Indexed OCR Text

Pages 401-420

مستحبة ، ويسن أن يصان المسجد عن الأوساخ والمخاط وتقليم الأظافر وقص
الشعر ونتفه ، وعن الروائح الكريهة من بصل وثوم وكراث ونحوها .
ويجوز بناء المسجد في موضع كان كنيسة وبيعة أو مقبرة درست إذا أصلح
ترابها، لحديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه: ((أن رسول الله عَ ل أمره أن
يجعل مسجد أهل الطائف حيث كانت طواغيتهم)) (١)، ولحديث أنس: ((أن
مسجد رسول الله ◌َ ◌ّ كان فيه قبور مشركين، فنبشت))(٢) .
ويكره زخرفة المسجد باللونين الأحمر والأصفر ونقشه وتزيينه ، لئلا
تشغل قلب المصلي، ولقوله تع الى: ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في
المساجد))(٢) وقوله أيضاً: ((ماأُمرت بتشييد المساجد، قال ابن عباس :
( لَتُزَخرِفُنَّها ) كما زخرفت اليهود والنصارى)) (٤) فهو يدل على أن تشييد المساجد
بدعة ، وهذا الحكم بالكراهة هو المقرر عند المالكية والحنابلة ، لكن أجاز الحنفية
نقش المسجد بالمال الحلال ، خلا محرابه فإنه يكره ، لأنه يلهي المصلي .
وروي عن أبي حنيفة الترخيص في ذلك . وروي عن أبي طالب المكي : أنه
لاكراهة في تزيين المحراب .
٣٢ - ورد في فضل المساجد أحاديث كثيرة منها: «أحب البلاد إلى الله
تعالى مساجدها ، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها ))(٥) .
(١) رواه أبو داود بإسناد جيد، وابن ماجه (نيل الأوطار: ٢ / ١٤٥).
(٢) رواه البخاري ومسلم .
(٣) رواه الخمسة إلا الترمذي عن أنس ( نيل الأوطار: ٢ / ١٥١).
(٤) أخرجه أبو داود عن ابن عباس ، والتشييد : رفع البناء وتطويله . وفي قول ابن عباس نوع تأنيب
وتوبيخ ، والمراد من الزخرفة: الزينة . وفتح اللام في قوله: لتزخرفتها لأنه جواب القسم . وكلام ابن عباس
مفصول عن كلام النبي ◌َّ في الكتب المشهورة وغيرها ( نيل الأوطار: ٢ / ١٥٠).
(٥) رواه مسلم عن أبي هريرة ، ورواه أحمد والحاكم عن جبير بن مطعم :
الفقه الإسلامي جـ ١ (٢٦)
- ٤٠١ -

٣٣ - مصلى العيد وغيره الذي ليس بمسجد : لا يحرم المكث فيه على الجنب
والحائض على المذهب عند الشافعية .
الملحق الثاني - أحكام الحمامات العامة :
ذكر الشافعية والحنابلة أحكام الحمام وآداب دخوله فقالوا (١) :
أ - أجود الحمامات : ما كان شاهقاً، عذب الماء ، معتدل الحرارة ، معتدل
البيوت ، قديم البناء .
ب - بناء الحمام : وبيعه وشراؤه وإجارته مكروه عند الإمام أحمد ، لما
فيه من كشف العورة والنظر إليها ، ودخول النساء إليه . قال أحمد : في الذي
يبني حماماً للنساء : ليس بعدلْ. وحمله بعضهم على غير البلاد الباردة .
وكسب الحمام والحلاق عند الحنابلة مكروه .
جـ ـ الدخول إلى الحمام : يباح للرجال دخول الحمام ، ويجب عليهم غض
البصرعما لا يحل لهم ، وصون عورتهم عن الكشف بحضرة من لايحل له النظر
إليها، أو في غير وقت الاغتسال، فإنه يروى: (( أن ابن عباس دخل حماماً
بالجُحْفة))، ويروى ذلك عن النبي ◌ُّ له، كما يروى عن خالد بن الوليد ((أنه
دخل الحمام)).
فإن خشي ألا يسلم من النظر إلى العورات ، ونظر الناس إلى عورته كره له
ذلك ؛ لأنه لا يأمن وقوعه في المحظور ، فإن كشف العورة ومشاهدتها حرام ،
بدليل حديث بهز بن حكيم المتقدم في أول مبحث الغسل: ((احفظ عورتك إلا
(١) مغني المحتاج: ١ / ٧٦، المغني: ١ / ٢٣٠ - ٢٣٣، كشاف القناع: ١ / ١٨١ - ١٨٣، الفتاوى الهندية:
٥ / ٣٧٣ وما بعدها .
- ٤٠٢ -

من زوجتك أو ماملكت يمينك ... )) (١)، وقال النبي عَ لّ: ((لا ينظر الرجل إلى
عورة الرجل ، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة)) ((لاتمشوا عراة))(٢) ((الفخذ
(٣)
عورة ))(٣) .
ويحرم دخول الحمامات العامة بغير مئزر، لقوله مع المه: ((من كان يؤمن
بالله واليوم الآخر من ذكور أمتي ، فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كانت تؤمن
بالله واليوم الآخر، فلاتدخل الحمام))(٤) ((حرام على الرجال دخول الحمام إلا
بمئزر)) (٥)، وروي: (( أن الرجل إذا دخل الحمام عارياً لعنه ملكاه))(٦).
وأما النساء : فيكره لهن دخول الحمام بلاعذر من حيض أو نفاس أو مرض أو
حاجة إلى الغسل، ولا يمكن المرأة أن تغتسل في بيتها، لخبر: (( مامن امرأة تخلع
ثيابها في غير بيتها إلا هتكت مابينها وبين الله تعالى))(٧) وقال مؤلفله: ((ستفتح
عليكم أرض العجم ، وستجدون فيها بيوتاً ، يقال لها الحمامات ، فلا يدخلنها
الرجال إلا بالإزار، وامنعوها النساء، إلا مريضة أو نفساء))(٨)، ولأن أمرهن
مبني على المبالغة في الستر ، ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر(٩).
ولا يحرم على المرأة الاغتسال في حمام دارها حيث لم ير من عورتها ما يحرم
5
النظر إليه .
(١) رواه الخمسة (نيل الأوطار: ٢ / ٦٢).
(٢) رواهما مسلم، وروى أبو داود وابن ماجه عن علي: ((لاتبرز فخذاك، ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت)).
( نيل الأوطار : ٢ / ٦٢ ) .
(٣) رواه الترمذي وأحمد عن ابن عباس ( نيل الأوطار: ٢ / ٦٣).
(٤) رواه أحمد عن أبي هريرة .
(٥) رواه النسائي والحاكم عن جابر .
(٦) رواه القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿كراماً كاتبين ، يعلمون ما تفعلون﴾.
(٧) رواه الترمذي وحسنه عن عائشة رضي الله عنها .
(٨) رواه أبو داود وغيره عن ابن عمر رضي الله عنه .
(٩) قال بعض الشافعية : والخنائى كالنساء فيما يظهر.
- ٤٠٣ -

د - يحرم الاغتسال عرياناً بين الناس ، فمن اغتسل عرياناً بين
الناس : لم يجزله ذلك ؛ لأن كشف العورة للناس محرم ، لما بينا ، ولقوله
مُ اللّ: ((إن الله عز وجل حبي ستِّير، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم
فليستتر))(١) . أما إن كان خالياً فيجوز؛ لأن موسى عليه السلام اغتسل
عرياناً(٢) ، كما اغتسل أيوب عليه السلام عرياناً(٣) .
وإن ستره إنسان بثوب ، فلابأس ، فقد كان النبي مع اللّ يستتر بثوب
ويغتسل .
ويستحب التستر وإن كان خالياً للحديث السابق: (( فالله أحق أن
يستحي منه من الناس
((
.
ولا يسبح في ماء إلا مستتراً؛ لأن الماء لا يستر ، فتبدو عورة من دخله
عرياناً .
هـ - يجزئ الغسل والوضوء بماء الحمام ، لأنه طاهر ، ويجعل بمنزلة الماء
الجاري إذا كان يفيض من الحوض ويخرج ، أي أن عليه مصبًّاً ، فإن الذي يأتي
أخيراً يدفع مافي الحوض ، ويثبت في مكانه .
و - لابأس للمستتر بذكر الله في الحمام ، فإن ذكر الله حسن في كل
مكان، مالم يرد المنع منه، روي (( أن أبا هريرة دخل الحمام ، فقال : لاإله إلا
الله)) وروي عن النبي محمد الر (( أنه كان يذكر الله على كل أحيانه)).
أما قراءة القرآن في الحمام : فلاتكره عند مالك والنخعي ، كذكر الله فيه ،
(١) رواه أبو داود عن يعلى بن أمية.
(٢) رواه البخاري .
(٣) كما ذكر صاحب المغني ابن قدامة المقدسي .
- ٤٠٤ _

وكره أحمد ذلك ، ولو خفض صوته ؛ لأنه محل التكشف ، ويفعل فيه ما لا يحسن
في غيره ، فيصان القرآن عنه . كما يكره السلام فيه . وأباحه بعض الحنابلة ؛ لأن
الأشياء على الإباحة .
ز - آداب الحمام : يجب ألا يزيد المستحم في الماء على قدر الحاجة والعادة ،
ولا يطيل المقام إلا بقدر الحاجة .
وآداب الحمام : أن يقصد التطهير والتنطيف ، لا الترفه والتنعم ، وأن يسلم
الأجرة قبل دخوله ، وأن يسمي للدخول ، ثم يتعوذ ، كما في دخول الخلاء ،
ويقدم رجله اليسرى عند الدخول ، ورجله اليمنى عند الخروج .
ويتذكر بحرارة الحمام حرارة نار جهنم ، ولا يدخله إذا رأى فيه عرياناً ،
ولا يعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في البيت الأول ؛ لأنه أجود طباً ،
ولا يكثر الكلام ، ويتحين بدخوله وقت الفراغ أو الخلوة إن قدر على ذلك ،
ويقلل الالتفات ؛ لأنه محل الشياطين ، ويستغفر الله تعالى ويصلي ركعتين بعد
خروجه منه ، فقد كانوا يقولون : يوم الحمام يوم إثم .
وكره الشافعية دخول الحمام قبيل الغروب ، وبين العشاءين ؛ لأنه وقت
انتشار الشياطين ، وقال الحنابلة : لا يكره ذلك لعدم النهي الخاص عنه .
ولا بأس بدلك غيره إلا عورة أو مظنة شهوة .
ويكره الحمام للصائم ؛ لأن الغسل يضعف الجسم ، وهو ترفه لا يلائم
الصوم ، وقد يسبق الماء إلى جوفه ، فيفطر .
ويغسل قدميه عند خروجه بماء بارد ، ولا بأس بشرب ماء بارد عند خروجه
منه ، لأنه أنفع طباً ، كما لابأس بقوله لغيره : عافاك الله ، ولامانع من
المصافحة .
- ٤٠٥ -

الفصل السّادس
التيم
تعريفه ، ومشروعيته وصفته ، أسبابه ، فرائضه ، كيفيته ، شروطه ، سننه
،
ومكروهاته ، نواقضه ، حكم فاقد الطهورين .
المطلب الأول - تعريف التيم ومشروعيته وصفته :
التيم لغة: القصد ، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تيموا الخبيث منه تنفقون ﴾
وشرعاً عرفه الفقهاء بعبارات متقاربة ، فقال الحنفية(١) : مسح الوجه واليدين
عن صعيد مطهر . والقصد شرط له ؛ لأنه النية ، فهو قصد صعيد مطهر
واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة القربة .
وقال المالكية(٢) : طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنية .
وقال الشافعية(٣) : إيصال التراب إلى الوجه واليدين بدلاً عن الوضوء أو
الغسل أو عضو منهما بشرائط مخصوصة .
وقال الحنابلة (٤) : مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص .
(١) مراقي الفلاح: ص ١٩، فتح القدير: ١ / ٨٤، اللباب: ١ / ٣٥، البدائع: ١ / ٤٥ ، حاشية ابن
عابدين : ١ / ٢١١ .
(٢) حاشية الصاوي على الشرح الصغير: ١ / ١٧٩ .
(٣) مغني المحتاج: ١ / ٨٧ .
(٤) كشاف القناع : ١ / ١٨٣ .
- ٤٠٦ -

مشروعيته : التيم من خصائص الأمة الإسلامية ، شرع في غزوة بني
المصطلق ( غزوة المريسيع ) في السنة السادسة من الهجرة حينما أضاعت عائشة
عِقْدها، فبعث ◌َ ◌ّ في طلبه ، وحانت الصلاة ، وليس معهم ماء ، فنزلت آية
التيم ، كما نزلت آيات براءة عائشة من الإفك في سورة النور ، فقال أُسَيدُ بن
حضير: (( يرحمك الله ياعائشة ، مانزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين
فيه فرجاً )) .
وهو رخصة ، وقال الحنابلة : إنه عزيمة ، وأدلة مشروعيته : الكتاب
والسنة والإجماع: أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر،
أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء ، فلم تجدوا ماء ، فتيموا صعيداً
طيباً(١) ، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ وهذا يدل على أن التيم فريضة بدل
الغسل بالماء .
وأما السنة: فأحاديث كثيرة منها خبر مسلم: (( جعلت لنا الأرض كلها
مسجداً وتربتها طهوراً))(٢)، ومنها ((التراب طهور المسلم، ولو إلى عشر حجج ،
مالم يجد الماء أو يحدث)) (٣).
وأجمعت الأمة على جواز التيم في الجملة .
صفته أو الطهارة التي هو بدل عنها : قال عامة الفقهاء(8) : التيم
(١) أي تراباً طهوراً .
(٢) وروى أحمد في معناه حديثين عن أبي أمامة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( نيل الأوطار:
١ / ٢٥٨ ) .
(٣) روي من حديث أبي ذر عند أبي داود والنسائي والترمذي ، ومن حديث أبي هريرة عند البزار والطبراني ،
قال الترمذي عن الأول : حديث حسن صحيح ( نصب الراية: ١ / ١٤٨ ) .
(٤) بداية المجتهد: ١ / ٦١ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٨، البدائع: ١ / ٥٥، مغني المحتاج: ١ / ٨٧ ،
المغني: ١ / ٢٣٧، ٢٥٧، ٢٧٣، كشاف القناع: ١ / ١٩٤، المهذب: ١ / ٣٢، فتح القدير: ١ / ٨٧ ، غاية
المنتهى : ١ / ٥٣ .
- ٤٠٧ -

ينوب عن الوضوء وعن الغسل من الجنابة والحيض والنفاس ، إلا أنه لا يجوز عند
غير الحنفية لزوج الحائض أن يطأها حتى تغتسل بالماء ، فالمحدث والجنب
والحائض والنفساء ومن ولدت ولداً جافاً يتيم للصلاة وغيرها من الطاعات ؛
لأن الضمير في قوله تعالى : ﴿ فلم تجدوا ماء فتيموا ﴾ يعود على المحدث حدثاً
أصغر وعلى المحدث حدثاً أكبر عند القائلين بأن الملامسة هي الجماع . أما من كانت
الملامسة عنده هي اللمس باليد في قوله تعالى: ﴿ أو لا مستم النساء﴾ فالضمير
يعود على المحدث حدثاً أصغر فقط ، وتكون مشروعية التيم للجنب ثابتة
بالسنة :
مثل حديث عمران بن حصين ، قال: كنا مع رسول الله مُ تّ في سفر ،
فصلى بالناس ، فإذا هو برجل معتزل ، فقال : مامنعك أن تصلي ؟ قال :
أصابتني جنابة ولا ماء ؟ قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك)) (١) وهو يدل على
مشروعية التيم للصلاة عند عدم الماء من غير فرق بين الجنب وغيره .
ومثل حديث جابر قال : خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حَجَر ، فشجَّه
في رأسه ، ثم احتلم ، فسأل أصحابَه ، هل تجدون لي رخصة في التيم ؟ فقالوا :
مانجد لك رخصة ، وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات ، فلما قدمنا على رسول
الله عَّ اللّهِ أُخبر بذلك ، فقال: قتلوه ، قتلهم الله ، ألا سألوا إذ لم يعلموا ، فإنما
شفاء العِيّ(٢) السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيم ويَعْصِر ، أو يَعْصِب على جُرْحه ،
ثم يمسح عليه ، ويغسل سائر جسده(٢) وهو يدل على جواز العدول إلى التيم
لخشية الضرر .
(١) متفق عليه ( نيل الأوطار: ١ / ٢٥٦) .
(٢) العي : التحير في الكلام ، وقيل : ضد البيان .
(٣) رواه أبو داود والدارقطني وابن ماجه، وصححه ابن السكن ( نيل الأوطار: ١ / ٢٥٧).
- ٤٠٨ -

ومثل حديث عمرو بن العاص: أنه لما بُعث في غزوة ذات السلاسل(١)،
قال : احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد ، فأشفقت أن أهْلِك ، فتيمت ثم
صليت بأصحابي صلاة الصبح ، فلما قدمنا على رسول الله متّ ذكروا ذلك له،
فقال : ياعمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنُب ؟ فقلت : ذكرت قول الله
تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم ، إن الله كان بكم رحيماً ، فتيمت ، ثم صليت ، فضحك
رسول الله عْظاتٍّ، ولم يقل شيئاً))(٢) وهو يدل على جواز التيم لشدة البرد ، ولا
إعادة عليه ، وهو رأي مالك وأبي حنيفة .
الطاعات التي يتيمم لها : يجوز التيم لكل ما يتطهر له من صلاة مفروضة
أو نافلة، أو مس مصحف ، أوقراءة قرآن ، أو سجود تلاوة أو شكر ، أو لُبث في
مسجد ، للأحاديث السابقة، ولأنه يستباح بالتيم ما يستباح بطهارة الماء .
مايتيم له من الأحداث : ويجوز التيم للحدث الأصغر ، والجنابة ،
والحيض والنفاس على حد سواء، لما روي أن قوماً جاءوا إلى رسول الله مطاتلّةٍ ،
وقالوا : إنا قوم نسكن هذه الرمال ، ولانجد الماء شهراً أو شهرين ، وفينا الجنب
والحائض والنفساء، فقال عليه السلام: ((عليكم بالأرض))(٣).
5
نوع البدل :
قال الحنفية(٤) : إن التيم بدل مطلق ، وليس ببدل ضروري ، فالحدث
يرتفع بالتيم إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤداة ، بدليل الحديث المتقدم :
(١) هي موضع وراء وادي القرى ، وكانت هذه الغزوة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة .
(٢) رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وابن حبان والحاكم، وأخرجه البخاري تعليقاً ( نيل الأوطار:
١ / ٢٥٨ ) .
(٣) رواه أحمد والبيهقي واسحاق بن راهويه عن أبي هريرة لكنه ضعيف ( نصب الراية: ١ / ١٥٦ ).
(٤) البدائع: ١ / ٥٤ وما بعدها، الدر المختار: ١ / ٢٢٣.
- ٤٠٩ -

((التيم وضوء المسلم، ولو إلى عشر حجج، مالم يجد الماء، أو يحدث)) فقد سمى
التيم وضوءاً، والوضوء مزيل للحدث. وقال عَ لّ: «جعلت لي الأرض مسجداً
وطهوراً))(١) ، والظهور اسم للمطهر ، فدل على أن الحدث يزول بالتيم ، إلا أن
زواله مؤقت إلى غاية وجود الماء ، فإذا وجد الماء يعود الحدث .
ويترتب عليه : أنه يجوز التيم قبل دخول الوقت ، ويجوز له أن يصلي
بالتيم الواحد ماشاء من الفرائض والنوافل مالم يجد الماء أو يحدث ، وإذا تيم
للنفل جاز له أن يؤدي به النفل والفرض .
وقال الجمهور غير الحنفية(٢) : التيم بدل ضروري ، فيباح له الصلاة مع قيام
الحدث حقيقة للضرورة ، كطهارة المستحاضة ، لحديث أبي ذر عند الترمذي :
((فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك ، فإنه خير لك)) ولو رفع الحدث لم يحتج إلى
الماء إذا وجده ، ولو رأى الماء يعود الحدث ، مما يدل على أن الحدث لم يرتفع ،
لكن أبيح له أداء الصلاة مع قيام الحدث للضرورة ، كما في المستحاضة .
ويترتب عليه عكس الأحكام السابقة ، إلا أن الحنابلة خلافاً للمالكية
والشافعية أجازوا بالتيم الواحد صلاة ماعليه من فرائض فوائت إن كانت عليه .
آراء المذاهب فيما يترتب على الاختلاف في نوع بدلية التيم :
١ - وقت التيم :
قال الحنفية(٣) القائلون بأن التيم طهارة مطلقة : يجوز التيم قبل الوقت ،
(١) رواه الشيخان والنسائي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه .
(٢) الشرح الكبير: ١ / ١٥٤، مغني المحتاج: ١ / ٩٧ ، بجيرمي الخطيب: ١ / ٢٥٣، كشاف
القناع : ١ / ١٩٩ .
(٣) البدائع: ١ / ٥٤، الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ١ / ٢٢٣
- ٤١٠ -

٠
ولأكثر من فرض ، ولغير الفرض من النوافل ؛ لأن التيم بدل مطلق عند عدم
الماء ، ويرتفع به الحدث إلى وقت وجود الماء ، وليس ببدل ضروري مبيح مع
قيام الحدث حقيقة ، كما قال الجمهور ، فلا يجوز قبل الوقت ، ولا يصلى به أكثر
من فرض . ودليلهم : أن التوقيت في العبادات لا يكون إلا بدليل سمعي ،
ولا دليل فيه ، فيقاس على الوضوء ، والوضوء يصح قبل الوقت .
وقال الجمهور ( المالكية والشافعية والحنابلة)(١): لا يصح التيم إلا بعد
دخول وقت ما يتيم له من فرض أو نقل ، فلا يتيم لفرض قبل دخول وقت
فعله ، ولا لنفل معين أو مؤقت كسنن الفرائض الرواتب قبل وقتها .
أما الفريضة : فلقوله تعالى : ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ والقيام إليها بعد
دخول الوقت .
وأما النفل: فلحديث أبي أمامة مرفوعاً قال: ((جعلت الأرض كلها لي
ولأمتي مسجداً وطهوراً ، فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة ، فعنده مسجده ،
وعنده طهوره ))(٣)
أما الوضوء : فإنما جاز قبل الوقت ، فلكونه رافعاً للحدث ، بخلاف التيم ،
فإنه طهارة ضرورة ، فلم يجز قبل الوقت ، كطهارة المستحاضة .
ويصح التيم لركعتي الطواف كل وقت لإباحته ، ويصح التيم لفائتة
ذكرها وأراد فعلها لصحة فعلها في كل وقت ، ويصح التيم لكسوف عند وجوده
(١) بداية المجتهد: ١ / ٦٥، القوانين الفقهية: ص ٣٧، مغني المحتاج: ١ / ١٠٥، المهذب: ١ / ٣٤، كشاف
القناع : ١ / ١٨٤
(٢) رواه أحمد، ورواه البخاري ومسلم والنسائي عن جابر بلفظ: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء
قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ،
وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ))
- ٤١١ -

إن لم يكن وقت نهي عن الصلاة فيه(١)، ويصح التيم لاستسقاء إذا اجتمعوا
لصلاته ، ولصلاة جنازة إذا غسل الميت ، أو مم لعذر ، ولصلاة عيد إذا دخل
وقته ، ولمنذورة كل وقت . ويصح التيم لنفل عند جواز فعله كتحية المسجد ؛
لأن ذلك وقته .
واحترز بعبارة النفل المعين أو المؤقت عن النوافل المطلقة ، فإنه يتيم لها
متى شاء ، إلا في وقت الكراهة المنهي عنه ؛ لأنه ليس وقتاً له .
هل يؤخر التيمم لآخر الوقت ؟
اتفق أئمة المذاهب الأربعة(٢) على أن الأفضل تأخير التيم لآخر الوقت إن
رجا وجود الماء حينئذ. فإن يئس من وجوده استحب تقديمه أول الوقت عند
الجمهور ( غير الحنابلة ) ، والمنصوص عن أحمد : أن تأخير التيم أولى بكل حال .
والأصح عند الحنفية : أن ندب التأخير هو لآخر الوقت المستحب بحيث
لا يقع في كراهة ؛ إذ لا فائدة في التأخير سوى الأداء بأكمل الطهارتين . ويجب
التأخير بالوعد بالماء ، ولو خاف القضاء ، كما يجب التأخير عند أبي حنيفة بالوعد
بالثوب للعاري ، أو بالدلو لنزح الماء ، ما لم يخف القضاء .
وقيد الشافعية أفضلية الانتظار بحالة تيقن وجود الماء آخر الوقت ، فإن
شك في وجوده أو ظن بأن ترجح عنده وجود الماء آخر الوقت ، فتعجيل التيم
أفضل في الأظهر ؛ لأن فضيلة التقديم محققة بخلاف فضيلة الوضوء .
وفصل المالكية في الأمر فقالوا : اليائس من وجود الماء يندب له التعجيل
(١) تكره الصلاة النافلة في خمسة أوقات : بعد صلاة الفجر ، وعند طلوع الشمس ، وعند الزوال ظهراً ، وبعد
صلاة العصر ، وعند الغروب .
(٢) الدر المختار ورد المختار: ١ / ٢٢٩، البدائع: ١ / ٥٤، الشرح الصغير: ١ / ١٨٩ وما بعدها ، مغني
المحتاج: ١ / ٨٩ ، المغني : ١ / ٢٤٣
- ٤١٢ -

أول الوقت . والمتردد في ذلك وهو الشاك أو الظان ظناً قريباً من الشك : يندب
له التيم وسط الوقت . والراجي : وهو الغالب على ظنه وجود الماء : يتيم ندباً
آخر الوقت .
٢ - ما يفعل بالتيمم الواحد :
قال الحنفية(١) : يصلي بتيمه ما شاء من الفرائض والنوافل ؛ لأنه طهور
حال عدم الماء ، فيعمل عمله ما بقي شرطه ، فله أن يصلي بتيم واحد فرضين
فأكثر ، وما شاء من نافلة .
وقال الحنابلة(٢): التيم مقيد بالوقت، لقول علي رضي الله عنه: (( التيم
لكل صلاة )) وقول ابن عمر رضي الله عنهما: ((تيم لكل صلاة )» ولأن التيم طهارة
ضرورة ، فتقيدت بالوقت ، كطهارة المستحاضة ، والطواف المفروض كالصلاة
الفريضة .
وبناء عليه : إذا تيم صلى الصلاة التي حضر وقتها ، وصلى به فوائت إن
كانت عليه ، فيصلي الحاضرة ، ويجمع بين الصلاتين ، ويقضي فوائت ، وله
التطوع بما شاء من النوافل إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى .
وقال المالكية والشافعية(٢): لا يصلى بتيم واحد فرضان ، فلا يجوز للمتيم
أن يصلي بتيم واحد أكثر من فريضة . ويجمع بين نوافل ، وبين فريضة ونافلة
إن قدم الفريضة عند المالكية ، ويتنفل ما شاء قبل المكتوبة وبعدها عند
الشافعية ، لأنها غير محصورة .
(١) فتح القدير: ١ / ٩٥
(٢) المغني : ١ / ٢٦٢ - ٢٦٤
(٣) الشرح الصغير: ١ / ١٨٦ - ١٨٧، الشرح الكبير: ١ / ١٥١، المهذب: ١ / ٣٦، مغني المحتاج: ١ /
١٠٣، القوانين الفقهية: ص ٣٨ .
- ٤١٣ -

ودليلهم : ما روى البيهقي باسناد صحيح عن ابن عمر، قال: (( يتيم لكل
صلاة، وإن لم يحدث ))، ولأنه طهارة ضرورة ، فلا بد من تكرار التيم لكل
فرض ، وإن كانت الفريضتان مجموعتين في وقت واحد ، كالظهر مع العصر ، ولو
كان التيم من مريض يشق عليه إعادته .
ويجوز أن يصلى بتيم واحد فرض صلاة ، وفرض جنازة عند المالكية ،
والشافعية في الأصح ؛ لأن الجنازة فرض كفاية ، فهي كالنفل في جواز الترك في
الجملة .
وجاز بالتيم للصلاة : مس المصحف ، وقراءة القرآن إن كان جنباً .
والنذر عند الشافعية كفرض في الأظهر ، فيجدد له التيم ، ولا يجمعه مع
فرض آخر أداء أو قضاء بتيم واحد .
وفرض الطواف وخطبة الجمعة عند الشافعية كفرض الصلاة ، فلا يجمع بتيم
واحد بين طوافين مفروضين ، ولا بين طواف مفروض وصلاة مفروضة ، ولا بين
صلاة جمعة وخطبتها ؛ لأن الخطبة وإن كانت فرض كفاية ، ألحقت بفرض
العين ، إذ قيل : إنها قائمة مقام ركعتين .
وأجاز المالكية الجمع بتيم بين صلاة مفروضة وطواف غير واجب وركعتيه ،
فهم إذاً كالشافعية .
٣ - هل التيم للنفل يجيز صلاة الفرض :
قال الحنفية الواصفون التيم بأنه بدل مطلق(١) : إذا تيم للنفل ، يجوز له أن
يؤدي به النفل والفرض . ويجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف : أن يؤم المتيم
(١) البدائع : ١ / ٥٥ وما بعدها .
- ٤١٤ _

المتوضئين إذا لم يكن معهم ماء ؛ لأن التيم في حال عدم الماء طهارة مطلقة ،
فيجوز اقتداؤهم به ، وإن كان معهم ماء لا تجوز صلاتهم ؛ لأن التيم بدل عن الماء
عند عدمه .
وقال المالكية(١) : لا يصلى فرض بتيم نواه لغيره ، فإن نوى فرض الصلاة
صلى به ما عليه من فرض واحد ، وما شاء من النوافل على أن يقدم صلاة
الفرض على النفل ، ولا يصلى به الفريضة الفائتة معه ، وإن نوى مطلق الصلاة
صلى به النفل دون الفرض ، لأن الفرض يحتاج لنية تخصه ، ومن نوى نفلاً لم
يصل به فرضاً . ويلزم حال نية استباحة الصلاة أو ما منعه الحدث نية الحدث
الأكبر من جنابة أو غيرها إن كان عليه . فإن لم يلاحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أنه
عليه ، لم يجزه وأعاد أبداً .
ويندب نية الحدث الأصغر إذا نوى استباحة الصلاة أو نوى استباحة
ما منعه الحدث . أما لو نوى فرض التيم ، فلا تندب نية الأصغر ، ولا الأكبر ؛
لأن نية الفرض تجزئ عن نية كل من الأصغر والأكبر . وإذا تيم لقراءة قرآن أو
للدخول على سلطان ونحو ذلك لا يجوز أن يصلي به .
وقال الشافعية والحنابلة(٢): إن نوى فرضاً ونفلاً صلى به الفرض والنفل ،
وإن نوى فرضاً استباح مثله ، وما دونه من النوافل ، لأن النفل أخف ، ونية
الفرض تتضمنه ، وبما أن الفرض أعلى استباح ما دونه تبعاً . وإن نوى نفلاً أو
أطلق النية للصلاة بأن نوى استباحة الصلاة ، ولم ينو فرضاً ولا نفلاً ، لم يصل
إلا نفلاً ، ولم يصل به فرضاً ؛ لأن الفرض أصل والنفل تابع ، فلا يجعل المتبوع
تابعاً ، وقياساً على ما لو أحرم بالصلاة ، فإن صلاته تنعقد نفلاً .
(١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير: ١ / ١٩٣، الشرح الكبير: ١ / ١٥٤
(٢) مغني المحتاج: ١ / ٩٨، كشاف القناع: ١ / ٢٠١ وما بعدها، بجيرمي الخطيب: ١ / ٢٥٣.
- ٤١٥ -

المطلب الثاني - أسباب التيمم :
أسباب التيم أو الأعذار المبيحة له هي ما يلي (١) :
اً - فقد الماء الكافي للوضوء أو الغسل :
حساً بأن لم يجد ماء أصلاً أو وجد ماء لا يكفيه ، أو شرعاً : بأن خاف
الطريق إلى الماء أو كان عند الحنفية بعيداً عنه بمقدار ميل ( ١٨٤٨ م أو ٤٠٠٠
ذراع أو خطوة ) أو أكثر، أو بقدر ميلين كما قال المالكية، أو احتاج إلى ثمنه أو
وجده بأكثر من ثمن المثل ، الآية السابقة : ﴿ فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً
طيباً ﴾
وفصل الشافعية في جواز التيم لفقد الماء وطلبه ، فقالوا :
أ - إن تيقن فقد الماء حوله ، تيم بلا طلب .
ب - وإن توهم الماء أو ظنه ، أو شك فيه ، فتش في منزله وعند رفقته
وتردد قدر حد الغوث(٣): وهو مقدار غَلْوة سهم ( ٤٠٠ ذراع أو ١٨٤,٨ م ) ، فإن
لم يجد ماء تيم . وقد اقتصر الحنفية على هذا فأوجبوا طلب الماء إلى أربعمائة
خطوة إن ظن قربه من الماء مع الأمن .
جـ - وإن تيقن الماء طلبه في حد القُرْب(٣): ( وهو ستة آلاف خطوة)
(١) البدائع: ١ / ٤٦ - ٤٩، تبيين الحقائق: ١ / ٣٦، اللباب: ١ / ٢٦، فتح القدير: ١ / ٨٣ - ٨٦، مراقي
الفلاح: ص ١٩، الدر المختار: ١ / ٢١٤ - ٢٢٦، الشرح الصغير: ١ / ١٧٩ - ١٨٣، ١٩٩، بداية المجتهد: ١ / ٦٣
وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٧ ، الشرح الكبير: ١ / ١٤٩ وما بعدها، مغني المحتاج: ١ / ٨٧ - ٩٥ ، المهذب :
١ / ٣٤ وما بعدها، المغني: ١ / ٢٣٤، ٢٣٩، ٢٥٧، ٢٥٨، ٢٦١، ٢٦٥، كشاف القناع: ١ / ١٨٤ - ١٩٤ .
(٢) وهو ما يلحقه فيه غوث الرفقة، مع ما هم عليه من التشاغل والتفاوض في الأقوال
(٣) وهو ما يقصده النازلون لنحو احتطاب واحتشاش .
- ٤١٦ -
1

وقال المالكية : إذا تيقن أو ظن الماء يطلبه لأقل من ميلين . وقال الحنابلة :
يطلبه فيما قرب منه عادة .
ولا يطلب الماء عند الشافعية سواء في حد القرب أو الغوث إلا إذا أمن نفساً
ومالاً ، وانقطاعاً عن الرفقة . والأظهر عند الشافعية ، والحنابلة خلافاً لغيرهم :
أنه لو وجد ماء لا يكفيه ، وجب استعماله ، ثم يتيم ، للحديث المتفق عليه عن
أبي هريرة: «إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم)).
الشراء : ويجب شراؤه بثمن المثل، إن لم يحتج إليه لدين مستغرق ( محيط
بماله ) أو مؤنة سفره ، أو نفقة حيوان محترم ، سواء أكان آدمياً أم غيره .
الهبة : ولو وهب له ماء أو أعير دلواً ، وجب القبول عند العلماء وفي
الأصح عند الشافعية ، أما لو وهب ثمنه فلا يجب قبوله بالإجماع ، لعظم المنة ،
ولو من الوالد لولده .
8
نسيان الماء : ولو نسي الماء في رحله ، فتيم وصلى، ثم تذكر الماء في
الوقت بعد أن فرغ من الصلاة ، قضى في الأظهر عند الشافعية وأبي يوسف
والمالكية ، لأنه واجد للماء ، ولكنه قصر في الوقوف عليه ، فيقضي كما لو نسي
ستر العورة ، بأن كان في رحله ثوب فنسيه(١) .
ولم يقض عند أبي حنيفة ومحمد ؛ لأنه لا قدرة بدون العلم ، فهو غير واجد
للماء ؛ لأن المراد بوجود الماء القدرة على استعماله، ولا قدرة إلا بالعلم(٣).
فإن تذكر الماء وهو في الصلاة يقطع ويعيد إجماعاً، كما أنه يعيد اتفاقاً إذا
(١) مغني المحتاج: ١ / ٩١
(٢) فتح القدير وحاشية العناية: ١ / ٩٧ ، الدر المختار: ١ / ٣٣٠
- ٤١٧ -
الفقه الإسلامي جـ١ (٢٧)

.
ظن فناء الماء . ولا يكره الوطء لعادم الماء ، ولو لم يخف العنت ( المشقة ) ؛ إذ
الأصل في الأشياء الإباحة إلا لدليل .
٢ - فقد القدرة على استعمال الماء :
قال المالكية والحنابلة وغيرهم : يتيم العاجز الذي لا قدرة له على الماء
كالمكره والمحبوس ، والمربوط بقرب الماء ، والخائف على نفسه من سبع أو لص ،
سواء في الحضر أو السفر ، ولو سفر معصية ؛ لأن التيم مشروع مطلقاً ، سواء في
الحضر أو السفر، في الطاعة أو المعصية، ولأنه عادم للماء، ولعموم قوله مَ الٍ:
((إن الصعيد الطيب طهور المسلم ، وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء
فليمسه بشرته ، فإن ذلك خير))(١) .
لكن عند الشافعية يقضي المقيم المتيم لفقد الماء ، لا المسافر ، إلا العاصي
بسفره في الأصح ، فإنه يقضي ؛ لأنه ليس من أهل الرخصة(٢) .
ولا يعيد عند بقية المذاهب في الأرجح عند الحنابلة ؛ لأنه أتى بما أمر به ،
فخرج من عهدته ، ولأنه صلى بالتيم المشروع على الوجه المشروع ، فأشبه المريض
والمسافر(٣) ، واستثنى الحنفية المكره على ترك الوضوء فإنه يتيم ويعيد صلاته .
٣ - المرض أو بطء البرء :
يتيم إذا خاف باستعمال الماء على نفس أو منفعة عضو حدوث مرض من نزلة
أو حمى أو نحو ذلك ، أو خاف من استعماله زيادة المرض أو طوله ، أو تأخر
(١) رواه الترمذي عن أبي ذر ، وقال : هذا حديث حسن صحيح
(٢) مغني المحتاج : ١ / ١٠٦
(٣) المغني: ١ / ٢٣٥، كشاف القناع: ١ / ١٩٥، الشرح الصغير: ١ / ١٩٠، الشرح الكبير: ١ / ١٤٨،
مراقي الفلاح : ص ١٩
- ٤١٨ -

برئه ، ويعرف ذلك بالعادة ، أو بإخبار طبيب عارف ، ولو غير مسلم عند
المالكية والشافعية ، مسلم عند الحنفية والحنابلة . وأضاف الشافعية في الأظهر
والحنابلة حدوث شين فاحش في عضو ظاهر ، لأنه يشوه الخلقة ويدوم ضرره .
والمراد بالظاهر ما يبدو عند المهنة غالباً كالوجه واليدين . وقال الحنابلة : من
كان مريضاً لا يقدر على الحركة ، ولا يجد من يناوله الماء للوضوء فهو كعادم
للماء ، له التيم إن خاف فوت الوقت .
٤ - الحاجة إلى الماء في الحال أو في المستقبل :
للمرء التيم إذا اعتقد أو ظن ولو في المستقبل أنه يحتاج للماء احتياجاً مؤدياً
إلى الهلاك أو شدة الأذى ، بسبب عطش حيوان محترم شرعاً ، من آدمي وغيره ،
ولو كلب صيد أو حراسة ، بخلاف الحربي والمرتد والكلب غير المأذون فيه ( ومنه
عند الحنابلة : الكلب الأسود ) ، وذلك صوناً للروح عن التلف .
ومن أصناف الحاجة : الاحتياج للماء لعجن أو طبخ له ضرورة ، أو الإزالة
نجاسة غير معفو عنها ، بشرط أن تكون عند الشافعية على البدن ، فإن كانت على
الثوب توضأ بالماء . وصلى عرياناً إن لم يجد ساتراً ، ولا إعادة عليه .
وقال الشافعية والحنابلة(١): إن كانت على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها لعدم
الماء أو خوف الضرر باستعماله ، تيم لها وصلى ، وعليه القضاء عند الشافعية ، ولا
قضاء عليه عند الحنابلة . ولا إعادة للصلاة بالاتفاق على مسافر تيم خوف
العطش .
٥ - الخوف من تلف المال لو طلب الماء :
قال المالكية : يتيم القادر على استعمال الماء من حاضر أو مسافر إذا خاف
(١) مغني المحتاج: ١ / ١٠٦، المغني: ١ / ٢٧٣ وما بعدها .
- ٤١٩ -

تلف مال ذي بال ، سواء أكان له أم لغيره ، لو طلب الماء الذي تحقق وجوده أو
ظنه . أما إن شكه أو توهمه ، فيتيم ولو قل المال .
والمراد بالمال ذي البال : مازاد على ما يلزمه بذله في شراء الماء . وقال غير
المالكية : خوف عدو آدمي أو غيره أو حريق أو لص يجيز التيم وعدم طلب
الماء ، سواء خاف على نفسه أو ماله أو أمانته ، أو خافت امرأة فاسقاً عند الماء ،
أو خاف المديون المفلس الحبس ، أو خاف فوات مطلوبه كتحصيل شارد ، فحال
كل واحد من هؤلاء كعادم الماء ؛ لأن في ذلك ضرراً ، وهو منفي شرعاً .
٦ - شدة البرد أي شدة برودة الماء :
يجوز التيم لشدة البرد إذا خاف ضرراً من استعمال الماء ، ولم يجد ما يسخن به
الماء .
لكن قيد الحنفية إباحة التيم للبَرْد بما إذا خاف الموت أو التلف لبعض
الأعضاء أو المرض ، وبالجنب فقط ولو في الحضر ، إذا لم تكن له أجرة حمام ولا
ما يدفئه ، لأنه هو الذي يتصور فيه ذلك . أما المحدث حدثاً أصغر فلا يجوز له
التيم للبرد في الصحيح .
وقيد المالكية جواز التيم للبرد بحالة الخوف من الموت .
أما الشافعية والحنابلة : فأباحوا التيم للبرد إذا تعذر تسخين الماء في
الوقت ، أو لم تنفع تدفئة أعضائه ، وخاف على منفعة عضو أو حدوث شين
فاحش ، في عضو ظاهر عند الشافعية ، أو في بدنه بسبب استعمال الماء عند
الحنابلة .
ويقضي الصلاة عند الشافعية من تيم لمرض ، أو البرد في الأظهر ، ولا قضاء
عليه عند المالكية والحنفية ، وعند الحنابلة : روايتان : إحداهما - لا يلزمه
القضاء ، والثانية يلزمه الإعادة .
- ٤٢٠ -