Indexed OCR Text

Pages 161-180

ے
وإن أقيمت الصلاة ، وهو في النافلة ، ولو كان خارج المسجد ، أتمها خفيفة
ولو فاتته ركعة، لقوله تعالى: ((ولا تبطلوا أعمالكم)) ولا يزيد على ركعتين ،
فإن كان شرع في الركعة الثالثة ، أتمها أربعاً ، لأنها أفضل من الثلاث . فإن سلم
من ثلاث ركعات ، جاز نصاً في المسألتين ، إلا أن يخشى المتنفل فوات ما تدرك
به الجماعة ، فيقطعها ؛ لأن الفرض أهم .
وللحنفية تفصيل خاص ، يشبه في قطع الفريضة مذهبي المالكية والشافعية
في الجملة ، ويستقل في ضرورة صلاة سنة الفجر ، وهو ما يأتي (١) :
إذا شرع المصلي في أداء فرض أو قضائه منفرداً ، ثم أقيمت الجماعة : فإن شرع
في صلاة الفجر أو المغرب : فإن كان في الركعة الأولى ، ولو بعد السجود ، فعليه
أن يقطع صلاته بتسليمة ، ثم يدخل مع الجماعة . وإن كان في الركعة الثانية ،
قطعها أيضاً إن كان قبل السجود ، وأتمها منفرداً إن كان بعد السجود .
وإن شرع في صلاة رباعية كالظهر أو العصر : فإن كان المنفرد قبل السجود
في الركعة الأولى (٢)، قطع صلاته ولحق الإمام. وإن كان بعد السجود أتم
الركعتين أي صلى شفعاً وسلم ، ودخل مع الجماعة إحرازاً لفضيلة الجماعة ، وصار
ماصلاه نفلاً ، صيانة للمؤدى عن البطلان .
وإن قام للثالثة ، فأقيمت الجماعة قبل سجوده ، قطع قائماً بتسليمة واحدة .
أما إن أتم الركعة الثالثة من الرباعية أو من المغرب ، فإنه يتم صلاته منفرداً ؛ لأن
للأكثر حكم الكل . ثم يصلي مع الجماعة نافلة ؛ لأن الفرض لا يتكرر في وقت
واحد، بدليل ماقال يزيد بن الأسود: شهدت مع النبي مُطَالِ حَجَّتَه ، فصليت
(١) فتح القدير: ١ / ٣٣٥ - ٣٤٢، تبيين الحقائق: ١ / ١٨٠ - ١٨٤، مراقي الفلاح: ص ٧٧ وما بعدها.
(٢) عبارتهم في ذلك : ثم لم يقيد الركعة الأولى بالسجدة ، يقطع ويشرع مع الإمام ، وهو الصحيح .
الفقه الإسلامي جـ ٢ (١١)
- ١٦١ -

معه صلاة الصبح في مسجد الخيف ، فلما قضى صلاته ، انحرف ، فإذا هو برجلين
في أُخرى القوم لم يصليا، فقال: عليَّ بهما، فجيء بها تُرعَد فرائصُهما(١) ، فقال :
مامنعكما أن تصليا معنا ؟ فقالا : يارسول الله ، إنا كنا قد صلينا في رحالنا ،
قال : فلا تفعلا ، إذا صليتما في رحالكما ، ثم أتيتما مسجد جماعة ، فصلِيا معهم ،
فإنها لكما نافلة(٢) .
ومن دخل المسجد ، والصلاة تقام ، اشترك مع الجماعة ويترك السنة ، لأنه
يؤديها بعد الفرض والسنة البعدية ، إلا سنة الفجر ، فإنه يصليها عند باب
المسجد ، ثم يدخل ، إذا لم يخف فوت الجماعة ، لأنه أمكنه الجمع بين الفضيلتين .
فإن خشي فوت الجماعة ، دخل مع الإمام في الفريضة ؛ لأن ثواب الجماعة أعظم ،
والوعيد بالترك ألزم .
وإذا فاتته ركعتا الفجر، لا يقضيهما قبل طلوع الشمس ؛ لأنه يبقى نفلاً
مطلقاً ، وهو مكروه بعد الصبح ، ولابعد ارتفاع الشمس عند أبي حنيفة وأبي
يوسف ؛ لأن الأصل في السنة ألا تقضى ، لاختصاص القضاء بالواجب ، والرسول
عرّالٍّ إنما قضى السنة تبعاً للفرض غداة طلوع الشمس عليه ليلة التعريس(١) في
الوادي ، فبقي ماعداه على الأصل : وهو عدم القضاء ، وعلى هذا فلا تقضى سنة
الفجر إلا تبعاً للفرض إذا فاتت مع الفرض .
وقال محمد : أحب إلي أن يقضيهما ( أي ركعتي الفجر ) إلى وقت الزوال ،
لأنه عليه السلام قضاهما بعد ارتفاع الشمس غداة ليلة التعريس .
(١) الفرائص : جمع فريصة: وهي اللحمة من الجنب والكتف التي لاتزال ترعد أي تتحرك من الدابة ،
واستعير للإنسان؛ لأن له فريصة، وهي ترجف عند الخوف. وسبب ارتعاد فرائصها: ما اجتمع في رسول الله عَ ائع
من الهيبة العظيمة والحرمة الجسيمة ، لكل من رآه ، مع كثرة تواضعه .
(٢) رواه الخمسة إلا ابن ماجه ( نيل الأوطار: ٣ / ٩٢ ).
(٣) التعريس : نزول القوم في السفر من آخر الليل يقعون فيه وقعة للاستراحة ثم يرتحلون .
- ١٦٢ -

وإن شرع في سنة الظهر القبلية ، فأقيمت الجماعة ، أو في سنة الجمعة فصعد
الخطيب المنبر ، سلم بعد ركعتين وهو الأوجه ، ثم قضى السنة أربعاً بعد أداء
الفرض والسنة البعدية ، حتى لا يفوت فرض الاستماع والأداء على وجه أكمل .
وهذا رأي أبي حنيفة وأبي يوسف . وعند محمد : تقضى قبل السنة البعدية . قال
الشلبي(١): والأولى تقديم الركعتين أي السنة البعدية ؛ لأن الأربع أي السنة
القبلية فاتت عن الموضع المسنون ، فلاتفوت الركعتان أيضاً عن موضعهما قصداً
بلا ضروروة .
تاسعاً - تكرار الجماعة في المسجد :
عرفنا في مكروهات الصلاة سابقاً أن الحنفية(٢) قالوا: يكره تكرار الجماعة
بأذان وإقامة في مسجد مَحِلّة ، إلا إذا صلى بها فيه أولاً غير أهله ، أو أهله لكن
بمخافتة الأذان ، أو كرر أهله الجماعة بدون الأذان والإقامة ، أو كان مسجد
طريق ، أو مسجداً لا إمام له ولا مؤذن ، ويصلي الناس فيه فوجاً فوجاً،
والأفضل أن يصلي كل فريق بأذان وإقامة على حدة .
والمراد بمسجد المحلة : ماله إمام وجماعة معلومون . والكراهة إذا تكرر
الأذان ، فلو صلى جماعة في مسجد المحلة بغير أذان أبيح ، لكن ظاهر الرواية عند
الحنفية أنه مكروه ، فما يفعل في بعض المساجد من الصلاة بأئمة متعددة وجماعات
مترتبة مكروه عندهم .
ودليلهم : أنه عليه الصلاة والسلام كان قد خرج ، ليصلح بين قوم ، فعاد إلى
المسجد ، وقد صلى أهل المسجد ، فرجع إلى منزله ، فجمع أهله وصلى . ولو جاز
(١) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: ١ / ١٨٣ .
(٢) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٥١٦ .
- ١٦٣ -

ذلك لما اختار الصلاة في بيته على الجماعة في المسجد . ولأن ذلك حامل على تكثير
الجماعة ، فلو أبيح التكرار بدون كراهة لا يجتمع الناس ، لعلمهم أن الجماعة
لاتفوتهم .
أما مسجد الشارع ، فالناس فيه سواء ، لا اختصاص له بفريق دون فريق .
وعلى هذا لا يكره تكرار الجماعة في مساجد الطرق : وهي ماليس لها إمام وجماعة
معينون .
وقال المالكية(١) : يكره تكرار الجماعة في مسجد له إمام راتب ، وكذلك
يكره إقامة الجماعة قبل الإمام الراتب ، ويحرم إقامة جماعة مع جماعة الإمام
الراتب . والقاعدة عندهم : أنه متى أقيمت الصلاة مع الإمام الراتب ، فلا يجوز
إقامة صلاة أخرى فرضاً أو نفلاً، لاجماعة ولافرادى . ومن صلى جماعة مع الإمام
الراتب ، وجب عليه الخروج من المسجد ، لئلا يؤدي إلى الطعن في الإمام . وإذا
دخل جماعة مسجداً ، فوجدوا الإمام الراتب قد صلى ، ندب لهم الخروج ليصلوا
جماعة خارج المسجد ، إلا المساجد الثلاثة ( المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد
الأقصى ) ، فيصلون فيها فرادى ، إن دخلوها ؛ لأن الصلاة المنفردة فيها أفضل
من جماعة غيرها .
وإذا تعدد الأئمة الراتبون ، بأن يصلي أحدهم بعد الآخر ، كره على الراجح .
ويكره تعدد الجماعات في وقت واحد ، لما فيه من التشويش .
ولا يكره تكرار الجماعة في المساجد التي ليس لها إمام راتب .
وقال الشافعية(٢): يكره إقامة الجماعة في مسجد بغير إذن إما من الراتب
(١) الشرح الصغير: ١ / ٤٣٢، ٤٤٢ وما بعدها .
(٢) مغني المحتاج: ١ / ٢٣٤، المهذب : ١ / ٩٥ .
- ١٦٤ -

مطلقاً قبله أو بعده أو معه ، ولا يكره تكرار الجماعة في المسجد المطروق في ممر
الناس ، أو في السوق ، أو فيما ليس له إمام راتب ، أوله وضاق المسجد عن
الجميع ، أو خيف خروج الوقت ؛ لأنه لايحمل التكرار على المكيدة .
وقال الحنابلة(١): يحرم إقامة جماعة في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه ،
لأنه بمنزلة صاحب البيت ، وهو أحق بها، لقوله عَ الَ: ((لا يؤمَنَّ الرجل الرجل
في بيته إلا بإذنه))(٢)، ولأنه يؤدي إلى التنفير عنه، وكذلك يحرم إقامة جماعة
أخرى أثناء صلاة الإمام الراتب ، ولاتصح الصلاة في كلتا الحالتين . وعلى هذا
فلا يحرم ولاتكره الجماعة بإذن الإمام الراتب ؛ لأنه مع الإذن يكون المأذون نائباً
عن الراتب ، ولاتحرم ولاتكره أيضاً إذا تأخر الإمام الراتب لعذر ، أو ظن عدم
حضوره ، أو ظن حضوره ولم يكن يكره أن يصلي غيره في حال غيبته .
ولا يكره تكرار الجماعة بإمامة غير الراتب بعد انتهاء الإمام الراتب ، إلا في
مسجدي مكة والمدينة فقط ، فإنه تكره إعادة الجماعة فيها ، رغبة في توفير
الجماعة ، أي لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الراتب في المسجدين إذا
أمكنهم الصلاة في جماعة أخرى ، وذلك إلا لعذر كنوم ونحوه عن الجماعة ،
فلا يكره لمن فاتته إعادتها بالمسجدين .
ويكره تعدد الأئمة الراتبين بالمسجدين المذكورين ، لفوات فضيلة أول
الوقت لمن يتأخر ، وفوات كثرة الجمع ، وإن اختلفت المذاهب .
ويكره للإمام إعادة الصلاة مرتين ، بأن يؤم بالناس مرتين في صلاة
(١) كشاف القناع: ١ / ٥٣٦ - ٥٣٩، المغني: ١ / ١٨٠.
(٢) رواه أبو داود عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم والآخر أن يؤم قوماً
الا يأذنهم ، ولا يخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم» (نيل الأوطار: ٣ / ١٥٩).
- ١٦٥ -

واحدة ، بأن ينوي بالثانية عن فائتة أو غيرها ، وبالأولى فرض الوقت . والأئمة
متفقون على أنه بدعة مكروهة .
عاشراً - إعادة المنفرد الصلاة جماعة :
اتفق الفقهاء على أنه يجوز لمن صلى منفرداً أن يعيد الصلاة في جماعة وتكون
الثانية نفلاً ، عملاً بماثبت في السنة في حديث يزيد بن الأسود السابق ، وفي
حديث آخر: أن رجلاً جاء إلى المسجد بعد صلاة النبي مع التّ العصر، فقال :
(( من يتصدق على هذا، فيصلي معه ؟ فصلى معه رجل من القوم)) (١) .
ولكن للفقهاء تفصيل في إعادة الصلاة :
قال الحنفية(٢): يجوز للمنفرد إعادة الصلاة مع إمام جماعة ، وتكون صلاته
الثانية نفلاً بدليل حديث يزيد بن الأسود السابق في بحث إدراك الفريضة ،
والذي قال فيه النبي ◌ُ ◌ّ لرجلين في أخريات الصفوف ، لم يصليا معه صلاة
الظهر: ((إذا صليتما في رحالكما ، ثم أتيتما مسجد جماعة ، فصليا معهم فإنها لكما
نافلة )) . وإذا كانت نفلاً ، أعطيت حكم النافلة ، فتكره إعادة صلاة العصر ؛ لأن
النفل ممنوع بعد العصر ، وتكره صلاة النفل خلف النفل إذا كانت الجماعة أكثر
من ثلاثة ، وإلا فلاتكره إن أعادوها بدون أذان ، وتكره مطلقاً إن أعادوها
بأذان . وتجوز إذا كان إمامه يصلي فرضاً ، لانفلاً ؛ لأن صلاة النافلة خلف
الفرض غير مكروهة .
وقال المالكية(٢) : من صلى في جماعة لم يعد في أخرى إلا إذا دخل أحد
المساجد الثلاثة فيندب له الإعادة . ومن صلى منفرداً جازت له الإعادة في
(١) رواه أحمد وأبو داود ، والترمذي وحسنه، من حديث أبي سعيد الخدري ، وإسناده جيد.
(٢) فتح القدير : ١ / ٣٣٧ .
(٣) بداية المجتهد: ١ / ١٣٧ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص ٦٨، الشرح الصغير: ١ / ٤٢٧ وما بعدها .
- ١٦٦ -

جماعة : اثنين فأكثر، لا مع واحد ، إلا إذا كان إماماً راتباً بمسجد ، فيعيد معه ؛
لأن الراتب كالجماعة ، ويعيد كل الصلوات غير المغرب ، والعشاء بعد الوتر ،
فتحرم إعادتها لتحصيل فضل الجماعة ، أما المغرب فلاتعاد ؛ لأنها تصير مع الأول
شفعاً؛ لأن المعادة في حكم النفل ، والعشاء تعاد قبل الوتر ، ولاتعاد بعده ؛ لأنه
إن أعاد الوتر يلزم مخالفة قوله تع الى: ((لاوتران في ليلة))، وإن لم يعده ، لزم
مخالفة: ((اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً ))
ولكل منفرد إعادة الصلاة إلا من صلى منفرداً في أحد المساجد الثلاثة ،
فلا يندب له إعادتها جماعة خارجها ، ويندب إعادتها جماعة فيها .
ويعيد إذا كان مأموماً ، ولا يصح أن يكون إماماً كما قال الحنفية . وينوي
المعيد الفرض ، مفوضاً لله تعالى في قبول أي الصلاتين .
وقال الشافعية(١): يسن للمصلي وحده، وكذا للجماعة في الأصح: إعادة
الفرض بنية الفرض في الأصح مع منفرد أو مع جماعة يدركها في الوقت ولو
ركعة فيه على الراجح ، ولو كان الوقت وقت كراهة ، وتكون الإعادة مرة
واحدة على الراجح ، ولا يندب أن يعيد الصلاة المنذورة ولاصلاة الجنازة ، إذ
لا يتنفل بها ، ويشترط أن تكون الصلاة الثانية صحيحة وإن لم تغن عن القضاء ،
وألا ينفرد وقت الإحرام بالصلاة الثانية عن الصف مع إمكان دخوله فيه ، وأن
تكون الصلاة الثانية من قيام لقادر ، وأن تكون الجماعة مطلوبة في حق من
يعيدها ، فإن كان عارياً فلا يعيدها في غير ظلام . ويصح أن يكون المعيد إماماً .
وإذا صلى وأعاد مع الجماعة ، فالفرض هو الأول في المذهب الجديد ، لخبر
يزيد بن الأسود السابق ، إذ اعتبر النبي فيه الصلاة الثانية نافلة ، ولأنه أسقط
(١) مغني المحتاج: ١ / ٢٣٣ وما بعدها، المهذب: ١ / ٩٥ .
- ١٦٧ -

الفرض بالصلاة الأولى ، فوجب أن تكون الثانية نفلاً . وينوي إعادة الصلاة
المفروضة ، حتى لاتكون نفلاً مبتدءاً .
وقال الحنابلة(١) : يستحب لمن صلى فرضه منفرداً أو في جماعة أن يعيد
الصلاة إذا أقيمت الجماعة وهو في المسجد ، ولو كان وقت الإعادة وقت نهي ، سواء
أكانت الإعادة مع الإمام الراتب أو غيره ، إلا المغرب ، فلاتسن إعادتها ؛ لأن
المعادة تطوع ، وهو لا يكون بوتر . وتكون صلاته الأولى فرضه ، لحديث يزيد
ابن الأسود السابق . وينوي بالثانية كونها معادة ؛ لأن الأولى أسقطت الفرض .
وإن نوى المعادة نفلاً صح، لمطابقته الواقع ، وإن نواها ظهراً مثلاً ، صحت ،
وكانت نفلاً .
أما من كان خارج المسجد، فوجد جماعة تقام : فإن كان الوقت وقت
نهي ، لم يستحب له الدخول ، حتى تفرغ الصلاة ، وتحرم عليه الإعادة ولم
تصح ، سواء قصد بدخوله المسجد تحصيل الجماعة أم لا . وأما إذا لم يكن الوقت
وقت نهي ، وقصد المسجد للإعادة ، فلاتسن له الإعادة ، وإن لم يقصد ذلك ،
كانت الإعادة مسنونة .
الحادي عشر - وقت استحباب القيام للجماعة أو للصلاة :
عرفنا في بحث أحكام الإقامة للصلاة أن للفقهاء آراء أربعة في وقت
استحباب القيام لصلاة الجماعة ، نوجزها هنا :
ذهب الحنفية: إلى أن المصلي يقوم عند ((حي على الفلاح)) وبعد قيام
الإمام .
وذهب الحنابلة: إلى أنه يقوم عند ((قد قامت الصلاة)).
(١) كشاف القناع: ١ / ٥٣٧ ومابعدها .
- ١٦٨ -

--- ---- ---------- -
ورأى الشافعية : أنه يقوم بعد انتهاء المقيم من الإقامة .
وقال المالكية : ذلك موكول إلى قدر طاقة الناس ، حال الإقامة أو أولها أو
بعدها ، إذ ليس في هذا شرع مسموع إلا حديث أبي قتادة السابق : أنه عليه
الصلاة والسلام قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)) قال ابن رشد :
فإن صح هذا - وقد بينا أنه حديث متفق عليه - وجب العمل به ، وإلا فالمسألة
باقية على أصلها المعفو عنه ، أعني أنه ليس فيها شرع ، وأنه متى قام كل واحد ،
فحسن(١) .
الثاني عشر - أعذار ترك الجماعة والجمعة :
يعذر المرء بترك الجمعة والجماعة ، فلا تجبان للأسباب الآتية (٢):
١ - المرض الذي يشق معه الحضور كمشقة المطر، وإن لم يبلغ حداً يسقط
القيام في الفرض ، بخلاف المرض الخفيف كصداع يسير وحمى خفيفة فليس
بعذر . ومثله تمريض من لامتعهد له ولو غير قريب ونحوه ؛ لأن دفع الضرر عن
الآدمي من المهمات ، ولأنه يتألم على القريب أكثر مما يتألم بذهاب المال . وغير
القريب كالزوجة والصهر والصديق والأستاذ .
ودليل عذر المرض : قوله تعالى: ﴿وماجعل عليكم في الدين من حرج ﴾
وأنه مَ الّ لما مرض تخلف عن المسجد، وقال: ((مروا أبا بكر فليصل
بالناس )) (٣) ويعذر في ذلك خائف حدوث المرض ، لما روى ابن عباس : أن النبي
(١) بداية المجتهد : ١ / ١٤٥ .
(٢) الدر المختار: ١ / ٥١٩ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ٤٨، البدائع: ١ / ١٥٥، مغني المحتاج : ٢٣٤ .
٢٣٦، المهذب: ١ / ٩٤، المجموع: ٤ / ١٠٠ - ١٠٢، كشاف القناع: ١ / ٥٨٣ - ٥٨٧ ، الحضرمية: ص ٦٦ ، القوانين
الفقهية: ص ٦٩ وما بعدها، الشرح الصغير: ١ / ٥١٤ - ٥١٦ .
(٣) متفق عليه .
- ١٦٩ -

عَ ◌ّ فسر العذر: بالخوف والمرض(١). فلا تجب الجماعة على مريض ومقعد وزمن
ومقطوع يد ورجل من خلاف أو رجل فقط ، ومفلوج وشيخ كبير عاجز وأعمى
وإن وجد قائداً في رأي الحنفية ، ولا يعذر حينئذ عند الحنابلة والمالكية والشافعية
في ترك الجمعة دون الجماعة كما سيأتي .
٢ - أن يخاف ضرراً في نفسه أو ماله أو عرضه أو مرضاً يشق معه الذهاب
كما ذكر، بدليل ماروى ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي مُ الإ قال: ((من سمع
النداء ، فلم يجبه ، فلاصلاة له إلا من عذر ، قالوا : يارسول الله ، وما العذر ؟
قال : خوف أو مرض )» .
فلاتجب الجماعة والجمعة بسبب خوف ظالم ، وحبس معسر ، أو ملازمة غريم
معسر، وعُرْي ، وخوف عقوبة يرجى تركها كتعزير لله تعالى ، أو الآدمي ،
وقَوَد ( قصاص ) وحد قذف مما يقبل العفو إن تغيب أياماً ، وخوف زيادة
المرض أو تباطئه . فإن لم يتضرر المريض باتيانه المسجد راكباً أو محمولاً أو تبرع
أحد بأن يركبه أو يحمله أو يقوده إن كان أعمى، لزمته عند الحنابلة والمالكية
والشافعية الجمعة لعدم تكررها دون الجماعة . ولاتجب الجماعة والجمعة بسبب الخوف
عن الانقطاع عن الرفقة في السفر ولو سفر نزهة . أو بسبب الخوف من تلف
مال كخبز في تنور ، وطبيخ على نار ونحوه ، أو الخوف من فوات فرصة كالخوف
من ذهاب شخص يدله على ضائع في مكان ما .
٣ - المطر، والوَحّل ( الطين ) والبرد الشديد، والحر ظهراً، والريح
الشديدة في الليل لا في النهار ، والظلمة الشديدة ، بدليل ماروى ابن عمر رضي
الله عنه، قال: (( كنا إذا كنا مع رسول الله مَ افٍ في سفر، وكانت ليلة مظلمة أو
(١) رواه أبو داود وغيره ، وفي إسناده رجل مدلس، ولم يضعفه أبو داود .
- ١٧٠ -

مطيرة ، نادى مناديه: أن صلوا في رحالكم)) (١)، والثلج والجليد كالمطر .
:
٤ - مدافعة الأخبثين ( البول والغائط ) أو أحدهما ، لأن ذلك يمنعه من إكمال
الصلاة وخشوعها . وحضور طعام تتوقه نفسه ، أي جوع وعطش شديدان ، لخبر
أنس في الصحيحين: ((لاتعجلن حتى تفرغ منه))، وإرادة سفر ، ويخشى أن
تفوته القافلة أي تأهب لسفر مع رفقة ترحل ، أما السفر نفسه فليس بعذر ،
وغلبة نعاس ومشقة ؛ لأن رجلاً صلى مع معاذ ، ثم انفرد ، فصلى وحده عند
تطويل معاذ، فلم ينكر عليه النبي مَ لّ حين أخبره . لكن الصبر والتجلد على
دفع النعاس ، والصلاة جماعة أفضل ، لما فيه من نيل فضل الجماعة . وأضاف
الحنفية : واشتغاله بالفقه لابغيره .
٥ - أكل منتن نيء إن لم يمكنه إزالته ، ويكره حضور المسجد لمن أكل ثوماً أو
بصلاً أو فجلاً ونحوه ، حتى يذهب ريحه ، لتأذي الملائكة بريحه ، ولحديث :
((من أكل ثوماً أو بصلاً ، فليعتزلنا ، وليعتزل مسجدنا ، وليقعد في بيته))(٣).
ومثله جزار له رائحة منتنة ، ونحوه من كل ذي رائحة منتنة ، لأن العلة الأذى .
وكذا من به برص أو جذام يتأذى به قياساً على أكل الثوم ونحوه بجامع الأذى .
٦ - الحبس في مكان، لقوله تعالى: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ .
اً - أضاف الشافعية: تقطير سقوف الأسواق والزلزلة، والسموم: وهي
ريح حارة ليلاً أو نهاراً ، والبحث عن ضالة يرجوها ، والسعي في استرداد
مغصوب ، والسمن المفرط ، والهم المانع من الخشوع ، والاشتغال بتجهيز ميت ،
(١) رواه البخاري ومسلم، ولفظهما: ((ألا صلوا في الرحال)) والرحال: المنازل، سواء أكانت من مدر
(طين ) أو شعر أو وبر أو غير ذلك . ورواه ابن ماجه بإسناد صحيح، ولم يقل: في السفر. وهناك أحاديث أخرى
في الموضوع ( نيل الأوطار: ٣ / ١٥٥) .
(٢) رواه البخاري ومسلم عن جابر، وفي لفظ: (( من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مصلانا)).
- ١٧١ -

وجود من يؤذيه في طريقه أو في المسجد ، وزفاف زوجته إليه في الصلاة .
الليلية ، وتطويل الإمام على المشروع ، وترك سنة مقصودة ، وكونه سريع
القراءة والمأموم بطيئاً ، أو ممن يكره الاقتداء به ، وكونه يخشى وقوع فتنة له أو
به .
وأيدهم الحنابلة في عذر تطويل الإمام ، وزفاف الزوجة أو العروس .
وتسقط الجمعة والجماعة عند المالكية لمدة ستة أيام بسبب الزفاف ، ولا تسقط عن
العروس في السابع على المشهور . وأضافوا كالشافعية : يعذر من عليه قصاص
( قَوَد ) إن رجا العفو عنه ، ومن عليه حد القذف ، إن رجا العفو أيضاً؛ لأنه
حق آدمي . أما من عليه حد لله تعالى كحد الزنا وشرب الخمر وقطع السرقة ،
فلا يعذر في ترك الجمعة ولا الجماعة ؛ لأن الحدود لا يدخلها المصالحة ، بخلاف
القصاص .
وخلاصة ما يسقط به حضور الجماعة عند الحنفية : واحد من ثمانية عشر
أمراً: مطر ، وبرد ، وخوف، وظلمة ، وحبس، وعمى ، وفلج ، وقطع يد
ورجل ، وسقام ، وإقعاد ، ووحل ، وزمانة ، وشيخوخة ، وتكرار فقه بجماعة
تفوته ، وحضور طعام تتوقه نفسه ، وإرادة سفر ، وقيامه بمريض ، وشدة ريح
ليلاً لانهاراً . وإذا انقطع عن الجماعة لعذر من أعذارها المبيحة للتخلف يحصل له
ثوابها .
المطلب الثاني - الإمامة :
تعريفها ، نوعاها ، شروط الأئمة أو من تصح إمامته ، الأحق بالإمامة ،
مكروهات الإمامة ومن تكره إمامته ، متى تفسد صلاة الإمام دون المؤتم ،
ما تفسد به صلاة الإمام والمأمومين ، ما يحمله الإمام عن المأموم ، الأحكام الخاصة
بالإمام .
- ١٧٢ -

أولاً - تعريف الإمامة ونوعاها :
كل من يقتدى به ويتبع في خير أو شر، فهو إمام ، قال الله تعالى :
﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا﴾ وقال: ﴿وجعلناهم أئمة يَدْعون إلى
النار ﴾ .
والإمامة نوعان(١) : كبرى وصغرى .
فالكبرى : استحقاق تصرف عام على الأنام أي على الخلق ، والمقصود
بالتصرف العام : طاعة الإمام . أو هي رياسة عامة في الدين والدنيا ، خلافة عن
النبي عَ الله. قال الماوردي(٢): الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين
وسياسة الدنيا .
وتعيين الإمام واجب شرعي من أهم الواجبات باتفاق العلماء(٢) ، ويشترط
كونه مسلماً حراً ذكراً عاقلاً بالغاً، قادراً، قرشياً، ولا يشترط كونه هاشمياً
علوياً ( أي من أولاد علي كما قال به بعض الشيعة ) معصوماً كما قالت الإمامية
والاسماعلية . ويكره تقليد الفاسق ، ويعزل بالفسق إلا لفتنة ، ويجب أن يدعى
له بالصلاح . وتصح الإمامة بأحد أمور ثلاثة :
اختيار أهل الحل والعقد ، والوراثة ( الإمامة بالعهد ) ، والغلبة والقهر
للضرورة . بلامبايعة أهل الحل والعقد(٤).
والإمامة الصغرى : هي إمامة الصلاة ، وهي ارتباط صلاة المؤتم بالإمام .
(١) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٥١١ - ٥١٣.
(٢) الأحكام السلطانية : ص ٣ .
(٣) المرجعان السابقان ، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص ٣ .
(٤) المراجع السابقة .
- ١٧٣ -

ثانياً - شروط صحة الإمامة أو الجماعة :
تصح إمامة الإمام بالشروط التالية (١):
١ - الإسلام: فلا تصح إمامة الكافر بالاتفاق . وذكر الحنابلة(٢): إذا صلى
خلف من شك في إسلامه ، أو كونه خنثى ، فصلاته صحيحة ، مالم يبن كفره ،
وكونه خنثى مشكلاً ؛ لأن الظاهر من المصلين الإسلام ، سيما إذا كان إماماً ،
والظاهر السلامة من كونه خنثى ، سيما من يؤم الرجال . فإن تبين بعد الصلاة
أنه كان كافراً أو خنثى مشكلاً فعليه الإعادة . ويحكم بإسلام الشخص بالصلاة ،
سواء أكان في دار الحرب أم في دار الإسلام، وسواء صلى جماعة أو منفرداً، فإن
أقام بعد ذلك على الإسلام ، فلاكلام ، وإن لم يقم عليه ، فهو مرتد ، يجري عليه
أحكام المرتدين . وإن مات قبل ظهور ماينافي الإسلام فهو مسلم ، يرثه ورثته
المسلمون دون الكافرين .
وكذلك قال الشافعية(٢): لو بان كون الإمام كافراً أو امرأة ، وجبت إعادة
الصلاة .
٢ - العقل : فلاتصح الصلاة خلف مجنون ؛ لأن صلاته لنفسه باطلة . فإن
كان جنونه متقطعاً ، صحت الصلاة وراءه حال إفاقته ، ولكن يكره الاقتداء
به ، لئلا يعرض الصلاة للإبطال في أثنائها، لوجود الجنون فيها ، والصلاة
صحيحة ؛ لأن الأصل السلامة ، فلا تفسد بالاحتمال . ويلاحظ أن عدَّ هذين
(١) الدر المختار: ١ / ٥١٣ ومابعدها، و٥٣٩ - ٥٥٤، اللباب: ١ / ٨٢، البدائع: ١ / ١٥٦ وما بعدها ،
الشرح الصغير: ١ / ٤٣٣ - ٤٣٦، القوانين الفقهية: ص ٦٧، المهذب: ١ / ٩٧ ، مغني المحتاج: ١ / ٢٣٨، ٢٤١،
كشاف القناع: ١ / ٥٥٩ - ٥٦٠، ٥٦٤ - ٥٦٨، ٥٧٠، المغنى: ١ / ١٩٢، ١٩٤ - ١٩٥، ١٩٧ - ٢٠١، ٢٢٨ ، المجموع :
٤ / ١٤٧ - ١٦٢ .
(٢) المغني: ١ / ٢٠٠ ومابعدها .
(٣) مغني المحتاج: ١ / ٢٤١ .
- ١٧٤ -

الشرطين من شروط الإمام مسامحة ، إذ هما شرطان في الصلاة مطلقاً . والمعتوه
والسكران مثل المجنون لاتصح الصلاة خلفهما ، كما لاتصح صلاتها .
٣ - البلوغ: فلاتصح إمامة المميز عند الجمهور للبالغ ، في فرض أو نقل
عند الحنفية ، وفي فرض فقط عند المالكية والحنابلة ، أما في النفل ككسوف
وتراويح فتصح إمامته لمثله ، لأنه متنفل يؤم متنفلاً ، ودليلهم ماروى الأثرم عن
ابن مسعود وابن عباس: (( لا يؤم الغلام حتى يحتلم)» ولأن الإمامة حال كمال ،
والصبي ليس من أهل الكمال ، ولأنه لا يؤمن الصبي لإخلاله بشروط الصلاة أو
القراءة .
وقال الشافعية : يجوز اقتداء البالغ بالصبي المميز، لما روي عن عمرو بن
سلمة قال: أمت على عهد رسول الله عَ ◌ّ وأنا غلام ابن سبع سنين(١))) والأصح
صحة إمامة الصبي عندهم في الجمعة أيضاً ، مع الكراهة .
٤ - الذكورة المحققة إذا كان المقتدي به رجلاً أو خنثى : فلاتصح
إمامة المرأة والخنثى للرجال ، لا في فرض ولا في نفل . أما إن كان المقتدي نساء
فلا تشترط الذكورة في إمامهن عند الجمهور، فتصح إمامة المرأة للنساء عندهم ،
بدليل ماروي عن عائشة وأم سلمة وعطاء : أن المرأة تؤم النساء ، وروى
الدارقطني عن أم ورقة: أنه مَ ◌ّ (( أذن لها أن تؤم نساء دارها)).
ولاتكره عند الشافعية جماعة النساء ، بل تستحب وتقف وسطهن(٢)، وروي
عن أحمد روايتان(٣): رواية أن ذلك مستحب ، ورواية أن ذلك غير مستحب .
(١) رواه البخاري في صحيحه عن جابر، ورواه البخاري والنسائي بنحوه عن عمرو بن سلمة ( نيل الأوطار:
٣ / ١٦٥) .
. (٢) المجموع : ٤ / ٩٦.
(٣) المغني: ١ / ٢٠٢، كشاف القناع : ١ / ٥٦٤ .
- ١٧٥ -

وقال الحنفية(١): يكره تحريماً جماعة النساء وحدهن بغير رجال ولو في
التراويح ، في غير صلاة الجنازة ، فلاتكره فيها ؛ لأنها فريضة غير مكررة ، فإن
فعلن وقفت الإمام وسطهن كما يصلى للعراة . ودليل الكراهة: قوله عَ لّ:
((صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ، وصلاتها في مخدعها أفضل من
صلاتها في بيتها ))(٣)، ولأنه يلزمهن أحد محظورين: إما قيام الإمام وسط
الصف ، وهو مكروه ، أو تقدم الإمام ، وهو أيضاً مكروه في حقهن ، فصرن
كالعراة لم يشرع في حقهن الجماعة أصلاً ، ولهذا لم يشرع لهن الأذان ، وهو دعاء إلى
الجماعة ، ولولا كراهية جماعتهن لشرع .
كما يكره عندهم حضورهن الجماعة مطلقاً ولو الجمعة والعيد والوعظ ليلاً ، أما
نهاراً فجائز إن أمنت الفتنة ، على المذهب المفتى به كما بينا سابقاً ، وتكره أيضاً
إمامة الرجل لهن في بيت ليس معهن رجل غيره ، ولا محرم منه كأخته أو
زوجته ، فإذا كان معهن واحد ممن ذكر ، أو أمهن في المسجد ، لايكره ، وهذا
موافق لمذهب الحنابلة ؛ لأنه خاتم ((نهى أن يخلو الرجل بالأجنبية)» ولما فيه من
مخالطة الوسواس .
:
٥ - الطهارة من الحدث والخبث : فلاتصح إمامة المحدث ، أو من عليه
نجاسة لبطلان صلاته ، سواء عند الجمهور أكان عالماً بذلك أم ناسياً . وقال
المالكية : الشرط : عدم تعمد الحدث ، وإن لم يعلم الإمام بذلك إلا بعد الفراغ
من الصلاة ، فإن تعمد الإمام الحدث ، بطلت صلاته وصلاة من اقتدى به ، وإن
كان ناسياً ، فصلاته صحيحة إن لم يعلم بالنجاسة إلا بعد الفراغ من الصلاة ؛ لأن
(١) تبيين الحقائق: ١ / ١٣، الدر المختار: ١ / ٥٢٨ ومابعدها، اللباب: ١ / ٨٢.
(٢) أخرجه أبو داود عن ابن مسعود ، وأخرج أحمد والطبراني من حديث أم حميد الساعدية نحوه ( نيل
الأوطار: ٣ / ١٣٢ ) .
- ١٧٦ -

الطهارة من الخبث شرط لصحة الصلاة مع العلم فقط عندهم ، ولا يصح الاقتداء
بالمحدث أو الجنب إن علم ذلك ، وتصح صلاة المقتدين ، ولهم ثواب الجماعة باتفاق
المذاهب الأربعة إلا في الجمعة عند الشافعية والحنابلة إذا كان المصلون بالإمام
أربعين مع المحدث أو المتنجس ، إن علموا بحدث الإمام أو بوجود نجاسة عليه ،
بعد الفراغ من الصلاة، لقوله سؤال: ((إذا صلى الجنب بالقوم ، أعاد صلاته ،
وتمت للقوم صلاتهم))(١).
وقال الشافعية : لا يصح الاقتداء بمن تلزمه إعادة الصلاة كمقيم تيم لفقد
الماء ، ومن على بدنه نجاسة يخاف من غسلها ، ومحدث صلى لفقد الطهورين .
٦ - إحسان القراءة والأركان : أي أن يحسن الإمام قراءة ما لاتصح
الصلاة إلا به ، وأن يقوم بالأركان ، فلا يصح اقتداء قارئ بأمي (٢) عند الجمهور،
وتجب الإعادة على القارئ المؤتم به ، كما لا تصح الصلاة خلف أخرس ولو بأخرس
مثله ، ولاخلف عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو استقبال القبلة ، أو
اجتناب النجاسة ، إلا بمثله ، فتصح الصلاة خلف الماثل ، إلا ثلاثة عند
الحنفية : الخنثى المشكل والمستحاضة والمتحيرة (٢) لاحتمال الحيض .
وقال المالكية : يشترط في الإمام القدرة على الأركان ، فإن عجز عن ركن
منها ، قولي كالفاتحة أو فعلي كالركوع أو السجود أو القيام ، لم يصح الاقتداء به ،
إلا إذا تساوى الإمام والمأموم في العجز ، فيصح اقتداء أمي بمثله إن لم يوجد قارئ
(١) رواه محمد بن الحسين الحراني عن البراء بن عازب ، وروي مثله عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر (كشاف
القناع: ١ / ٥٦٥ ) .
(٢) الأمي : هو من لا يحسن الفاتحة أو بعضها ، أو يخل بحرف منها ، وإن كان يحسن غيرها . فلا يجوز لمن
يحسنها أن يأتم به ، ويصح لمثله أن يأتم به .
(٣) وتسمى الضالة والمضلة : وهي من نسيت عادتها .
الفقه الإسلامي جـ ٢ (١٢)
- ١٧٧ -

على الأصح ، ويصح اقتداء أخرس بمثله ، وعاجز عن القيام صلى جالساً بمثله ،
إلا المومئ أي الذي فرضه الإيماء من قيام أو جلوس أو اضطجاع ، فلا يصح له
على المشهور الاقتداء بمثله .
٧ - كونه غير مأموم : فلا يصح الاقتداء بمأموم ( مقتد ) بغيره ، في حال
قدرته ؛ لأنه تابع لغيره يلحقه سهوه ، ومن شأن الإمام الاستقلال ، وأن يتحمل
هو سهو غيره ، فلا يجتمعان ، وهذا إجماع .
أما الاقتداء بمن كان مقتدياً بالإمام (وهو المسبوق ) بعد انقطاع القدوة :
ففيه آراء .
قال الحنفية (١): لا يجوز اقتداء المسبوق بغيره ولا الاقتداء به ، لأنه في الأصل
تبع لغيره ، فهو في موضع الاقتداء ، والاقتداء بناء التحريمة على التحريمة ،
فالمقتدي عقد تحريمته لما انعقدت له تحريمة الإمام ، فكلما انعقدت له تحريمة
الإمام ، جاز البناء من المقتدي ، ومالا فلاه.
وكذلك قال المالكية(٢): لا يجوز الاقتداء بمسبوق قام لقضاء ماعليه ، فاقتدى
به غيره ، ولو لم يعلم بأن إمامه مأموم ، إلا بعد الفراغ من صلاته . أما المدرك :
وهو من أدرك مع الإمام مادون ركعة ، فيصح الاقتداء به إذا قام لصلاته ،
وينوي المدرك الإمامية بعد أن كان ناوياً المأمومية ؛ لأنه منفرد لم يثبت له حكم
المأمومية .
وقال الحنابلة(٣): إن سلم الإمام، فائتم أحد المصلين بصاحبه في قضاء
(١) فتح القدير: ١ / ٢٧٧ .
(٢) الشرح الصغير : ١ / ٤٣٤.
(٣) المغني: ٢ / ١٠٥، ٢٣٣، كشاف القناع: ١ / ٣٧٦ ومابعدها .
- ١٧٨ -

مافاتها ، صح ، أو ائتم مقيم بمثله فيما بقي من صلاتها إذا سلم إمام مسافر، صح
ذلك ؛ لأنه انتقال من جماعة إلى جماعة أخرى ، لعذر ، فجاز كالاستخلاف ،
بدليل قصة أبي بكر: وهي أن النبي ◌ُ ◌ّ جاء وأبو بكر في الصلاة ، فتأخر أبو
بكر، وتقدم النبي عَ ◌ّ، فأتم بهم الصلاة)) وفعل هذا مرة أخرى ، وكلا
الحديثين صحيح متفق عليهما .
كما يصح الاقتداء بمن كان مسبوقاً بعد أن سلم إمامه ، أو بعد أن نوى مفارقة
الإمام ، وتصح عندهم نية المفارقة ، في غير الجمعة ، أما فيها فلا يصح الاقتداء .
وقال الشافعية(١): تنقطع القدوة بمجرد خروج الإمام من صلاته بسلام أو
حدث أو غيره ، لزوال الرابطة ، وحينئذ فيسجد لسهو نفسه ، ويقتدي بغيره ،
وغيره به .
والخلاصة : أن الحنفية والمالكية لا يجيزون الاقتداء بمن كان مقتدياً بعد سلام
إمامه ، ويصح عند الشافعية والحنابلة ، وهو أولى .
٨ - اشترط الحنفية والحنابلة(٢): السلامة من الأعذار ، كالرعاف
الدائم ، وانفلات الريح ، وسلس البول ، ونحوها ، فلاتصح إمامة من قام به عذر
من هذه الأعذار إلا لمعذور مثله، بشرط أن يتحد عذرهما؛ لأنه مع الز ((صلى
بأصحابه في المطر بالإيماء)) ، فإن اختلف العذر لم يجز ، فيصلي من به سلس
البول خلف مثله ، أما إذا صلى خلف من به السلس وانفلات الريح ، لا يجوز ؛
لأن الإمام صاحب عذرين ، والمؤتم صاحب عذر واحد . والذي يصح هو اقتداء
ذي عذرين بذي عذر ، ولاعكسه .
(١) مغني المحتاج: ١ / ٢٥٩ .
(٢) كشاف القناع: ٢ / ٥٦٠ ومابعدها، ٥٧٠، الدر المختار ورد المختار: ١ / ٥٤١ .
- ١٧٩ -

ولم يشترط المالکیة هذا الشرط ، وإنما يكره أن يؤم صاحب العذر من لیس
به عذر، لأنه يصح عندهم إمامة من به سلس البول إذا لازمه ولو نصف الزمن ،
وكذا من به انفلات ريح أو غير ذلك مما لا ينقض الوضوء عندهم .
وكذلك لم يشترط الشافعية هذا الشرط ، فتصح إمامة صاحب العذر الذي
لاتجب معه إعادة الصلاة لمقتد سليم .
٩ - أن يكون الإمام صحيح اللسان، بحيث ينطق بالحروف على
وجهها ، فلاتصح إمامة الألثغ وهو من يبدل الراء غيناً ، أو السين ثاء ، أو
الذال زاياً ، لعدم المساواة ، إلا إذا كان المقتدي مثله في الحال .
ويعد كالألثغ عند الحنفية : التمتام : وهو الذي يكرر التاء في كلامه ،
والفأفاء وهو الذي يكرر الفاء ، لاتصح إمامتهما عندهم إلا لمن يماثلها .
واستثنى الحنابلة : من يبدل ضاد المغضوب والضالين بظاء ، فتصح إمامته
بمن لا يبدلها ظاء ، لأنه لا يصير أمياً بهذا الإبدال®.
والأرت : وهو من يدغم في غير موضع الإدغام ، كقارئ المستقيم بتاء أو سين
مشددة فيقول : المتقيم ، ومن يخل بحرف أو تشديدة من الفاتحة ، يعدان كالألثغ
عند الشافعية ، لاتصح إمامتهما إلا للمثل .
وقال الجمهور غير الحنفية : تصح إمامة التمتام والفأفاء ولو لغير الماثل مع
الكراهة .
الصلاة وراء المخالف في المذهب :
١٠ - اشترط الحنفية والشافعية : أن تكون صلاة الإمام صحيحة
في مذهب المأموم : فلو صلى حنفي خلف شافعي سال منه دم ، ولم يتوضأ
- ١٨٠ -