Indexed OCR Text

Pages 521-540

الشافعية(١) في الأوقات الثلاثة ، والكراهة التنزيهية في مشهور مذهب الشافعية في
الوقتين الآخرين .
والحرمة أو الكراهة التحريمية(٢) تقتضي عدم انعقاد الصلاة على الخلاف
الآتي .
وأما نوع الصلاة المكروهة ففيها خلاف بين الفقهاء .
أولاً - الأوقات الثلاثة ( الشروق والغروب والاستواء ) قال الحنفية (٣):
يكره تحريماً فيها كل صلاة مطلقاً ، فرضاً أو نفلاً ، أو واجباً ، ولو قضاء لشيء
واجب في الذمة ، أو صلاة جنازة أو سجدة تلاوة أو سهو ، إلا يوم الجمعة على
المعتمد المصحح ، وإلا فرض عصر اليوم أداء .
والكراهة تقتضي عدم انعقاد الفرض وما يلحق به من الواجب كالوتر ،
وينعقد النفل بالشروع فيه مع كراهة التحريم فإن طرأ الوقت المكروه على صلاة
شرع فيها فتبطل إلا صلاة جنازة حضرت فيها، وسجدة تليت آيتها فيها ،
وعصر يومه ، والنفل والنذر المقيد بها ، وقضاء ما شرع به فيها ثم أفسده ،
فتنعقد هذه الستة بلا كراهة أصلاً ، في الأولى منها ، ومع الكراهة التنزيهية في
الثانية ، والتحريمية في البواقي .
ودليلهم عموم النهي عن الصلاة في هذه الأوقات ، وعدم صحة القضاء ؛ لأن
الفريضة وجبت كاملة فلا تتأدى بالناقص .
(١) مراقي الفلاح: ص ٣١، الدر المختار: ١ / ٣٤٣، الشرح الصغير: ١ / ٢٤١، مغني المحتاج: ١ / ١٢٨،
حاشية الباجوري: ١ / ١٩٦، كشاف القناع: ١ / ٥٢٨ ، المغني : ٢ / ١٠٧ وما بعدها .
(٢) بالرغم من أن كلاً من الحرام والمكروه تحريماً يقتضي الإثم ، إلا أن الحرام : هو ما ثبت بدليل قطعي
لا يحتمل التأويل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس . وكراهة التحريم : ما ثبتت بدليل يحتمل التأويل .
(٣) فتح القدير مع العناية: ١ / ١٦١ - ١٦٦، مراقي الفلاح: ص ٣١، الدر المختار: ١ / ٣٤٣ - ٣٤٩
- ٥٢١ -

ولا يصح أداء فجر اليوم عند الشروق ، لوجوبه في وقت كامل فيبطل في
وقت الفساد ، إلا العوام فلا يمنعون من ذلك ؛ لأنهم يتركونها ، والأداء الجائز
عند البعض أولى من الترك .
ويصح أداء العصر مع الكراهة التحريمية ، لحديث أبي هريرة: (( من أدرك
ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر))(١)
ويصح مع الكراهة التنزيهية أداء سجدة التلاوة المقروءة في وقت النهي أو
أداء صلاة منذورة فيه أو نافلة شرع بأدائها فيه ، لوجوبها في هذا الوقت .
كذلك تصح صلاة الجنازة إذا حضرت في وقت مكروه لحديث الترمذي :
(( يا علي ثلاثة لا تؤخرها : الصلاة إذا أتت ، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا
وجدت لها كفؤاً)) .
ودليل المصحح المعتمد ، وهو قول أبي يوسف ، في إباحة النفل يوم الجمعة
وقت الزوال: هو حديث أبي هريرة في مسند الشافعي رحمه الله: (( أن رسول
الله ◌ُ الّ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة)) (٢).
ثانياً - الوقتان الآخران ( بعد صلاتي الفجر والعصر ) : يكره
تحريماً أيضاً التنفل فيهما ، ولو بسنة الصبح أو العصر إذا لم يؤدها قبل الفريضة
(١) رواه الجماعة بلفظ «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة
من العصر قبل أن تغرب الشمس ، فقد أدرك العصر)) ( نيل الأوطار: ٢ / ٢١) وقد رد الحنفية على التفرقة بين
العصر والصبح مع أن هذا الحديث يسوي بينهما : بأن التعارض لما وقع بينه وبين النهي عن الصلاة في الأوقات
الثلاثة ، رجعنا إلى القياس ، كما هو حكم التعارض ، فرجحنا حكم هذا الحديث في صلاة العصر، وحكم النهي في صلاة
الفجر (رد المحتار: ١ / ٣٤٦) والحق أن هذه التفرقة لدي غير مقبولة ، لأنه يلزم عليها العمل ببعض الحديث وترك
بعضه .
(٢) لكن سنده ضعيف ( سبل السلام: ١ / ١١٣ )
- ٥٢٢ -

أو بتحية مسجد ، أو منذور ، وركعتي طواف ، وسجدتي سهو ، أو قضاء نفل
أفسده ، وتنعقد الصلاة .
ولا يكره في هذين الوقتين قضاء فريضة فائتة أو وتر أو سجدة تلاوة
وصلاة جنازة ؛ لأن الكراهة كانت لشغل الوقت بصاحب الفريضة الأصلية ،
فإذا أديت لم تبق كراهة بشغله بفرض آخر أو واجب لعينه ، لكن عدم الكراهة
في القضاء بما بعد العصر مقيد بما قبل تغير الشمس ، أما بعده فلا يجوز فيه القضاء
أيضاً ، وإن كان قبل أن يصلي العصر .
وقال المالكية(١) :
يحرم النفل لا الفرض في الأوقات الثلاثة ، ويجوز قضاء الفرائض الفائتة
فيها وفي غيرها ، ومن النفل عندهم : صلاة الجنازة ، والنفل المنذور ، والنفل
المفسد ، وسجود السهو البعدي ، لأن ذلك كله سنة ، عملاً بمقتضى النهي السابق
الثابت في السنة .
ويكره تنزيهاً النفل في الوقتين الآخرين ( بعد طلوع الفجر وبعد أداء
العصر) إلى أن ترتفع الشمس بعد طلوعها قدر رمح (٢)، وإلى أن تصلى المغرب ،
إلا صلاة الجنازة وسجود التلاوة بعد صلاة الصبح قبل أسفار الصبح ، وما بعد
العصر قبل اصفرار الشمس فلا يكره بل يندب ، وإلا ركعتي الفجر ، فلا
يكرهان بعد طلوع الفجر ، لأنها رغيبة كما سيأتي .
ويقطع المتنفل صلاته وجوباً إن أحرم بوقت تحرم فيه الصلاة ، وندباً إن
أحرم بوقت كراهة ، ولا قضاء عليه .
(١) الشرح الصغير: ١ / ٢٤١ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٤٦، الشرح الكبير: ١ / ١٨٦ وما بعدها .
(٢) المقصود رمح من رماح العرب ، وقدره اثنا عشر شبر بشبر متوسط
- ٥٢٣ -

وقال الشافعية(١) :
تكره الصلاة تحريماً على المعتمد في الأوقات الثلاثة ، وتنزيهاً(٢) في الوقتين
الآخرين . ولا تنعقد الصلاة في الحالتين ؛ لأن النهي إذا رجع لذات العبادة أو
لازمها اقتضى الفساد ، سواء أكان للتحريم أم للتنزيه . ويأثم الفاعل في الحالتين
أيضاً ؛ لأن الكراهة التنزيهية وإن كانت لا تقتضي الإثم عموماً ، لكنها في هذه
الحالة يأثم بها المصلي ، بسبب التلبس بعبادة فاسدة . ويعزر من صلى في الأوقات
المنهي عنها .
واستثنى الشافعية حالات لا كراهة فيها وهي ما يأتي :
اً - يوم الجمعة : لا تكره الصلاة عند الاستواء يوم الجمعة ، لاستثنائه في خبر
البيهقي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: ((كان رسول الله مُ ◌ّل ينهى عن
الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة))(٣) وخبر أبي داود عن أبي قتادة نحوه ،
ولفظه: ((وكره النبي ◌ُ ◌ّ الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة ، وقال : إن جهنم
تسجر إلا يوم الجمعة))(٤)
والأصح عندهم جواز الصلاة في هذا الوقت ، سواء أحضر إلى الجمعة أم لا .
اً - حرم مكة: الصحيح أنه لا تكره الصلاة في هذه الأوقات في حرم مكة
لخبر جبير بن مطعم قال: قال رسول الله مع اله: ((يا بني عبد مناف، لا تمنعوا
(١) مغني المحتاج: ١ / ١٢٨ وما بعدها، حاشية الباجوري: ١ / ١٩٦ وما بعدها
(٢) الفرق بين كراهة التحريم وكراهة التنزيه : أن الأولى تقتضي الاثم ، والثانية لا تقتضيه
(٣) لكنه ضعيف ( سبل السلام: ١ / ١١٣ وما بعدها )
(٤) قال أبو داود: إنه مرسل، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، إلا أنه أيده فعل أصحاب النبي عظيم ،
فإنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة، ولأنه مَ ◌ّ حث على التبكير إليها، ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام
من غير تخصيص ولا استثناء ( سبل السلام: ١ / ١١٤ )
- ٥٢٤ _

أحداً طاف بهذا البيت ، وصلى أية ساعة شاء من ليل أونهار))(١) ولما فيه من
زيادة فضل الصلاة فلا تكره بحال ، لكنها خلاف الأولى خروجاً من الخلاف .
٣ - الصلاة ذات السبب غير المتأخر ، كفائتة ، وكسوف ، وتحية مسجد ،
وسنة الوضوء وسجدة شكر ؛ لأن الفائتة وتحية المسجد وركعتي الوضوء لها سبب
متقدم ، وأما الكسوف وصلاة الاستسقاء وصلاة الجنازة وركعتا الطواف فلها
سبب مقارن . والفائتة فرضاً أونفلاً تقضى في أي وقت بنص الحديث: (( من نام
عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها))(٢) وخبر الصحيحين ((أنه مترٍ صلى بعد
العصر ركعتين ، وقال: هما اللتان بعد الظهر » والكسوف وتحية المسجد ونحوهما
معرضان للفوات، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ((أنه مُ التّ قال لبلال: حدثني
بأرجى عمل عملته في الإسلام ، فإني سمعت دَفْ نعليك(٢) بين يدي في الجنة ؟
قال : ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من ليل أو
نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي ))
وفي سجدة الشكر: ورد في الصحيحين أيضاً في توبة كعب بن مالك: (( أنه
سجد سجدة للشكر بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس )»
أما ما له سبب متأخر كركعتي الاستخارة والإحرام : فإنه لا ينعقد ،
كالصلاة التي لا سبب لها .
وقال الحنابلة (٤) :
يجوز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها ، لعموم الحديث
(١) رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان ، وأخرجه الشافعي وأحمد والدارقطني وابن خزيمة والحاكم أيضاً
( المصدر السابق )
(٢) متفق عليه
(٣) الدَّف : صوت النعل وحركته على الأرض.
(٤) المغني: ٢ / ١٠٧ - ١٢٢، كشاف القناع: ١ / ٥٢٨ - ٥٣١
- ٥٢٥ _

السابق: (( من نام عن صلاة أو نسيها ، فليصلها إذا ذكرها » ولحديث أبي
قتادة: (( ليس في النوم تفريط ، وإنما التفريط في اليقظة ، فإذا نسي أحدكم
صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها))(١) .
ولو طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح أتمها ، خلافاً للحنفية ، للحديث
السابق: ((إذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس ، فليتم
صلاته )).
ويجوز فعل الصلاة المنذورة في وقت النهي ، ولوكان نذرها فيه ، خلافاً
للحنفية ؛ لأنها صلاة واجبة ، فأشبهت الفريضة الفائتة وصلاة الجنازة .
ويجوز فعل ركعتي الطواف، للحديث السابق عند الشافعية: (( يا بني عبد
مناف ، لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو
نهار)).
وتجوز صلاة الجنازة في الوقتين ( بعد الصبح وبعد العصر ) وهو رأي جمهور
الفقهاء ، ولا تجوز صلاة الجنازة في الأوقات الثلاثة ( الشروق والغروب
والاستواء ) إلا أن يخاف عليها فتجوز مطلقا للضرورة ، ودليلهم على المنع قول
عقبة بن عامر السابق: (( ثلاث ساعات كان رسول الله سؤالٍ ينهانا أن نصلي
فيهن ، وأن نقبر فيهن موتانا )).
وتجوز إعادة الصلاة جماعة في أي وقت من أوقات النهي بشرط أن تقام
وهو في المسجد ، أو يدخل المسجد وهم يصلون ، سواء أكان صلى جماعة أم
وحده، لما روى يزيد بن الأسود، قال: ((صليت مع النبي ◌ُ ◌ّ صلاة الفجر،
فلما قضى صلاته ، إذا هو برجلين لم يصليا معه ، فقال : ما منعكما أن تصليا
(١) رواه النسائي والترمذي وصححه، وأبو داود (نيل الأوطار: ٢ / ٢٧ )
- ٥٢٦ -

معنا ؟ فقالا : يا رسول الله ، قد صلينا في رحالنا ، فقال : لا تفعلا ، إذا صليتما
في رحالكما ، ثم أتيتما مسجد جماعة ، فصلِيا معهم ، فإنها لكم نافلة))(١) وهذا نص
في الفجر ، وبقية الأوقات مثله ، ولأنه متى لم يعد لحقته تهمة في حق الإمام .
ويحرم التطوع بغير الصلوات المستثناة السابقة في شيء من الأوقات الخمسة ،
للأحاديث المتقدمة ، سواء أكان التطوع مما له سبب كسجود تلاوة وشكر وسنة
راتبة كسنة الصبح إذا صلاها بعد صلاة الصبح ، أو بعد العصر، وكصلاة
الكسوف والاستسقاء وتحية المسجد وسنة الوضوء ، أم ليس له سبب كصلاة
الاستخارة ، لعموم النهي ، وإنما ترجح عمومها على أحاديث التحية وغيرها ،
لأنها حاظرة وتلك مبيحة ، والحاظر مقدم على المبيح ، وأما الصلاة بعد العصر
فمن خصائصه الله . لكن تجوز فقط تحية المسجد يوم الجمعة إذا دخل والإمام
يخطب، فيركعهما، للحديث السابق (( أن النبي ◌ُ ◌ّ نهى عن الصلاة نصف النهار
إلا يوم الجمعة )) .
ويجوز في الصحيح قضاء السنن الراتبة بعد العصر؛ لأن النبي ◌َ ◌ّ فعله ،
فإنه قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر في حديث أم سلمة . والصحيح في
الركعتين قبل العصر أنها لا تقضى، لما روت عائشة ((أن النبي ◌ُّ الإ صلاهما،
فقلت له : أتقضيهما إذا فاتتا ؟ قال : لا))(٢). ويجوز قضاء سنة الفجر بعد صلاة
الفجر ، إلا أن أحمد اختار أن يقضيهما من الضحى خروجاً من الخلاف .
والمشهور في المذهب أنه لا يجوز قضاء السنن في سائر أوقات النهي .
ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي ، لعموم
النهي .
(١) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح .
(٢) رواه ابن النجار في الجزء الخامس من حديثه .
- ٥٢٧ -

كما لا فرق في وقت الزوال بين الجمعة وغيرها ، ولا بين الشتاء والصيف ،
لعموم الأحاديث في النهي .
كراهة التنفل في أوقات أخرى :
كره الحنفية والمالكية التنفل في أوقات أخرى هي ما يأتي(١) ، علماً بأن
الكراهة تحريمية عند الحنفية في كل ما يذكر هنا :
اً - ما بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح :
قال الحنفية: يكره تحريماً التنفل حينئذ بأكثر من سنة الفجر ، وقال بعض
الشافعية بكراهة التنزيه في هذا الوقت ، والمشهور في المذهب خلافه ، كما أن
الصحيح عند الحنابلة جواز التنفل في هذا الوقت ؛ لأن أحاديث النهي الصحيحة
ليست صريحة في النهي قبل صلاة الفجر ، وإنما فيه حديث ابن عمر ، وهو
غريب ، فيجوز بناء عليه صلاة الوتر قبل الفجر .
وقال المالكية : يكره تنزيهاً الصلاة تطوعاً بعد الفجر قبل الصبح ، ويجوز
فيه قضاء الفوائت وركعتا الفجر ، والوتر ، والورد ، أي ماوظفه من الصلاة ليلاً
على نفسه .
ودليل الحنفية والمالكية على الكراهة حديث ابن عمر: (( لا صلاة بعد الفجر
إلا الركعتين قبل صلاة الفجر))(٢) .
(١) الدر المختار: ١ / ٣٤٩ - ٣٥١، مراقي الفلاح: ص ٣١، فتح القدير: ١ / ١٦٦، القوانين الفقهية:
ص ٤٦، الشرح الكبير: ١ / ١٨٧، الشرح الصغير: ١ / ٢٤٢ وما بعدها، ٥١١، ٥١٣، ٥٣١ ، مغني المحتاج:
١ / ١٢٩ وما بعدها، ٣١٣، المحلي على المنهاج مع قليوبي وعميرة: ١ / ١١٩، الحضرمية: ص ٣٢ وما بعدها ، المغني:
٢ / ١١٦ - ١١٩، ١٢٩، ١٣٥، ٣٨٧، كشاف القناع: ٢ / ٤٧، ٦٣.
(٢) رواه الطبراني في معجمه الوسط ، لكن تفرد به عبد الله بن خراش ، فهو غريب كما قال الترمذي ، ورواه
الدارقطني بلفظ: ((ليبلغ شاهدكم غائبكم أن لاصلاة بعد الفجر إلا ركعتين)». وفيه شخص مختلف فيه ، ورواه أبو
داود والترمذي بلفظ: ((لاصلاة بعد الفجر إلا سجدتين)) لكنه حديث غريب ( نصب الراية: ١ / ٢٥٥ وما
بعدها ) .
- ٥٢٨ -

٢ً - ما قبل صلاة المغرب :
١
يكره التنفل عند الحنفية والمالكية قبل صلاة المغرب ، للعمومات الواردة في
تعجيل المغرب، منها حديث سلمة بن الأكوع: ((أن رسول الله مُ ◌ّلٍ كان يصلي
المغرب إذا غَرَبت الشمس وتوارت بالحجاب)) (١) وحديث عقبة بن عامر: ((لا
تزال أمتي بخير أو على الفطرة ، مالم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم))(١)
والتنفل يؤدي إلى تأخير المغرب ، والمبادرة إلى أداء المغرب مستحبة .
وقال الشافعية على المشهور : يستحب صلاة ركعتين قبل المغرب ، وهي
سنة غير مؤكدة ، وقال الحنابلة : إنها جائزتان وليستا سنة ، ودليلهم :
ما أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل ((أن النبي ◌َ ◌ّ صلى قبل
المغرب ركعتين)) وقال أنس: ((كنا نصلي على عهد رسول الله عَ اله ركعتين بعد
غروب الشمس قبل صلاة المغرب))(٣) وعن عبد الله بن مُغَفَّل أن رسول الله مس جله
قال: ((صلوا قبل المغرب ركعتين ، ثم قال : صلوا قبل المغرب ركعتين ، ثم قال
عند الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة))(4).
قال الشوكاني : والحق أن الأحاديث الواردة بشرعية الركعتين قبل المغرب
مخصصة لعموم أدلة استحباب التعجيل .
٣ - أثناء خطبة الإمام في الجمعة والعيد والحج والنكاح والكسوف
والاستسقاء :
(١) رواه الجماعة إلا النسائي (نيل الأوطار: ٢ / ٢).
(٢) رواه أحمد وأبو داود والحاكم ( المصدر السابق: ٢ /٣).
(٣) رواه مسلم وأبو داود ( المصدر السابق: ٢ / ٦).
(٤) رواه أحمد والبخاري وأبو داود. وفي رواية (( بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، ثم قال في
الثالثة: لمن شاء)) رواه الجماعة ( المصدر السابق: ص ٧ ) .
الفقه الإسلامي جـ ١ (٣٤)
- ٥٢٩ -
٠٠

يكره لدى الحنفية والمالكية التنفل عند خروج الخطيب حتى يفرغ من
الصلاة، لحديث أبي هريرة: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام
يخطب فقد لغوت)) (١) ، وأضاف المالكية أنه يكره التنفل بعد صلاة الجمعة أيضاً
إلى أن ينصرف الناس من المسجد .
وكذلك يكره التنفل تنزيها في هذه الحالة عند الشافعية والحنابلة إلا تحية
المسجد إن لم يخش فوات تكبيرة الإحرام ، ويجب عليه أن يخففهما بأن يقتصر على
الواجبات ، فإن لم يكن صلى سنة الجمعة القبلية نواها مع التحية إذ لا يجوز له
الزيادة على ركعتين ، ولا تنعقد صلاة غير التحية عند الشافعية . ودليلهم خبر
الصحيحين: ((إذا دخل أحدكم المسجد ، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين )) فهو
مخصص لخبر النهي. وروى جابر، قال: (( جاء سُلَيك الغطفاني ، ورسول الله
مُظلٍّ يخطب، فقال: ياسليك قم، فاركع ركعتين، وتجوّز فيهما)) (٢) أي خفف
فيهما .
تعال
٤ - ماقبل صلاة العيد وبعده :
يكره التنفل عند الحنفية والمالكية والحنابلة قبل صلاة العيد وبعده ،
لحديث أبي سعيد الخدري قال: ((كان النبي ◌َ ◌ّ لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا
رجع إلى منزله ، صلى ركعتين))(٣) وأضاف الحنابلة : لابأس بالتنفل إذا خرج من
المصلى .
(١) رواه الجماعة إلا ابن ماجه ( سبل السلام: ٢ / ٥٠).
(٢) رواه مسلم. ورواية البخاري: ((دخل رجل يوم الجمعة والنبي ◌َ ◌ّ يخطب، فقال: صَلَّيْتَ ؟ قال: لا ،
قال: تم فصل ركعتين)) ( سبل السلام: ٢ / ٥١ ) .
(٣) رواه ابن ماجه بإسناد حسن (سبل السلام: ٢ / ٦٧) وأخرجه أيضاً الحاكم وأحمد ، روى الترمذي عن ابن
عمر نحوه .
- ٥٣٠ -

والكراهة عند الحنفية والحنابلة سواء للإمام والمأموم ، وسواء أكان في المسجد
أم المصلى ، أما عند المالكية فالكراهة في حال أدائها في المصلى لا في المسجد .
وقال الشافعية : يكره التنفل للإمام قبل العيد وبعده ، لاشتغاله بغير
الأهم، ولمخالفته فعل النبي ◌ُ ◌ٍّ، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما: (( أن
النبي ◌َّ صلى يوم العيد ركعتين لم يصلّ قبلها ولا بعدها))(١).
ولا يكره النفل قبل العيد بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام ، لانتفاء الأسباب
المقتضية للكراهة ، كذلك لايكره النفل بعد العيد إن كان لا يسمع الخطبة ، فإن
كان يسمع الخطبة كره له .
٥ - عند إقامة الصلاة المكتوبة:
قال الحنفية : يكره تحريماً التطوع عند إقامة الصلاة المفروضة ، لحديث :
((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة))(٢) إلا سنة الفجر إن لم يخف فوت
جماعة الفرض ولو بإدراك تشهده ، فإن خاف تركها أصلاً ، فيجوز الإتيان بسنة
الفجر عند الإقامة، لشدة تأكدها، والحث عليها، ومواظبة النبي مَ ال عليها ،
قال عليه السلام: (( ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها))(٣) وقالت عائشة:
(( لم يكن النبي ◌َّ على شيء من النوافل أشدَّ تعاهداً منه على ركعتي الفجر))(٤).
وروى الطحاوي وغيره عن ابن مسعود: (( أنه دخل المسجد ، وأقيمت الصلاة ،
فصلى ركعتي الفجر في المسجد إلى اسطوانة )).
(١) أخرجه السبعة ( سبل السلام: ٢ / ٦٦).
(٢) رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة ، وهو صحيح .
(٣) رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي عن عائشة، وهو صحيح ( نيل الأوطار: ٣ / ١٩).
(٤) متفق عليه ( سبل السلام: ٢ / ٤.
- ٥٣١ -

وكذلك يكره التطوع عند ضيق وقت المكتوبة ، لتفويته الفرض عن
وقته .
وقال الشافعي والجمهور(١) : يكره افتتاح نافلة بعد إقامة الصلاة ، سواء
أكانت راتبة كسنة الصبح والظهر والعصر ، أم غيرها كتحية للمسجد .
وقد عنون النووي لهذا البحث بقوله: « باب كراهة الشروع في نافلة بعد
شروع المؤذن في إقامة الصلاة ، سواء السنة الراتبة كسنة الصبح والظهر وغيرها ،
سواء علم أنه يدرك الركعة مع الإمام أم لا )) ودليل الجمهور على كراهة افتتاح
النافلة: قوله ◌َ ◌ّ: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) وفي الرواية
الأخرى: (( أن رسول الله صلّ مر برجل يصلي، وقد أقيمت صلاة الصبح ،
فقال : يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعاً)) ومعناه أنه لا يشرع بعد الإقامة
للصبح إلا الفريضة(٢) ، فإذا صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة ، ثم صلى معهم
الفريضة ، صار في معنى (( من صلى الصبح أربعاً)) لأنه صلى بعد الإقامة أربعاً .
والصحيح في الحكمة في النهي عن صلاة النافلة بعد الإقامة : أن يتفرغ
للفريضة من أولها ، فيشرع فيها عقب شروع الإمام ، وإذا اشتغل بنافلة فاته
الإحرام مع الإمام ، وفاته بعض مكملات الفريضة ، فالفريضة أولى بالمحافظة على
إكمالها . وفيه حكمة أخرى هو النهي عن الاختلاف على الأئمة .
إلا أن الإمام مالك قال : إن لم يخف فوات الركعة ركعها خارج المسجد .
(١) شرح مسلم للنووي: ٥ / ٢٢١ وما بعدها، المجموع: ٣ / ٢٧٣، ٥٥٠، المغني: ١ / ٤٥٦ .
(٢) وفي هذا الرد على الحنفية الذين أجازوا الشروع في صلاة ركعتي سنة الصبح بعد الإقامة في المسجد إن لم
یکن صلاهما .
- ٥٣٢ -

الفصل الثالث
الأذان والإقامة
أولاً - معنى الأذان ، ومشروعيته وفضيلته ، حكمه ، شروطه ، كيفيته ،
سننه ومكروهاته ، إجابة المؤذن ، ما يستحب بعد الأذان .
ثانياً - صفة الإقامة أو كيفيتها ، وأحكامها
أولاً - الأذان :
معنى الأذان :
الأذان لغة: الإعلام ، ومنه قوله تعالى: (( وأذان من الله ورسوله إلى
الناس)) أي إعلام ((وأَذِّن في الناس بالحج )) أي أعلمهم .
وشرعاً: قول مخصوص يعلم به وقت الصلاة المفروضة (١). أو هو الإعلام
بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة(٢).
مشروعيته وفضله :
دل القرآن والسنة والإجماع على شرعية الأذان ؛ لأن فيه فضلاً كثيراً وأجراً
عظيماً .
فمن القرآن : قوله تعالى: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة .. ﴾ .
ومن السنة: أحاديث كثيرة، منها خبر الصحيحين: ((إذا حضرت
(١) مغني المحتاج: ١ / ١٣٣.
(٢) نيل الأوطار: ٢ / ٣١، اللباب شرح الكتاب: ١ / ٦٢، كشاف القناع: ١ / ٢٦٦ .
- ٥٣٣ _

الصلاة ، فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمّكم أكبركم ))(١)، ودل حديث عبد الله بن زيد
على كيفية الأذان المعروف بالرؤيا التي أيده فيها عمر بن الخطاب في حديث
طويل ، فقال النبي عَ لَّه: ((إنها لرؤيا حق إن شاء الله ، فقم مع بلال فألق عليه
مارأيت ، فإنه أندى صوتاً منك(٢)).
وليس مستند الأذان الرؤيا فقط ، بل وافقها نزول الوحي ، فقد روى البزار :
((أن النبي ◌َّ أُري الأذان ليلة الإسراء، وأسمعه مشاهدة فوق سبع سموات ، ثم
قدّمه جبريل ، فأمَّ أهل السماء ، وفيهم آدم ونوح عليهم أفضل الصلاة والسلام ،
فأكمل له الله الشرف على أهل السموات والأرض ، لكنه حديث غريب ، والخبر
الصحيح أن بدء الأذان كان بالمدينة كما أخرجه مسلم عن ابن عمر (٣) . وعلى هذا كانت
رؤيا الأذان في السنة الأولى من الهجرة، وأيده النبي معطٍّ .
وفي الأذان ثواب كبير، بدليل قوله عَ اقٍ: « لو يعلم الناس ما في النداء ،
والصف الأول ، ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتهموا عليه، لاستهموا عليه))(٤) وقوله عليه
السلام: ((إذا كنت في غنمك أو باديتك ، فأذنت بالصلاة ، فارفع صوتك
بالنداء ، فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء ، إلا شهد له يوم
القيامة(6)).
وفي حديث آخر: ((المؤذنون أطول الناس أعناقً يوم القيامة))(٦).
(١) من رواية مالك بن الحويرث (نيل الأوطار: ٢ /٣٢).
(٢) رواه أحمد وأبو داود ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٥ ومابعدها .
(٣) انظر نصب الراية: ١ / ٢٦٠ ومابعدها .
(٤) متفق عليه عن أبي هريرة . والنداء: هو الأذان ، والصف الأول: يراد به المبادرة إلى الجماعة،
والاستهام : الاقتراع .
(٥) أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري .
(٦) رواه مسلم وأحمد وابن ماجه عن معاوية ( نيل الأوطار: ٢ / ٣٣) وروى ابن ماجه عن ابن عباس
مرفوعاً: (( من أذن سبع سنين محتسباً ، كتبت له براءة من النار)).
- ٥٣٤ _

واعتبر الأذان مع الإقامة عند الشافعي في الأصح والحنابلة أفضل من
الإمامة ، لقوله تعالى: ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً ﴾ قالت
عائشة : هم المؤذنون ، وللأخبار السابقة في فضيلته ، ولقوله عليه الصلاة
والسلام: (( الإمام ضامن ، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين(١)
والأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد، ولم يتوله النبي عد اله
ولاخلفاؤه لضيق وقتهم عنه(٢).
وقال الحنفية: الإقامة والإمامة أفضل من الأذان؛ لأن النبي مع المه وخلفاءه
تولوا الإمامة ، ولم يتولوا الأذان .
حكم الأذان :
الأذان والإقامة عند الجمهور(٢) (غير الحنابلة ) ومنهم الخرقي الحنبلي : سنة
مؤكدة للرجال جماعة في كل مسجد للصلوات الخمس والجمعة ، دون غيرها ، كالعيد
والكسوف والتراويح وصلاة الجنازة، ويقال فيها عند أدائها جماعة: ((الصلاة
جامعة)) لما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو قال: (( لما انكسفت
الشمس على عهد رسول الله صل اته، نودي: الصلاة جامعةً)) أما الأذان والإقامة،
فلأن المقصود منهما الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة ، والقيام إليها .
ولا تسن للنافلة والمنذورة. ودليلهم على السنية الحديث السابق: « لو يعلم
(١) رواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وابن خزيمة عن أبي هريرة ( المصدر
السابق) وروى الحاكم بإسناد صحيح: ((إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأظلة لذكر
الله)) .
(٢) المغني: ١ / ٤٠٣، كشاف القناع: ١ / ٢٦٧، مغني المحتاج: ١ / ١٣٨.
(٣) فتح القدير: ١ / ١٦٧، ١٧٢، ١٧٨، الدر المختار: ١ / ٣٥٦، البدائع: ١ / ١٤٦ ومابعدها ، اللباب:
١ / ٦٢ - ٦٣، الشرح الصغير: ١ / ٢٤٦ وما بعدها، ٢٥٥ ومابعدها، الشرح الكبير: ١ / ١٩١، القوانين الفقهية:
ص ٤٧ ، مغني المحتاج: ١ / ١٣٣ ومابعدها، المهذب: ١ / ٥٥، بداية المجتهد: ١ / ١٠٣، نهاية المحتاج: ١ / ٣٠٠ ،
المجموع : ٣ / ٨٢، ١٣١.
- ٥٣٥ _

الناس مافي النداء والصف الأول، لاستهموا عليه)) ولأنه مَ فلو لم يأمر بها في
حديث الأعرابي ، مع ذكر الوضوء والاستقبال وأركان الصلاة . وبناء عليه : لم
يأثم أهل بلدة بالاجتماع على ترك الأذان إذا قام به غيرهم ولم يضربوا ولم يحبسوا .
وأضاف الشافعية والمالكية أنه يستحب الإقامة وحدها لا الأذان للمرأة أو
جماعة النساء ، منعاً من خوف الفتنة برفع المرأة الصوت به . وقال الحنفية : إنه
تكره الإقامة كالأذان للنساء ؛ لما روي عن أنس وابن عمر من كراهتهما لهن ،
ولأن مبنى حالهن على الستر ، ورفع صوتهن حرام .
الأذان للفائتة وللمنفرد :
والمعتمد عند الشافعي : أنه يستحب أيضاً الأذان والإقامة للمنفرد أيضاً أداء
أو قضاء رغم سماع أذان الحي أو المسجد ، ويرفع صوته بالأذان إلا إذا كان بمسجد
وقعت فيه جماعة ، لئلا يتوهم السامعون دخول وقت صلاة أخرى ، والأذان
للفائتة هو المذهب القديم للشافعي وهو الأظهر كما أبان النووي ، وذلك لما ورد في
فضل الأذان في الأحاديث السابقة ، ومنها مارواه البخاري عن عبد الله بن عبد
الرحمن بن أبي صَعْصعة: (( أن أبا سعيد الخدري قال له : إني أراك تحب الغنم
والبادية ، فإذا كنت في غنمك أو باديتك ، فأذنت للصلاة ، فارفع صوتك
بالنداء ، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء ، إلا شهد لك
يوم القيامة، سمعته من رسول الله مائةٍ(١)). وإن اجتمع على المصلي فوائت أو جمع
تقديماً أو تأخيراً أذن للأولى وحدها ، لما روى البخاري ومسلم عن جابر رضي الله
عنه: ((أنه مؤلفوٍ جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين)) والمستحب
عند الشافعي أن يكون للجمعة أذان واحد بين يدي الإمام عند المنبر؛ لأنه لم
يكن يؤذن يوم الجمعة للنبي محمد اته إلا بلال.
(١) رواه أحمد والشافعي ومالك والبخاري والنسائي وابن ماجه ( نيل الأوطار: ٢ / ٤٥).
- ٥٣٦ _

هذا مذهب الشافعية في الفوائت . وقال الحنفية : يؤذن المصلي للفائتة
ويقيم ؛ لأنها بمنزلة الحاضرة ، فإن فاتته صلوات أذن للأولى وأقام ، وكان مخيراً في
الباقية بعدها : إن شاء أذن وأقام لكل واحدة ، وهو أولى ؛ لأن ماسن للصلاة في
أذانها ، سن في قضائها كسائر المسنونات . وإن شاء اقتصر فيما بعد الأولى على
الإقامة ؛ لأن الأذان للاستحضار، وهم حضور ، والأولى الأذان والإقامة لكل
فريضة ، بدليل حديث ابن مسعود عند أبي يعلى حينما شغل المشركون رسول
الله عَ لّ يوم الأحزاب عن الصلوات : الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، فأمر
النبي بلالاً بالأذان والإقامة لكل صلاة (١).
وقال مالك: إنه يقيم ولا يؤذن ، لما روى أبو سعيد قال: (( حبسنا يوم
الخندق عن الصلاة ، حتى كان بعد المغرب بهوى من الليل ، قال : فدعا رسول
الله عَليّ بلالاً، فأمره فأقام الظهر فصلاها ، ثم أمره فأقام العصر فصلاها )) ولأن
الأذان للإعلام بالوقت ، وقد فات ، وعلى هذا قال المالكية : يكره الأذان
لفائتة ، ولصلاة ذات وقت ضروري ( أي المجموعة مع غيرها جمع تقديم أو
تأخير ) ولصلاة جنازة ونافلة كعيد وكسوف .
وقيد المالكية سنية الأذان في كل مسجد ولو تلاصقت المساجد : بجماعة
طلبت غيرها ، سواء في حضر أو سفر ، ولا يسن لمنفرد أو جماعة لم تطلب غيرها ،
بل يكره لهم إن كانوا في حضر . ويندب لمنفرد أو لجماعة لا تطلب غيرها في أثناء
السفر، ولو لمسافة دون مسافة القصر ( ٨٩ كم) .
أما أكثر الحنابلة(٢) فقالوا: الأذان والإقامة فرضا كفاية للصلوات الخمس
(١) مجمع الزوائد: ٢ / ٤ ورواه أحمد والنسائي والترمذي وقال: ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع
من عبد الله بن مسعود ( نيل الأوطار: ٢ / ٦٠).
(٢) كشاف القناع: ١ / ٢٦٨، ٢٧٨، المغني: ١ / ٤١٧ - ٤٢٢، غاية المنتهى: ١ / ٨٧ .
- ٥٣٧ -

المؤداة والجمعة دون غيرها ، للحديث السابق: ((إذا حضرت الصلاة ، فليؤذن لكم
أحدكم ، وليؤمكم أكبركم)) والأمر يقتضي الوجوب على أحدهم ، وعن أبي الدرداء
مرفوعاً: (( مامن ثلاثة لا يؤذنون ، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم
الشيطان))(١)، ولأنها من شعائر الإسلام الظاهرة ، فكانا فرضي كفاية كالجهاد،
فإذا قام به البعض ، سقط عن الباقين ، وبناء عليه يقاتل أهل بلد تركوهما .
ويكره ترك الأذان والإقامة للصلوات الخمس ، ولا يعيد .
ويكفي أذان واحد في المصر، ويكتفي بقية المصلين بالإقامة .
وهو رأي الحنفية والمالكية أيضاً ، خلافاً للشافعية كما بينا ، ودليلهم أن ابن
مسعود وعلقمة والأسود صلوا بغير أذان ، قال سفيان : كفتهم إقامة المصر ، لكن
قال الحنفية : من صلى في بيته في المصر يصلي بأذان وإقامة ليكون الأداء على
هيئة الجماعة ، وإن تركهما جاز، لقول ابن مسعود: (( أذان الحي يكفينا)) لكنه
غريب كما قال الزيلعي .
ومن فاتته صلوات ، أو جمع بين صلاتين في وقت أولاهما : استحب له أن
يؤذن للأولى ، ثم يقيم لكل صلاة إقامة ، وهو موافق لقول الشافعية . ودليلهم على
ذلك حديث أبي سعيد المتقدم: ((إذا كنت في غنمك .. )) وحديث أبي قتادة
(( أنهم كانوا مع النبي مؤ لّ، فناموا حتى طلعت الشمس، فقال النبي مع طلّعٍ :
يابلال ، قم فأذن الناس بالصلاة ))(٢).
ومن دخل مسجداً قد صلي فيه ، فإن شاء أذن وأقام ، لما روى الأثرم.
(١) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والطبراني وابن حبان، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ( نيل الأوطار:
٢ / ٣١) .
(٢) متفق عليه، ورواه عمران بن حصين أيضاً، قال: (( فأمر بلالاً ، فأذن فصلينا ركعتين ، ثم أمره فأقام ،
فصلينا )) متفق عليه .
- ٥٣٨ _

وسعيد بن منصور عن أنس: (( أنه دخل مسجداً قد صلوا فيه ، فأمر رجلاً فأذن
وأقام ، فصلى بهم في جماعة )) وإن شاء صلى من غير أذان ولا إقامة .
وليس على النساء أذان ولا إقامة ، خلافاً للشافعية والمالكية في الإقامة ، لما
روى النجاد بإسناده عن أسماء بنت بريد، قالت: سمعت رسول الله مَ ائل يقول :
((ليس على النساء أذان ولا إقامة)).
والخلاصة : أنه يؤذن للفائتة عند الجمهور ، ويكره ذلك عند المالكية ،
ويسن الأذان للرجال دون النساء ، بالاتفاق ، وتسن الإقامة للمرأة سراً عند
الشافعية والمالكية ، وتكره عند الحنفية ، ولا تشرع عند الحنابلة . ويكفي عند
الجمهور أذان الحي ، ولا يكفي عند الشافعية .
شروط الأذان :
يشترط في الأذان والإقامة ما يأتي (١):
اً - دخول الوقت : فلا يصح الأذان ويحرم باتفاق الفقهاء قبل دخول وقت
الصلاة ، فإن فعل أعاد في الوقت ؛ لأن الأذان للإعلام ، وهو قبل دخول الوقت
تجهيل . ولذا يحرم الأذان قبل الوقت لما فيه من التلبيس والكذب بالإعلام
بدخول الوقت ، كما يحرم تكرير الأذان عند الشافعية ، وليس منه أذان المؤذنين
المعروف .
(١) الدر المختار: ١ / ٣٦٢ - ٣٦٥، البدائع: ١ / ١٤٩ - ١٥١، فتح القدير: ١ / ١٧٠، ١٧٦ ومابعدها ،
مراقي الفلاح: ص ٣٢، اللباب: ١ / ٦٤، الشرح الصغير: ١ / ٢٥١ ومابعدها ، القوانين الفقهية: ص ٤٧ وما بعدها ،
بداية المجتهد: ١ / ١٠٤ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ١٣٧ - ١٣٩، الحضرمية: ص ٣٤، المهذب: ١ / ٥٥، ٥٧،
المغني: ١ / ٤٠٩، ٤١١، ٤١٣ - ٤١٥، ٤٢٤ ومابعدها، كشاف القناع: ١ / ٢٧١ - ٢٧٩، غاية المنتهى: ١ / ٨٧ ،
الشرح الكبير مع الدسوقي: ١ / ١٩٤ وما بعدها، ١٩٨، المهذب: ١ / ٥٧ وما بعدها ، تحفة الطلاب: ص ٥٤ ،
المجموع : ٣ / ١٣٦ ٠
- ٥٣٩ _

لكن أجاز الجمهور غير الحنفية ، وأبو يوسف: الأذان للصبح بعد نصف
الليل ، ويندب بالسّحَر وهو سدس الليل الأخير ، ثم يعاد استناناً عند طلوع
الفجر الصادق(١)، لخبر الصحيحين عن عبد الله بن عمرو: (( إن بلالاً يؤذن بليل ،
فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم)) زاد البخاري: ((وكان رجلاً أعمى
لا ينادي حتى يقال: أصبحت أصبحت )) لكن ينبغي لمن يؤذن قبل الوقت أن
يؤذن في وقت واحد في الليالي كلها ، منعاً للالتباس على الناس . ويشترط في
المرتب ( الموظف ) للأذان علمه بالمواقيت ، أما غير الموظف فلا يشترط علمه
بالمواقيت ، فمن أذن لنفسه أو لجماعة مرة ، أو كان أعمى ، صح أذانه إذا علم من
غيره دخول الوقت .
٢ - أن يكون باللغة العربية، فلا يصح بغيرها إن أذن لجماعة ، فإن أذن غير
العربي لنفسه وهو لا يحسن العربية ، جاز عند الشافعية ، ولم يجز مطلقاً عند
الحنابلة والحنفية لوروده بلسان عربي كالقرآن .
◌ّ - يشترط في الأذان والإقامة إسماع بعض الجماعة، وإسماع نفسه إن كان
منفرداً .
٤ - الترتيب والموالاة بين ألفاظ الأذان والإقامة : اتباعاً للسنة كما روى مسلم
وغيره ، ولأن ترك الموالاة بين كلمات الأذان يخل بالإعلام ، فلا يصح الأذان إلا
مرتباً ، كما لا يصح بغير المتوالي ويعاد غير المرتب وغير المتوالي ، ولا يضر فاصل
يسير بنوم أو إغماء أو سكوت أو كلام ويبطل بالردة عند الفقهاء ، فإن ارتد
بعد انتهاء الأذان لم يبطل . وهذا شرط عند الشافعية والحنابلة . وقال الحنفية
(١) ماسوى التأذين قبل الفجر ويوم الجمعة من التسبيح والنشيد ورفع الصوت بالدعاء ونحو ذلك في المآذن أو
غيرها ، فليس بمسنون ، وماأحد من العلماء قال : إنه يستحب ، بل هو من جملة البدع المكروهة ، لأنه لم يكن في
عهده مَالٍ ولا عهد أصحابه، وليس له أصل (كشاف القناع: ١ / ٢٨١، غاية المنتهى: ١ / ٩١).
- ٥٤٠ _