Indexed OCR Text

Pages 361-380

وإنما يجب الوضوء فقط . ومن رأى في ثوبه منياً فعليه الغسل . ومن رأى أنه قد
احتلم ولم يجد منياً فلا غسل عليه باتفاق العلماء .
وقال الحنفية : من موجبات الغسل احتياطاً: وجود بلل ظنه منياً بعد
إفاقته من سكر أو إغماء . كما يجب الغسل عندهم بخروج مني الشخص منه بعد
الغسل . ويشترط عند الحنفية في المني الموجب للغسل : إنزاله على وجه الدفق
والشهوة من الرجل والمرأة حالة النوم واليقظة ، فلو خرج بسبب حمل ثقيل أو
بسقوط من مكان لا يجب الغسل ؛ لأن الجنب في آية ﴿وإن كنتم جنباً
فاطهروا ﴾ : من خرج منه المني على وجه الشهوة .
واتفق أئمة الحنفية على أنه لا يجب الغسل إذا انفصل المني عن مقره من
الصلب بشهوة إلا إذا خرج على رأس الذكر . وهناك خلاف بينهم في أنه هل
تشترط مقارنة الشهوة للخروج ؟ فعند أبي حنيفة ومحمد : لا تشترط . وعند أبي
يوسف : تشترط . وثمرة الخلاف تظهر : فيما لو احتلم فوجد اللذة ، ولم ينزل حتى
توضأ وصلى ثم أنزل ، اغتسل ، ولا يعيد الصلاة في رأيها ، ولا يغتسل في رأيه .
ولو اغتسل بعد الجماع قبل النوم أو البول أو المشي ، ثم خرج منه المني بلا شهوة ،
يجب إعادة الغسل عندهما ، لاعنده . وقولهما أحوط لأن الجنابة قضاء الشهوة ،
فإذا وجدت مع الانفصال تحقق اسمها .
وقال المالكية كالحنفية والحنابلة : المني الموجب للغسل : هو الخارج بلذة
معتادة ، فإن لم يخرج بلذة معتادة ، كأن خرج بنفسه لمرض أو ضربة أو سلس أو
لدغة عقرب ، فلا غسل ، وعليه الوضوء فقط . كما أنه إذا خرج بلذة غير معتادة
كمن حك لجرب بذكره ، أو هزته دابة له ، أو نزل بماء حار ، فلاغسل وعليه
الوضوء فقط ، لكن في مسألة الماء الحار والجرب بغير الذكر ، لاغسل ولو أحس
بمبادئ اللذة واستدام حتى أمنى ، لبعد الماء الحار عن شهوة الجماع . أما في مسألة
- ٣٦١ -

هز الدابة أو الجرب بالذكر ، فإن أحس بمبادئ اللذة واستدام حتى أنزل ، وجب
الغسل ، لأنه أقرب لشهوة الجماع . ومن انتبه من نومه ، فوجد بللاً في ثوبه أو
بدنه ، فشك هل هو مني أو مذي ؟ وجب عليه الغسل ؛ لأن الشك مؤثر في
إيجاب الطهارة . ولا يجب بالاتفاق الغسل على امرأة بمني وصل للفرج مالم تحبل
منه ، واتفقوا على أن رطوبة الفرج طاهرة ، وغسله سنة .
والدليل لوجوب الغسل بخروج المني: حديث علي قال: (( كنت رجلاً
مذَّاء، فسألت النبي ◌َّ، فقال: في الَذْي الوضوء، وفي الَنِيّ الغسل))(١)
ولأحمد: ((إذا حَذَفْت الماء فاغتسل من الجنابة ، فإذا لم تكن حاذفاً
فلاتغتسل )).
وحديث أم سَلَمة: (( أن أم سُلَيم قالت: يا رسول الله، إن الله لا يسْتَجِي
من الحق ، فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت ؟ قال : نعم ، إذا رأت الماء ،
فقالت أم سلمة : وتحتلم المرأة ؟ فقال : تربت يداك فيما يُشْبهها ولدها !! ))(٢).
وليس في المذي والودي غسل ، وفيهما الوضوء ، وغسل الذكر، لقوله عليه
الصلاة والسلام: (( كل فحل یمذي، وفيه الوضوء)) (٣) .
٢ - التقاء الختانين(٤) ولو من غير إنزال :
أو الجنابة بمغيب حَشَفة (رأس الذكر ) أو قدرها من مقطوعها في فرج
(١) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائي، وأخرجه البخاري ومسلم من
حديث علي مختصراً. ومعنى ((حذفت)) أي رميت بشهوة، فالخارج لمرض أو برد لا يوجب الغسل ( نيل الأوطار :
١ / ٢١٨ ) .
(٢) متفق عليه. وقوله ((إذا رأت الماء)) أي المني بعد الاستيقاظ. وتربت يداك أي افتقرت ، ولا يراد ذلك
وإنما للزجر ( المرجع السابق : ص ٢١٩ ) .
(٣) أخرجه أبو داود وأحمد من حديث عبد الله بن سعد الأنصاري ، وأخرج إسحاق والطحاوي من حديث
علي نحوه ( نصب الراية: ١ / ٩٣ ) .
(٤)الختانان : موضع القطع من الذكر والفرج .
- ٣٦٢ -

مطيق للجماع ، قبلاً أو دبراً ، من ذكر أو أنثى ، طائع أو مكره ، نائم أو
يقظان .
ولو من غير بالغ عند الشافعية والحنابلة ، فلا يشترط التكليف ، فيجنب
الصبي والمجنون بالإيلاج ، ويجب عليهما الغسل عند الشافعية بعد الكمال ، ويصح
الغسل من مميز ويؤمر به كالوضوء . وأوجب الحنابلة على صغير ابن عشر وطئ ،
وبنت تسع وطئت الغسل والوضوء إذا أرادا ما يتوقف عليه الغسل كقراءة
القرآن ، أو الوضوء كالصلاة والطواف .
واشترط المالكية والحنفية : أن يكون الوطء من مكلف ( بالغ عاقل ) ،
فلا يجب الغسل على غير مكلف. ويندب عند المالكية في المعتمد الغسل للمراهق
والصغيرة التي وطئها بالغ ، وقال الحنفية : يمنع المراهق من الصلاة حتى يغتسل ،
و يؤمر به ابن عشر تأديباً .
ولا يشترط الإنزال بالاتفاق لأن حديث ((إنما الماء من الماء)) منسوخ
بالإجماع ، إلا أن الحنفية استثنوا وطء الميتة والبهيمة والصغيرة غير المشتهاة إذا لم
تزل بكارتها ، فلا يجب الغسل إلا بالإنزال ، فإن لم يوجد إنزال ولم تزل بكارة
الصغيرة فلا يجب الغسل ولا الوضوء ، وإنما يجب فقط غسل الذكر ؛ لأن هذا
الوطء غير مقصود في الطبع السليم(١) .
وقال الجمهور : يجب الغسل بوطء الميتة والبهية ، لأنه إيلاج في فرج كوطء
الآدمية في حياتها ، ووطء الآدمية الميتة داخل في عموم الأحاديث الآتية الموجبة
للغسل .
وسواء أكان الوطء عند المالكية والشافعية بحائل أم بغير حائل ، يوجب
(١) حاشية ابن عابدين: ١ / ١٥٤.
- ٣٦٣ -

الغسل ، إلا أن المالكية قالوا : الموجب للغسل فيما إذا لف الذكر بخرقة خفيفة
لاكثيفة . وقال الشافعية : يجب الغسل ولو كان على الذكر خرقة خفيفة أو
غليظة .
وقال الحنفية والحنابلة : لا يجب الغسل في حالة عدم الإنزال بإيلاج بحائل
كأن يلف على ذكره خرقة أو يدخله في كيس . واشترط الحنابلة والشافعية : أن
يكون الإيلاج في فرج أصلي ، فلا غسل بلا إنزال بإيلاج في غير أصلي كإيلاج
رجل في قبل الخنثى ، لعدم الفرج الأصلي بيقين ، أو إيلاج الخنثى ذكره في قبل
أو دبر بلا إنزال ، لعدم تغييب الحشفة الأصلية بيقين .
واشترط المالكية وغيرهم ؛ أن يكون الإيلاج في فرج مطيق ، فلا غسل في
حالة عدم الإنزال : يإيلاج بعض الحشفة أو بإيلاج في فرج غير مطيق أو مادون
الفرج كالتفخيذ والتبطين ، والتغييب بين الشفرين ، أو في هوى الفرج ،
والتصاق الختانين بدون إيلاج ، والسحاق ( إتيان المرأة المرأة ) ، كل ذلك لاغسل
فیه بلا إنزال ..
والأدلة على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين : قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً
فاطَّهروا) وأحاديث كثيرة: منها حديث ((إذا التقى الختانان فقد وجب
الغسل ، وإن لم ينزل))(١) وحديث ((إذا جلس بين شُعَبها الأربع ، ثم جَهَدها،
فقد وجب عليه الغسل))(٢) ولمسلم وأحمد: ((وإن لم ينزل)). وحديث ((إذا قعد
بين شعبها الأربع ، ثم مس الخِتانُ الختانَ ، فقد وجب الغسل))(٣). ولفظ
(١) رواه مسلم وابن ماجه عن عائشة وعبد الله بن عمرو، وهو حديث صحيح .
(٢) متفق عليه عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ١ / ٢١٩) وشعبها الأربع: قيل : يداها ورجلاها ، وقيل:
رجلاها وفخذاها ، وقيل : غير ذلك .
(٣) رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه ، عن عائشة ( المرجع السابق: ١ / ٢٢١).
- ٣٦٤ _

الترمذي: ((إذا جاوز الختانُ الختانَ ، وجب الغسل)» وحديث أبي بن كعب
قال: ((إن الفُتْيا التي كانوا يقولون: الماء من الماء : رُخْصة ، كان رسول الله
مَ ◌ّ رخص بها في أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعدها))(١)، وفي لفظ
للترمذي وصححه: (( إنما كان الماء من الماء ، رخصة في أول الإسلام ، ثم نهي
عنها)) فدل على أن حديث رافع بن خديج عند أحمد: ((الماء من الماء))
منسوخ . وبه يرد على الأنصار الذين كانوا يقولون : لا يجب الغسل بالإكسال
( أي من غير إنزال ) ، إذ إن هذه الأحاديث صريحة في إيجاب الغسل من التقاء
الختانين ، أنزل أو لم ينزل ، وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك . وليس المراد من
التقاء الختانين تجاورهما أو انضمامهما فقط ، وإنما مجاوزة الختان الختان ، فهو مجاز
أريد به الإيلاج أو إدخال الحشفة في الفرج ( القبل أو الدبر ) إذ الختانان محل
القطع في الختان ، وختان المرأة فوق مخرج البول ، ومخرج البول فوق مدخل
الذكر .
وصرح الحنابلة وغيرهم بأنه يعاد غسل الميتة الموطوءة .
٣، ٤ - الحيض والنفاس :
هذان يوجبان الغسل بالاتفاق ، أما الحيض فلقوله تعالى : ﴿ فاعتزلوا
النساء في المحيض﴾ ولخبر البخاري ومسلم أنه مُ التّ قال لفاطمة بنت أبي حبيش :
(( إذا أقبلت الحيضة ، فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي )).
وأما النفاس : فلأنه دم حيض مجتمع .
(١) رواه أحمد وأبو داود (المرجع السابق) وأما حديث رافع بن خديج: ((الماء من الماء)) عند أحمد ، ففيه
راو مجهول، والظاهر ضعف الحديث ( المرجع السابق: ١ / ٢٢٢).
- ٣٦٥ _

وانقطاع دم الحيض والنفاس شرط وجوب الغسل وصحته ، بدليل قوله
تعالى: ﴿ فإذا تطهرن فأتوهن﴾ يعني : إذا اغتسلن ، قيل: منع الزوج وطأها
قبل الغسل ، فدل على وجوبه عليها .
أما الولادة بلا بلل : فتوجب الغسل في المعتمد عند المالكية وفي المختار عند
الحنفية ، وفي الأصح عند الشافعية ، لأن المولود ولو كان عند الشافعية علقة أو
مضغة : مني منعقد ؛ ولأنه لا يخلو عن بلل غالباً ، فأقيم مقامه ، كالنوم مع الشيء
الخارج، وتفطر به المرأة . بخلاف مالو ألقت يداً أو رجلاً أو نحو ذلك ، فإنه
لا يجب عليها الغسل ، ولا تفطر به ، بل تتخير بين الغسل والوضوء .
وقال الحنابلة على الراجح : لا يجب الغسل بولادة عريت عن دم ؛ لأنه
لانص فيه ، ولاهو في معنى المنصوص ، فلا يبطل الصوم ، ولا يحرم الوطء بها قبل
الغسل ، ولا يجب الغسل بإلقاء علقة أو مضغة لأن ذلك ليس بولادة ، والولد
طاهر ، ومع الدم يجب غسله ، كسائر الأشياء المتنجسة .
ولا يجب الغسل بدم الاستحاضة ، لكن يندب إذا انقطع .
٥ - موت المسلم غير الشهيد :
يجب تعبدأ باتفاق المذاهب الأربعة على المسلمين وجوب كفاية غسل الميت
المسلم غير الشهيد، الذي لاجنابة منه، لقوله صلّ في الذي سقط عن راحلته
فمات: ((اغسلوه بماء وسِدْر، وكفّنوه في ثوبين))(١) فهو دليل على وجوب غسل
الميت ، وقد غسل النبي مَ الَّله، وأبو بكر بعده ، وتوارثه المسلمون .
(١) متفق عليه عن ابن عباس ( سبل السلام: ١ / ٩٢) والسدر: شجر النَّبق.
- ٣٦٦ -

٦ - إسلام الكافر ، ولو مرتداً أو مميزاً :
أوجب المالكية والحنابلة الغسل على الكافر إذا أسلم ، لحديث قيس بن
عاصم: (( أنه أسلم فأمره النبي ◌ُطائر أن يغتسل بماء وسدر))(١) .
وقال الحنفية والشافعية : إنه يستحب إذا لم يكن جنباً ، ويجزئه الوضوء ،
لأنه لم يأمر النبي ◌ُّ كل من أسلم بالغسل ، ولو كان واجباً لما خص بالأمر به
بعضاً دون بعض ، فيكون ذلك قرينة تصرف الأمر إلى الندب .
ويجب الغسل على الكافر إذا أسلم جنباً : للأدلة القاضية بوجوبه ، مثل
آية: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ ؛ لأنها لم تفرق بين كافر ومسلم .
خلاصة ما يوجب الغسل ومالا يوجبه :
هذه موجبات الغسل الستة عند الحنابلة . أما الأسباب السبعة عند الحنفية
فهي : خروج المني إلى ظاهر الجسد بشهوة ، وتواري حشفة أو قدرها من
مقطوعها في أحد سبيلي آدمي حي ، وإنزال المني بوطء ميتة أو بهيمة ، ووجود
ماء رقيق بعد النوم إذا لم يكن ذكره منتشراً قبل النوم ، ووجود بلل ظنه منياً
بعد إفاقته من سكر وإغماء ، وحيض ، ونفاس ، ثم أضافوا إليها : ويفترض
تغسيل الميت كفاية .
والأربعة عند المالكية : هي خروج المني ، ومغيب الحشفة ، والحيض ،
والنفاس .
والخمسة عند الشافعية : هي موت ، وحيض ، ونفاس ، وولادة بلا بلل في
(١) رواه الخمسة إلا ابن ماجه، ورواه أيضاً ابن حبان وابن خزيمة، وصححه ابن السكن (نيل الأوطار:
١ / ٢٢٤) .
- ٣٦٧ -

الأصح ، وجنابة بدخول حشفة أو قدرها فرجاً وبخروج مني من طريقه المعتاد
وغيره .
ثم قال الحنفية : عشرة أشياء لا يغتسل منها : مذي ، وودي ، واحتلام بلا
بلل ، وولادة من غير رؤية دم بعدها ، في قول أبي حنيفة ، والأصح كما أبان ابن
عابدين وجوب الغسل لها احتياطاً ، وإيلاج بخرقة مانعة من وجود اللذة على
الأصح ، وحقنة ، وإدخال أصبع ونحوه في أحد السبيلين ، ووطء بهية أو ميتة
من غير إنزال ، وإصابة بكر لم تُزل الإصابة بكارتها من غير إنزال .
ويلاحظ أنه إذا اجتمع شيئان يوجب الغسل ، كالحيض والجنابة ، أو التقاء
الختانين والإنزال ، أجزأه غسل واحد ، كما تنوب عند الجمهور نية الغسل عن
الوضوء لدخوله تحته ، بخلاف العكس ، وقال الحنابلة : لابد من نية الوضوء
أيضاً .
المطلب الثالث - فرائض الغسل :
ثبتت فرضية الغسل بالقرآن في قوله تعالى : ﴿ وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾
وقوله سبحانه: ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ماتقولون ، ولاجنباً
إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ﴾ .
صفة غسل النبي ◌ُ ◌ّ: وكيفية الغسل الكامل عرفت بالسنة : عن
عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله مطّ إذا اغتسل من الجنابة ، يبدأ
فيغسل يديه ، ثم يُفرغ بيمينه على شماله ، فيغسل فرجه ، ثم يتوضأ(١) ، ثم يأخذ
(١) أجمع العلماء على استحباب الوضوء قبل الغسل تأسياً برسول الله ◌ّ ته، ولأنه أعون على الغسل، وأهذب
فيه ( المغني: ١ / ٢١٩ ) .
- ٣٦٨ -

الماء ، فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم حَفَن على رأسه ثلاث حَفَنات(١)، ثم
أفاض الماء على سائر جسده ، ثم غسل رجليه))(٢).
وقد أوجب العلماء في الغسل ما يأتي(٣):
١ - تعميم الجسد : شعره وبشره بالماء الطهور:
هذا متفق عليه بين الفقهاء ، فيجب تعميم الشعر والبشرة بالماء مرة واحدة ،
حتى لو بقيت بقعة يسيرة لم يصبها الماء ، يجب غسلها ، ويجب تعهد مواطن
تجاعيد البدن ، كالشقوق التي في البدن أي التكاميش والسُّرة ، والإبطين وكل
ماغار من البدن، بصب الماء عليها، لقوله عظ ◌ّ من حديث أبي هريرة: ((إن
تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشَّعَرَ، وأَنْقُوا البَشَر)) (٤).
قال الحنفية : يجب غسل سائر البدن مما يمكن غسله من غير حرج لأذن
وسرة وشارب وحاجب وداخل لحية وشعر رأس ، وخارج فرج ، ولا يجب غسل
مافيه حرج كداخل عين وداخل قُلْفة ، والأصح أنه يندب عند الحنفية .
وهل يجب نقض ضفائر الشعر ؟ للعلماء آراء متقاربة : قال الحنفية :
يكفي بلُّ أصل الضغيرة(9) أي شعر المرأة المضفور ، دفعاً للحرج ، أما المنقوض ،
فيفرض غسله كله اتفاقاً ، ولو لم يبتل أصل الضغيرة بأن كان متلبداً أو غزيراً ،
(١) الحفنة : ملء الكف .
(٢) متفق عليه، واللفظ لمسلم ( سبل السلام: ١ / ٨٩) وروي مثله عن عائشة ، وعن ميمونة .
(٣) فتح القدير: ١ / ٣٨ وما بعدها، الدر المختار: ١ / ١٤٠ - ١٤٣، مراقي الفلاح: ص ١٧ ، اللباب: ١ /
٢٠، الشرح الصغير: ١ / ١٦٦ - ١٧٠، الشرح الكبير: ١ / ١٣٣ - ١٣٥، بداية المجتهد: ١ / ٤٢ وما بعدها ، القوانين
الفقهية: ص ٢٦، مغني المحتاج: ١ / ٧٢ وما بعدها، المهذب: ١ / ٣١ ومابعدها، المغني: ١ / ٢١٨ - ٢٢٩، كشاف
القناع: ١ / ١٧٣ - ١٧٧ .
(٤) رواه أبو داود والترمذي، وضعفاه ( سبل السلام: ١ / ٩٢ ).
(٥) الضفيرة : هي الذؤابة ، وهي الخصلة من الشعر، والضفر: فتل الشعر وإدخال بعضه في بعض .
الفقه الإسلامي جـ١ (٢٤)
- ٣٦٩ -

أو مضفوراً ضفراً شديداً لا ينفذ فيه الماء ، يجب نقضها مطلقاً، على الصحيح ،
لكن لو ضرها غسل رأسها تركته ، وقيل : تمسحه ، ولاتمنع نفسها عن زوجها .
ويجب عند الحنفية غسل داخل قُلْفة ، لا عسر في فسخها ، كما يجب نقض
ضفائر الرجل وغسل أصول الشعر مطلقاً .
وكذلك قال المالكية : لا يجب على المغتسل نقض مضفور شعره ، مالم يشتد
الضفر، حتى يمنع وصول الماء إلى البشرة ، أو يضفر بخيوط كثيرة تمنع وصول الماء
إلى البشرة ، أو إلى باطن الشعر .
ودليل الحنفية والمالكية : حديث أم سلمة ، قالت : يارسول الله ، إني امرأة
أشد شعر رأسي ، أفأنقضه لغسل الجنابة أو الحيضة ؟ فقال : لا إنما يكفيك أن
تَحْتِي على رأسك ثلاث حثَيات )»(١).
وقال الشافعية : يجب نقض الضفائر إن لم يصل الماء إلى باطنها إلا
بالنقض ، لكن يعفى عن باطن الشعر المعقود ، ولا يجب غسل الشعر النابت في
العين والأنف ، وإن كان يجب غسله من النجاسة . ويجب غسل الأظفار،
وما يظهر من صاخي الأذنين ، وما تحت القُلْفة من الأقلف ( غير المختون ) ،
بدليل حديث أبي هريرة المتقدم الدال على وجوب إيصال الماء إلى الشعر
والبشرة . وقيدوا حديث أم سلمة بحالة وصول الماء إلى الضفائر من غير نقض .
أما الإمام أحمد ففرق بين الحيض والجنابة ، وقال : تنقض المرأة شعرها
لغسلها من الحيض أو النفاس ، وليس عليها نقضه من الجنابة إذا أروت أصوله ،
عملاً في الجنابة بحديث أم سلمة . ودليل نقضه من الحيض . ماروت عائشة : أن
(١) رواه مسلم، لكن لفظه: ((أشد ضَفْر رأسي)) بدل ((شعر رأسي)) ( سبل السلام: ١ / ٩١).
- ٣٧٠ -

النبي ◌َّ اللّ قال لها إذ كانت حائضاً: ((خذي ماءك وسدرك وامتشطي)) (١)
ولا يكون المشط إلا في شعر غير مضفور، وللبخاري: ((انقضي رأسك
وامتشطي)) ولابن ماجه (« انقضي رأسك وامتشطي)) لكن قال ابن قدامة:
النقض من الحيض مستحب ، وهو الصحيح إن شاء الله ، وهو قول أكثر الفقهاء ؛
لأن في بعض ألفاظ حديث أم سلمة: (( أفأنقضه للحيض ؟ قال: لا)).
والخلاصة : أن المذاهب الأربعة متفقة على أن نقض الشعر غير واجب إن
وصل الماء لأصول الشعر لحديث أم سلمة المتقدم .
وإذا بقيت لُمْعة من الجسد لم يصبها الماء ، يجزئه غسلها ، والصحيح عند
الحنابلة أنه يجزئه ما يصيبها من بلل شعره في الغسلة الثانية أو الثالثة وجرى ماءه
على تلك اللمعة ، لأن غسلها بذلك البلل كغسلها بماء جديد ، مع مافيه من
الأحاديث. روى أحمد عن النبي ◌ُّه « أنه رأى على رجل موضعاً لم يصبه الماء،
فأمره أن يعصر شعره عليه )).
أما غسل بشرة الرأس : فواجب ، سواء أكان الشعر كثيفاً أم خفيفاً ،
وكذلك ماتحت الشعر كجلد اللحية وغيرها، لما روت أسماء: ((أنها سألت النبي
عَّ عن غسل الجنابة ، فقال: تأخذ إحداكن ماء، فتطهر، فتحسن الطهور
- أو تبلغ الطهور - ثم تصب على رأسها ، فتدلكه ، حتى تبلغ شؤون رأسها ، ثم
تفيض عليها الماء)) (٢).
وعن علي رضي الله عنه عن النبي الفر أنه قال: ((من ترك موضع شعرة من
جنابة لم يصبها الماء ، فعل الله به كذا وكذا من النار ، قال علي : فمن ثم عاديت
(١) رواه البخاري .
(٢) رواه مسلم .
- ٣٧١ -
%

شعري ، زاد أبو داود: وكان يجزّ شعره رضي الله عنه))(١)، ولأن ما تحت الشعر
بشرة أمكن إيصال الماء إليها من غير ضرر ، فلزمه كسائر بشرته .
وأما غسل المسترسل من الشعر : فواجب عند الشافعية ، لحديث أبي
هريرة السابق ((إن تحت كل شعرة جنابة))، ولأنه نابت في محل الغسل ، فوجب
غسله كشعر الحاجبين وأهداب العينين .
ولا يجب عند الحنفية والمالكية ، لحديث أم سلمة السابق في عدم نقض
الشعر، مع إخبارها إياه بشد ضفر رأسها ، ولأنه لو وجب بلُّه ، لوجب نقضه
ليعمه الغسل .
وعند الحنابلة وجهان : كالرأيين المذكورين ، أرجحهما الوجوب كالشافعية .
ويعركه عند صب الماء حتى يصل إلى البشرة فلا يجب إدخال أصابعه تحته ،
ويعرك بها البشرة . وكذا يجب عندهم تخليل أصابع الرجلين واليدين ، أما في
الوضوء فيندب تخليل أصابع رجليه ويجب تخليل أصابع اليدين ، ومن الفرائض
عند المالكية : تخليل شعره ولو كثيفاً ، سواء أكان شعر رأس أم غيره ، ومعنى
تخليله : أن يضمه .
٢ - المضمضة والاستنشاق : أوجب الحنفية والحنابلة المضمضة
والاستنشاق، عملاً بقوله تعالى: ﴿وإنْ كنتُمْ جُنُباً فاطَّهروا﴾ وبحديث (( ثم
تفيضين عليك الماء )) ففيهما طلب تطهير جميع البدن وتعميمه بالماء(٢).
(١) رواه أبو داود وأحمد ( نيل الأوطار: ١ / ٢٤٧).
(٢) وأما استدلال الحنفية بحديث في المضمضة والاستنشاق: (( إنها فرضان في الجنابة، سنّتان في الوضوء)) فهو
غريب ( نصب الراية : ١ / ٧٨ ) .
- ٣٧٢ -

وقال المالكية والشافعية: إنها سنة في الغسل كالوضوء لحديث: ((عشر من
الفطرة )) وذكر منها المضمضة والاستنشاق(١).
٣ - النية عند غسل أول جزء من البدن : أي نية فرض الغسل ، أو
رفع الجنابة أو الحدث الأكبر ، أو استباحة ممنوع مفتقر إليه ، كأن ينوي استباحة
الصلاة أو الطواف مما يتوقف على غسل ، فإن نوى ما لا يفتقر إليه كالغسل ليوم
العيد ، لم يصح . ومحل النية في القلب ، وتكون مقرونة بأول فرض : وهو أول
ما يغسل من البدن ، سواء أكان من أعلاه أم من أسفله ، إذ لا ترتيب فيه .
وأوجب الجمهور ( غير الحنفية) النية للغسل كالوضوء، للحديث: ((إنما
الأعمال بالنيات )) .
والابتداء بالنية عند الحنفية سنة ، ليكون فعله تقرباً يثاب عليه ،
كالوضوء .
أما التسمية فهي سنة عند الجمهور ، فرض عند الحنابلة كالوضوء ، لكنهم
ذكروا أن حكمها في الجنابة أخف ؛ لأن حديث التسمية إنما تناول بصريحه الوضوء
لا غير .
٤ - الدلك والموالاة والترتيب : اتفق الفقهاء على عدم إيجاب الترتيب في
الغسل ، فيصح البدء بأعلى الجسد أو بأسفله .
وأوجب المالكية دون غيرهم الدلك ولو بخرقة ، والموالاة إن ذكر وقَدَر
كالوضوء ، والدلك هنا: إمرار العضو على ظاهر الجسد ، يدأ أو رجلاً ، فيكفي
(١) رواه الجماعة إلا البخاري (نصب الراية: ١ / ٧٦).
- ٣٧٣ -

دلك الرِجْل بالأخرى ، ويكفي الدلك بظاهر الكف وبالساعد والعضد ، بل
يكفي بالخرقة عند القدرة ، باليد على الراجح : بأن يمسك طرفيها بيديه ،
ويدلك بوسطها ، أو بحبل كذلك ، ويكفي ولو بعد صب الماء وانفصاله عن
الجسد مالم يجف ، فإن تعذر الدلك ، سقط . ويكفي تعميم الجسد بالماء كما في
سائر الفرائض ، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها .
والموالاة فريضة كما في الوضوء ، فإن فرق عامداً بطل إن طال ، وإلا بنى
( كمل ) على مافعل بنية .
ولم يوجب غير المالكية الدلك والموالاة ؛ لأن الآية: ﴿فاطهروا ﴾
والأحاديث ليس فيها تعرض لوجوبها .
خلاصة فرائض الغسل في المذاهب :
اً - مذهب الحنفية : يفترض في الغسل أحد عشر شيئاً : غسل الفم ،
والأنف ، والبدن مرة ، وداخل قُلْفة لا عسر بلا مشقة في فسخها ، وسرة ، وثقب
غير منضم ، وداخل المضفور من شعر المرأة إن سرى الماء في أصوله ، وبشرة
اللحية ، وبشرة الشارب ، والحاجب ، والفرج الخارج ( الظاهر) ، لكن الأصح
أنه يندب غسل داخل القلفة ( الجلدة التي يقطعها الخاتن ) ولا يجب .
اً - مذهب المالكية : فرائض الغسل خمسة :
نية فرض الغسل ، أو رفع الحدث ، أو استباحة ممنوع ، بأول مفعول ، بأن
ينوي بقلبه أداء فرض الغسل ، أو ينوي رفع الحدث الأكبر ، أو رفع الجنابة ، أو
ينوي استباحة مامنعه الحدث الأكبر ، أو استباحة الصلاة مثلاً . وموالاة إن ذكر
وقدر كالوضوء ، وتعميم ظاهر الجسد بالماء ، ودلك ولو بعد صبه وإن بخرقة ،
وتخليل شعر وأصابع رجليه ويديه .
- ٣٧٤ -

اً - مذهب الشافعية: الواجب في الغسل ثلاثة أشياء:
النية ، وإزالة النجاسة إن كانت ، وإفاضة الماء على البشرة الظاهرة
وما عليها من الشعر حتى يصل الماء إلى ما تحته . ومازاد على ذلك سنة .
٤ - مذهب الحنابلة : واجبات الغسل :
إزالة مابه من نجاسة أو غيرها تمنع وصول الماء إلى البشرة إن وجد ، والنية ،
والتسمية ، وتعميم بدنه بالغسل حتى فمه وأنفه ، فتجب المضمضة والاستنشاق في
الغسل كالوضوء ، ويجب غسل ظاهر شعره وباطنه ، من ذكر أو أنثى ، مسترسلاً
كان أو غيره ، مع نقض الشعر لغسل حيض ونفاس ، لا غسل جنابة إذا رؤَّت
أصوله . ويجب غسل حشفة أقلف ( غير مختون ) إن أمكن تشميرها ، وغسل
ما تحت خاتم ونحوه ، فيحركه ليتحقق وصول الماء إلى ماتحته ، وغسل ما يظهر من
فرج المرأة عند قعودها لقضاء حاجتها ؛ لأنه في حكم الظاهر ، ولا يجب غسل
داخله ، ولاغسل داخل عين ، بل ولا يستحب ولو أمن الضرر . ولايجب الترتيب
ولا الموالاة في أعضاء الوضوء ؛ لأن الغسل يجزئ عنهما ، لأنها عبادتان دخلت
إحداهما في الأخرى ، فسقط حكم الصغرى ، كالعمرة مع الحج . ولا يجب الدلك
إذا تيقن أو غلب على ظنه وصول الماء إلى جميع جسده .
المطلب الرابع - سنن الغسل :
بينا كيفية غسل النبي ◌ّ وهو دليل لصفة الغسل الكامل الشامل للواجب
والسنة : وهو ما اجتمع فيه عشرة أشياء كما فهم الحنابلة (١) :
النية ، والتسمية ، وغسل يديه ثلاثاً ، وغسل مابه من أذى ، والوضوء ،
(١) المغني: ١ / ٢١٧. وانظر صفة الغسل الكامل عند المالكية: الشرح الكبير: ١ / ١٣٧، القوانين
الفقهية : ص ٢٦ .
- ٣٧٥ -

ويحثي على رأسه ثلاثاً يروي بها أصول الشعر ، ويفيض الماء على سائر جسده ،
ويبدأ بشقه الأيمن ، ويدلك بدنه بيده ، وينتقل من موضع غسله ، فيغسل
قدميه . ويستحب أن يخلل أصول شعر رأسه ولحيته بماء قبل إفاضته عليه .
وترتيب سنن الغسل التي يتحقق بها كماله على اختلاف المذاهب ما يأتي (١):
اً - البدء بغسل اليدين والفرج، وإزالة النجاسة إن كانت على بدنه ،
وينوي كما أبان الشافعية عند غسل القبل والدبر ، فيقول : نويت رفع الجنابة عن
هذين المکانین ومابينهما .
٢ - ثم يتوضأ وضوءه للصلاة . والأولى عند الحنفية تأخير غسل رجليه إن
كان المغتسل واقفاً في مكان يجتمع فيه الماء كالطَّست ، ثم يتنحى عن ذلك المكان
ويغسلهما ، وإلا قدمه إذا كان مثلاً واقفاً على لوح أو قبقاب أو حجر . وبالوضوء
تتحقق المضمضة والاستنشاق الواجبان عند الحنفية والحنابلة .
ويمسح عند المالكية صاخ أذنيه أي تقبيهما، ولا يبالغ فإنه يضر السمع ، وأما
ظاهرهما وباطنها فمن ظاهر الجسد ، يجب غسله عندهم .
٣ - ثم يتعهد عند الشافعية معاطف جسده ، كأن يأخذ الملء بكفه ، فيجعله
على المواضع التي فيها انعطاف والتواء ، كالأذنين ، وطبقات البطن ، وداخل
السرة ؛ لأنه أقرب إلى الثقة بوصول ا# ، ويتأكد ذلك في الأذن ، فيأخذ كفاً
من ماء ، ويضع الأذن عليه برفق ، ليصل الماء إلى معاطفه وزواياه ويتفقد تحت
حلقه ، وإبطيه ، وحالبيه ( وهما العرقان اللذان يكتنفان السرة ) .
(١) فتح القدير: ١ / ٣٩ وما بعدها، الدر المختار: ١ / ١٤٠ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص ١٧، اللباب: ١ /.
٢١، الشرح الكبير: ١ / ١٣٥ - ١٣٧، الشرح الصغير: ١ / ١٧٠، القوانين الفقهية: ص ٢٦، المهذب: ١ / ٣١،
مغني المحتاج: ١ / ٧٣ ومابعدها ، المغني: ١ / ٢١٧، كشاف القناع: ١ / ١٧٣ - ١٧٦ .
- ٣٧٦ _

٤ - ثم يفيض الماء على رأسه ويخلله ، وسائر جسده ، ثلاثاً ، بادئاً بشقه
الأيمن ثم الأيسر، لما تقدم أنه مؤلف: ((كان يعجبه التين في طهوره )) ، وتخليل
شعره وتفقد أصوله لحديث ((تحت كل شعرة جنابة)) ويسن أن يدلك بدنه
بيديه ؛ لأنه أنقى ، وبه يتيقن وصول الماء إلى مغابنه وجميع بدنه ، وبه يخرج من
خلاف من أوجبه وهم المالكية .
ويكفي الظن في الإسباغ أي في وصول الماء إلى البشرة ؛ لأن اعتبار اليقين
حرج ومشقة .
قال الحنفية : ولو انغمس في الماء الجاري أو ما في حكمه ومكث ، فقد أكمل
السنة .
وقال المالكية : يجزئ غسل الجنابة عن غسل الوضوء بنية رفع الحدث الأكبر
ولو لم ينو الأصغر إذا لم يحصل له ناقض من مس ذكر أو غيره ، وكذلك قال
الشافعية على المذهب : يكفي الغسل ، سواء أنوى الوضوء معه أم لا .
وقال الحنابلة : يجزئ الغسل عن الوضوء بعد أن يتمضمض ويستنشق وينوي
به الغسل والوضوء ، وكان تاركاً للأفضل والأولى .
وتسن عند غير المالكية الموالاة في الغسل بين غسل جميع أجزاء البدن ،
لفعله علىاللّه . وعند المالكية: هي فرض.
كما يسن الترتيب بالبداءة بالرأس، ثم بالمنكب الأيمن ، ثم الأيسر. ولا يجب
الترتيب بالاتفاق ؛ لأن البدن شيء واحد ، بخلاف أعضاء الوضوء ، وبناء عليه لو
ترك لمعة في الجسد أو محل جبيرة أعاد غسلها فقط دون مابعدها .
أما نقض الضفائر فلايجب عند المالكية مالم يشتد ، ولا يجب في الجنابة
- ٣٧٧ _

ويجب في الحيض في رأي الحنابلة ، ولا يجب للمرأة إن سرى الماء في أصوله ،
ويجب للرجل مطلقاً عند الحنفية .
ويجب لدى الشافعية إن لم يصل الماء إلى باطن الشعر ، كما بينا قريباً . وفي
الجملة يسن نقض الضفائر لحديث عائشة: أن النبي ◌َ ◌ّ قال لها وكانت حائضاً:
(( انقضي شعرك واغتسلي))(١) .
ويسن عند الحنابلة سدر في غسل كافر أسلم ، لحديث قيس بن عاصم
السابق: (( أنه أسلم، فأمره النبي ظافر أن يغتسل بماء وسدر))(٢) ، ويسن له إزالة
شعره، فيحلق رأسه، إن كان رجلاً ، ويأخذ عانته وإبطيه مطلقاً، لقوله مح له
لرجل أسلم: ((ألق عنك شعر الكفر، واختتن)) (٣) ويختتن الكافر إذا أسلم وجوباً
بشرط كونه مكلفاً ، وألا يخاف على نفسه منه .
ويسن عند الحنابلة أيضاً سدر في غسل حيض ونفاس ، لحديث عائشة
المتقدم: أن النبي ◌ٍُّ قال لها: ((وإذا كنت حائضاً، خذي ماءك وسدرك
وامتشطي))(٤) وروت أسماء أنها (( سألت النبي ◌ُّ عن غسل الحيض ، فقال :
تأخذ إحداكن ماءها وسدرها ، فتطهر))(٥) .
ويسن عند الشافعية والحنابلة : أن تتبع المرأة غير المحرمة بنسك ، أو المحدّة
(المعتدة ) (٦) أثر دم الحيض والنفاس مِسْكاً أو طيباً، أو ماء ، فتجعله في قطنة أو
غيرها كخرقة ، وتدخله فرجها بعد غسلها ، ليقطع رائحة الحيض أو النفاس ، لما
(١) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (نيل الأوطار: ١ / ٢٤٩).
(٢) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه .
(٣) رواه أبو داود .
(٤) رواه البخاري .
(٥) رواه مسلم .
(٦) أما المحرمة فيحرم عليها الطيب بأنواعه ، وأما المحدّة : فلاتتطيب في فترة العدة.
- ٣٧٨ _

روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: (( أن امرأة جاءت إلى النبي جافو تسأله
عن الغسل عن الحيض ، فقال : خذي فِرْصة(١) من مسك ، فتطهري بها ،
فقالت : كيف أتطهر بها ؟ فقال مُاللّ: سبحان الله ، واستتر بثوبه ، تطهري
بها ، فاجتذبتها عائشة ، فعرفتها أنها تتبع بها أثر الدم » ويكره تر که بلاعذر .
ولا يسن تجديد الغسل ؛ لأنه لم ينقل فيه شيء ، ولما فيه من المشقة ، بخلاف
الوضوء فيسن تجديده إذا صلى بالأول صلاة ما .
مقدار ماء الغسل والوضوء : ويسن عند الشافعية والحنابلة : ألا
ينقص ماء الوضوء عن مُدّ تقريباً : وهو رطل وثلث بغدادي ، ويساوي
( ٦٧٥ ) ثم ، وألا ينقص ماء الغسل عن صاع تقريباً، وهو أربعة أمداد ،
ويساوي ( ٢٧٥١) غم أو (٢٧٠٠ ) غم، لحديث مسلم عن سُفَينة: ((أنه مُ الإِ كان
يغسله الصاع ، ويوضئه المد)) (٢) .
ولاحدَّ لأقل ماء الوضوء والغسل ، فلو نقص عن ذلك وأسبغ كفى ، روى
أبو داود والنسائي: ((أنه معَ ◌ّ توضأ ياناء فيه قدر ثلثي مدّ)) ولأن الله تعالى أمر
بالغسل ، وقد فعله ، ولم يكره ، والإسباغ في الوضوء والغسل : تعميم العضو
بالماء ، بحيث يجري عليه ، ولا يكون مسحاً ، لقوله تعالى: ﴿فاغسلوا
وجوهكم .. ﴾ والمسح ليس غسلاً. فإن مسح العضو بالماء، أو أمرِ الثلج عليه ، لم
تحصل الطهارة به ؛ لأن ذلك مسح لاغسل ، إلا أن يكون الثلج خفيفاً فيذوب ،
ويجري على العضو ، فيجزئ ، لحصول الغسل المطلوب . وإن زاد على المد في
(١) الفرصة: بكسر الفاء: قطعة من صوف أو قطن أو خرقة. والرواية ((خذي فرصة ممسكة فتطهري بها))
أي مطيبة بالمسك .
(٢) ورواه أيضاً أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه. وروي في معناه أحاديث كثيرة ( نيل الأوطار: ١ /
٢٥٠ وما بعدها ) .
- ٣٧٩ _

الوضوء والصاع في الغسل جاز، بدليل قول عائشة: (( كنت أغتسل أنا والنبي
عَ ◌ّ من إناء واحد من قدح يقال: الفَرَق))(١) والفرق ستة عشر رطلاً عراقياً .
وقال الحنفية والمالكية : لا تقدير للماء الذي يتطهر به في الغسل والوضوء
لاختلاف أحوال الناس ، ويراعي المغتسل حالاً وسطاً من غير إسراف ولا تقتير .
آداب الغسل : فرق المالكية والحنفية بين سنن الغسل وآدابه أو فضائله .
فقال المالكية(٢) : سننه خمس : وهي غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء ،
والمضمضة والاستنشاق ، ومسح داخل الأذنين ، وتخليل أصول شعر الرأس بإدخال
الأصابع تحته . أما تخليل الشعر بدون إدخال الأصابع تحته فهو أحد فرائض
الغسل عندهم كما بينا .
وقد أوجب الحنفية والحنابلة المضمضة والاستنشاق . وأوجب الشافعية تخليل
شعر الرأس .
وفضائله خمس : التسمية ، والغرف على الرأس ثلاثاً ، وتقديم الوضوء ،
والبداءة بإزالة الأذى قبل الوضوء ، والبدء بالأعالي والميامن .
وقال الحنفية(٢) : يسن في الاغتسال اثنا عشر شيئاً : الابتداء بالتسمية،
والنية ، وغسل اليدين إلى الرسغين ، وغسل نجاسة لو كانت بانفرادها ، وغسل
فرجه ، ثم يتوضأ كوضوئه للصلاة ، فيثلث الغسل ويمسح الرأس ، ولكنه يؤخر
غسل الرجلين إن كان يقف في محل يجتمع فيه الماء ، ثم يفيض الماء على بدنه
(١) متفق عليه (نيل الأوطار: ١ / ٢٥١).
(٢) القوانين الفقهية: ص ٢٦، الشرح الصغير: ١ / ١٧٠ ومابعدها .
(٣) مراقي الفلاح : ص ١٧ .
- ٣٨٠ _
.