Indexed OCR Text

Pages 681-700

والسنة أو المستحب عندهم إن تركها المصلي لا يعود إليها بعد التلبس بفرض
آخر ، فمن ترك التشهد الأول مثلاً ، فذكره بعد اعتداله مستوياً ، لا يعود إليه
لكنه يسجد للسهو، فإن عاد إليه عامداً عالماً بتحريمه، بطلت صلاته ، أما إن
عاد إليه ناسياً أنه في الصلاة ، فلا تبطل صلاته ، ويلزم القيام عنه فوراً عند
تذكره ثم يسجد للسهو. هذا إن كان المصلي إماماً أو منفرداً .
فإن كان المصلي مأموماً عاد وجوباً لمتابعة إمامه ؛ لأن المتابعة آكد من
التلبس بالفرض ، فإن لم يعد عامداً عالماً ، بطلت صلاته إذا لم ينو المفارقة ، فإن
نواها لم تبطل .
وقال الحنابلة(١): ما ليس بفرض نوعان: واجبات ، وسنن . والواجبات :
وهي ما تبطل الصلاة بتركه عمداً، وتسقط سهواً أو جهلاً ، ويجيز تركها سهواً
بسجود السهو ، وهي ثمانية :
١ - التكبير ((الله أكبر)) للانتقال في محله: ( وهو ما بين انتهاء فعل وابتداء
فعل آخر) لأنه ماتم كان يكبر كذلك، وقال: (( صلوا كما رأيتموني أصلي)»، فلو
شرع المصلي في التكبير قبل الانتقال ، كأن يكبر للركوع أو السجود قبل هُوِّيه
إليه ، لم يجزئه ، ويجزئه فيما بين ابتداء الانتقال وانتهائه .
وهذا التكبير غير تكبيرتي الإحرام ، وتكبيرة ركوع مأموم أدرك إمامه
راكعاً ، فإن الأولى ركن ، والثانية سنة للاجتزاء عنها بتكبيرة الإحرام .
٢ - التسميع: أي قول ((سمع الله لمن حمده)) لإمام ، ومنفرد دون مأموم .
٣ - التحميد: أي قول ((ربنا لك الحمد)) لكل من الإمام والمأموم والمنفرد
(١) كشاف القناع: ١ / ٤٥٠، ٤٥٥ - ٤٦٠، المغني: ١ / ٤٦٢ - ٥٥٩
- ٦٨١ -

٤ - تسبيح الركوع: (( سبحان ربي العظيم))
٥ - تسبيح السجود: (( سبحان ربي الأعلى ))
٦ - دعاء ((رب اغفر لي)) بين السجدتين . والواجب مرة واحدة في كل
ما سبق ، والأكمل أن يكرر ذلك مراراً ، وأدنى الكمال : ثلاث .
٧ - التشهد الأول: لأنه ◌َّ فعله وداوم على فعله وأمر به ، وسجد للسهو
حين نسيه . وأقله: (( التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا
الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ))
٨ - الجلوس للتشهد الأول، وهذا وما قبله واجب على غير مأموم قام إمامه
عنه سهواً .
وأما السنن : فهي سنن أقوال وأفعال وهيئات . وسنن الأقوال سبع عشرة
وهي ( الاستفتاح ، والتعوذ ، والبسملة ، والتأمين ، وقراءة السورة في الركعتين
الأوليين من الصلاة الرباعية والثلاثية ، وفي صلاة الفجر ، والجمعة ، والعيدين ،
وفي التطوع كله ، والجهر والإخفات في محلها ، وقول: ((ملء السموات وملء
الأرض وملء ما شئت من شيء بعد )) بعد التحميد في حق الإمام والمنفرد ، دون
المأموم ، وما زاد على المرة من تسبيح الركوع والسجود، و((رب اغفر لي : بين
السجدتين ، والتعوذ في التشهد الأخير ، أي قول : أعوذ بالله من عذاب
جهنم ... الخ ، والدعاء في آخر التشهد الأخير ، والصلاة في التشهد الأخير على
آل النبي ◌ُ ◌ّه والبركة فيه، أي قول: وبارك على محمد وعلى آل محمد ... الخ،
وما زاد على المجزئ من التشهد الأول ، والقنوت في الوتر )
- ٦٨٢ -

وما سوى ذلك: سنن أفعال وهيئات(١) ، كسكون الأصابع مضمومة ممدودة
حال رفع اليدين مبسوطة ( ممدودة الأصابع ) مضمومة الأصابع مستقبل القبلة
ببطونها إلى حذو منكبيه ، عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه ، وحطهما
عقب ذلك .
بيان سنن الصلاة الداخلة فيها :
١ - رفع اليدين للتحريمة :
لا خلاف في استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام لافتتاح الصلاة ،
وذلك حَذْو ( مقابل ) المنكبين عند المالكية(٢) والشافعية ، ويخير عند الحنابلة في
رفعهما إلى فروع أذنيه أو حذو منكبيه . وقال الحنفية : يحاذي الرجل بإبهاميه
أذنيه ، وترفع المرأة حذاء منكبيها فقط ؛ لأنه أستر لها . قال ابن قدامة : ومعناه
أن يبلغ بأطراف أصابعه ذلك الموضع . وقال النووي : معناه أن تحاذي أطراف
أصابعه أعلى أذنيه وابهاماه شحمتي أذنيه وراحتاه منكبيه ، واعتمد المالكية هذه
الكيفية . وأضاف الفقهاء : ويسن إمالة أطراف الأصابع نحو القبلة لشرفها .
ودليل الحنفية : حدیث وائل بن حجر: « أنه رأى النبي مات( رفع يديه حين
دخل في الصلاة، وكبّر، وصفَّهما حيال أذنيه))(٣) وحديث البراء بن عازب: ((كان
رسول الله عَ لٍ إذا صلى، رفع يديه حتى تكون إبهاماه حذاء أذنيه))(٤) وحديث
أنس: ((رأيت رسول الله مائل كبر، فحاذى يابهاميه أذنيه))(٥)
(١) سميت هيئة لأنها صفة في غيرها .
(٢) يعتبر ذلك عندهم من الآداب أو الفضائل
(٣) رواه مسلم ( نصب الراية: ١ / ٣١٠ )
(٤) رواه أحمد وإسحاق بن راهويه والدارقطني والطحاوي (نصب الراية: ١ / ٣١١)
(٥) رواه الحاكم والدارقطني ( المرجع السابق )
- ٦٨٣ -

ودليل الشافعية والمالكية: حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (( أنه صلى الله
عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ))(١)
ودليل الحنابلة على التخيير: أن كلا الأمرين مروي عن رسول الله مواتير ،
فالرفع إلى حذو المنكبين : في حديث أبي حميد(٢) وابن عمر وعلي وأبي هريرة .
والرفع إلى حذو الأذنين : رواه وائل بن حجر ومالك بن الحويرث(٣) .
زمن الرفع : ووقت الرفع في الأصح عند الحنفية: أنه يرنع أولاً ، ثم
يكبر ؛ لأن في فعله نفي الكبرياء عن غير الله تعالى .
وقال المالكية : ترفع اليدان مبسوطتين ظهورهما للسماء وبطونها للأرض
على صفة الخائف ، عند الشروع في تكبير الإحرام ، لا عند غيره .
وقال الشافعية والحنابلة : إنه يرفع مع ابتداء تكبيرة الإحرام ، ويكون
انتهاؤه مع انقضاء التكبير ، ولا يسبق أحدهما صاحبه ، فإذا انقضى التكبير حط
يديه ، فإن نسي رفع اليدين حتى فرغ من التكبير لم يرفعها ؛ لأنه سنة فات
محلها ، وإن ذكره في أثناء التكبير رفع ؛ لأن محله باق . فإن لم يمكنه رفع يديه
إلى المنكبين ، رفعهما قدر ما يمكنه ، وإن أمكنه رفع إحداهما دون الأخرى
رفعها، لقول النبي صَ ل: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم))، وإن لم
يمكنه رفعهما إلا بالزيادة على المسنون رفعهما ؛ لأنه يأتي بالسنة .
حالة الأصابع : قال الحنفية والمالكية والشافعية : يسن نشر الأصابع ، أي
ألا تضم كل الضم ، ولا تفرج كل التفريج ، بل تترك على حالها منشورة ، أي
(١) متفق عليه
(٢) رواه الجماعة إلا مسلماً
(٣) حديث وائل رواه مسلم كما بينا، وحديث مالك رواه مسلم وأحمد ( انظر نيل الأوطار: ٢ /
١٧٩ - ١٨٣ ) .
- ٦٨٤ -

مفرقة تفريقاً وسطاً؛ لأنه يقل كان إذا كبّر، رفع يديه ، ناشراً أصابعه )»(١) أي
مفرقاً أصابعه .
وقال الحنابلة : يستحب أن يمد أصابعه وقت الرفع ، ويضم بعضها إلى
بعض، لما روى أبو هريرة قال: ((كان رسول الله عَ ◌ّ إذا قام إلى الصلاة رفع
يديه مدَّاً))(٢) والمد : ما يقابل النشر.
الجهر بتكبيرة الإحرام : قال المالكية(٢): يندب لكل مصل إماما أو
مأموماً أو منفرداً الجهر بتكبيرة الإحرام ، وأما تكبيرات الانتقال فيندب للإمام
دون غيره الجهر بها ، والأفضل لغير الإمام الإسرار بها .
رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام : قال الحنفية والمالكية : لا يسن
رفع اليدين في غير الإحرام عند الركوع أو الرفع منه ، إذ لم يصح ذلك عندهم عن
النبي ◌َ ◌ّ، واستدلوا بما روي عن ابن عمر: (( كان رسول الله عَ لّ يرفع يديه إذا
افتتح الصلاة ، ثم لا يعود )) (٤) .
وبفعل ابن مسعود، قال: ((ألا أصلي بكم صلاة رسول الله عَ ارٍ ؟ فصلى،
فلم يرفع يديه إلا في أول أمره . وفي لفظ : « فکان یرفع يديه أول مرة ، ثم
لا يعود))(٥) وقال أيضاً: ((صليت مع رسول الله مَ افّ، وأبي بكر، وعمر ، فلم
يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة)) (٦) .
(١) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة بلفظ ((كان إذا كبر للصلاة نشر أصابعه)) (نيل الأوطار: ٢ / ١٧٦ )
(٢) رواه الخمسة إلا ابن ماجه ( نيل الأوطار: ٢ / ١٧٦ )
(٣) الشرح الكبير مع الدسوقي: ١ / ٢٤٤، الشرح الصغير وحاشية الصاوي: ١ / ٣٢٢
(٤) قال الحافظ ابن حجر: وهو مغلوب موضوع ( نيل الأوطار: ٢ / ١٨١).
(٥) أخرجه أبو داود والنسائي، والترمذي وقال: حديث حسن ( نصب الراية: ١ / ٣٩٤).
(٦) رواه الدارقطني والبيهقي، وهو ضعيف، والصواب أنه مرسل ( المرجع السابق: ١ / ٣٩٦).
- ٦٨٥ -

وقال الشافعية والحنابلة : يسن رفع اليدين في غير الإحرام : عند الركوع ،
وعند الرفع منه ، أي عند الاعتدال ، لما ثبت في السنة المتواترة عن واحد
وعشرين صحابياً(١)، منها الحديث المتفق عليه عن ابن عمر قال: (( كان النبي
عَ ◌ّ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا بحَذْو مِنْكَبيه، ثم يكبّر، فإذا أراد
أن يركع ، رفعهما مثل ذلك ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، رفعهما كذلك أيضاً ،
وقال : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد))(٢).
وأضاف الشافعية في الصواب عندهم كما قال النووي : أنه يستحب الرفع أيضاً
عند القيام من التشهد الأول ، بدليل حديث نافع : أن ابن عمر رضي الله عنهما :
((كان إذا دخل الصلاة ، كبر ورفع يديه ، وإذا ركع رفع يديه ، وإذا قال :
سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع یدیه ورفع ابن عمر
ذلك إلى رسول الله مطاقوٍ))(٣).
والخلاصة : أنه يراعى في رفع اليدين أن تكون الأصابع منشورة مفرقة
وسطاً عند الجمهور ، مضمومة عند الحنابلة ، وأن تكون الأيدي باتفاق الفقهاء في
اتجاه القبلة ، بحيث يستقبلها المصلي ببطونها ، لشرف القبلة .
٢ - مقارنة إحرام المقتدي لإحرام إمامه :
قال الحنفية: تسن هذه المقارنة، لقوله مَ التّ: ((إذا كبر - أي الإمام -
فكبر)) بشرط ألا يفرغ المقتدي من لفظ ((الله أكبر)) قبل فراغ الإمام منه.
(١) راجع النظم المتناثر من الحديث المتواتر للسيد جعفر الكتاني: ص ٥٨ ، وقال البخاري في تصنيف له في
الرد على منكري الرفع : رواه سبعة عشر من الصحابة ، ولم يثبت عن أحد منهم عدم الرفع .
(٢) نيل الأوطار: ٢ / ١٧٩ - ١٨٢.
(٣) رواه البخاري في صحيحه ( المجموع: ٣ / ٤٢٤).
- ٦٨٦ -

٣ - وضع اليد اليمنى على ظهر اليسرى :
قال الجمهور غير المالكية : يسن بعد التكبير أن يضع المصلي يده اليمنى على
ظهر كف ورسغ اليسرى ، لما رواه وائل بن حُجْر أنه رأى النبي ◌ُ ◌ّ رفع يديه
حين دخل في الصلاة ، وكبر ، ثم التحف بثوبه ، ثم وضع يده اليمنى على كفه
اليسرى والرسغ والساعد))(١)، ومارواه قبيصة بن هُلب عن أبيه قال: ((كان
رسول الله مر قم يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه))(٢) ومارواه سهل بن سعد قال: ((كان
الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة ))(٣) وعن
ابن مسعود: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ مرّ به، وهو واضع شماله على يمينه، فأخذ يمينه ،
فوضعها على شماله))(٤) .
وصفة الوضع عند الحنابلة والشافعية : أن يضع يده الينى على كوع اليسرى
أو ما يقاربه ، لحديث ابن حجر السابق ، علماً بأن الكوع طرف الزند مما يلي
الإبهام ، أما عند الحنفية : فهو أن يجعل باطن كف اليمنى على ظاهر كف
اليسرى ، محلقاً الرجل بالخنصر والإبهام على الرسغ . أما المرأة فتضع يديها على
صدرها من غير تحليق لأنه أسترلها .
ويضعهما عند الحنفية والحنابلة تحت السُّرة ، لما روي عن علي أنه قال :
((من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة))(٥) ، وهذا ينصرف إلى سنة النبي
والمستحب عند الشافعية : أن يجعلهما تحت الصدر فوق السرة ، مائلاً إلى
(١) رواه أحمد ومسلم وأبو داود ، والنسائي واللفظ له.
(٢) رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن .
(٣) رواه البخاري .
(٤) رواه أبو داود .
(٥) رواه أحمد وأبو داود .
- ٦٨٧ -

جهة اليسار؛ لأن القلب فيها ، فتكونان على أشرف الأعضاء ، وعملاً بحديث
وائل بن حجر السابق: ((رأيت رسول الله وع المه يصلي، فوضع يديه على
صدره ، إحداهما على الأخرى )) ويؤيده حديث آخر عند ابن خزيمة في وضع
اليدين على هذه الكيفية .
وقال المالكية : يندب إرسال اليدين في الصلاة بوقار ، لا بقوة ، ولا يدفع
بها من أمامه لمنافاته للخشوع . ويجوز قبض اليدين على الصدر في صلاة النفل
لجواز الاعتماد فيه بلا ضرورة ، ويكره القبض في صلاة الفرض لما فيه من الاعتماد
أي كأنه مستند ، فلو فعله لا للاعتماد ، بل استنانا لم يكره ، وكذا إذا لم يقصد
شيئاً فيما يظهر .
والراجح المتعين لدي هو قول الجمهور بوضع اليد الينى على اليسرى ، وهو
المتفق مع حقيقة مذهب مالك الذي قرره لمحاربة عمل غير مسنون : وهو قصد
الاعتماد ، أي الاستناد ، أو لمحاربة اعتقاد فاسد : وهو ظن العامي وجوب ذلك .
٤ - النظر إلى موضع السجود :
قال الشافعية وغيرهم : يستحب النظر إلى موضع سجود المصلي ؛ لأنه أقرب
إلى الخشوع، ولما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله مع التل إذا
استفتح الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده))(١) وذلك إلا عند التشهد فينظر
إلى سبابته التي یشیر بها(٢) .
(١) قال النووي : حديث ابن عباس هذا: غريب لا أعرفه ، وروى البيهقي أحاديث من رواية أنس وغيره
بمعناه، وكلها ضعيفة ( المجموع: ٣ / ٢٧٢) لكن روى الجماعة إلا مسلماً والترمذي عن أنس عن النبي ◌ٍَّ قال :
((مابال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهُنَّ أو لتُخطَفَنَّ أبصارهم)»
وفي حديث مرسل عن ابن سيرين أن تقليب البصر كان سبباً في نزول آية ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ ( نيل .
الأوطار: ٢ / ١٨٩).
(٢) روى أحمد والنسائي وأبو داود عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله حتي إذا جلس في التشهد،:
- ٦٨٨ _

٥ - دعاء الثناء أو الاستفتاح :
قال المالكية : يكره دعاء الاستفتاح ، بل يكبر المصلي ويقرأ ، لما روى أنس
قال: ((كان النبي ◌َّةٍ وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب
العالمين))(١) .
وقال الجمهور : يسن دعاء الاستفتاح بعد التحريمة في الركعة الأولى ، وهو
الراجح لدي ، وله صيغ كثيرة ، المختار منها عند الحنفية والحنابلة :
((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله
غيرك)) لما روت عائشة، قالت: ((كان النبي ◌ُ ◌ّ إذا استفتح الصلاة، قال:
سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك))(٢).
وسبحانك : من التسبيح : وهو تنزيه الله تعالى ، وتبارك اسمك : من البركة
وهي ثبوت الخبر الإلهي في الشيء ، وتعالى جدك : الجد : العظمة ، وتعالى :
تفاعل من العلو ، أي علت عظمتك على عظمة كل أحد غيرك ، أو علا جلالك
وعظمتك . ومعناه إجمالاً : تنزيهاً لك يارب ، وإنما أنزهك بحمدك ، دام خبر
اسمك في كل شيء ، وعلا جلالك ، ولامعبود غيرك .
قالوا: ولا يخفى أن ماصح عن النبي ◌ُ ◌ّ أولى بالإيثار والاختيار.
والمختار عند الشافعية صيغة :
(( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً ، وما أنا من
= وضع يده اليمنى على فخذه الينى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة ، ولم يجاوز بصرُه إشارته)) ( نيل
الأوطار: ٢ / ١٨٩ ).
-(١) متفق عليه.
(٢) رواه أبو داود، وللدارقطني مثله من رواية أنس ، وللخمسة مثله من حديث أبي سعيد ، وأخرج مسلم في
صحيحه أن عمر كان يجهر به ( نيل الأوطار: ٢ / ١٩٥).
الفقه الإسلامي جـ١ (٤٤)
- ٦٨٩ -

المشركين ، إن صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لاشريك له
وبذلك أمرت وأنا من المسلمين )) لما رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه عن
علي بن أبي طالب(١) وهو آية قرآنية ماعدا ما يناسب المسلم في آخره: وهو ((من
المسلمين)) وأصلها (( أول المسلمين )) كما روى مسلم .
ومعناه : قصدت بعبادتي خالق السموات والأرض ، مائلاً إلى الدين الحق
وهو الإسلام ، مبتعداً عن كل شرك بالله ، مخلصاً كل شيء لله ، فصلاتي وعبادتي
وحياتي وموتي لله ، وأنا مسلم .
وأجاز الإمام أحمد الاستفتاح بغير: ((سبحانك اللهم)» ، وأجاز الحنفية في
النافلة الجمع بين الثناء والتوجه ، لكن في صلاة الجنازة يقتصر على الثناء فقط .
وإذا شرع الإمام في القراءة الجهرية أو غيرها ، لم يكن للمقتدي عند الحنابلة
والحنفية على المعتمد (٢) أن يقرأ الثناء، سواء أكان مسبوقاً أم مدركاً ، أي لاحقاً
الإمام بعد الابتداء بصلاته ، أو مدركاً الإمام بعد ما اشتغل بالقراءة ، وذلك لأن
الاستماع للقرآن في الجهرية فرض ، وفي السرية يسن تعظيماً للقراءة ، فكان سنة
غير مقصودة لذاتها ، وعدم قراءة المؤتم في السرية لالوجوب الإنصات ، بل لأن
قراءة الإمام له قراءة . ويستفتح المأموم ويستعيد عند الحنابلة في الصلاة
السرية ، أو الجهرية في مواضع سكتات الإمام .
ويجوز عند الشافعية(٣) البدء بنحو ((سبحان الله، والحمد لله ، ولا إله إلا
الله ، والله أكبر، ونحو ((الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله وبحمده
(١) نيل الأوطار: ٢ / ١٩١ - ١٩٢، وفي رواية لمسلم: ((وأنا أول المسلمين)) قال الشافعي: لأنه مَّ كان أول
مسلمي هذه الأمة .
(٢) رد المحتار: ١ / ٤٥٦، المغني : ١ / ٥٦٥ .
(٣) حاشية الباجوري: ١ / ١٧١ ومابعدها .
- ٦٩٠ -

بكرةً وأصيلاً)» ونحو ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق
والمغرب ، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم
اغسلني بالماء والثلج والبرد )).
ويستحب الجمع بين جميع ذلك للمنفرد ، ولإمام قوم محصورين راضين
بالتطويل . ويزاد على ذلك لهما: (( اللهم أنت الملك لاإله إلا أنت ، أنت ربي وأنا
عبدك ، ظلمت نفسي ، واعترفت بذنبي ، فاغفر لي ذنوبي جميعاً ، فإنه لا يغفر
الذنوب إلا أنت ، واهدني لأحسن الأخلاق ، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت ،
واصرف عني سيئها ، فإنه لايصرف سيئها إلا أنت ، لبيك وسَعْديك ، والخير كله
في يديك ، والشر ليس إليك ، أنا بك وإليك ، تباركت ربي وتعاليت ، فلك
الحمد على ماقضيت ، أستغفرك وأتوب إليك » .
ويستحب التوجه عند الشافعية في افتتاح الفريضة والنافلة ، للمنفرد
والإمام والمأموم ، حتى وإن شرع إمامه في الفاتحة أو أمَّن هو لتأمين إمامه قبل
شروعه فيه ، ولكن لا يبدأ به إذا بدأ هو بالفاتحة أو بالتعوذ ، فإنهم قالوا
لا يستحب إلا بشروط خمسة :
أولاً - أن يكون في غير صلاة الجنازة ، فليس فيها توجه ، وإنما يسن فيها
التعوذ .
ثانياً - ألا يخاف فوت وقت الأداء : وهو ما يسع ركعة ، فلو لم يبق من
الوقت إلا ما يسع ركعة لم يسن التوجه .
ثالثاً - ألا يخاف المأموم فوت بعض الفاتحة ، فإن خاف ذلك لم يسن ، وإن
بدأ به قرأ بقدره من الفاتحة .
رابعاً - ألا يدرك الإمام في غير القيام ، فلو أدركه في الاعتدال مثلاً لم
- ٦٩١ -

يسن . وإن أدركه في التشهد، وسلم الإمام أو قام قبل أن يجلس معه ، سن له
الافتتاح به .
خامساً - ألا يشرع في التعوذ أو القراءة ولو سهواً ، فإن شرع لم يعد له .
٦ - التعوذ أو الاستعاذة (١) قبل القراءة في الصلاة :
قال المالكية : يكره التعوذ والبسملة قبل الفاتحة والسورة ، لحديث أنس
السابق: ((أن النبي ◌ُ التّ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب
العالمين)» .
وقال الحنفية : يتعوذ في الركعة الأولى فقط .
وقال الشافعية والحنابلة : يسن التعوذ سراً في أول كل ركعة قبل القراءة ،
بأن يقول: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) وعن أحمد أنه يقول: (( أعوذ بالله
السميع العليم من الشيطان الرجيم))(٢) ثم يقول: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) سراً
عند الحنفية والحنابلة ، وجهراً في الجهرية عند الشافعية كما قدمنا ، واستدلوا على
سنية التعوذ بقوله تعالى: ((فإذا قرأت القرآن ، فاستعذ بالله من الشيطان
الرجيم )) .
٧ - التأمين :
هو أن يقول المصلي إماماً أو مأموماً أو منفرداً: ((آمين)) أي استجب ، بعد
(١) أي الاستجارة إلى ذي منعة، على جهة الاعتصام به من المكروه .
(٢) دليله مارواه أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ◌ُّم أنه كان إذا قام إلى الصلاة استفتح ، ثم
يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من هَمْزه ونفْخه وَفْته)) وقال ابن المنذر: ((جاء عن النبي ◌َّ
أنه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (نيل الأوطار: ٢ / ١٩٦ وما بعدها ) .
- ٦٩٢ -
٠٠

الانتهاء من الفاتحة ، وذلك عند الحنفية والمالكية سراً ، وعند الشافعية والحنابلة :
سراً في الصلاة السرية ، وجهراً فيا يجهر فيه بالقراءة . ويؤمن المأموم مع تأمين
إمامه .
ودليلهم حديث أبي هريرة: أن رسول الله مَ الِ قال: ((إذا أمَّن الإمام
فأمنوا ، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة ، غفر له ما تقدم من ذنبه )) وقال
ابن شهاب الزهري: كان رسول الله مُ التّ يقول: آمين(١).
وأضاف الحنابلة(٢): فإن نسي الإمام التأمين أمن المأموم ، ورفع صوته ،
ليذكّر الإمام ، فيأتي به ؛ لأنه سنة قولية إذا تركها الإمام أتى بها المأموم
كالاستعاذة ، وإن أخفاها الإمام جهر بها المأموم . وإن ترك المصلي التأمين نسياناً
أو عمداً حتى شرع في قراءة السورة لم يأت به ؛ لأنه سنة فات محلها .
والدليل على كون التأمين سراً عند المالكية والحنفية قول ابن مسعود :
((أربع يخفيهن الإمام: التعوذ والتسمية والتأمين والتحميد)) (٣) أي قول: ربنا
لك الحمد .
ودليل الجهر به عند الشافعية والحنابلة: حديث أبي هريرة: ((كان رسول
الله عَ لّ إذا تلا : غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال : آمين ، حتى يسمع من
يليه من الصف الأول))(٤) وحديث وائل بن حُجْر: ((سمعت النبي ◌َ ◌ّ قرأ: غير
المغضوب عليهم ولا الضالين ، فقال: آمين ، يُدُّ بها صوته))(٥).
(١) رواه الجماعة إلا أن الترمذي لم يذكر قول ابن شهاب (نيل الأوطار: ٢ / ٢٢٢).
(٢) المغني : ١ / ٤٩٠ .
(٣) فتح القدير: ١ / ٢٠٤ ، والقول رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي .
(٤) رواه أبو داود وابن ماجه وقال: حتى يسمعها أهل الصف الأول، فيرتجَّ بها المسجد ( نيل الأوطار:
٢ / ٢٢٤) .
(٥) رواه أحمد وأبو داود والترمذي ( المصدر السابق ) .
- ٦٩٣ -

٨ - السكتة اللطيفة :
قال الشافعية(١): ست سكتات لطيفة تسن في الصلاة بقدر: ((سبحان الله))
إلا التي بين : آمين والسورة ، فهي في حق الإمام في الجهرية بقدر قراءة المأموم
الفاتحة . ويسن للإمام أن يشتغل فيها بقراءة أو دعاء سراً ، والقراءة أولى ، فمعنى
السكوت فيها : عدم الجهر ، وإلا فلا يطلب السكوت حقيقة في الصلاة .
والسكتات الست : هي مابين التوجه والتعوذ ، ومابين التحرم والتوجه ،
وبين التعوذ والبسملة ، وبين الفاتحة وآمين ، وبين آمين والسورة ، وبين السورة
وتكبيرة الركوع ، أي ثلاثة قبل الفاتحة وثلاثة بعد الفاتحة . والحكمة من السكتة
الرابعة: أن يعلم المأموم أن لفظة ((آمين)) ليست من القرآن .
وقال الحنابلة(٢): يستحب أن يسكت الإمام عقيب قراءة الفاتحة يستريح
فيها ، ويقرأ فيها من خلفه الفاتحة ، كيلا ينازعوه فيها ، كما يستحبّ السكوت
عقب التكبير، وبعد الانتهاء من القراءة، وبعد الفاتحة قبل قوله: (( آمين)).
ودليل مشروعية السكتات : حديث سمرة: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ كان يسكت
سكتتين، إذا استفتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة كلها)) وفي رواية: (( سكتة
إذا كبّر، وسكتة إذا فرغ من قراءة : غير المغضوب عليهم ولا الضالين ))(٣) ففيه
دليل على مشروعية سكتات ثلاث : بعد التكبير ، وبعد الفاتحة ، وبعد القراءة
كلها .
وقال الحنفية والمالكية : السكتة مكروهة . إلا أن المالكية(٤) قالوا في بحث
(١) حاشية الباجوري: ١ / ١٧٢، مغني المحتاج: ١ / ١٦٣.
(٢) المغني: ١ / ٤٩١، ٤٩٥ .
(٣) رواه أبو داود وأحمد والترمذي، وابن ماجه بمعناه ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٣٩).
(٤) الشرح الكبير: ١ / ٢٣٨، الشرح الصغير: ١ / ٣١٠.
- ٦٩٤ -

وجوب الفاتحة على المشهور : يندب الفصل بسكوت ، أو ذكر وهو أولى بين
تكبيرة الإحرام والركوع ، لئلا تلتبس تكبيرة الإحرام بتكبيرة الركوع ، فإن لم
يفصل وركع أجزأه .
وقال الحنفية(١): يخير مصلي الفريضة ( المفترض ) على المذهب في الركعتين
الأخريين ( الثالثة والرابعة ) بين قراءة الفاتحة وتسبيح ثلاثاً ، وسكوت قدرها ،
ولا يكون مسيئاً بالسكوت ، لثبوت التخيير عن علي وابن مسعود ، وهو الصارف
المواظبة النبي على الفاتحة عن الوجوب .
٩ - تفريج القدمين :
قال الحنفية : يسن تفريج القدمين في القيام قدر أربع أصابع ؛ لأنه أقرب
إلى الخشوع .
وقال الشافعية : يفرق بين القدمين بمقدار شبر ، ويكره لصق إحدى
القدمين بالأخرى حيث لاعذر ؛ لأنه تكلف ينافي الخشوع .
وقال المالكية والحنابلة : يندب تفريج القدمين ، بأن يكون بحالة متوسطة
بحيث لايضهما ولا يوسعهما كثيراً حتى يتفاحش عرفاً .
١٠ - قراءة سورة بعد الفاتحة :
هذا واجب عند الحنفية كما بينا ، سنة عند الجمهور في الركعتين الأولى
والثانية من كل صلاة ، ويجهر بها فيما يجهر فيه بالفاتحة ، ويسر فيما يسر بها فيه ،
لفعل النبي عَ اهله، فإن أبا قتادة روى: ((أن النبي ◌ُّ الز كان يقرأ في الركعتين
الأوليين من الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين ، يطول في الأولى ، ويقصر في
(١) الدر المختار : ١ / ٤٧٧ .
- ٦٩٥ -

الثانيه ، يسمع الآية أحياناً ، وكان يقرأ في الركعتين الأوليين من العصر بفاتحة
الكتاب وسورتين يطول في الأولى ويقصر في الثانية وكان يطول في الأولى من
صلاة الصبح، ويقصر في الثانية))(١) وروى أبو برزة ((أن النبي ◌ُ ◌ٍّ كان يقرأ في
الصبح من الستين إلى المائة)) (٢) وقد اشتهرت قراءة النبي ◌َ التّ للسورة مع الفاتحة
في صلاة الجهر، ونقل نقلاً متواتراً وأمر به معاذاً، فقال: ((اقرأ بالشمس
وضحاها ، وبسبح اسم ربك الأعلى ، والليل إذا يغشى))(٣).
نوع السورة المقروءة : قال الحنفية (٤) : لا بأس أن يقرأ سورة ويعيدها
في الثانية ، وأن يقرأ في الركعة الأولى من محل ، وفي الثانية من آخر ، ولو كان
المقروء من سورة واحدة إن كان بينهما آيتان فأكثر .
ويكره الفصل بسورة قصيرة ، وأن يقرأ منكوساً ، بأن يقرأ في الثانية سورة
أعلى مما قرأ في الأولى ؛ لأن ترتيب السور في القراءة من واجبات التلاوة ، وإنما
جوز للصغار تسهيلاً لضرورة التعليم ، واستثنوا من كراهة التنكيس : أن يختم
القرآن ، فيقرأ من البقرة .
ولو قرأ في الأولى ﴿الكافرون﴾ وفي الثانية ﴿المتر﴾ أو ﴿ تبت﴾ ثم
تذكر القراءة يتم . ولا يكره في النفل شيء من ذلك .
وقراءة ثلاث آيات تبلغ قدر أقصر سورة أفضل من آية طويلة ؛ لأن
(١) متفق عليه، ورواه أبو داود، وزاد: قال: فظننا أنه يريد بذلك أن يُدْرِك الناس في الركعة الأولى
( نيل الأوطار: ٢ / ٢٢٦) .
(٢) متفق عليه .
(٣) متفق عليه .
(٤) الدر المختار : ١ / ٥١٠ - ٥١١
- ٦٩٦ -

التحدي والإعجاز وقع بذلك القدر، لا بالآية . والأفضلية ترجع إلى كثرة
الثواب . والعبرة الأكثر آيات في قراءة سورة وبعض سورة .
مواطن الجهر والإسرار في القراءة : اتفق الفقهاء على أنه يسن الجهر في
الصبح والمغرب والعشاء والجمعة والعيدين والتراويح ووتر رمضام ، ويسر في
الظهر والعصر . وللفقهاء في النوافل كالوتر وغيره تفصيل :
فقال الحنفية : يجب الجهر على الإمام في كل ركعات الوتر في رمضان ،
وصلاة العيدين ، والتراويح . ويجب الإسرار على الإمام والمنفرد في صلاة
الكسوف والاستسقاء والنوافل النهارية . وأما النوافل الليلية فهو مخير فيها .
ويخير المنفرد بين الجهر والإسرار في الصلاة الجهرية أداء ، أو قضاء في وقتها
أو غير وقتها ، إلا أن الجهر أفضل في الجهرية ليلاً . أما الصلاة السرية فيجب
عليه أن يسر بها على الصحيح .
ـعالـ
ويجب على المأموم الإنصات في كل حال .
وقال المالكية : يندب الجهر في جميع النوافل الليلية ، والسر في جميع
النوافل النهارية إلا النافلة التي لها خطبة كالعيد والاستسقاء ، فيندب الجهر
فيها .
ويندب للمأموم الإسرار .
وقال الشافعية : يسن الجهر في العيدين وخسوف القمر والاستسقاء
والتراويح ووتر رمضان وركعتي الطواف ليلاً أو وقت الصبح ، والإسرار في غير
ذلك إلا نوافل الليل المطلقة فيتوسط فيها بين الجهر والإسرار ، إن لم يشوش على
نائم أو مصل أو نحوه . والعبرة في قضاء الفريضة بوقته أي وقت القضاء على
المعتمد . وجهر المرأة دون جهر الرجل . ومحل جهرها إن لم تكن بحضرة أجانب .
- ٦٩٧ -

وقال الحنابلة : يسن الجهر في صلاة العيد والاستسقاء والكسوف والتراويح
والوتر إذا وقع بعد التراويح ، ويسر فيما عدا ذلك .
ويخير المنفرد بين الجهر والإسرار في الصلاة الجهرية ، كما قال الحنفية .
الدعاء أثناء القراءة : يستحب طلب الرحمة والمغفرة عند قراءة آية
رحمة، والتعوذ من النار عند المرور بذكره ؛ لأن النبي ماتل كان يقول عند ذكر
الجنة والنار: ((أعوذ بالله من النار، ويل لأهل النار)) (١) وكان لا يمر بآية فيها
تخويف إلا دعا الله عز وجل واستعاذ ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله عز
وجل، ورَغِب إليه(٢)، وكان إذا قرأ: ﴿ أليس ذلك بقادر على أن يحيي
الموتى)؟ قال: ((سبحانك، فَبَلى)) (٣) ، كذلك يسن التسبيح عند آية التسبيح
نحو ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ وأن يقول عند آخر ﴿والتين﴾ وآخر
القيامة : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ، وفي آخر المرسلات : آمنا بالله .
متى وكيف تقرأ السورة ؟
قال الشافعية : ولا سورة في الجهرية للمأموم ، بل يستمع ، فإن بعد ، أو
كانت الصلاة سرية ، قرأ في الأصح ؛ إذ لا معنى لسكوته . وغير الشافعية قالوا :
لا سورة على المأموم .
وقال المالكية والحنابلة : ويسن أن يفتتح السورة بقراءة ﴿ بسم الله الرحمن
الرحيم ) ويندب كمال سورة بعد الفاتحة ، فلا يقتصر على بعضها ، ولا على آية أو
أكثر، ولو من الطوال ، ويندب قراءة خلف إمام سراً في الصلاة السرية ، وفي
أخيرة المغرب ، وأخيرتي العشاء .
(١) رواه أحمد وابن ماجه بمعناه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه
(٢) رواه أحمد عن عائشة
(٣) رواه أبو داود عن موسى بن أبي عائشة ( راجع نيل الأوطار : ٣٢٣/٢).
- ٦٩٨ -

ويكره تكرير السورة عند الجمهور في الركعتين ، بل المطلوب أن يكون في
الثانية سورة غير التي قرأها في الأولى ، أنزل منها لا أعلى ، فلا يقرأ في الثانية
((سورة القدر)) بعد قراءته في الأولى سورة البينة. وقال الحنفية : لا بأس أن
يقرأ سورة ويعيدها في الثانية . ويندب عند الجمهور تقصير قراءة ركعة ثانية عن
قراءة ركعة أولى في فرض ، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : يندب تطويل الركعة
الأولى في الفجر فقط . والفتوى على قول محمد كالجمهور بتطويل الركعة الأولى في
كل الصلوات على الثانية ، اتباعاً للسنة ، رواه الشيخان في الظهر والعصر ،
ورواه مسلم في الصبح ، ويقاس غير ذلك عليه .
ويندب باتفاق الفقهاء أن يكون ترتيب السور في الركعتين على نظم
المصحف ، فتنكيس السور مكروه. ولا تكره قراءة أواخر السور وأوساطها ؛
لأن أبا سعيد قال: ((أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر)). وجاز الجمع بين
السورتين فأكثر في صلاة النافلة؛ لأن النبي مع ئة ((قرأ في ركعة سورة البقرة وآل
عمران والنساء)) أما الفريضة : فالمستحب أن يقتصر على سورة مع الفاتحة من غير
زيادة عليها؛ لأن النبي مُّ هكذا كان يصلي أكثر صلاته .
المستحب في مقادير السور في الصلوات : يسن أن تكون السورة
الإمام جماعة محصورين رضوا بالتطويل في صلاة الفجر من طوال المفصَّل(١)
باتفاق الفقهاء ، وفي الظهر أيضاً عند المالكية والحنفية والشافعية ، أما عند
الحنابلة فمن أوساط المفصل(٢) ، وفي العصر والعشاء من أوساط المفصل ، وفي
المغرب من قصار المفصل . وقال المالكية : العصر كالمغرب يقرأ فيه .
(١) سمي بالمفصل لكثرة فواصله، وفصله بالبسملة وهو السبع السابع من القرآن
(٢) دليلهم ما كتبه عمر إلى أبي موسى أن: ((اقرأ في الصبح بطوال المفصّل، واقرأ في الظهر بأوساط المفصل،
واقرأ في المغرب بقصار المفصل )) رواه أبو حفص .
- ٦٩٩ -

والدليل حديث أبي هريرة قال: (( ما رأيت رجلاً أشبه صلاة برسول الله
مُ لٍّ من فلان ، قال سليمان بن يسار: فصليت خلفه ، فكان يقرأ في الغداة
بطوال المفصل ، وفي المغرب بقصاره ، وفي العشاء بوسط المفصل))(١) والحكمة في
إطالة القراءة في الفجر والظهر : طول وقتهما ، وليدركها من كان في غفلة بسبب
النوم آخر الليل وفي القيلولة . والتوسط في العصر لانشغال الناس بالأعمال آخر
النهار ، وفي العشاء لغلبة النوم والنعاس . والتخفيف في المغرب لضيق وقته .
والحديث الجامع للقراءة في الصلوات عن جابر بن سمرة: أن النبي صل الٍ كان
يقرأ في الفجر بقّ والقرآن المجيد ونحوها ، وكان صلاته بعد إلى تخفيف . وفي
رواية : كان يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى ، وفي العصر نحوَ ذلك ، وفي الصبح
أطولَ من ذلك))(٢) وفي رواية: ((كان إذا دحَضَت ــ مالت ـ الشمس، صلى
الظهر، وقرأ بنحو من : والليل إذا يغشى ، والعصر كذلك، والصلوات كلّها
كذلك إلا الصبح ، فإنه كان يطيلها ))(٣).
وروى ابن ماجه عن ابن عمر قال: ((كان النبي ◌َ ◌ّ يقرأ في المغرب : قل
يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد )» ويندب للإمام التخفيف عموماً، لحديث
جابر: أن النبي ◌ٍَّ قال: يا معاذ، أفتَّانٌ أنت ؟! أو قال : أفاتن أنت ،
فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى ، والشمس وضحاها ، والليل إذا يغشى))(٤)
وفي رواية عند البخاري وغيره: (( من أمَّ بالناس فليخفف ، فإن فيهم الضعيف
والمريض وذا الحاجة ))
(١) رواه أحمد والنسائي ، ولفظه له .
(٢) رواهما أحمد ومسلم
(٣) رواه أبو داود ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٣١)
(٤) متفق عليه ( نيل الأوطار: ٢ / ٢٣٥)
- ٧٠٠ -