Indexed OCR Text

Pages 301-320

لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)) (١) إلا أنه إذا نسيه عند المضمضة في الوضوء
فيندب للصلاة . وهو لدى الشافعية والحنابلة سنة مستحبة عند كل صلاة ،
لحديث أبي هريرة السابق برواية الجماعة: (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم
بالسواك عند كل صلاة )» وسنة أيضاً عند الوضوء بعد غسل الكفين وقبل المضضة
ولتغير الفم أو الأسنان ، بنوم أو أكل أو جوع أو سكوت طويل أو كلام كثير ،
لحديث حذيفة: (( كان رسول الله مَ ◌ّ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك))(٢)
أي يدلكه بالسواك ، وقيس بالنوم غيره بجامع التغير .
وكما أنه يتأكد للصلاة ولتغير الفم واصفرار الأسنان ، يتأكد أيضاً لقراءة
قرآن ، أو حديث شرعي ، ولعلم شرعي ، ولذكر الله تعالى ، ولنوم ويقظة ،
ولدخول منزله ، وعند الاحتضار(٣)، وفي السحر ، وللأكل ، وبعد الوتر،
وللصائم قبل الظهر(٤) . وأضاف الشافعية : ويسن التخلل قبل السواك وبعده
ومن آثار الطعام .
وأدلة ذلك: ماروى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن عائشة: ((كان النبي
عّ لٍّ إذا دخل بيته بدأ بالسواك)) وروى ابن ماجه عن أبي أمامة: ((إني
(١) رواه البخاري تعليقاً، والنسائي، وابن خزيمة في صحيحه، وصححه الحاكم عن أبي هريرة ، ورواه
الطبراني في الأوسط عن علي بن أبي طالب بإسناد حسن .
(٢) رواه الجماعة إلا الترمذي عن حذيفة، ولفظ الصحيحين: ((كان النبي ◌َ ◌ّ إذا قام من النوم يشوص فاه
بالسواك)» ( نيل الأوطار: ١ / ١٠٥)
(٣) ويقال: إنه يسهل خروج الروح، وورد: ((إن السواك شفاء من كل داء إلا السام)) أي الموت ( الشرح
الصغير: ١ / ١٢٦ ) .
(٤) فتح القدير: ١ / ١٥ وما بعدها، اللباب: ١ / ١٤، الشرح الصغير: ١ / ١٢٤ - ١٢٦، المجموع : ١ /
٣٢٩ - ٣٤٢، الشرح الكبير: ١ / ١٠٢ ومابعدها، مغني المحتاج: ١ / ٥٥ وما بعدها، المهذب: ١ / ١٣، المغني : ١ /
٩٥ - ٩٧ ، كشاف القناع: ١ / ٧٨ - ٨١ .
- ٣٠١ -

لأستاك، حتى لقد خشيت أن أُحفي مقادم في))(١) وعن عائشة: ((كان رسول
الله عَ فٍّ لا يرقد من ليل أونهار، فيستيقظ، إلا تسوك، قبل أن يتوضأ))(٢)،
ولأن النوم والأكل ونحوهما يغير رائحة الفم ، والسواك مشروع لإزالة رائحته
وتطييبه .
ويكره عند الشافعية والحنابلة : السواك للصائم بعد الزوال أي من وقت
صلاة الظهر إلى أن تغرب الشمس، لخبر الصحيحين: ((لُخُلوف (٣) فم الصائم أطيب
عند الله من ريح المسك )) وأطيبية الخلوف تدل على طلب إبقائه ، فكرهت
إزالته ، وتزول الكراهة بالغروب ؛ لأنه ليس بصائم الآن ، واختصاصه بما بعد
الزوال لأن تغير الفم بالصوم إنما يظهر حينئذ .
ولا يكره عند المالكية والحنفية السواك للصائم مطلقاً لعموم الأحاديث
السابقة الدالة على استحباب السواك، وقول النبي مؤ لم: ((من خير خصال
الصائم السواك))(٤) وقال ربيعة بن عامر: ((رأيت رسول الله ملقم مالا أحصي
يتسوك، وهو صائم ))(٥) قال الشوكاني : الحق أنه يستحب السواك للصائم أول
النهار وآخره ، وهو مذهب جمهور الأئمة .
ثالثاً - كيفيته وأداته :
يستاك الشخص بيده اليمنى مبتدئاً بالجانب الأيمن ، عرضاً في الأسنان ( أي
(١) أي خشيت أن ترق ثناياي .
(٢) رواه أحمد وأبو داود .
(٣) الخلوف: تغير رائحة الفم، والخلوف بعد الزوال لخبر: ((أعطيت أمتي في شهر رمضان خمساً ، ثم قال :
وأما الثانية فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك » والمساء : بعد الزوال .
(٤) رواه ابن ماجه عن عائشة .
(٥) رواه أحمد والترمذي وقال : هذا حديث حسن ، ورواه أصحاب السنن وابن خزيمة وعلقه البخاري ( نيل
الأوطار: ١ / ١٠٧ ).
- ٣٠٢ -

ظاهراً وباطناً ) من ثناياه إلى أضراسه ، ويذهب إلى الوسط ثم الأيسر، وطولاً
في اللسان، لحديث عائشة أن النبي عَ لفز ((كان يحب التيامن في تنعله وترجله
وطُهوره ، وفي شأنه كله))(١) ولخبر: ((إذا استكتم فاستاكوا عرضاً))(٢)، ويجزئ
الاستياك في الأسنان طولاً ، لكن مع الكراهة ؛ لأنه قد يدمي اللثة ، ويفسد
لحم الأسنان .
أما اللسان فيسن أن يستاك فيه طولاً ، كما ذكره ابن دقيق العيد مستدلاً
بخبر في سنن أبي داود(٣) .
وقال الحنابلة : يبدأ من أضراس الجانب الأيمن بيساره . ويحصل الاستياك
بعود ليِّن من نخل أو غيره ، ينقي الفم ، ولا يجرحه ولا يضره ولا يتفتت فيه
كالأراك والفرشاة، والأفضل أن يكون من أراك ، ثم من النخل ، ثم ذو الريح
الطيب ثم اليابس المندى بالماء ، ثم العود . ولا يكره بسواك الغير إذا أذن وإلا
حرم ، روى أبو داود عن عائشة قالت: (( كان رسول الله عَ اقّ يستنُّ، وعنده
رجلان ، أحدهما أكبر من الآخر ، فأُوحي إليه في فضل السواك ( أن كبّر ) أعط
السواك أكبرهما )).
ويحصل أيضاً بالإصبع عند عدم السواك في رأي الحنفية والمالكية ، قال علي
رضي الله عنه : التشويص بالُسبّحة والإبهام سواك ، وروى البيهقي وغيره من
حديث أنس يرفعه: (( يجزي من السواك الأصابع ))(٤) وروى الطبراني عن عائشة
(١) متفق عليه .
(٢) رواه أبو داود في مراسيله .
(٣) عن أبي بردة عن أبيه، قال: ((أتينا رسول الله وَّ نستحمله، فرأيته يستاك على لسانه)) ( سنن أبي
داود: ١ / ١٢ ، الإلمام لابن دقيق العيد: ص ١٦ ).
(٤) تكلم فيه المحدثون، ورواه أيضاً ابن عدي والدارقطني ( نيل الأوطار: ١ / ١٠٦ ، نصب الراية :
١ / ١٠ ) .
- ٣٠٣ -

رضي الله عنها ، قالت : قلت : يارسول الله ، الرجل يذهب فوه ، يستاك ؟
قال : نعم ، قلت : كيف يصنع ؟ قال : يدخل أصبعه في فيه ، فيدلكه))(١) .
ولا يحصل السواك بالأصبع في الأصح عند الشافعية ، والحنابلة ، كما لا يحصل
بخرقة عند الحنابلة ، ويصح بكل خشن عند الشافعية ؛ لأن استعمال الإصبع
لا يسمى استياكاً ، ولم يرد الشرع به ، ولا يتحقق به الإنقاء الحاصل بالعود .
ويغسل السواك بالماء بعد استعماله ليزيل ماعليه، قالت عائشة: ((كان نبي
الله ◌ُ الّ يستاك ، فيعطيني السواك لأغسله ، فأبدأ به فأستاك ، ثم أغسله وأدفعه
(٢)
إليه ))(٢) .
ولا يستاك بعود الرمان ولا الآس ولا الريحان ولا الأعواد الذكية الرائحة ؛
لأنها تضر بلحم الفم ، ولا يحصل الإنقاء بها ، ولم يرد بها الشرع، قال النبي مدافعٍ :
(( لا تخللوا بعود الريحان، ولا الرمان، فإنهما يحركان عرق الجذام))(٣).
ولا يستاك أيضاً بقصب الشعير ولا بعود الحلفاء ونحوهما من كل ما يضر أو
يجرح ؛ ولأنهما يورثان الأكلة أو البرص .
ولا يتسوك ولا يتخلل بما يجهله ، لئلا يتضرر منه.
ويقول إذا استاك: ((اللهم طهر قلبي، ومحِّص ذنوبي))(٤) .
(١) فيه رأو ضعيف ( مجمع الزوائد: ٢ / ١٠٠) وروى أحمد عن علي أنه دعا بكوز من ماء، فغسل وجهه
وكفيه ثلاثاً ، وتمضض ثلاثاً ، فأدخل بعض أصابعه في فيه .. )) وفيه دلالة على أنه يجزئ التسوك بالإصبع ( نيل
الأوطار : ١ / ١٠٦ ) .
(٢) رواه أبو داود ( سنن أبي داود: ١ / ١٣).
(٣) رواه محمد بن الحسين الأزدي الحافظ بإسناده عن قبيصة بن ذؤيب .
(٤) استحب بعضهم أن يقول في أول السواك : اللهم بيض به أسناني ، وشدّ به الثاني، وثبّت به لهاتي ، وبارك
لي ياأرحم الراحمين . قال النووي: وهذا لابأس به، وإن لم يكن له أصل ، فإنه دعاء حسن ( مغني المحتاج :
١ / ٥٦ ) .
- ٣٠٤ -

وقال بعض الشافعية : وينوي به الإتيان بالسنة .
ولا يكره السواك في المسجد ، لعدم الدليل الخاص بالكراهة .
ويكره أن يزيد طول السواك على شبر، في البيهقي عن جابر قال: ((كان
موضع سواك رسول الله وَ التّ موضع القلم من أذن الكاتب)).
رابعاً - فوائد السواك :
ذكر العلماء من فوائد السواك : أنه يطهر الفم ، ويرضي الرب ، ويبيض
الأسنان ، ويطيب النكهة ، ويسوِّي الظهر ، ويشد اللثة ، ويبطئ الشيب ،
ويصفي الخلقة ، ويذكي الفطنة ، ويضاعف الأجر ، ويسهل النزع ، ويذكر
الشهادة عند الموت(١) . ونحو ذلك، مما يصل إلى بضع وثلاثين فضيلة، نظمها
الحافظ ابن حجر (٢) .
ويوصي الأطباء المعاصرون باستعمال السواك لمنع نخر الأسنان ، والقَلَح
( الطبقة الصفراء على الأسنان ) ، والتهابات اللثة والفم ، ومنع الاختلاطات
العصبية والعينية والتنفسية والهضمية ، بل ومنع ضعف الذاكرة وبلادة الذهن ،
وشراسة الأخلاق .
ما يلحق بالسواك من سنن العادات الحسنة ( سنن الفطرة ) :
ورد في السنة النبوية أحاديث تبين مجموعة حسنة من الآداب أو السنن
الدينية المرتبطة بنظافة أجزاء الإنسان من أشعار وأظفار ونحوها ، يحسن ذكرها
كما وردت ، ثم تشرح وتوضح على طريقة الفقهاء .
(١) راجع مغني المحتاج : ١ / ٥٧ .
(٢) انظر حاشية الصاوي على الشرح الصغير للدردير: ١ / ١٢٥ .
- ٣٠٥ -
الفقه الإسلامي جـ ١ (٢٠)

ومن أهم هذه الأحاديث اثنان : الأول ذكر فيه خمس خصال من الفطرة ،
والثاني ذكر فيه عشر خصال :
سنن الفطرة الخمس :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله مؤلٍّ: خمس من
الفطرة : الاستحداد ، والختان ، وقص الشارب ، ونتف الإبط ، وتقليم
الأظفار))(١) .
والاستحداد : هو حلق العانة ، وهو سنة بالاتفاق ، ويكون بالحلق ،
والقص ، والنتف ، والنورة (الكلس) . قال النووي: والأفضل الحلق . والمراد
بالعانة : الشعر النابت حول فرج الرجل ، أو فرج المرأة .
والخِتَان : قطع جميع الجلدة التي تغطي حشفة ذكر الرجل ، حتى ينكشف
جميع الحشفة . وفي المرأة قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج . ويسمى
ختان الرجل إعذاراً ، وختان المرأة : خفضاً ، فالخفض للنساء كالختان للرجال .
ويستحب أن يكون في اليوم السابع من الولادة ، والأظهر أنه يحسب يوم
الولادة . وهو سنة للرجل ، مكرمة للمرأة عند الحنفية والمالكية ، لحديث :
((الختان سنة في الرجال، مكرمة في النساء))(٢).
وواجب عند الشافعية للذكر والأنثى ، وللذكر فقط عند الحنابلة ومكرمة
للنساء لاواجب عندهم، لقوله مع قّ لرجل أسلم: ((ألق عنك شعر الكفر،
(١) رواه الجماعة ( نيل الأوطار: ١ / ١٠٨ وما بعدها).
(٢) رواه أحمد والبيهقي من حديث الحجاج بن أرطاة ، وهو مدلس ، وفيه اضطراب ، وقال عنه البيهقي :
هو ضعيف منقطع ( نيل الأوطار: ١ / ١١٣) ورواه الخلال بإسناده عن شداد بن أوس .
- ٣٠٦ -

واختتن))(١) ولخبر أبي هريرة أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((من أسلم فليختتن))(٣) وفي
حديث آخر لأبي هريرة: (( اختتن ابراهيم خليل الرحمن بعدما أتت عليه ثمانون
سنة، واختتن بالقَدُّوم)) (٣) أي آلة النجارة، ولأنه من شعار المسلمين ، فكان
واجباً كسائر شعاراتهم .
والدليل على أنه مكرمة لا واجب للنساء عند الحنابلة: حديث: ((الختان
سنة للرجال، ومكرمة للنساء)) وحديث ((أشّي ولاتنهكي))(٤) وفي حديث أم
عطية: ((إذا خَفَضْتِ فَأَشِّي)).
وقص الشارب : هو سنة بالاتفاق . والقاص مخير بين أن يتولى ذلك
بنفسه ، أو يوليه غيره ، لحصول المقصود ، بخلاف الإبط والعانة .
والمراد به عند الشافعية والمالكية : التقصير بأن يؤخذ من الشارب حتى
يبدو أطراف الشفة، وهو معنى حديث ((احْفُوا الشوارب وأرْخوا اللحى،
خالفوا المجوس))(٥) أو ((جزوا الشوارب)).
ويراد به عند الحنفية: الاستئصال، لظاهر الحديث السابق: ((احفوا
وانهكُوا )) .
(١) رواه أبو داود من حديث عثيم ، وفيه مقال .
(٢) ذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص الجبير، ولم يضعفه ، وتعقب بقول ابن المنذر: ليس في الختان خبر
يرجع إليه ، ولاسنة تتبع .
(٣) متفق عليه ( نيل الأوطار: ١ / ١١١ ).
(٤) روي عن جابر بن زيد موقوفاً عليه أن النبي ◌َّمٍ قال للخافضة: الخاتنة ((أشِّ ولا تَنْهكي)) أي اقطعي
بعض النواة ولا تستأصليها .
(٥) رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة، وفي معناه روى أحمد والشيخان عن ابن عمر: ((خالفوا المشركين ،
وفّروا اللَّحى، وأحفوا الشوارب)) وروى أحمد والنسائي والترمذي وقال: حديث صحيح عن زيد بن أرقم: ((من لم
يأخذ من شاربه فليس منا)) ( نيل الأوطار: ١ / ١١٤ وما بعدها ).
- ٣٠٧ -

ويخير عند الحنابلة بين القص والإحفاء ، والحف أولى نصاً .
أما إرخاء أو إعفاء اللحية : فهو تركها وعدم التعرض لها بتغيير ، وقد
حرم المالكية والحنابلة حلقها ، ولا يكره أخذ مازاد على القبضة ، ولا أخذ ماتحت
حلقه ، لفعل ابن عمر(١) .
ويكره حلقها تحريماً عند الحنفية ، ويكره عند الشافعية ، فقد ذكر النووي
في شرح مسلم عشر خصال مكروهة في اللحية ، منها حلقها ، إلا إذا نبت للمرأة
لحية ، فيستحب لها حلقها .
ونتف الإبط : هو سنة بالاتفاق أيضاً .
وتقليم الأظافر : هو سنة بالاتفاق أيضاً .
ويستحب في كل ماسبق البدء بالجانب الأيمن ، لحديث التين المتقدم ،
وفيه: ((كان يعجبه التين في تنعله وترجله وطهوره ، وفي شأنه كله)) .
خصال الفطرة العشر :
عن عائشة رضي الله عنها ، قالت: قال رسول الله عَل الي: عشر من الفطرة:
قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والسَّواك ، واستنشاق الماء ، وقص الأظفار ،
وغسل البَرَاجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وانتقاص الماء يعني الاستنجاء ،
قال الراوي مصعب بن شيبة : ونسيت العاشرة ، إلا أن تكون المضمضة))(٢) وقال
النووي عن العاشرة : لعلها الختان ، وهو أولى .
(١) كان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته، فما فضل أخذه ( المرجع السابق ) .
(٢) رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي عن عائشة ، ورواه أبو داود من حديث عمار، وصححه ابن السكن
قال الحافظ ابن حجر: وهو معلول . ورواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس موقوفاً ( نيل الأوطار:
١ / ١١٠) .
- ٣٠٨ -

وقد سبق بيان هذه الخصال في الحديث السابق وفي سنن الوضوء ، أما غسل
البراجم : فهو سنة مستقلة ليست بواجبة ، والبراجم : عقد الأصابع ومعاطفها
كلها . قال العلماء : ويلحق بالبراجم : ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن ،
وقعر الصماخ ، فيزيله بالمسح ونحوه .
وأما انتقاص الماء فهو الاستنجاء ، وفي رواية : الانتضاح : وهو نضح الفرج
بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس .
آراء الفقهاء في خصال الفطرة :
بناء على ماورد في الحديثين السابقين وغيرهما قال الفقهاء(١) :
اً - الطيب والظفر والكحل : يسن الادهان في بدن وشعر غِبَّاً: يوماً
فيوماً ، والاكتحال وترا في كل عين قبل النوم ، والوتر : ثلاثة في العين الينى ،
وثلاثة في اليسرى ، وتقليم الأظفار بادئاً - كما يرى الشافعية - بسبابة يده اليمنى
إلى الخنصر، ثم الإبهام، ثم خنصر اليسرى إلى الإبهام . ويستحب غسل رؤوس
الأصابع بعد قص الأظافر تكميلاً للنظافة ، وينبغي دفن الشعر والأظافر وإن
رمى به فلابأس . وقطع الظفر بالأسنان مكروه يورث البرص .
والدليل لما سبق بالترتيب: أنه عليه السلام ((نهى عن الترجل إلا غِبَّاً))(٢).
وروى ابن عباس عن النبي مؤ لّ أنه ((كان يكتحل بالإِثْمِد (حجر للكحل
(١) المغني: ١ / ٨٥ - ٩٤، كشاف القناع: ١ / ٨٢ - ٩١، الحضرمية: ص ٩، الفتاوى الهندية: ٥ /.
٣٦٧ _ ٣٧٠ .
(٢) رواه الخمسة إلا ابن ماجه ، وصححه الترمذي عن عبد الله بن المغفَّل (نيل الأوطار: ١ / ١٢٣)،
والترجل: تسريح الشعر ودهنه، وروى أحمد عن أبي أيوب مرفوعاً: ((أربع من سنن المرسلين: الجِنّاء، والتعطر ،
والسواك، والنكاح)) وعن أنس: قال الرسول ◌َّ: ((حبب إلي من الدنيا: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في
الصلاة)) رواه النسائي وأحمد وابن أبي شيبة، وفيه ضعيف، والمرسل أشبه بالصواب ( نيل الأوطار: ١ / ١٢٧ ).
- ٣٠٩ -

معروف ) ، كل ليلة ، قبل أن ينام ، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال))(١).
وتقليم الأظفار من سنن الفطرة ، في الحديثين السابقين . والمرأة تتطيب في
بيتها ، وتمنع من الطيب في غير بيتها لأنه يؤدي إلى الفتنة والفساد . قال
الحنفية : قلم الأظفار سنة إلا في دار الحرب فإن تركها مندوب إليه .
٣ - الانتعال وإطالة الثياب : يكره بلا عذر المشي في نعل واحد للنهي
الصحيح عنه ، ولئلا يختل توازنه ومشيه ، كما يكره الانتعال قائماً للنهي الصحيح
عنه ، ولأنه يخشى منه السقوط .
ويكره إطالة العَذَبة ( طرف العمامة ) والثوب والإزار عن الكعبين ، لا
للخيلاء ، وإلا حرم . ولا يكره إرسال العَذَبة ولا عدمه، كما لا يكره للمرأة إرسال
ثوبها على الأرض ذراعاً .
٣ - الختان : سنة عند الحنفية والمالكية ، واجب عند الشافعية وواجب
للذكر ومكرمة للنساء عند الحنابلة ، كما بينا في شرح الحديث السابق . ويجب
للذكر والأنثى في رأي الحنابلة عند البلوغ مالم يخف على نفسه ، لقول ابن
عباس: ((وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك))(٢).
والختان في الصغر أفضل منه عند التمييز، لأنه أسرع برءاً.
ويكره الختان قبل اليوم السابع من الولادة .
ويجوز أن يختن نفسه إن قوي عليه وأحسنه ، لأنه قد روي أن ابراهيم عليه
السلام ختن نفسه .
(١) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه .
(٢) رواه البخاري .
- ٣١٠ -

٤ - الشعر: يسن الامتشاط غِبّاً كالادهان ، ويفعله كل يوم لحاجة لخبر أبي
قتادة عند النسائي . واللحية كالرأس في ذلك .
ويسن قص الشارب وإعفاء اللحية ونتف الإبط ، لأنها من خصال الفطرة
في الحديث السابق . ويكون ذلك مع تقليم الأظفار وحلق العانة يوم الجمعة ،
وقيل : يوم الخميس ، وقيل : يخير . ويدفن الشعر والظفر والدم ، لما ثبت عن
النبي لةٍ (١) .
ويفعل ما ذكر كل أسبوع، لأن النبي معرواية ((كان يأخذ أظفاره وشاربه كل
جمعة)) (٢) فالأفضل أن يقلم أظفاره ويحفي شاربه ويحلق عانته وينظف بدنه
بالاغتسال في كل أسبوع مرة
ويكره ترك التقليم ، والحلق لشعر الرأس والعانة ، والنتف فوق أربعين
يوماً ، ويستحب حلق الرأس في كل جمعه ، ويكره القزع وهو أن يحلق البعض
ويترك البعض قطعاً مقدار ثلاثة أصابع ، وعن أبي حنيفة : يكره أن يحلق قفاه
إلا عند الحجامة . وحلق الشعر وقص الأظفار حال الجنابة مكروه .
وكان هديه ◌َ التّ في حلق رأسه : تركه كله أو حلقه كله ، ولم يكن يحلق
بعضه ويدع بعضه. ويسن أن يغسله ويسرحه متيامناً لحديث (( من كان له شعر
فليكرمه))(٣) قال ابن عبد البر: أجمع العلماء في جميع الأمصار على إباحة الحلق
أي حلق الذكر رأسه ولو لغير نسك وحاجة .
(١) روى الخلال باسناده عن مثلة بنت مشرح الأشعرية، قالت: ((رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها، ويقول:
رأيت النبي ◌َ ◌ّ يفعل ذلك)) وعن ابن جريج عن النبي ◌َّ قال: ((كان يعجبه دفن الدم)) وكان ابن عمر يدفن
شعره وأظفاره ( كشاف القناع: ١ / ٨٤ وما بعدها ، المغني: ١ / ٨٨) وروى الديلمي في مسند الفردوس عن علي في
حديث ضعيف: (( قص الظفر ونتف الإبط وحلق العانة يوم الخميس ، والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة)).
(٢) رواه البغوي بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ( كشاف القناع ، المكان السابق )
(٣) رواه أبو داود، وإسناده حسن ( نيل الأوطار: ١ / ١٢٣ )
- ٣١١ -

ويكره نتف الشيب، لحديث ((نهى رسول الله طلّ عن نتف الشيب،
وقال : إنه نور الإسلام )) (١) . ويكره أيضاً نتف اللحية إيثاراً للمرودة ، ويكره
القَزَع: وهو حلق بعض الرأس للنهي عنه ، ويكره حلق القفا منفرداً عن الرأس
إذا لم يحتج إليه لحجامة أو غيرها ، لأنه من فعل المجوس . ويخضب الشيب بحمرة
أو صفرة ، اتباعاً للسنة(٢)، ويكره أو يحرم بسواد إلا في حالة الحرب الإرهاب
الكفار .
وللمرأة المزوجة أن تخضب يديها ورجليها بالحنَّاء إن أحب ذلك زوجها .
ويكره للمرأة حلق رأسها وقصه من غير عذر، قال عكرمة: ((نهى النبي
◌َالتٍّ أن تحلق المرأة رأسها))(٣)، فإن كان ثَمَّ عذر كقروح لم يكره . ويحرم حلقها
رأسها لمصيبة كلطم خد وشق ثوب .
ة - التزين: لا بأس من النظر في المرآة، ويقول حينئذ: ((اللهم كما
حسَّنت خَلْقي ، فحسِّن خُلُقي ، وحرِّمْ وجهي على النار))(٤) .
ويكره ثقب أذن صبي ، لا بنت نصاً ، لحاجتها للتزين بخلافه .
ويحرم مص ( وهو نتف الشعر من الوجه ) ، ووَشْر ( أي برد الأسنان لتحدد
وتفلج وتحسن ) ، ووشم (وهو غرز الجلد بإبرة ثم حشوه كحلاً ) ، ووصل شعر
بشعر، لقوله ◌َ التّ: ((لعن الله الواشمات والمستوشمات ، والنامصات والمتنمصات،
(١) رواه الخلال من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وروى أيضاً من حديث طارق بن حبيب:
((من شاب شيبة في الإسلام، كانت له نوراً يوم القيامة)» (المغني: ١ / ٩١)
(٢) رواه أحمد وغيره ( المغني: ١ / ٩١ وما بعدها )
(٣) رواه الخلال باسناده عن قتادة عن عكرمة .
(٤) لخبر أبي هريرة، رواه أبو بكر بن مردويه، والخلق الأول : الصورة الظاهرة ، والثاني : الصورة الباطنة
- ٣١٢ -

والمتفلجات للحسن ، المغيرات خلق الله))(١) أي الفاعلة ، والمفعول بها ذلك
بأمرها ، واللعنة على الشيء تدل على تحريمه ؛ لأن فاعل المباح لا تجوز لعنته .
وعلى هذا فلا يجوز وصل شعر المرأة بشعر آخر لهذا الحديث ، وأما وصله بغير
الشعر : فإن كان بقدر ما تشد به رأسها فلا بأس به ، لأن الحاجة داعية إليه ،
ولا يمكن التحرز منه ، كذلك لا يحرم في الأصح ما يزيد عن الحاجة إن كان فيه
مصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مضرة . وقال مالك : الوصل ممنوع بكل
شيء، سواء وصلته بشعر أو صوف أو خرق لحديث جابر: ((أن النبي مُ لّ زجر
أن تصل المرأة برأسها شيئاً))(٢).
وقد فصل الشافعية والحنابلة أمر وصل الشعر ، فقالوا : إن وصلت المرأة
شعرها بشعر آدمي ، فهو حرام بلا خلاف ، سواء أكان شعر رجل أم امرأة ،
وسواء أكان شعر قريب محرم أم زوج أم غيرهما لعموم الأدلة ، ولأنه يحرم
الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته ، بل يدفن شعره وظفره وسائر
أجزائه .
وإن وصلته بشعر غير آدمي : فإن كان شعراً نجساً، وهو عندهم : شعر الميتة
وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حياته ، فهو حرام أيضاً للحديث ، ولأنه
(١) رواه الجماعة عن ابن مسعود، ورواه الجماعة أيضاً عن ابن عمر: ((لعن الله الواصلة والمستوصلة ، والواشمة
والمستوشمة)) وهما صحيحان ( نيل الأوطار: ٦ / ١٩٠) والواصلة: هي التي تصل شعر امرأة بشعر امرأة أخرى، لتكثر
به شعر المرأة . والمستوصلة : هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك ، ويقال لها: موصولة. والوشم حرام على الفاعل
والمفعول به . والمتنمصات : جمع متنمصة: وهي التي تطلب نتف الشعر من وجهها ، والنامصة : المزيلة شعرها من نفسها
أو من غيرها ، والمتفلجات جمع متفلجة وهي التي تبرد ما بين أسنانها والثنايا والرباعيات . قال الطبري : لا يجوز
للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص ، التماس الحسن ، لا للزوج ولا لغيره ، كمن تكون
مقرونة الحاجبين ، فتزيل ما بينهما توهم البلج وعكسه ( تحفة الأحوذي بشرح الترمذي : ١ / ٦٧ )
(٢) نيل الأوطار: ١ / ١٩١
- ٣١٣ -

حمل نجاسة في صلاتها وغيرها عمداً . وهاتان الحالتان يستوي فيهما المرأة المزوجة
وغيرها من النساء ، والرجال .
وأما الشعر الطاهر من غير الآدمي : فإن لم يكن لها زوج فهو حرام أيضاً ،
وإن كان لها زوج يجوز لها في الأصح بإذن الزوج ، وإلا فهو حرام .
وأما نتف الشعر ( النَّمْص ) فهو حرام مطلقاً ، إلا إذا نبت للمرأة لحية أو
شوارب ، فلا يحرم إزالتها ، بل يستحب ، كما قال النووي وغيره .
والتحريم المذكور في الحديث إذا كان لقصد التحسين ، لا لداء وعلة ، فإنه
ليس بمحرم . والمحرم فقط هو نتف الشعر من الوجه ، وللمرأة حلق الوجه وحفه
نصاً ، ولها تحسين شعرها وتحميره ونحوه من كل ما فيه تزيين للزوج ، ولها
التحذيف : أي إرسال الشعر الذي بين العذار والنزعة ، ويكره ذلك ، كما يكره
حف الوجه للرجل .
وينبني على ذلك أنه يحرم قلع سن زائدة أو إصبع زائدة أو عضو زائد ؛ لأنه
من تغيير خلق الله ، قال القاضي عياض : إلا أن تكون هذه الزوائد مؤلمة
ويتضرر بها ، فلا بأس بنزعها ، واستثنى الطبري ما يحصل به الضرر والأذية ،
كالسن الزائدة أو الطويلة التي تعوق في الأكل أو الأصبع الزائدة التي تؤذي أو
تؤلم ، سواء للمرأة أو للرجل(١) .
ويكره كسب الماشطة ككسب الحمامي ، ويحرم على النساء التشبه بالمردان ،
كما يحرم على المردان التشبه بالنساء .
٦ - تغطية الإناء : يسن تخمير الإناء أي تغطيته ، ولو بعود ، لحديث :
(١) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: ١ / ٦٨
- ٣١٤ -

((أوك سقاك، واذكر اسم الله، وخَّر إناءك ، واذكر اسم الله ، ولو أن تعرض
عليه عوداً))(١) وحكمة وضع العود : أن يعتاد تخميره ولا ينساه ، وربما كان سبباً
لرد دبيب بحباله، أو بمروره عليه . ويسن مع ذكر اسم الله إيكاء السقاء ( أي
ربط فى وعاء الماء ) إذا أمسى ، للخبر السابق .
٧ - النوم : يسن إغلاق الباب وإطفاء المصباح عند الرقاد ، وإطفاء الجمر
عند الرقاد مع ذكر اسم الله ، للحديث السابق . وينفض الفراش عند إرادة
النوم ، ويسن وضع يده اليمنى تحت خده الأيمن ، ويجعل وجهه نحو القبلة على
جنبه الأيمن ، ويتوب إلى الله تعالى، ويقول ما ورد: (( باسمك ربي وضعت
جنبي ، وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فاغفر لي ، وإن أرسلتها فاحفظها بما
تحفظ به عبادك الصالحين »
ويستحب قراءة سورة السجدة ( الّم ) ، وسورة الملك ( تبارك ) ، روى
الإمام أحمد والترمذي والخلال عن جابر أنه مؤلّ كان يفعل ذلك أي الدعاء
والقراءة. ويستحب أيضاً قراءة آخر سورة البقرة: ((آمن الرسول)) وآية الكرسي
والمعوذتين وسورة الإخلاص ، وإذا استيقظ من النوم نظر في السماء وقرأ آخر آل
عمران : ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ .
ويكره النوم على سطح ليس عليه حاجز ، لنهيه عليه السلام(٢) ، وخشية
أن يتدحرج ، فيسقط عنه .
ويكره نومه على بطنه وعلى قفاه(٣)، إن خاف انكشاف عورته .
(١) متفق عليه .
(٢) رواه الترمذي من حديث جابر
(٣) قال بعضهم في الآداب الكبرى : النوم على القفا رديء يضر الإكثار منه بالبصر، وبالمني ، وإن استلقى
للراحة بلا نوم لم يضر. وأردأ من ذلك النوم منبطحاً على وجهه .
- ٣١٥ -

ويكره النوم بعد العصر الحديث: (( من نام بعد العصر ، فاختل عقله ، فلا
يلومن إلا نفسه))(١) ، والنوم بعد الفجر ، لأنه وقت قسم الأرزاق ، كما ثبت في
السنة ، والنوم تحت السماء متجرداً من ثيابه مع ستر العورة فقط ، والنوم بين قوم
مستيقظين ؛ لأنه خلاف المروءة ، والنوم وحده لحديث ((نهى عن الوحدة ، وأن
يبيت الرجل وحده)) (٢)، كما يكره السفر وحده، لخبر ((الواحد شيطان))(٣).
والنوم والجلوس بين الظل والشمس ، لنهيه عليه السلام عنه(٤) ، وفي الخبر:
أنه مجلس الشيطان .
ويكره ركوب البحر عند هيجانه ، لأنه مخاطرة .
وتستحب القائلة(٥) أو القيلولة : أي الاستراحة وسط النهار، وإن لم يكن
مع ذلك نوم ، شتاء أو صيفاً .
ويقرأ عند الميت ( يَس ) لحديث عند أبي داود وغيره ، ويقرأ عند المريض
الفاتحة والإخلاص والمعوذتين مع النفخ في اليدين ويمسحه بها ، كما ثبت في
5
الصحيحين ، ويقرأ الكهف يوم الجمعة وليلتها .
وسيأتي في بحث الحظر والإباحة مزيد بيان لأحوال الإنسان وعاداته في
اللبس واستعمال الأواني والنظر واللمس واللهو والطعام والشراب .
(١) رواه أبو يعلى الموصلي عن عائشة ، لكنه حديث ضعيف
(٢) رواه أحمد عن ابن عمر مرفوعاً ، وهو حديث حسن
(٣) رواه الحاكم عن أبي هريرة: ((الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب)) وهو صحيح
(٤) رواه أحمد
(٥) القائلة لغة : النوم في الظهيرة .
- ٣١٦ -

المبحث الثالث - المسح على الخفين
معناه ومشروعيته ، كيفيته ومحله ، وشروطه ، مدته ، مبطلاته ، المسح
على العمامة ، المسح على الجوارب ، المسح على الجبائر .
أولاً - معنى المسح على الخفين ومشروعيته :
المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين في الوضوء ، ومعناه لغة : إمرار
اليد على الشيء . وشرعاً: إصابة اليد المبتلة بالماء ( البلَّة ) لخف مخصوص في
موضع مخصوص ، وفي زمن مخصوص . والخف شرعاً : الساتر للكعبين فأكثر من
جلد ونحوه ، والموضع الخصوص : ظاهر الخفين لا باطنها ، والزمن الخصوص :
هو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر(١) . ولم يحدد المالكية مدة
للمسح كما سيأتي بيانه ، كما أن الإمامية لم يقدروا مدة المسح بيوم ولا ثلاثة أيام .
وصفة المسح : أنه شرع رخصة ، وهو جائز في المذاهب الأربعة في السفر
والحضر، للرجال والنساء(٢) ، تيسيراً على المسلمين، وبخاصة في وقت الشتاء
والبرد ، وفي السفر، ولأصحاب الأعمال الدائمة كالجنود والشرطة والطلاب
المواظبين على العمل في الجامعات ونحوهم .
وقد ثبتت مشروعيته بالسنة النبوية في طائفة من الأحاديث منها :
١ - حديث علي رضي الله عنه قال: « لو كان الدين بالرأي ، لكان أسفل
الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله مَ الِ يمسح على ظاهر خفيه))
وقال علي أيضاً: ((جعل رسول الله التّ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً
(١) الدر المختار: ١ / ٢٤٠ وما بعدها.
(٢) بداية المجتهد : ١ / ١٧، القوانين الفقهية: ص ٣٨ ، مراقي الفلاح : ص ٢١
- ٣١٧ -

:
وليلة للمقيم)) (١) .
٢ - حديث المغيرة بن شعبة، قال: كنت مع النبي صَ لّه(٢)، فتوضأ،
فأهويت لأنزع خفيه ، فقال : دعهما ، فإني أدخلتها طاهرتين ، فمسح
(٣)
عليهما))(٣).
٣ - حديث صفوان بن عَسَّال، قال: أمرنا ، يعني النبي مَ الزّ أن نمسح على
الخفين ، إذا نحن أدخلناهما على طُهْر ، ثلاثاً إذا سافرنا ، ويوماً وليلة إذا أقمنا ،
ولا نخلعهما من غائط ولا بول، ولا نخلعها إلا من جنابة» (٤).
٤ - حديث جرير ، أنه بال ثم توضأ ، ومسح على خفيه ، فقيل له : تفعل
هكذا؟ قال: ((نعم رأيت رسول الله عَ ◌ّ بال، ثم توضأ ومسح على خفيه))(٥).
ومن المعروف أن إسلام جرير كان بعد نزول سورة المائدة التي فيها آية الوضوء .
قال النووي في شرح مسلم : وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون
من الصحابة . وصرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر ، وجمع بعضهم
رواته ، فجاوزوا الثمانين ، منهم العشرة المبشرون بالجنة . وقال الإمام أحمد : فيه
أربعون حديثاً عن الصحابة مرفوعة . وقال الحسن : حدثني سبعون من أصحاب
رسول الله ◌َ اللّ أن رسول الله كان يمسح على الخفين(١) والقول بالمسح قول أمير
(١) الحديث الأول : أخرجه أبو داود والدارقطني بإسناد حسن ، وقال ابن حجر: إنه حديث صحيح.
والثاني أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه ( سبل السلام: ١ / ٥٨ - ٦٠، نيل الأوطار: ١ / ١٨٤ ).
(٢) أي في سفر، كما صرح به البخاري ، وعند مالك وأبي داود : السفر في غزوة تبوك
(٣) متفق عليه ( سبل السلام: ١ / ٥٧ ، نيل الأوطار: ١ / ١٨٠)
(٤) رواه أحمد وابن خزيمة ، والنسائي والترمذي، وصححه الترمذي وابن خزيمة ، ورواه الشافعي وابن ماجه
وابن حبان والدارقطني والبيهقي ، وقال البخاري: إنه حديث حسن ( نيل الأوطار: ١ / ١٨١ ، سبل السلام:
١ / ٥٩ )
(٥) متفق عليه ، ورواه أبو داود ( نيل الأوطار: ١ / ١٧٦ )
(٦) أخرجه عنه ابن أبي شيبة
- ٣١٨ -

المؤمنين علي رضي الله عنه وسعد بن أبي وقاص وبلال وحذيفة وبريدة وخزيمة
ابن ثابت وسلمان وجرير البجلي وغيرهم .
وقد أنكر الشيعة الإمامية والزيدية والخوارج مشروعية المسح على
الخفين(١) ، والأدق أن يقال: إن الإمامية لا يجيزون المسح مع الاختيار،
ويجيزونه للضرورة عند الخوف والتَّقية ، أما الخوارج فلا يجوز عندهم ولو
لضرورة .
واستدلوا على رأيهم بأدلة لا تخلو من مناقشة ، بل هي واهية ، منها :
١ - إنه منسوخ بآية الوضوء في سورة المائدة التي لم يذكر فيها المسح على
الخفين، وإنما قال تعالى: ((وأرجلكم إلى الكعبين )) فعينت الآية مباشرة الرجلين
بالماء .
قال علي كرم الله وجهه : سبق الكتاب الخفين ، وقال ابن عباس : ما مسح
رسول الله وَ التّ بعد المائدة . ورد : بأن الوضوء ثابت قبل نزول المائدة بالاتفاق ،
فإن كان المسح على الخفين ثابتاً قبل نزولها ، فورودها بغسل الرجلين ، أو
مسحهما على رأي الإمامية دون التعرض للمسح ، لا يوجب نسخ المسح على
الخفين . وإن كان المسح غير ثابت قبل نزولها فلا نسخ قطعاً . ثم إن إسلام
جرير راوي الحديث السابق كان بعد نزول المائدة كما بينا ، وقد رأى الرسول
عليه السلام يمسح على خفيه ، ومن شرط النسخ تأخر الناسخ .
والخلاصة: أن آية الوضوء نزلت في غزوة الْمُرَيسيع، ومسحه مَ كُّ في غزوة
تبوك(٢) ، فكيف ينسخ المتقدم المتأخر ؟ !
(١) نيل الأوطار: ١ / ١٧٦ - ١٧٨، كتاب الخلاف في الفقه للطوسي عند الإمامية: ١ / ٦٠ - ٦١، شامل
الأصل والفرع عند الإباضية من الخوارج للشيخ محمد بن يوسف أطْفَيِّش: ١ / ٢١١ ، سبل السلام: ١ / ٥٧
وما بعدها .
(٢) غزوة المريسيع أو غزوة بني المصطلق وقعت في شعبان في السنة السادسة من الهجرة ، وحدث اللقاء على =
- ٣١٩ -

وأما قول علي فيما أخرجه عنه ابن أبي شيبة ، فهو منقطع ، وكذا ما روي
عن ابن عباس ، مع أنه مخالف ما ثبت عنهما من القول بالمسح ، وعارض حديثهما
ما هو أصح منهما ، وهو حديث جرير البجلي .
٢ - الأخبار الواردة بمسح الخفين نسخت بآية المائدة التي ذكر فيها الوضوء.
والجواب : أن الآية عامة مطلقاً باعتبار حالتي لبس الخف وعدمه ، فتكون
أحاديث الخفين مخصصة أو مقيدة ، فلا نسخ ، وتلك الأحاديث متواترة كما بينا ،
فتصلح مخصصة بالاتفاق ، أي أن قوله تعالى ((وأرجلكم )) مطلق قيدته أحاديث
المسح على الخف ، أو عام خصصته تلك الأحاديث .
٣ - لم يذكر المسح على الخفين في أحاديث الوضوء، وإنما فيها كلها الأمر
بغسل الرجلين ، دون ذكر المسح، وفيها بعد غسل الرجلين: « لا يقبل الله
الصلاة من دونه)) وقوله عليه السلام لمن لم يغسل عقبه: («ويل للأعقاب من
النار)) .
والجواب : أن غاية ما اشتملت عليه الأحاديث الأمر بالغسل ، دون حصر
ولا قصر ينفي مشروعية غيره ، ولو كان فيها ما يدل على الغسل فقط ، لكانت
مخصصة بأحاديث المسح المتواترة. وأما لفظ ((لا يقبل الله الصلاة بدونه)) فلم
يثبت من وجه يعتد به. وأما حديث (( ويل للأعقاب من النار)) فهو وعيد لمن
مسح رجليه ، ولم يغسلهما ، ولم يرد في المسح على الخفين .
وهو لا يشمل المسح على الخفين ، لأنه يدع رجله كلها ، ولا يدع العقب
فقط . ثم إن أحاديث المسح مخصصة للماسح من ذلك الوعيد .
= ماء يقال له ((المريسيع)) من ناحية قديد إلى الساحل . وغزوة تبوك أو غزوة العسرة حدثت في رجب من التاسعة
للهجرة .
- ٣٢٠ -