأخبية ( الخيام ) فلابد من مجاوزتها ، وإذا كان مقيماً
(١) رد المحتار: ١ / ٧٣٢ وما بعدها .
- ٣٢٨ -

على ماء أو محتطب فلابد من مفارقته ، مالم يكن المحتطب واسعاً جداً ، والنهر
بعيد المنبع أو المصب ، وإلا فالعبرة بمجاوزة العمران .
وقال المالكية(١): المسافر إما حضري، أو بدوي ، أو جبلي .
فالحضري : الساكن في مدينة أو بلد أو قرية ولو لاجمعة فيها ، لا يقصر إلا
إذا جاوز بنيانها والفضاء الذي حولها والبساتين المتصلة بها ولو حكماً : بأن
يرتفق أو ينتفع سكانها بها بنار أو خبز أو طبخ ، والمسكونة بأهلها ولو في بعض
العام . ولا يشترط مجاوزة المزارع والبساتين المنفصلة ، أو غير المسكونة في وقت
من العام .
والبدوي : ساكن البادية أو الخيام ، لا يقصر إلا إذا جاوز جميع خيام أو
بيوت القبيلة أو القبائل المتعاونة فيما بينها ، ولو كانت متفرقة ، حيث جمعهم اسم
الحي والدار(٢) ، أو الدار فقط.
والجبلي : ساكن الجبال يقصر إذا جاوز محله أو مكانه .
وساكن القرية التي لابساتين فيها مسكونة : يقصر إذا جاوز بيوت القرية
5
والأبنية الخراب التي في طرفها .
وساكن البساتين: يقصر بمجرد انفصاله عن مسكنه، سواء أكانت تلك البساتين
متصلة بالبلد أم منفصلة عنها .
وقال الشافعية(٣): إن كان للبلد أو القرية سور، فأول السفر مجاوزة
السور، وإن كان وراءه عمارة في الأصح .
(١) الشرح الكبير مع الدسوقي : ١ / ٣٥٩ ومابعدها .
(٢) المراد بالحي : القبيلة ، والمراد بالدار : المنزل الذي ينزلون فيه ، والحلة والمنزل بمعنى واحد.
(٣) مغني المحتاج : ١ / ٢٦٣ وما بعدها .
- ٣٢٩ -

وإن لم يكن للبلد أو القرية سور: فأول السفر مجاوزة آخر العمران ، وإن
تخلله نهر أو بستان أو خراب ، حتى لا يبقى بيت متصل أو منفصل عن محل
الإقامة ، ولا يشترط مجاوزة الخراب المهجور الخارج عن العمران ؛ لأنه ليس محل
إقامة ، كما لا يشترط مجاوزة البساتين والمزارع ، وإن اتصلت بما سافر منه . ولابد
من مجاوزة المقابر المتصلة بالقرية التي لاسور لها .
وساكن الخيام : يقصر إن جاوز الحِلّة ، أي البيوت التي يجتمع أهلها فيها
للسمر، ويستعير بعضهم من بعض ، سواء أكانت مجتمعة أم متفرقة ، وجاوز أيضاً
مرافق الخيام كمطرح الرماد وملعب الصبيان ومرابط الخيل ؛ لأنها معدودة من
مواضع إقامتهم .
ويعتبر مع مجاوزة المرافق مجاوزة عرض الوادي إن سافر في عرضه ، ومجاوزة
المهبط إن كان في ربوة ( مرتفع ) ، والمصعد إن كان في وَهْدة ( منخفض ) ، هذا
إن اعتدلت الثلاثة ( الوادي والمهبط والمصعد ) ، فإن اتسعت اكتفي بمجاوزة
الحلة عرفاً .
ـع الـ
وساكن غير الأبنية والخيام يبتدئ سفره بمجاوزة محل رحله ومرافقه . هذا
كله في سفر البر ، أما السفر في البحر : فيبتدئ من أول تحرك أو جري السفينة أو
الزورق ، فإن جرت السفينة محاذية للأبنية التي في البلدة فلابد من مجاوزة تلك
الأبنية .
وينتهي السفر بوصوله سور وطنه ، أو عمرانه إن كان غير مسور .
وقال الحنابلة(١) : يقصر المسافر إذا فارق خيام قومه ، أو بيوت قريته
العامرة، سواء أكانت داخل السور أم خارجه، بما يعد مفارقة عرفاً؛ لأن الله
(١) المغني: ٢ / ٢٦١، كشاف القناع: ١ / ٥٩٨ .
- ٣٣٠ -

تعالى إنما أباح القصر لمن ضرب في الأرض ، وسواء اتصل بها بيوت خربة او
صحراء ، فإن اتصل بالبيوت الخربة بيوت عامرة أو بساتين يسكنها أهلها ولو
ضيفاً مثلاً وقت النزهة ، فلا يقصر إلا بمفارقة الجميع من الخراب والعامر
والبساتين المسكونة .
ولو كان للبلد محال ، كل محلة منفردة عن الأخرى ، كبغداد في الماضي ،
فمتى خرج من محلته ، أبيح له القصر إذا فارق أهله . وإن كان بعضها متصلاً
ببعض كاتصال أحياء المدن المعاصرة ، لم يقصر حتى يفارق جميعها .
ولو كانت قريتان متدانيتين ( متقاربتين) ، واتصل بناء إحداهما
بالأخرى ، فهما كالواحدة ، وإن لم يتصل بناؤهما ، فلكل قرية حكم نفسها .
والملاح الذي يسير بسفينته وليس له بيت سوى سفينته ، فيها أهله وتنوره
وحاجته ، لا يباح له الترخص .
٤ - أن يقصد من ابتداء السفر موضعاً معيناً، ويعزم أن يقطع مسافة القصر
من غير تردد فلاقصر ولافطر لهائم : وهو من خرج على وجهه لا يدري أين
يتوجه ، ولالمن خرج يطلب آبقاً أو حيوانا هارباً ، أو غريماً يرجع متى وجده ،
ولالسائح لا يقصد مكاناً معيناً ، كما لاقصر لمن طاف الأرض كلها من غير قصد إلى
قطع مسافة القصر المطلوبة ؛ لأنه لم يقصد قطع المسافة ، وكذلك لا يقصر عند
الجمهور إذا نوى قطع المسافة ونوى الإقامة أثناءها بما يقطع السفر ، كما سنبين .
وقال الحنفية : له أن يقصر حتى يقيم بالفعل ، ولا تضر نية الإقامة السابقة ،
وهذا هو المعقول الأولى بالاتباع .
٥ - الاستقلال بالرأي : فمن كان تابعاً غيره ممن هو مالك أمره كالزوجة مع
زوجها ، والجندي مع أميره ، والخادم مع سيده والطالب مع أستاذه ، ولا يعرف
- ٣٣١ -

كل واحد منهم مقصده ، لا يقصر ؛ لأن شرط قصد موضع معين لم يتحقق . وهذا
الشرط عند الشافعية مقيد بما قبل قطع مسافة القصر ، فإن قطعوا مسافة القصر ،
قصروا ، وإن لم يقصر المتبوعون لتيقن طول سفرهم .
وأضاف الشافعية : أن التابع إن نوى الرجوع من سفره متى تخلص من
التبعية ، كالجندي إذا شطب اسمه ، والخادم إذا ترك الخدمة ، لا يقصر حتى يقطع
مسافة القصر وهي المرحلتان أو اليومان .
أما عند الحنفية فهذا الشرط مطلق ، فليس للتابع القصر مالم ينو متبوعه
السفر. ولا يلزم التبع بإتمام الصلاة إلا إن علم بنية المتبوع الإقامة في الأصح ، فلو
صلى مخالفاً له قبل علمه صحت في الأصح .
٦ - ألا يقتدي من يقصر بمقيم أو بمسافر يتم الصلاة ، أو بمشكوك السفر عند
الشافعية والحنابلة : فإن فعل ذلك وجب عليه إتمام الصلاة ، ولو اقتدى به في
التشهد الأخير .
لكن الحنفية لم يجيزوا اقتداء المسافر بالمقيم إلا في الوقت ، فيتم صلاته ؛ لأن
فرضه يتغير من اثنين إلى أربع . أما بعد خروج الوقت فلايجوز له الاقتداء
بالمقيم ؛ لأن فرضه استقر في ذمته ركعتين فقط ، فلا يتغير فرضه إلى أربع بعد
خروج الوقت ، فإن خالف واقتدى به بطلت صلاته .
٧ - أن ينوي القصر عند الإحرام بالصلاة: وهذا شرط عند الشافعية والحنابلة؛
لأن الأصل الإتمام، وإطلاق النية ينصرف إليه، فكان لابد من نية القصر.
واكتفى المالكية باشتراط نية القصر في أول صلاة يقصرها في السفر ، ولا يلزم
تجديدها فيا بعدها من الصلوات كنية الصيام أول رمضان ، فإنها تكفي عن باقي
الشهر .
- ٣٣٢ -

أما الحنفية : فاكتفوا بنية السفر قبل الصلاة ، فمتى نوى السفر ، كان فرضه
القصر ركعتين ، فلا ينويه عند الإحرام لكل صلاة .
٨ - البلوغ : شرط عند الحنفية ، فلا يقصر الصبي الصلاة في السفر . ولم
يشترطه جمهور الفقهاء ، فيصح للصبي القصر ؛ لأن كل من له قصد صحيح ،
ونوى سفراً يبلغ المسافة المقررة يقصر .
٩ - اشترط الشافعية: أن يدوم سفره من أول الصلاة إلى آخرها : فإن
انتهت به سفينته إلى محل إقامته ، أو سارت به منها ، أو شك هل نوى الإقامة ،
أو هل هذه البلدة التي وصلها هي بلده أو لا ، وهو في أثناء الصلاة في الجميع ، أتم
صلاته ، لزوال سبب الرخصة ، أو الشك في زواله .
خلاصة آراء الفقهاء في شروط القصر :
مذهب الحنفية : يقصر من نوى السفر ، وقصد موضعاً معيناً ، ولو
عاصياً بسفره ، متی جاوز بيوت محل إقامته ، وجاوز مااتصل به من فناء البلد ،
والفناء : المكان المعد لمصالح البلد ، كركض الدواب ودفن الموتى . كما يشترط أن
يجاوز ربض البلد : وهو ماحول المدينة من بيوت ومساكن ، فإنه في حكم المصر،
وكذا يشترط في الصحيح مجاوزة القرى المتصلة بربض البلد .
ويشترط لصحة نية السفر ثلاثة أمور :
الاستقلال بالحكم على الأوضاع من إقامة وسفر ، والبلوغ ، وعدم نقصان
السفر عن ثلاثة أيام .
مذهب المالكية : شروط القصر ستة :
طول السفر وهي ثمانية وأربعون ميلاً على المشهور ، وأن يعزم من أول سفره
على قطع المسافة من غير تردد ، وأن يقصد جهة معينة ، وأن يكون السفر
- ٣٣٣ -

مباحاً ، وأن يجاوز البلد وما يتصل به من الأبنية والبساتين المعمورة ، وألا يعزم
في خلال سفره على إقامة أربعة أيام بلياليها .
مذهب الشافعية : شروط القصر ثمانية :
أن يكون السفر طويلاً وهو ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية(١) ، أو مرحلتان
وهما سير يومين بلاليلة معتدلين ، أو ليلتين بلايوم معتدلتين ، أو يوم وليلة
معتدلين ، بسير الأثقال ، والبحر كالبر ؛ وقصد موضع معين أول سفره ليعلم أنه
طويل ، فيقصر أو لا ؛ وأن يكون السفر مباحاً فلاقصر لعاص بسفره ، ولالناشزة
من زوجها ؛ والعلم بجواز القصر، فلو قصر جاهلاً به لم تصح صلاته لتلاعبه ؛ وأن
ينوي القصر في الإحرام للصلاة ؛ وأن يتحرز عما ينافي نية القصر في أثناء دوام
الصلاة ، كنية الإتمام ، فلو نواه بعد نية القصر أتم ؛ وألا يقتدي ولو لحظة بمتم
ولابمشكوك السفر ولايإمام محدث ، فإن اقتدى به في أي جزء من صلاته ، لزمه
الإتمام، لخبر الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس: ((سئل: مابال المسافر
يصلي ركعتين إذا انفرد ، وأربعاً إذا ائتم بمقيم ؟ فقال: تلك السنة)).
ويشترط أخيراً كونه مسافراً في جميع صلاته ، فلو نوى الإقامة فيها ، أو
بلغت سفينته دار إقامته ، أتم .
مذهب الحنابلة : شروط القصر ثمانية :
إذا كان السفر طويلاً وهو ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية ؛ وواجباً أو مباحاً ؛
وأن يجاوز بيوت قريته ، ويجعلها وراء ظهره بما يعد مفارقة عرفاً ، وأن ينوي
سفراً يبلغ تلك المسافة ، والمعتبرنية المسافر سفر المسافة ، لاحقيقتها ، فمن نوى
ذلك قصر ، ولو رجع قبل استكمال المسافة ؛ وأن يقصد موضعاً معيناً في ابتداء
(١) الهاشمية : هي المنسوبة لبني أمية .
- ٣٣٤ -

السفر ؛ وأن ينوي القصر عند أول الصلاة ؛ وألا يقتدي بمقيم ولابمشكوك في سفره
ولابمن تلزمه إعادة الصلاة كمن يقتدي بمقيم يحدث في أثناء الصلاة ، فيلزمه إعادتها
تامة ؛ لأنها وجبت عليه تامة في الابتداء ، فلا يجوز أن تعاد مقصورة ؛ وكونه
مسافراً في جميع الصلاة ، كما قال الشافعية .
رابعاً - اقتداء المسافر بالمقيم وبالعكس :
اقتداء المسافر بالمقيم : اتفق الفقهاء(١) على أنه يجوز اقتداء المسافر
بالمقيم ، مع الكراهة عند المالكية ، لمخالفة المسافر سنته من القصر، وعلى أنه إذا
اقتدى المسافر بالمقيم ، يجب عليه إتمام الصلاة أربعاً ، متابعة للإمام ، ويتغير
فرضه عند الحنفية إلى الأربع ، كما يتغير بنية الإقامة .
واشترط الحنفية لجواز الاقتداء بقاء الوقت ، ولو قدر ما يسع التحريمة ،
أما عند خروج الوقت فلا يصح اقتداء المسافر بالمقيم ؛ لأن فرضه لا يتغير بعد
الوقت ، لانقضاء السبب ، كما لا يتغير عندهم بنية الإقامة .
والدليل على وجوب الإتمام من السنة : هو ماذكرناه عن ابن عباس أنه قيل
له: ((مابال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد ، وأربعاً إذا ائتم بمقيم ؟
فقال: تلك السنة))(٢)، وقال نافع: ((كان ابن عمر إذا صلى مع الإمام ، صلاها
أربعاً، وإذا صلى وحده صلاها ركعتين)) (٣)، وقال النبي عَ افلام: ((إنما جعل
الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليه )).
(١) الكتاب مع اللباب: ١ / ١٠٩، مراقي الفلاح: ص ٧٢، الدر المختار: ١ / ٧٤٠ ومابعدها، فتح القدير:
١ / ٣٩٩، الشرح الصغير: ١ / ٤٨٢، القوانين الفقهية: ص ٨٤، المهذب: ١ / ١٠٣، مغني المحتاج: ١ / ٢٦٩ ،
كشاف القناع: ١ / ٦٠٢، المغني: ٢ / ٢٨٤، المجموع: ٤ / ٢٣٦ - ٢٤٢.
(٢) رواه أحمد في المسند. وقوله ((السنة)) ينصرف إلى سنة رسول الله حاتم.
(٣) رواه مسلم .
- ٣٣٥ -

وأضاف الشافعية والحنابلة : أنه لو رغَف الإمام المسافر ، واستخلف غيره ،
أتم المقتدون دون الإمام .
اقتداء المقيم بالمسافر : اتفق الفقهاء(١) أيضاً على أنه يجوز اقتداء المقيم
بالمسافر ، مع الكراهة عند المالكية ، لمخالفة نية إمامه ، فإذا صلى المسافر بالمقيين
ركعتين سلم ، ثم أتم المقيمون صلاتهم . ويستحب للمسافر الإمام أن يقول عقب
التسليمتين : أتموا صلاتكم ، فإني مسافر ، لدفع توهم أنه سها ، ولئلا يشتبه على
الجاهل عدد ركعات الصلاة ، فيظن أن الرباعية ركعتان .
وذكر الحنفية أنه ينبغي أن يقول ذلك قبل شروعه في الصلاة ، وإلا فبعد
سلامه .
ودليل الجواز: ما رواه عمران بن حصين قال: ما سافر رسول الله محل العمل
سَفَراً إلا صلى ركعتين ، حتى يرجع ، وإنه أقام بمكة زمن الفتح ثمان عشرة ليلة ،
يصلي بالناس ركعتين ركعتين ، إلا المغرب ، ثم يقول : يا أهل مكة ، قوموا
فصلوا ركعتين أخريين ، فإنا قوم سَفْر))(٢)
وإذا مام الإمام للإتمام سهواً أو جهلاً بعد نية القصر ، سبّح له المأموم ، بأن
يقول : سبحان الله ، فإن رجع سجد لسهوه ، وأن لم يرجع فلا يتبعه ، بل يجلس
حتى يسلم إمامه .
(١) المراجع السابقة، الكتاب، مراقي، الدر، فتح القدير: ص٤٠١، القوانين، الشرح الصغير: ص٤٨٢ ،
٤٨٤، المغني: ص٢٨٦ .
(٢) رواه أحمد وأبو داود ، والترمذي وحسنه ، والبيهقي، وفي إسناده ضعيف، وإنما حسن الترمذي حديثه
لشواهده، كما قال الحافظ ابن حجر. وروى مالك في الموطأ مثله عن عمر، ورجال إسناده أئمة ثقات ( نيل الأوطار:
١٦٦/٣ )
- ٣٣٦ _

خامساً - ما يمنع القصر :
ينتهي سفر المسافر ، ويمتنع القصر، ويجب الإتمام بنية الإقامة في موضع
أثناء سفره مدة معينة بيناها ( ١٥ يوماً عند الحنفية ، و٤ أيام عند المالكية
والشافعية ، وأكثر من ٤ أيام عند الحنابلة ) ، وبالرجوع فعلاً إلى محل إقامته
المعتادة ، وبغيرها من حالات أخرى مقررة في المذاهب .
١ - أن ينوي المسافر الإقامة مدة معينة :
لما روي عن أبي هريرة أنه ((صلى مع النبي ◌َ ◌ٍّ إلى مكة في المسير والمُقام
بمكة إلى أن رجعوا ركعتين ))(١) وبما أنه لم يحدد النص مدة الإقامة فقد اختلف
الفقهاء في تقدير المدة :
فقال الحنفية(٢):
يمتنع القصر بنية الإقامة ولو في الصلاة مالم يخرج وقتها ولم يكن لاحقاً مدة
نصف شهر ( ١٥ يوماً ) كاملة فأكثر، فإن نوى الإقامة أقل من هذه المدة ولو
بساعة ، أو نواها بعد أن خرج الوقت وهو فيها ، أو كان لاحقاً مدركاً الإمام أول
الصلاة ، والإمام مسافر، فأحدث أونام ، فانتبه بعد فراغ الإمام ، ونو؟
الإقامة ، لم يتم الصلاة ، وإنما يقصرها ولو بقي سنين مسافراً ؛ لأن الإقامة
لا تتحقق بأقل من نصف الشهر، ولأن الواجب بعد خروج الوقت استقر في
الذمة كما هو في الوقت ، ولأن اللاحق في الحكم كأنه خلف الإمام .
ولا تمنع نية الإقامة القصر إلا بشروط أربعة :
(١) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (نيل الأوطار: ٢٠٧/٣)
(٢) الدر المختار ورد المختار: ٧٣٦/١ - ٧٣٨، الكتاب مع اللباب: ١٠٧/١ - ١٠٨
الفقه الإسلامي جـ ٢ (٢٢)
- ٣٣٧ -

الأول - أن يترك السير بالفعل : فلو نوى الإقامة وهو ما يزال مسافراً
يسير ، لا يكون مقيماً ، ويجب عليه القصر .
الثاني - أن يكون موضع الإقامة صالحاً لها كمدينة أو قرية لكل الناس ، أو
برية لأهل الخيام ، فلو نوى الإقامة في موضع غير صالح كبحر أو جزيرة
مهجورة أو صحراء خالية من الناس ، قصر .
الثالث - أن يكون الموضع واحداً غير متعدد : فلو نوى الإقامة خمسة عشر
يوماً ببلدتين مستقلتين كمكة ومنى ، لم تصح نيته ويقصر ؛ إذ لابد من نية الإقامة
تلك المدة في موضع واحد .
الرابع - أن يكون ناوي الإقامة مستقلاً بالرأي : أما لو كان تابعاً لغيره
كالمرأة والخادم وإن نوى الإقامة ، فيقصر ولا يتم ، إلا إن علم نية متبوعه الإقامة
في الأصح ، فیتم الصلاة مثله ، کما سبق .
ومن ترقب السفر غداً أو بعده ، أو انتظر قادماً أو قافلة مثلاً مالم يعلم
تأخرها نصف شهر ، أو كان مع العسكر الذين نووا الإقامة في دار الحرب ، أو
حاصر حصناً في دار الحرب ، قصر الصلاة ، ولم يتمها ، كما بينا سابقاً .
وقال المالكية (١) :
يمتنع القصر بنية الإقامة أربعة أيام صحاح غير يومي الدخول والخروج ،
تستلزم عشرين صلاة ، وإلا فلا ، أو العلم بإقامة الأربعة الأيام عادة في محل ما ،
بأن كانت عادة القافلة أن تقيم في ذلك المحل أربعة أيام ، فإنه يتم . فإن لم تجب
عليه العشرون صلاة ، كأن دخل بلداً قبل فجر السبت مثلاً ، ونوى الإقامة إلى
(١) الشرح الكبير: ٣٦٤/١، الشرح الصغير: ٣٦٤/١، القوانين الفقهية: ص٨٥.
- ٣٣٨ _
۔۔

غروب يوم الثلاثاء ، وخرج قبل العشاء ، قصر ، ولم ينقطع حكم سفره ؛ لأنه
وإن كانت الأربعة الأيام صحاحاً ، إلا أنه لم يجب عليه عشرون صلاة .
وإن لم يقم أربعة أيام كأن دخل بلداً قبل العصر ولم يكن صلى الظهر ،
ونوى الارتحال بعد صبح اليوم الخامس ، لم ينقطع حكم سفره ؛ لأنه وإن وجب
عليه عشرون صلاة ، إلا أنه لم يقم إلا ثلاثة أيام صحاح .
فلابد من الأمرين أو الشرطين معاً : إقامة أربعة أيام صحاح ، ووجوب
عشرين صلاة .
ومن أقام لحاجة متى قضيت سافر ، فلا ينقطع القصر ، ولو طالت المدة ،
إلا إذا علم أنها لا تقضى حاجته إلا بعد الأربعة الأيام . ومثله من لم ينو الإقامة
وأقام مدة طويلة ، له أن يقصر .
ومن نوى الإقامة وهو في الصلاة ، قطع الصلاة ، وندب أن يشفع إن صلى
ركعة بسجدتيها ، ولا تجزئ صلاة تامة إن أتمها ، ولا مقصورة إن قصرها . وإن
نوى الإقامة بعد الفراغ من الصلاة ، أعادها بوقت اختياري أي وقتها المعتاد .
ولا يشترط في محل الإقامة : أن يكون صالحاً للإقامة فيه . ويستثنى من
نية الإقامة حالة العسكر في دار الحرب الذي ينوي إقامة أربعة أيام فأكثر ، فلا
ينقطع حكم سفره ، ويقصر .
وقال الشافعية (١) :
يمتنع القصر إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام تامة بلياليها ، أو نوى الإقامة
(١) مغني المحتاج: ٢٦٤/١ وما بعدها .
- ٣٣٩ -

مطلقاً ، غير يومي الدخول والخروج ، على الصحيح ، بموضع صالح للإقامة أو
غير صالح كصحراء على الأصح ، فإن نوى أقل من أربعة أيام ، قصر . وإن
كانت له حاجة وجزم بأنها لا تقضى في أربعة أيام ، أتم ولم يقصر ، سواء نوى
الإقامة أم لا .
أما إن أقام ببلد بنية أن يرحل إذا تحققت حاجة يتوقعها كل وقت ، فله
القصر إلى ثمانية عشر يوماً ، كما ذكرنا .
وقال الحنابلة(١) :
يمتنع القصر لو نوى المسافر إقامة مطلقة بأن لم يحدها بزمن معين ، ولو في
مكان غير صالح للإقامة كبادية ودار حرب ، أو نوى إقامة أكثر من عشرين
صلاة ، أو أكثر من أربعة أيام مع يومي الدخول والخروج ، وأتم صلاته .
لكن إن أقام لحاجة يتوقع قضاءها ، فله القصر ، ولو استمر سنين ، وهذا هو
رأي الجمهور ، وقصره الشافعية على ثمانية عشر يوماً كما بينا .
٢ - العودة إلى محل الإقامة الدائمة ، أو نية العودة :
سأبحث هذه الحالة في ضوء المصطلحات الحديثة للإقامة والوطن بالاعتماد
على اصطلاح الفقهاء في الماضي ، والاصطلاحات الحديثة هي ما يلي :
أ - الوطن : هو إقليم الدولة التي ينتمي إليها ويحمل جنسيتها بحسب التقسيم
الإقليمي للدول المعاصرة . وهذا المفهوم لا صلة له ببحثنا .
ب - محل الإقامة الدائمة : هو محل العمل الذي يسكن فيه ، أو محل
المعيشة .
(١) كشاف القناع : ٦٠٥/١
- ٣٤٠ -