Indexed OCR Text

Pages 801-820

ويأتي بالأذكار سراً على الترتيب التالي إلا الإمام المريد تعليم الحاضرين
فيجهر إلى أن يتعلموا ، ويقبل الإمام على الحاضرين ، جاعلاً يساره إلى
المحراب(١)، قال سمرة: ((كان النبي ◌ُّ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه))(٢).
اً - يقول: ((أستغفر الله)) ثلاثاً، أو ((استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا
هو الحيَّ القيوم وأتوب إليه)) ثلاثاً. ثم يقول: ((اللهم أنت السلام ومنك
السلام ، وإليك السلام، تباركت وتعاليت ياذا الجلال والإكرام )) لما روى
ثوبان أن النبي ◌ُ الفَ ((كان إذا سلم - وفي لفظ إذا انصرف من صلاته - استغفر
ثلاثاً ، ويقول : اللهم أنت السلام ومنك السلام ، تباركت ياذا الجلال
والإكرام))(٣)
ثم يقول: ((اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)» لحديث معاذ
ابن جبل ، قال: ((لقيني النبي ◌ُ ◌ّ ، فقال: إني أوصيك بكلمات تقولهن في كل
صلاة - أو في دبر كل صلاة - اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن
عبادتك ))(٤) .
٣ - يقرأ آية الكرسي، وسورة الإخلاص: ﴿قل هو الله أحد﴾ ،
والمعوذتين ﴿ قل أعوذ برب الفلق ، قل أعوذ برب الناس ) والفاتحة ؛ لما روى
(١) الدر المختار: ١ / ٥٩٥، القوانين الفقهية: ص ٦٦، الشرح الصغير: ١ / ٤١٠ وما بعدها، المهذب: ١ /
٨٠، المغني: ١ / ٥٥٩ ومابعدها، كشاف القناع: ١ / ٤٢٦ ومابعدها
(٢) رواه البخاري، وروى مسلم وأبو داود عن البراء بن عازب قال: ((كنا إذا صلينا خلف رسول الله محاول اته
أحببنا أن نكون عن يمينه ، فيقبل علينا بوجهه ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٠٦)
(٣) رواه الجماعة إلا البخاري ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٠٠) وروى أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن عائشة
قالت: ((كان رسول اللّه ◌َّ إذا سلّم، لم يقعد، إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ياذا
الجلال والإكرام)» ( المصدر السابق: ص ٣٠٥ )
(٤) رواه أحمد والنسائي، وأبو داود، ولفظ الأخير: ((في دبر كل صلاة)) أي بعدها على الأقرب. وتخصيص
الوصية بهذه الكلمات ، لأنها مشتملة على جميع خير الدنيا والآخرة ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٩١)
الفقه الإسلامي جـ ١ (٥١)
- ٨٠١ -

الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله معلقة: «من قرأ آية الكرسي
في دّبر الصلاة المكتوبة، كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى))(١)، ولخبر أبي
أمامة: (( من قرأ آية الكرسي ، وقل : هو الله أحد ، دبر كل صلاة مكتوبة ، لم
يمنعه من دخول الجنة إلا الموت)»(٢) .
ولما روي عن عقبة بن عامر، قال: ((أمرني النبي عطالٍ أن أقرأ المعوذات(٣)
دبر كل صلاة )) (٤) .
٣ - يسبح الله يقول ( سبحان الله )، ويحمده يقول ( الحمد لله ) ، ويكبره
يقول ( الله أكبر) ثلاثاً وثلاثين، ثم يختم تمام المائة بقوله: (( لا إله إلا الله وحده
لاشريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ، اللهم
لامانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) لحديث
أبي هريرة، قال: (( من سبّح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحَمِد الله ثلاثاً
وثلاثين ، وكبِّر الله ثلاثاً وثلاثين ، فتلك تسع وتسعون - عدد أسماء الله الحسنى -
وقال : تمام المائة : لا إله إلا الله وحده ، لاشريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو
على كل شيء قدير، غُفرت خطاياه ، ولو كانت مثل زَبَد البحر))(٥) وورد
أيضاً : أن يسبح ويكبر ويحمد عشراً عشراً(١).
(١) رواه الطبراني
(٢) إسناده جيد، وقد تكلم فيه ، رواه النسائي والطبراني، وزاد: ﴿قل هو الله أحد)، وابن حبان في
صحيحه . والدبر: نقيض القبل من كل شيء ، عقبه ومؤخره ( سبل السلام : ١ / ٢٠٠)
(٣) تشمل الإخلاص من باب التغليب ، فيراد بها الإخلاص والمعوذتين
(٤) له طرق ، وهو حديث حسن أو صحيح ، رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال: غريب . قال
بعض الحنابلة : وفي هذا سر عظيم في دفع الشر من الصلاة إلى الصلاة .
(٥) رواه مسلم، وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي هريرة: ((أن التكبير أربع وثلاثون)) وبه تتم المائة ( سبل
السلام : ١ / ١٩٨ )
(٦) رواه الخمسة وصححه الترمذي عن عبد الله بن عمر ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٠١)
- ٨٠٢ -

وعن المغيرة بن شعبة: أن النبي ◌ُؤالٍ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة :
لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ،
اللهم لامانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت(١)، ولا ينفع ذا الجدّ منك
الجدّ))(٢)، وروى مسلم عن ابن الزبير نحوه، وزاد بعد ((قدير)): ((ولاحول
ولاقوة إلا بالله ، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه ، له النعمة وله الفضل وله الثناء
الحسن ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)).
٤ - يقول - قبل القراءة والتحميد وغيرهما من المذكور في الرقمين السابقين -
بعد صلاتي الصبح والمغرب ، وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم ، عشر مرات : لاإله
إلا الله وحده لاشريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء
قدير )) لخبر أحمد عن عبد الرحمن بنْ غُنم مرفوعاً(٣) .
ويقول أيضاً وهو على الصفة المذكورة سبع مرات: (( اللهم أجرني من
النار)) لحديث مسلم بن الحرث التميمي عن أبيه: ((أن النبي ◌َؤُلّ أسرَّ إليه،
فقال : إذا انصرفت من صلاة المغرب ، فقل : اللهم أجرني من النار سبع مرات ))
وفي رواية: (( قبل أن تكلم أحداً ، فإنك إذا قلت ذلك ثم مت في ليلتك ، كتب
لك جواراً منها ، وإذا صليت الصبح ، فقل مثل ذلك ، فإنك إن مت من
یومك ، کتب لك جواراً منها ، قال الحرث : أسر بها النبي اتے ، ونحن نخص بها
إخواننا )) (٤) .
(١) ووقع عند عبد بن حميد بعده: ((ولا راد لما قضيت))
(٢) متفق عليه، زاد الطبراني: ((له الملك وله الحمد يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت ، بيده الخير)) ورواته
موثقون. ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٠٠ ، سبل السلام: ١ / ١٩٧ )
(٣) رواه أيضاً الترمذي والنسائي، وقال الأول: حسن صحيح ، وفي بعض رواته كلام سيء جداً، ولم يذكر
النسائي : المغرب
(٤) رواه أبو داود وأحمد وابن حبان في صحيحه ، وفيه راو لا يعرف.
- ٨٠٣ -

٥ - ثم يدعو المصلي لنفسه وللمسلمين بما شاء من خيري الدنيا والآخرة،
وخصوصاً بعد الفجر والعصر ، لحضور ملائكة الليل والنهار فيها ، فيؤمِّنون على
الدعاء ، فيكون أقرب للإجابة . وأفضل الدعاء هو المأثور في السنة ، مثل ماروى
سعد بن أبي وقاص : أنه كان يعلّم بنيه هؤلاء الكلمات ، كما يُعلِّم المعلم الغلمان
الكتابة ، ويقول: إن رسول الله مؤثر كان يتعوّذ بهن دُبُر الصلاة : اللهم إني أعوذ
بك من البخل ، وأعوذ بك من الجُبْن، وأعوذ بك أن ارد إلى أرذل العُمُر ، وأعوذ
بك من فتنة الدنيا ، وأعوذ بك من عذاب القبر))(١).
ومن أهم آداب الدعاء(٢):
رفع اليدين حتى يرى بياض إبطيه ، وغاية الرفع إلى حذو المنكبين إلا إذا
اشتد الأمر ، ثم مسح الوجه بها ، اتباعاً للسنة ، روى أبو داود بإسناد حسن عن
مالك بن يسار مرفوعاً: ((إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ، ولا تسألوه
بظهورها)»، وتكون اليدان مضومتين لما روى الطبراني في الكبير عن ابن
عباس: ((كان النبي ◌َ ◌ّ إذا دعا ضم كفيه، وجعل بطونهما مما يلي وجهه)) لكن
ضعفه في المواهب .
ثم يبدأ الدعاء بالحمد لله والثناء عليه، لقوله مع الز: «إذا صلى أحدكم ،
فليبدأ بتحميد ربه ، والثناء عليه، ثم يصلي على النبي مَّ، ثم يدعو بما شاء))(٢)
والأفضل تحري مجامع الحمد مثل : الحمد لله حمداً يوافي نعمه ، ويكافئ مزيده ،
(١) رواه البخاري والترمذي وصححه . والمراد بالبخل: منع ما يجب إخراجه من المال شرعاً، أو عادة .
والجبن : مهابة الأشياء والتأخر عن فعلها . وفتنة الدنيا : الاغترار بشهواتها المفضي إلى ترك القيام بالواجبات . وهي
فتنة المحيا في حديث التعوذ من أربع في الصلاة ، وخصت هذه الأمور بالتعوذ منها لأنها من أعظم الأسباب المؤدية إلى
الهلاك باعتبار ما يتسبب عنها من المعاصي المتنوعة ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٠٣).
(٢) انظر أيضاً الإحياء للغزالي: ١ / ٢٧٤ - ٢٧٨).
(٣) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه .
- ٨٠٤ _

ياربنا لك الحمد ، كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك)) .
ويختم دعاءه بالحمد لله ، لقوله تعالى: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب
العالمين) كما يختم دعاءه بالآية الكريمة: ﴿سبحان ربك رب العزة عما
يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين ) ، قال علي كرم الله
وجهه: (( من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة ، فليكن
آخر كلامه إذا قام من مجلسه : سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على
المرسلين، والحمد لله رب العالمين)) (١) .
ويصلي على النبي مؤ قّ أول الدعاء وآخره، لخبر جابر قال: قال مُ لّ:
(( لا تجعلوني كقَدَح الراكب(٢)، فإن الراكب يملأ قدحه، ثم يضعه ، ويرفع
متاعه ، فإن احتاج إلى شراب شرب ، أو لوضوء توضأ، وإلا أهراقه ، ولكن
اجعلوني في أول الدعاء ، وأوسطه ، وآخره))(٢).
ويستقبل الداعي غير الإمام القبلة ؛ لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة .
ويكره للإمام استقبال القبلة ، بل يستقبل الإمام المأمومين للحديث السابق : أنه
عَاقلّ كان ينحرف إليهم إذا سلم .
ويلحُّ الداعي في الدعاء مع الخشية، لحديث: ((إن الله يحب الملحّين في
الدعاء))(٤) وحديث: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، واعلموا أن الله عز
وجل لا يستجيب دعاء من قلب غافل ))(٥) ويكرر الدعاء ثلاثاً ؛ لأنه نوع من
(١) أخرجه البخاري .
(٢) أي لا تؤخروني في الذكر ؛ لأن الراكب يعلّق قدحه في آخر رحله عند فراغه من تَرْحاله ، ويجعله خلفه .
( النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير) .
(٣) رواه البزار، وفيه موسى بن عبيدة ، وهو ضعيف ( مجمع الزوائد: ١٠ / ١٥٥).
(٤) رواه الترمذي وابن عدي والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة ( الفتح الكبير: ١ / ٣٥٥).
(٥) رواه الترمذي من حديث أبي هريرة ، وقال : غريب ، ورواه أحمد والحاكم وغيرهما أيضاً .
- ٨٠٥ -

الإلحاح، قال ابن مسعود: ((كان عليه السلام إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل
ثلاثاً ))(١) .
ويكون متطهراً ، ويقدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار .
والدعاء سراً أفضل منه جهراً ، لقوله تعالى : ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾
لأنه أقرب إلى الإخلاص . ويكره رفع الصوت بالدعاء في الصلاة وغيرها إلا لحاج
لحديث: (( أفضل الحج: العَجّ والتجّ))(٣) .
ويعم بالدعاء، لقوله مَ ◌ّه لعلي: ((ياعلي عم)).
ويكون دعاؤه بتأدب في هيئته وألفاظه ، وخشوع وخضوع ، وعزم
ورغبة، وحضور قلب ورجاء، للحديث السابق: ((لا يستجاب من قلب
غافل )) وشرط الدعاء : الإخلاص.
ويتوسل بأسماء الله وصفاته وتوحيده ، ويقدم بين دعائه صدقة ، ويتحرى
أوقات الإجابة وهي :
الثلث الأخير من الليل ، وبين الأذان والإقامة ، وأدبار الصلوات المكتوبة ،
وعند صعود الإمام المنبر يوم الجمعة ، حتى تنقضي الصلاة ، وآخر ساعة بعد العصر
من يوم الجمعة . ويوم عرفة ويوم الجمعة ، وعند نزول الغيث ، وعند زحف
الصفوف في سبيل الله تعالى ، وحالة السجود .
وينتظر الإجابة، للحديث السابق: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ،
ولا يَعْجل ، فيقول: دعوت فلم يستجب لي )) لما في الصحيح مرفوعاً:
(١) رواه مسلم وأصله متفق عليه (تخريج أحاديث الإحياء للعراقي: ١ / ٢٧٦).
(٢) رواه الترمذي عن ابن عمر، ورواه البيهقي والحاكم وابن ماجه عن أبي بكر، ورواه أبو يعلى عن ابن
مسعود ، وهو ضعيف .
- ٨٠٦ -

(( يستجاب لأحدكم ، مالم يَعْجل ، قالوا : وكيف يعجل يارسول الله ؟ قال :
يقول : قد دعوت ، وقد دعوت ، فلم أر يستجب لي، فيستحسر عند ذلك)).
ولا يكره عند الحنابلة رفع بصره إلى السماء(١) ، ولابأس أن يخص نفسه
بالدعاء ، لحديث أبي بكرة ، وأم سلمة ، وسعد بن أبي وقاص، إذ أولها: ((اللهم
إني أعوذ بك وأسألك)) فهو يخص نفسه الكريمة وال، ولحديث عائشة: ((أفضل
الدعاء : دعاء المرء لنفسه))(٢).
ويستحب أن يخفف الدعاء؛ لأنه مَ ◌ّةِ ((نهى عن الإفراط في الدعاء))(٢)
والإفراط يشمل كثرة الأسئلة .
ويدعو بدعاء مأثور، إما من القرآن أو السنة أو عن الصحابة أو التابعين ،
أو الأئمة المشهورين . من ذلك ماروته أم سلمة: أن النبي عليه كان يقول إذا صلى
الصبح حين يسلم: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً))(٤).
ومن الأدعية المأثورة الجامعة: ((اللهم إني أسألك مُوجبات رحمتك، وعزائم
مغفرتك ، والسلامة من كل إثم ، والغنية من كل بر، والفوز بالجنة ، والنجاة
من النار . اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، وأعوذ بك من العجز والكسل ،
وأعوذ بك من الجبن والبخل والفشل ، ومن غلبة الدين وقهر الرجال . اللهم إني
أعُوذ بك من جهد البلاء ، ودَرْك الشقاء ، وسوء القضاء ، وشماتة الأعداء ،
وعضال الداء )).
(١) كشاف القناع: ١ / ٤٣٠، واستدل بحديث المقداد: ((أن النبي ◌َّ رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهم
أطعم من أطعمني، واسق من سقاني)) ويعارضه حديث أبي هريرة عند البزار، ورجاله ثقات: ((لينتهين ناس عن
رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء حتى تخطف - يعني تخطف أبصارهم» ( مجمع الزوائد: ١٠ / ١٦٧ ).
(٢) رواه الحاكم عن عائشة ، وهو صحيح .
(٣) ذكره في كشاف القناع: ١ / ٤٣١ .
(٤) رواه أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٠٤).
- ٨٠٧ -

ما يستحب للمصلي بعد انتهاء الصلاة المفروضة :
استحب الفقهاء بعد انتهاء الفريضة ما يأتي(١) .
أً - يستحب الانتظار قليلاً أو اللبث للإمام مع المصلين ، إذا كان هناك
نساء ، حتى ينصرف النساء ولا يختلطن بالرجال ، لحديث أم سلمة رضي الله عنها
قالت: كان رسول الله مَ اتَّ إذا سلّم، قام النساء ، حتى يقضي تسليمه ، وهو
يمكث في مكانه يسيراً ، قبل أن يقوم ، قالت : فنُرى - والله أعلم - أن ذلك كان
لكي ينصرف النساء ، قبل أن يُدركَهن الرجال(٢) .
٢ - وينصرف المصلي في جهة حاجته إن كانت له يميناً أو شمالاً، فإن لم تكن
له حاجة ، انصرف جهة يمينه، لأنها أفضل ، لقول ابن مسعود: (( لا يجعل أحدكم
للشيطان حظاً من صلاته ، يرى حقاً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه ، لقد رأيت
رسول الله يؤثر كثيراً ما ينصرف عن شماله))(٣) وعن قبيصة بن هُلْب عن أبيه:
((أنه صلى مع النبي عَ لّ، فكان ينصرف عن شقيه))(٤).
٣ - يندب أن يفصل المصلي بين الفرض والسنة بكلام أو انتقال من مكانه ،
والفصل بالانتقال أفضل ، للنهي عن وصل ذلك إلا بعد المذكور ، والانتقال
أفضل تكثيراً للبقاع التي تشهد له يوم القيامة . ويفصل بين الصبح وسنته
باضطجاع على جنبه الأيمن أو الأيسر ، اتباعاً للسنة .
وقال أحمد : لا يتطوع الإمام في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة ، كما قال علي
رضي الله عنه . وقال أحمد أيضاً : من صلى وراء الإمام ، فلابأس أن يتطوع
(١) المهذب: ١ / ٨١، المغني: ١ / ٥٦٠ - ٥٦٢ .
(٢) رواه البخاري وأحمد ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٠٩).
(٣) رواه مسلم .
(٤) رواه أبو داود وابن ماجه .
- ٨٠٨ -

مكانه ، كما فعل ابن عمر. روى المغيرة بن شعبة أن النبي ◌ُ التّ قال: ((لا يتطوع
الإمام في مقامه الذي يصلي فيه بالناس »(١) وذكر الشافعية(٢) أن النفل الذي
لاتسن فيه الجماعة صلاته في البيت أفضل منه بالمسجد، للخبر الصحيح: ((أفضل
صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة )) لتعود بركة صلاته على منزله .
المبحث السادس - القنوت في الصلاة :
يندب القنوت(٣) في الصلاة ، لكن الفقهاء اختلفوا في تحديد الصلاة التي
يقنت فيها على آراء ، فقال الحنفية والحنابلة : يقنت في الوتر ، قبل الركوع عند
الحنفية ، وبعد الركوع عند الحنابلة ، ولا يقنت في غيره من الصلوات .
وقال المالكية والشافعية : يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع ، والأفضل
عند المالكية قبل الركوع ، ويكره عند المالكية على الظاهر القنوت في غير
الصبح .
ويستحب عند الحنفية والشافعية والحنابلة : القنوت في الصلوات المفروضة
إذا نزلت بالمسلمين نازلة ، وحصرها الحنابلة في صلاة الصبح ، والحنفية في صلاة
جهرية .
وتفصيل الكلام عن كل مذهب ما يأتي :
أولاً - قنوت الوتر أو الصبح :
قال الحنفية (٤) : يقنت المصلي في صلاة الوتر ، فيكبر بعد الانتهاء من
(١) المغني : ١ / ٥٦٢ .
(٢) شرح الحضرمية : ص ٤٩ .
(٣) القنوت : الدعاء والتضرع .
(٤) البدائع: ١ / ٢٧٣ وما بعدها، اللباب: ١ / ٧٨ ومابعدها، فتح القدير: ١ / ٣٠٩ ومابعدها ، الدر
المختار : ١ / ٦٢٦ - ٦٢٨ ٠
- ٨٠٩ -

القراءة ، ويرفع يديه كرفعه عند الافتتاح ، ثم يضعها تحت سرته ، ثم يقنتَ ،
ثم يركع ، ولا يقنت في صلاة غير الوتر إلا لنازلة في الصلاة الجهرية ، وأما قنوت
النبي ◌ُّ في الفجر شهراً فهو منسوخ بالإجماع ، لما روى ابن مسعود أنه عليه
السلام قنت في صلاة الفجر شهراً ثم تركه(١) .
وحكمه عندهم : أنه واجب عند أبي حنيفة ، سنة عند الصاحبين ، كالخلاف
الآتي في الوتر .
ومحل أدائه : الوتر في جميع السنة قبل الركوع من الركعة الثالثة ، بدليل
ماروي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وهم ( عمر وعلي وابن مسعود وابن
عباس وأبي بن كعب ) أن قنوت رسول الله مترٍ كان في الوتر قبل الركوع (٢).
ومقداره كمقدار: إذا السماء انشقت، لما روي عن النبي مع ال أنه كان يقرأ في
القنوت : اللهم إنا نستعينك ، أو اللهم اهدنا فين هديت الخ ، وكلاهما على
مقدار هذه السورة .
وصيغة الدعاء المفضلة عندهم وعند المالكية: (( اللهم إنا نستعينك
ونستهديك ، ونستغفرك ونتوب إليك ، ونؤمن بك ونتوكل عليك ، ونثني
عليك الخير كله ، نشكرك ولا نكفرك، ونخلَع ونترك من يفجُرُك ، اللهم إياك
نعبد ، ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفِد ، نرجو رحمتك ونخشى
(١) رواه البزار والطبراني وابن أبي شيبة والطحاوي (نصب الراية: ٢ / ١٢٧) وروى أحمد والترمذي وصححه
وابن ماجه عن أبي مالك الأشجعي أن أباه صلى خلف الرسول مَيتم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، فلم يقنت واحد
منهم. وروى أحمد عن أنس أن النبي مٍَّ قنت شهراً ثم تركه . وروى البخاري عن أنس ((كان القنوت في المغرب
والفجر)) وروى أحمد والبخاري أن النبي ◌َاقل دعا على مضر، حتى أنزل الله تعالى: ((ليس لك من الأمر شيء))،
وروى أحمد ومسلم والترمذي وصححه عن البراء بن عازب أن النبي ◌ٍَّ كان يقنت في صلاة المغرب والفجر)) ( نيل
الأوطار: ٢ / ٣٣٨ - ٣٤٤).
(٢) نصب الراية : ٢ / ١٢٣ وما بعدها .
- ٨١٠ -

عذابك، إن عذابك الجدّ بالكفار مُلحِق))(١) وهو الدعاء المشهور لابن عمر ،
ولامانع من صحة نسبته لكل من عمر وابنه .
وذلك بدليل ماأخرجه أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران ، قال :
((بينما رسول الله عَ لٍ يدعو على مضر، إذ جاءه جبريل، فأومأ إليه أن اسكت ،
فسكت ، فقال : يا محمد ، إن الله لم يبعثك سباباً ولالعَّاناً، وإنما بعثك رحمة
للعالمين ، ليس لك من الأمر شيء ، ثم علّمه القنوت : اللهم إنا نستعينك ...
إلخ )) (٢) ولأن الصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على هذا القنوت، فالأولى أن
يقرأه . ولو قرأ غيره جاز، ولو قرأ معه غيره، كان حسناً . والأولى أن يقرأه
بعدما علم رسول الله عَ لّ الحسن بن علي رضي الله عنهما في قنوته : اللهم اهدنا
فين هديت .. إلى آخره(7). ثم بعده يصلي فيه على النبي ◌ُّ وآله، على المفتى
به ، فيقول: (( وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم )) .
ومن لا يحسنه بالعربية أو لا يحفظه ، إما أن يقول : يارب أو اللهم اغفر لي
ثلاثاً أو ((ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)) والآية
الأخيرة أفضل .
وصفته من الجهر والإسرار : المختار أنه يخفيه الإمام والمقتدي .
وحكمه حال نسيانه : إذا نسي المصلي القنوت حتى ركع ، ثم تذكر بعدما
رفع رأسه من الركوع ، لا يعود إليه ، ويسقط عنه القنوت . كما يسقط عنه في
ظاهر الرواية إذا تذكره في الركوع ، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته قبل السلام ،
(١) معنى: ((نخلع)) نلقي وتترك، ونحفد: أي نبادر ونسرع في تحصيل عبادتك بنشاط، كالمشي إلى
المسجد ، والجد : الحق ، أي ضد الهزل ، وملحق أي لاحق بهم ، أو ملحق بهم ، بكسر الحاء وفتحها ، والكسر أفصح .
(٢) نصب الراية : ٢ / ١٣٥ وما بعدها .
(٣) رواه الترمذي وأبو داود ( المجموع : ٢ / ٤٧٧ ).
- ٨١١ -

لفوات القنوت عن محله ، فإن عاد إليه وقنت ، ولم يعد الركوع ، لم تفسد
صلاته ، لكون ركوعه بعد قراءة تامة .
ويأتي المأموم بقنوت الوتر ، ولو اقتدى بشافعي يقنت بعد الركوع ، لأنه
مجتهد فيه .
وإذا أدرك المقتدي الإمام في ركوع الثالثة من الوتر ، كان مدركاً للقنوت
حكماً ، فلا يأتي به في آخر صلاته .
وقالوا أخيراً : إذا قنت الإمام في صلاة الفجر سكت من خلفه عند أبي
حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وهو الأظهر ؛ لأنه منسوخ ولا متابعة فيه ، وقال أبو
يوسف : يتابعه ؛ لأنه تبع لإمامه ، والقنوت مجتهد فيه .
مذهب المالكية :
يندب عند المالكية(١) قنوت سراً في الصبح فقط ، لا في الوتر وغيره
فيكره ، وذلك قبل الركوع ، وهو أفضل ، ويجوز بعد الركوع . ولفظه المختار :
اللهم إنا نستعينك ... إلخ كالحنفية، ولا يضم إليه: ((اللهم اهدنا فين
هديت .. )) إلخ على المشهور .
ويقنت الإمام والمأموم والمنفرد سراً ، ولا بأس برفع اليدين فيه .
مذهب الشافعية :
يسن عندهم(٢) القنوت في اعتدال ثانية الصبح ، وصيغته المختارة هي :
(( اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فين توليت ، وبارك
(١) الشرح الصغير: ١ / ٣٣١، الشرح الكبير: ١ / ٢٤٨، القوانين الفقهية: ص ٦١.
(٢) مغني المحتاج: ١ / ١٦٦، المجموع: ٢ / ٤٧٤ - ٤٩٠، المهذب: ١ / ٨١، حاشية الباجوري: ١ / ١٦٨
ومابعدها .
- ٨١٢ -

لي فيما أعطيت ، وقني شر ماقضيت (١)، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه
لا يذل من واليت ، ولا يعز من عادیت ، تباركت ربنا وتعاليت ، فلك الحمد على
ماقضيت ، أستغفرك وأتوب إليك))(٢) ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي
وعلى آله وصحبه وسلم .
ويقنت الإمام بلفظ الجمع ؛ فيقول : اللهم اهدنا .. إلخ ؛ لأن البيهقي رواه
بلفظ الجمع ، فحمل على الإمام، وعلله النووي في ((أذكاره )) بأنه يكره للإمام
تخصيص نفسه بالدعاء لخبر: (( لا يؤم عبد قوماً ، فيخص نفسه بدعوة دونهم ،
فإن فعل فقد خانهم)) (٣) .
ودليلهم على اختيار هذه الصيغة : مارواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله مرّ إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة
الصبح في الركعة الثانية ، رفع يديه ، فيدعو بهذا الدعاء : اللهم اهدني فين
هديت .. إلخ ماتقدم(٤). وزاد البيهقي فيه عبارة: ((فلك الحمد على
ماقضيت(٥) .. إلخ .
(١) هذا آخر الدعاء ، وما بعده الثناء ، فيؤمن المقتدي في الدعاء ، ويقول الثناء سراً ، أو يقول: أشهد ..
(٢) معناه إجمالاً: اللهم دلني على الطريق التي توصل إليك ، مع من دللته إلى الطريق التي توصل إليك ،
وعافني من البلايا مع من عافيته منها ، وتول أموري وحفظي مع من توليت أموره وحفظه ، وأنزل يا الله البركة :
وهي الخير الإلهي فيما أعطيته لي ، واحفظني مما يترتب على ماقضيته من السخط والجزع ، وإلا فالقضاء المحتم لابد من
نفوذه. وأنت تحكم ولايحكم عليك، لامعقب لحكمه ، ولا يحصل لمن واليته ذل ، ولا يحصل لمن عاديته عز، تزايد برك
وإحسانك وارتفعت عما لا يليق بك. ويقول ((ربنا)) بصيغة الجمع ولو كان منفرداً اتباعاً للوارد. لك الحمد من حيث
نسبته إليك ؛ لأنه لا يصدر عنك إلا الجميل ، وإنما يكون شراً بنسبته لنا ، أستغفرك من الذنوب وأتوب إليك .
(٣) رواه الترمذي وحسنه .
(٤) قال عنه الحاكم : صحيح .
(٥) رواه البيهقي عن ابن عباس ( سبل السلام: ١ / ١٨٧) وزاد البيهقي والطبراني ((ولا يعز من عاديت))
( المصدر السابق : ص ١٨٦ ) .
- ٨١٣ -

وقال أنس بن مالك: ((مازال رسول الله مُ له يقنت في الفجر، حتى فارق
الدنيا)»(١) وكان عمر يقنت في الصبح بمحضر من الصحابة وغيرهم .
والصحيح سن الصلاة على رسول الله معلقة في آخر القنوت للأخبار الصحيحة
في ذلك . كما يسن الصلاة على الآل، وسن رفع اليدين فيه كسائر الأدعية ،
اتباعاً للسنة(٢).
ويسن في الدعاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء إن دعا لرفع بلاء ، وعكسه
إن دعا لتحصيل شيء . وقد أفتى بعض الشافعية بأنه لا يسن ذلك عند قوله في
القنوت: ((وقني شر ماقضيت )) لأن الحركة في الصلاة ليست مطلوبة .
والصحيح أنه لا يمسح بيديه وجهه ، لعدم وروده ، كما قال البيهقي. والإمام
يجهر بالقنوت، اتباعاً للسنة(٣)، ويؤمن المأموم للدعاء(٤) إلى قوله: ((وقني شر
ماقضيت ))، ويجهر به كما في تأمين القراءة، ويقول الثناء سراً بدءاً من قوله :
((فإنك تقضي .. )) إلخ؛ لأنه ثناء وذكر فكانت الموافقة فيه أليق ، أو يقول :
أشهد ، والأول أولى ، وقال بعضهم : الثاني أولى . فإن لم يسمع الإمام قنت ندباً
معه سراً كسائر الدعوات والأذكار التي لا يسمعها .
وهل الصلاة على النبي التّ من قبيل الدعاء ، فيؤمن فيها ، أو من
قبيل الثناء فيشارك فيها ؟ المعتمد هو الأول ، لكن الأولى الجمع بينهما . ولا يرد
على اقتصاره على التأمين قوله تع الى: ((رغم أنف امرئ ذكرت عنده ، فلم يصل
(١) رواه أحمد وعبد الرزاق، والدارقطني وإسحاق بن راهويه ( نصب الراية: ٢ / ١٣١ وما بعدها ).
(٢) رواه البيهقي بإسناد جيد . وأما المذكور في سائر الأدعية فرواه الشيخان وغيرهما .
(٣) رواه البخاري وغيره . قال الماوردي : وليكن جهره به دون جهر القراءة .
(٤) رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح .
- ٨١٤ -

علي ))(١) لأنه في غير المصلي ، على أن التأمين في معنى الصلاة عليه .
ويصح الدعاء بغير هذه الصيغة ، بكل ذكر مشتمل على دعاء وثناء ، مثل :
((اللهم اغفر لي ياغفور)) فقوله: ((اغفر لي)) دعاء، وقوله: ((ياغفور)) ثناء ،
ومثل (وارحمني يارحيم)) أو ((والطف بي يالطيف)) والأولى أن يقول: ((اللهم
اهدني .. )» السابق .
ويكره إطالة القنوت كالتشهد الأول ، لكن يستحب له الجمع بين قنوت
النبي ◌َ ◌ّه((اللهم اهدني .. إلخ)) وقنوت عمر أو ابنه: ((اللهم إنا نستعينك
ونستهديك )) السابق . والجمع لمنفرد وإمام جماعة التطويل ، وإن اقتصر فليقتصر
على الأول .
ويزاد عليها: ((اللهم عذب الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين ، الذين
يصدون عن سبيلك ، ويكذبون رسولك ، ويقاتلون أولياءك . اللهم اغفر
للمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات ، الأحياء منهم والأموات ، اللهم أصلح
ذات بينهم ، وألف بين قلوبهم ، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة ، وثبتهم على
ملة رسولك ، وأوزعهم ( أي ألهمهم ) أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه ،
وانصرهم على عدوك وعدوهم ، إله الحق، واجعلنا منهم)).
والقنوت كما سنبين من أبعاض الصلاة ، فإن تركه كله أو بعضه ، أو ترك
شيئاً من قنوت عمر إذا جمعه مع قنوت النبي عليه السلام ، أو ترك الصلاة على
النبي ◌َّ بعده، سجد للسهو. كما يسجد للسهو إن ترك القنوت تبعاً لإمامه
الحنفي ، أو تركه إمامه المذكور وأتى به هو .
(١) رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة، وهو صحيح .
- ٨١٥ -

مذهب الحنابلة :
يسن القنوت عندهم(١) كالحنفية، في الوتر في الركعة الواحدة في جميع
السنة ، بعد الركوع ، كما قال الشافعي في وتر النصف الأخير من رمضان ، فإن
قنت قبل الركوع فلابأس، لما روى ابن مسعود: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ قنت بعد
الركوع ))(٢) وروى حميد، قال: سئل أنس عن القنوت في صلاة الصبح ؟ فقال :
(( كنا نقنت قبل الركوع وبعده ))(٣).
ويقول في قنوته جهراً إن كان إماماً أو منفرداً: ((اللهم إنا نستعينك ..
إلخ)) ((اللهم اهدنا فيمن هديت)) والثاني أولى كما ذكر ابن قدامة ، لما روى
الحسن بن علي رضي الله عنهما، قال علمني رسول الله عَ اهتز كلمات أقولهن في
الوتر : اللهم اهدني فيمن هديتٍ .. إلخ (٤). وعن عمر رضي الله عنه : أنه قنت في
صلاة الفجر ، فقال : بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إنا نستعينك .. إلخ ثم يصلي
على النبي صَ لّه، وعلى آله . ولابأس أن يدعو في قنوته بماشاء غير ما تقدم.
وإذا أخذ الإمام في القنوت أمَّن من خلفه ، ويرفع يديه ، ويمسح وجهه
بيديه، لقول النبي معَ ◌ّ: ((إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك ، ولا تدع
بظهورها ، فإذا فرغت فامسح بها وجهك)) (٥)، وروى السائب بن يزيد عن
أبيه: ((أن النبي ◌ُ ال كان إذا دعا، رفع يديه، ومسح بها وجهه))(٦). ويؤمن
المأموم بلا قنوت إن سمع ، وإن لم يسمع دعا .
؟
(١) المغني: ١ / ١٥١ - ١٥٥، كشاف القناع: ١ / ٤٩٠ - ٤٩٤.
(٢) رواه مسلم .
(٣) رواه ابن ماجه .
(٤) أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: هذا حديث حسن ، ولانعرف عن النبي عليهم في القنوت شيئاً أحسن
من هذا، ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه ( الخمسة) (سبل السلام: ١ / ١٨٦، نصب الراية: ٢ / ١٢٢) .
(٥) رواه أبو داود وابن ماجه .
(٦) رواه أبو داود من رواية ابن لهيعة .
- ٨١٦ -

ولا يسن القنوت في الصبح ولاغيرها من الصلوات سوى الوتر ، كما قال
الحنفية، لما روي ((أن النبي ◌َ ◌ّ قنت شهراً، يدعو على حي من أحياء العرب،
ثم تركه »(١).
ثانياً - القنوت أثناء النوازل :
قال الحنفية والشافعية والحنابلة(٢): يشرع القنوت للنازلة لامطلقاً، في
الجهرية فقط عند الحنفية ، وفي سائر الصلوات المكتوبات عند غيرهم إلا الجمعة
عند الحنابلة اكتفاءً بالدعاء في خطبتها(٣)، ويجهر في دعائه في هذا القنوت .
والنازلة : أن ينزل بالمسلمين خوف أو قحط أو وباء أو جراد ، أو نحوها ، اتباعاً
للسنة؛ لأنه ((مَ الإِ قنت شهراً يدعو على قاتلي أصحابه القراء ببئر معونة)) (٤)
وعن أبي هريرة أن النبي ◌ُ ◌ّعٍ كان إذا أراد أن يدعو على أحد ، أو يدعو لأحد،
قنت بعد الركوع .. ))(٩).
وكون القنوت عند النازلة لم يشرع مطلقاً بصفة الدوام ، على المشهور عند
الشافعية، فلأنه مَ التّ لم يقنت إلا عند النازلة .
ويدعو بنحو ماروي عن النبي صَ لّ وأصحابه ، وروي عن عمر رضي الله عنه
أنه كان يقول في القنوت: ((اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين
والمسلمات ، وألف بين قلوبهم ، وأصلح ذات بينهم ، وانصرهم على عدوك
(١) رواه مسلم، وروى أبو هريرة وأبو مسعود وأبو مالك الأشجعي عن النبي ◌َتع مثل ذلك، كما قدمنا في
مذهب الحنفية .
(٢) اللباب: ١ / ٧٩، حاشية الباجوري: ١ / ١٦٨، مغني المحتاج: ١ / ١٦٨، المغني: ١ / ١٥٥، كشاف
القناع: ١ / ٤٩٤، المهذب: ١ / ٨٢ ، المجموع : ٣ / ٤٨٦ .
(٣) هذا ماذكر في كشاف القناع وقال ابن قدامة : ولا يقنت في غير الصبح من الفرائض .
(٤) رواه الشيخان، مع خبر ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
(٥) رواه أحمد والبخاري ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٤٣).
الفقه الإسلامي جـ ١ (٥٢)
- ٨١٧ -

وعدوهم ، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك ، ويقاتلون
أولياءك ، اللهم خالف بين كلمتهم ، وزلزل أقدامهم ، وأنزل بهم بأسك الذي
لا يرد عن القوم المجرمين . بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم إنا نستعينك)).
ولا يسن السجود لترك قنوت النوازل ؛ لأنه - كما قال الشافعية - ليس من
أبعاض الصلاة .
المبحث السابع - صلاة الوتر :
الكلام عن الوتر في بيان حكمه أو صفته واجب أم سنة ، ومن يجب عليه ،
ومقداره ، ووقته ، صفة القراءة فيه ، القنوت فيه ، ومحل القنوت(١).
١ - حكم الوتر أو صفته :
الوتر مطلوب بالإجماع ، لقوله عزوجل: (( يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر
يحب الوتر))(٣)، وكان واجباً على النبي عَ ◌ّة، الحديث: (( ثلاث كتبن علي ولم
تكتب عليكم: الضحى، والأضحى، والوتر))(٣).
وهو واجب كصلاة العيدين عند أبي حنيفة ، سنة مؤكدة وآكد السنن عند
الصاحبين وبقية الفقهاء .
استدل أبو حنيفة بقوله معلقة: إن الله تعالى زادكم صلاة ، ألا وهي الوتر ،
(١) فتح القدير: ١ / ٣٠٠ - ٣١٠، الكتاب مع اللباب: ١ / ٧٨ وما بعدها، البدائع: ١ / ٢٧٠ - ٢٧٤،
الشرح الصغير: ١ / ٤١١ - ٤١٤، الشرح الكبير: ١ / ٣١٥ - ٣١٨، المهذب: ١ / ٨٣، مغني المحتاج: ١ / ٢٢١ -
٢٢٣، المغني: ٢ / ١٥٠ - ١٦٥، القوانين الفقهية: ص ٨٩ كشاف القناع: ١ / ٤٨٦ - ٤٨٨.
(٢) رواه أبو داود وصححه الترمذي ..
(٣) أخرجه الحاكم وأحمد عن ابن عباس ، قال الذهبي: سكت الحاكم عنه، وهو غريب منكر ( نصب الراية :
٢ / ١١٥) .
- ٨١٨ -

فصلوها مابين العشاء إلى طلوع الفجر)) (١) وهو أمر والأمر للوجوب ، وإنما لم
يكفر جاحده باتفاق الحنفية ؛ لأن وجوبه ثبت بسنة الآحاد ، وهو معنى ماروي
عنه أنه سنة . وبناء عليه لا يجوز عنده أداؤه قاعداً أو على الدابة بلاعذر .
ويؤيده أحاديث أخرى، منها حديث أبي أيوب: (( الوتر حق ، فمن أحب
أن يوتر بخمس فليفعل ، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ، ومن أحب أن
يوتر بواحدة فليفعل ))(٣).
وحديث بريدة: (( الوتر حق ، فمن لم يوتر ، فليس منا))(٢).
واستدل الجمهور على سنيته بأحاديث كثيرة منها :
قوله مدافع للأعرابي ، حين سأله عما فرض الله عليه من الصلاة ؟ قال :
خمس صلوات ، قال : هل علي غيرها ؟ قال : لا إلا أن تطَّوع))(٤).
وكذَّب عبادة بن الصامت رجلاً يقول : الوتر واجب ، وقال : سمعت
النبي ◌َّ يقول : خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة))(٥).
وعن علي قال: (( الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة المكتوبة ، ولكنه سنة سنها
النبي ◌ِ يرٍ))(٦).
٠
(١) روي عن ثمانية من الصحابة: خارجة بن حذافة وعمرو بن العاص ، وعقبة بن عامر ، وابن عباس ، وأبي
بصرة الغفاري ، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وابن عمر ، وأبي سعيد الخدري ، روى أبو داود والترمذي وابن
ماجه حديث خارجة ، وقال عنه الترمذي : حديث غريب : وأخرجه الحاكم ، وقال حديث صحيح الإسناد ، ولم
يخرجاه، لتفرد التابعي عن الصحابي ( نصب الراية: ٢ / ١٠٨ - ١١١).
(٢) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه ( نصب الراية: ٢ / ١١٢ ).
(٣) رواه أحمد .
(٤) متفق عليه، ومثله حديث معاذ في الصحيحين: ((إن الله افترض عليكم خمس صلوات في اليوم والليلة))
( نصب الراية : ١١٤/٢ ) .
(٥) رواه أبو داود وأحمد .
(٦) رواه أحمد والترمذي وحسنه .
- ٨١٩ -

ولأنه يجوز فعله على الراحلة من غير ضرورة ، فأشبه السنن ، روى ابن
عمر: ((أن النبي ◌َّ كان يوتر على بعيره))(١).
وهذا الرأي هو الحق ؛ لأن أحاديث أبي حنيفة إن صحت فهي محمولة على
التأكيد، وقد تكلم المحدثون فيها ، فحديث ((من لم يوتر فليس منا)) فيه
ضعيف، وحديث أبي أيوب ((الوتر حق)) وإن كان رواته ثقات فمحمول على
تأكيد الاستحباب ، لقول الإمام أحمد: (( من ترك الوتر عمداً فهو رجل سوء ،
لا ينبغي أن تقبل له شهادة )).
٢ - من يجب عليه الوتر عند أبي حنيفة:
الوتر عند أبي حنيفة كالجمعة والعيدين واجب على كل مسلم ، ذكر أو أنثى ،
بعد أن يصبح أهلاً للوجوب ، لحديث أبي أيوب السابق: (( الوتر حق واجب
على كل مسلم ، فمن أحب أن يوتر بخمس فليوتر ، ومن أحب أن يوتر بثلاث
فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة ، فليوتر))(٢).
وهو عند الجمهور سنة مؤكدة على كل مسلم .
٣ - مقداره وكيفيته :
الوتر عند الحنفية ثلاث ركعات ، لا يفصل بينهن بسلام ، وسلامه في
آخره ، كصلاة المغرب ، حتى لو نسي قعود التشهد الأول ، لا يعود إليه ، ولو عاد
فسدت الصلاة. لحديث عائشة: ((كان رسول الله مَ ◌ّ يوتر بثلاث، لا يسلم إلا
في آخرهن )»(٣) .
(١) متفق عليه .
(٢) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد وابن حبان والحاكم ، وقال: على شرطهما ( نصب الراية:
٢ / ١١٢) .
(٣) رواه الحاكم، وقال: إنه على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه، ورواه النسائي بلفظ: ((كان النبي معَ ◌ّ
لا يسلم في ركعتي الوتر))، وروي مثله عن ابن مسعود وابن عباس (نصب الراية: ٢ / ١١٨ وما بعدها) .
- ٨٢٠ -