Indexed OCR Text

Pages 281-300

حديث: (( توضؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم )) (١) . وعلق
الحنابلة على ذلك بقولهم : إن وجوب الوضوء من أكل لحم الجزور تعبُّد لا يعقل
معناه ، فلا يتعدى إلى غيره ، فلا يجب الوضوء بشرب لبنها ومرق لحمها وأكل
كبدها وطحالها وسنامها وجلدها وكرشها ونحوه .
وقال الجمهور غير الحنابلة : لا ينقض الوضوء بأكل لحم الجزور ، لما رواه
جابر قال: ((كان آخر الأمرين من رسول الله صل ترك الوضوء مما مست
النار))(٢) ولأنه مأكول كسائر المأكولات .
والراجح لدي رأي الجمهور ؛ لأن جمهور فقهاء الأمصار بعد الصدر الأول
اتفقوا على سقوط الأمر بإيجاب الوضوء من أكل ما مسته النار ، إذ صح عندهم أنه
عمل الخلفاء الأربعة ، بل إن الحنابلة أنفسهم أخذوا بحديث الجمهور وقالوا : لا
نقض بأكل ما مسته النار .
١٠ً - غسل الميت: ينتقض الوضوء عند أكثر الحنابلة بغسل الميت(٣) أو
بعضه ، سواء أكان المغسول صغيراً أم كبيراً ، ذكراً أم أنثى ، مسلماً أم كافراً ، لما
روي عن ابن عمر وابن عباس ، وأبي هريرة ، فقد روي عن ابن عمر وابن عباس
((أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء)) وقال أبو هريرة: (( أقل ما فيه
الوضوء))، ولأن الغالب فيه أنه لا يسلم أن تقع يده على فرج الميت .
وقال أكثر الفقهاء وهو الصحيح : لا وضوء من غسل الميت ، إذ لم يرد فيه
(١) رواه أحمد وصححه هو واسحق، وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َ ◌ّ مثل ذلك (راجع
نيل الأوطار : ٢٠٠/١)
(٢) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه .
(٣) لكن لا ينتقض الوضوء بحمل الميت عندهم ، خلافاً لما هو شائع في بعض الكتب .
- ٢٨١ -

1
نص شرعي ، ولا هو في معنى المنصوص عليه ، ولأنه غسل آدمي ، فأشبه غسل
الحي .
وما أحسن ما ذكره ابن رشد عن النواقض الثلاثة الأخيرة ، فقال : شذ أبو
حنيفة فأوجب الوضوء من الضحك في الصلاة لمرسل أبي العالية ... الخ وشذ قوم
فأوجبوا الوضوء من حمل الميت ، وفيه أثر ضعيف : (( من غسل ميتاً فليغتسل ،
ومن حمله فليتوضأ )» وذهب قوم من أهل الحديث : أحمد واسحق وطائفة غيرهم :
أن الوضوء يجب فقط من أكل لحم الجزور ، لثبوت الحديث الوارد بذلك عنه عليه
الصلاة والسلام))(١) .
١١ - الشك في الوضوء: قال المالكية في المشهور من المذهب : من تيقن
الطهارة أو ظنها ، ثم شك في الحدث ، فعليه الوضوء ، وإن تيقن الحدث وشك في
الطهارة فعليه الوضوء ؛ لأن الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين .
وقال الجمهور غير المالكية وهو الأولى : لا ينتقض الوضوء بالشك ، فمن
تيقن الطهارة وشك في الحدث ، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على
اليقين ، وهو الطهارة في الأولى ، والحدث في الثانية ، لحديث عبد الله بن زيد
قال: ((شُكي إلى النبي ◌َ ◌ّ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة ؟ فقال:
لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً))(٢)، ولأنه إذا شك تعارض عنده
الأمران ، فيجب سقوطهما ، كالبينتين إذا تعارضتا ، تساقطتا ، ويرجع إلى
اليقين. وبناء عليه قرر الفقهاء قاعدة عامة وهي: ((اليقين لا يزول بالشك)).
١٢ - ما يوجب الغسل : قال الحنابلة: ينتقض الوضوء بكل ما يوجب
(١) بداية المجتهد : ٣٩/١
(٢) متفق عليه ، بل رواه الجماعة إلا الترمذي . ولمسلم بمعناه مرفوعاً من حديث أبي هريرة ، ولم يذكر فيه :
((وهو في الصلاة)).
- ٢٨٢ -

الغسل غير الموت ، فإنه يوجب الغسل ولا يوجب الوضوء . ومن موجبات
الغسل : التقاء الختانين ، وانتقال المني ، وإسلام الكافر أصلياً كان أو مرتداً ، فإذا
عاد المرتد إلى الإسلام ، وجب عليه الغسل ، وإذا وجب الغسل وجب الوضوء .
وينتقض الوضوء بالردة ، لأنها محبطة للعمل ومنه الوضوء والغسل . وهذا يوافق
رأي المالكية ولا ينتقض الوضوء بالردة عند الحنفية والشافعية .
تعليق على النواقض :
هذه النواقض مشتركة بين الماسح على الخفين وغيره . وهناك نواقض
خاصة ، كبطلان طهارة المسح على الخفين ونحوهما من الجوارب بانتهاء مُدَّته
وبخلع حائله ، وكانتقاض طهارة المستحاضة ونحوها كسلس البول بخروج
الوقت ، وطهارة المتيم بوجود الماء ونحوها ، تبحث في مباحثها الخاصة بها .
ولا نقض بكلام محرَّم ، كالكذب والغيبة والقذف والسب ونحوها ، بل
يستحب الوضوء منه ، ولا نقض بإزالة شعر وأخذ ظفر ونحوهما .
خلاصة نواقض الوضوء في المذاهب :
١ - مذهب الحنفية :
ينقض الوضوء اثنا عشر شيئاً : ما خرج من السبيلين إلا ريح القبل في
الأصح ، وولادة من غير رؤية دم ، ونجاسة سائلة من غير السبيلين كدم وقيح
وقيء طعام أو ماء أو عَلَق ( دم متجمد من المعدة ) ، أو مِرَّة ( صفراء ) إذا ملأ
الفم : وهو مالا ينطبق عليه الفم إلا بتكلف على الأصح ، ويجمع متفرق القيء
إذا اتحد سببه(١) ، وينقضه دم غلب على البزاق أو ساواه ، ونوم مضطجعاً ، أو
(١) هذا هو رأي محمد وهو الأصح. واتحاد السبب هو الغَثَيان: وهو أمر حادث في مزاج الإنسان منشؤه تغير
طبعه من إحساس النتن المكروه .
- ٢٨٣ -

متكئاً أومستندا إلى شيء لو أزيل لسقط ( أي نوم لم تتمكن فيه المقعدة من
الأرض ) ، وارتفاع مقعدة نائم على الأرض قبل انتباهه ، وإن لم يسقط على
الأرض ، وإغماء ، وجنون ، وسكر ، وقهقهة بالغ يقظان في صلاة ذات ركوع
وسجود ، ولو تعمد الخروج بها من الصلاة ، ومس فرج بذكر منتصب لا حائل .
ولا ينقض الوضوء عشرة أشياء : دم لم يسل عن محله ، وسقوط لحم من غير
سيلان دم ، وخروج دودة من جرح وأذن وأنف ، ومس ذكر، ومس امرأة ،
وقيء لا يملأ الفم ، وقيء بلغم ولو كثيراً ، وتمايل نائم احتمل زوال مقعدته ، ونوم
متمكن ولو مستنداً إلى شيء ، لو أزيل سقط ، ونوم مُصَلِّ ولو راكعاً أو ساجداً.
٢ - مذهب المالكية :
النواقض ثلاثة : الأحداث، والأسباب ، والارتداد والشك .
والأحداث : هي الخارج المعتاد من السبيلين وهي ثمانية أشياء : البول ،
والغائط ، والريح بصوت وبغير صوت ، والودي ( وهو ماء أبيض خاثر يخرج
بأثر البول ) ، والمذي ( وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند الالتذاذ ) ، والهادي
( وهو الماء الذي يخرج من فرج المرأة عند ولادتها ) ، ودم الاستحاضة ونحوه :
وهو سلس البول إن خرج أحياناً : بأن لم يلازم الخروج نصف زمن أوقات
الصلاة أو أكثر، فإن لازم نصف زمن أوقات الصلاة أو أكثر فلا ينقض ، ومني
الرجل الخارج من فرج المرأة بعد أن اغتسلت(١).
ولا ينقض الخارج غير المعتاد كالدم والقيح والحصى والدود ، ولا الخارج من
غير المخرج المعتاد كخروج ريح أو غائط من القبل ، أو خروج بول من الدبر ،
(١) الأحداث الثانية : اثنان من الدبر: وهما الغائط والريح ، وستة من القبل: وهي البول والمذي والودي
والمني في بعض أحواله ، والهادي ، ودم الاستحاضة ونحوه كالسلس إن خرج أقل من نصف زمن الصلاة .
- ٢٨٤ -

ولا المني بغير لذة معتادة : بأن كان بغير لذة أصلاً ، أو لذة غير معتادة كمن حك
لجرب أو هزته دابة فأمنى . أما ما خرج بلذة معتادة من جماع أو لمس أو فكر
فموجب للغسل .
ولا ينقض البول أو الغائط أو الريح الخارج من ثقبة فوق المعدة ، سواء
انسد المخرجان أو أحدهما أو لا ، وينقض الخارج من تحت المعدة إن انسد
المخرجان ، كما ينقض الوضوء إن انقطع الخروج من المخرج ، وصار يبول أو
يتغوط من فمه مثلاً .
والأسباب : ثلاثة أنواع : زوال العقل ، ولمس البالغ بلذة من تشتهى ،
ومس البالغ ذكره المتصل به ببطن كفه أو جنبه أو أصبع بلا حائل ولو كان
خفيفاً ، إلا أن يكون خفيفاً جداً كالعدم . وزوال العقل يكون بجنون أو إغماء
أو سكر أو بنوم ثقيل ولو قصر زمنه . والقبلة بالفم تنقض ولو بغير لذة .
والردة والشك في الناقض بعد طُهر معلوم وعكسه : أي الشك في الطهارة
بعد تيقن الحدث أو ظنه ، كل منهما ناقض للوضوء ، ليس بحدث ولا سبب .
٣ - مذهب الشافعية :
نواقض الوضوء أربعة :
الأول - الخارج من أحد السبيلين إلا المني أي مني الشخص نفسه ، لأنه
أوجب الغسل .
الثاني - زوال العقل بجنون أو إغماء أو نوم إلا النوم قاعداً ممكناً مقعده من
مقره كالأرض ، وظهر دابة سائرة ، وإن كان مستندا إلى شيء بحيث لو زال ،
لسقط .
- ٢٨٥ -

الثالث - التقاء بشرتي الرجل والمرأة ولو ميتة ، عمداً أو سهواً . وينتقض
اللامس والملموس ، ولا ينقض صغير أو صغيرة لا تشتهى ، ولا ينقض شعر وسن
وظفر ، ومحرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة ، أي المحرَّمات بصفة التأبيد ،
لا المؤقتة كأخت الزوجة فإنها تنقض الوضوء .
الرابع - مس قبل الآدمي ، وحلقة دبره ، بباطن الكف . ولا ينتقض
الممسوس . وينقض فرج الميت والصغير ، ومحل الجَبِّ كله لا الثقبة فقط ،
والذكر المقطوع . ولا ينقض فرج البهيمة ، ولا المس برأس الأصابع وما بينها .
٤ - مذهب الحنابلة :
نواقض الوضوء ثمانية أنواع :
أحدها - الخارج من السبيلين ، إلا ممن حدثه دائم ، فلا يبطل وضوءه ،
وينقضه ولو كان الخارج ريحاً من قُبُل أنثى أو من ذكر، أو قطناً أو ميلاً أو دهناً
أو حقنة أدخل فيها ، أو ظهر طرف مصران أو رأس دودة ، أو منياً لرجل أو
امرأة استدخلته امرأة في فرجها ثم خرج .
الثاني - خروج النجاسات من بقية البدن : فإن كانت النجاسة غائطاً أو
بولاً ، نقض ولو قليلاً ، من تحت المعدة أو فوقها ، انسد المخرجان أم بقيا
مفتوحين ، وإن كانت النجاسة غير الغائط والبول ، كالقيء والدم والقيح ودود
الجراح لم ينقض إلا كثيرها : وهو ما فحش في نفس كل أحد بحسبه .
الثالث - زوال العقل بجنون ونحوه ، أو تغطيته بإغماء أو سكر قليل أو
كثير ، أو بنوم إلا النوم اليسير عرفاً من جالس وقائم . وينقض النوم اليسير من
راكع وساجد ومستند ومتكئ ومُحْتب كمضطجع .
الرابع - مس ذكر أو قبل أو دبر آدمي من نفسه أو غيره ، ولو من غير شهوة
- ٢٨٦ -

بيده ، ببطن كفه أو بظهره أو بحرفه ، غير ظفر ، من غير حائل ، ولو بأصبع
زائدة ، ولا ينتقض وضوء ملموس ، ولا ينقض مس ذكر بائن ( أي مقطوع)
ولا مس محله ، ولا قُلَفة ( وهي الجلدة التي تقطع في الختان ) بعد قطعها ،
ولا مس ذكر زائد ؛ لأنه ليس فرجاً ، ولا ينقض مس امرأة شفربها ، لأن الفرج
هو مخرج الحدث ، وهو ما بينهما دونها .
الخامس - مس بشرة الرجل بشرة الأنثى بشهوة ، من غير حائل .
ولا ينقض مس طفلة وطفل من دون سَبْع إذا لم يكن بشهوة ، وينتقض
الوضوء باللمس بشهوة ولو كان الملموس ميتاً أو عجوزاً ، أو محرماً ، أو صغيرة
تشتهى وهي بنت سبع فأكثر لقوله تعالى: (( أو لامستم النساء)) . ولا ينتقض
وضوء الملموس ، ولو وجد منه شهوة، ولا ينتقض وضوء بانتشار ذكر عن فكر
وتكرار نظر ، ولا ينقض لمس شعر وظفر وسن ؛ لأنه في حكم المنفصل ،
ولا ينقض مس عضو مقطوع لزوال حرمته ، ولا مس أمرد ولو بشهوة ، لعدم
تناول الآية له ، ولأنه ليس محلاً للشهوة شرعاً . ولا ينقض مس خنثى مشكل من
رجل أو امرأة ولو بشهوة ، ولا ينقض مس الرجل الرجل ، ولا المرأة المرأة ، ولو
بشهوة فيهن .
السادس - غسل الميت أو بعضه ، ولو في قميص ، ولا ينقض تيم الميت .
لتعذر غسل . وغاسل الميت : من يقلبه ويباشره ولو مرة ، لا من يصب الماء
ونحوه .
السابع - أكل لحم الجزور نيئاً وغير نيء .
الثامن - موجبات الغسل كالتقاء الختانين وانتقال المني وإسلام الكافر الأصلي
أو المرتد .
- ٢٨٧ -

المطلب الثامن - وضوء المعذور :
ينتقض الوضوء بالخارج من أحد السبيلين إذا كان خروجه في حال الصحة ،
فإن كان في حال المرض كان معذوراً .
والمعذور كما عرفه الحنفية : من به سلس بول لا يمكنه إمساكه ، أو استطلاق
بطن ، أو انفلات ريح أو رعاف دائم أو نزف دم جرح ، أو استحاضة(١)، وكذا
كل ما يخرج بوجع ولو من أذن وثدي وسرة ، من دم أو قیح أو صديد ، أو ماء
الجرح والنفطة ، وماء البثرة ، والثدي والعين والأذن(٢).
وأحكام وضوء المعذور وصلاته تحتاج لتفصيل بين المذاهب .
(٣)
١ - مذهب الحنفية
ضابط المعذور : هو - في ابتداء الأمر - من يستوعب عذره تمام وقت صلاة
مفروضة ، بأن لا يجد في جميع وقتها زمناً يتوضأ ، ويصلي فيه خالياً عن
الحدث ، كأن يستمر تقاطر بوله مثلاً من ابتداء الظهر إلى العصر. فإن أصبح
متصفاً بهذه الصفة ، كفى وجوده في جزء من الوقت ولو مرة ، كأن يرى الدم
مرة فقط في وقت العصر ، بعد استمراره في وقت الظهر ، ولا يصبح معافى إلا إذا
انقطع عنه وقت صلاة كامل ، أي أن شرط ثبوت العذر في مبدأ الأمر : هو
استيعابه جميع الوقت . وشرط دوامه : وجوده في كل وقت بعد ذلك ، ولو مرة
(١) هو دم علة يخرج من أدنى الرحم ، بخلاف الحيض فإنه يخرج من أقصى الرحم ، وهو الدم الذي يستمر في
غير وقت العادة الشهرية ، أي الناقص عن أقل الحيض ، والزائد عن أكثره ، أو عن أكثر النفاس ، أو ماتراه صغيرة
دون تسع على المعتمد ، وآيسة على ظاهر المذهب الحنفي ، وما تراه حامل ولو قبل خروج أكثر الولد ( الدر المختار:
٢٦٢/١ - ٢٦٣)
(٢) الدر المختار: ٢٨٠/١ وما بعدها
(٣) الدر المختار: ١٣٩/١، ٢٨١ - ٢٨٣، فتح القدير: ١٢٤/١ - ١٢٨، مراقي الفلاح: ص ٢٥، تبيين
الحقائق : ٦٤/١
- ٢٨٨ -

واحدة ، ليعلم بها بقاؤه . وشرط انقطاعه وعدم اتصافه بوصف المعذور : خلو
وقت صلاة كامل عنه ، كأن ينقطع طوال وقت العصر مثلاً .
وحكمه: أنه يتوضأ لوقت كل فرض، لا لكل فرض ونقل، لقوله صلّ:
((المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة))(١) ويقاس عليها سائر ذوي الأعذار.
ويصلي بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل ، ويبقى وضوءه مادام باقياً
بشرطين : أن يتوضأ لعذره ، ولم يطرأ عليه حدث آخر كخروج ريح أو سيلان
دم من موضع آخر .
ويبطل وضوء المعذور بخروج وقت الصلاة المفروضة فقط ، فإن توضأ بعد
طلوع الشمس لصلاة العيد ، ودخل وقت الظهر ، فإن وضوءه لا ينتقض ، لأن
دخول وقت الظهر ليس ناقضاً، وكذا خروج وقت العيد ليس ناقضاً ، لأنه
ليس وقت صلاة مفروضة ، بل هو وقت مهمل ، وصلاة العيد بمنزلة صلاة
الضحى ، وهذا يعني أنه يصح في هذه الحالة فقط وضوء المعذور قبل دخول
الوقت ( وقت الظهر ) ليتمكن من الأداء عند دخول الوقت ، وأنه يبطل وضوء
المعذور بخروج الوقت لا بدخوله(٢). فإذا خرج الوقت بطل وضوء المعذور
5
(١) رواه سبط ابن الجوزي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، لكن قال عنه الزيلعي: غريب جداً (نصب
الراية : ٢٠٤/١ )
(٢) قال أبو حنيفة ومحمد : يبطل وضوء المعذور بخروج الوقت فقط ، لأن الوقت مخصص للأداء شرعاً، فلابد
من تقديم الطهارة عليه ليتمكن من الأداء عند دخول الوقت ، كما لابد من تقديم الطهارة على الأداء حقيقة ، ولأن
دخول الوقت دليل ثبوت الحاجة إلى الطهارة ، وخروجه دليل زوال الحاجة ، فينتقض الوضوء عند زوال الحاجة وهو
خروج الوقت ، لا عند دخول الوقت . وقال أبو يوسف : يبطل الوضوء بكل واحد منهما أي عند دخول الوقت
وعند خروجه ، لأن الحاجة إلى الطهارة مقصورة على الوقت فلا تعتبر قبله ولا بعده . وقال زفر بعكس الطرفين :
يبطل الوضوء بدخول الوقت فقط لا بخروجه ، لأنه لا حاجة للطهارة قبل الوقت ، فلا تعتبر . وتظهر فائدة
الاختلاف في أمرين فقط : فين توضأ قبل الزوال ، أو قبل طلوع الشمس ، فلا ينتقض الوضوء في الحالة الأولى عند
أبي حنيفة ومحمد حتى يذهب وقت الظهر. وينتقض في الحالة الثانية بخروج الوقت ( طلوع الشمس) . وعند أبي =
- ٢٨٩ -
الفقه الإسلامي جـ١ (١٩)

واستأنف الوضوء لصلاة أخرى عند أئمة الحنفية الثلاثة ، وقال زفر : استأنف إذا
دخل الوقت .
أما إن توضأ قبل طلوع الشمس ، فإنه ينتقض بطلوعها لخروج وقت
الفريضة . وكذلك ينتقض وضوءه إن توضأ بعد صلاة الظهر ثم دخل وقت
العصر ، لخروج وقت الظهر .
وعلى المعذور أن يخفف عذره بالقدر المستطاع ، كالحفاظ للمستحاضة ،
والقعود في أثناء الصلاة إن كانت الحركة أو القيام تؤدي إلى السيلان . ويستحب
للرجل أن يحتشي إن رابه الشيطان ، ويجب إن كان لا ينقطع إلا به .
ولا يجب على المعذور غسل ما يصيب ثوبه أكثر من قدر الدرهم إذا اعتقد
أنه لو غسله تنجس بالسيلان قبل الفراغ من الصلاة . فإن لم يتنجس قبل فراغه
من الصلاة ، وجب عليه غسله ، وهو المختار للفتوى .
٢ - مذهب المالكية (١):
ـه تعالـ
السلس : هو ما يسيل بنفسه لانحراف الطبيعة بولاً أو ريحاً أو غائطاً أو
مذياً ، ومنه دم الاستحاضة . وذلك إذا لم ينضبط ، ولم يقدر على التداوي . فإن
انضبط بأن جرت عادته أن ينقطع آخر الوقت ، وجب عليه تأخير الصلاة
لآخره ، وإن كان ينقطع أول الوقت وجب عليه تقديم الصلاة . وإن قدر على
= يوسف : ينتقض الوضوء في الحالتين . وعند زفر: لا ينتقض في الحالة الثانية لعدم دخول وقت صلاة الظهر ،
وينتقض في الحالة الأولى . فأبو يوسف وزفر: يوجبان الطهارة بدخول الوقت ، لأنه وقت الحاجة ، وهذا موافق
لقول الشافعية والحنابلة الآتي بيانه. واتفق أئمة الحنفية الأربعة على أن طهارة المستحاضة ونحوها تنتقض بخروج
الوقت .
(١) الشرح الصغير: ١ / ١٣٩ وما بعدها، الشرح الكبير: ١ / ١١٦ وما بعدها ، القوانين الفقهية: ص ٤١.
- ٢٩٠ _
f

التداوي أو التزوج وجب عليه ذلك ، واغتفر له زمن التداوي والتزوج .
فلا يكون السلس من طول العزوبة ، وإنما من اختلال المزاج ، أو من
برودة وعلة .
ولا ينتقص الوضوء عند المالكية إن خرج البول والمذي على وجه السلس
الملازم : وهو أن يلازمه نصف زمن أوقات الصلاة أو أكثر، أو كل الزمن . لكن
يندب الوضوء إذا لم يعم الزمن .
وينتقض وضوء السلس : إذا بال البول المعتاد ، أو أمذى بلذة معتادة بأن
حدث كلما نظر أو تفكر . ويعرف ذلك : بأن البول المعتاد يكثر ويمكن
إمساكه ، وأن المذي المعتاد يكون بشهوة .
كما ينتقض وضوء السلس : إن لازمه أقل الزمان .
وإذا لم ينتقض وضوء السلس ، فله أن يصلي به ما شاء إلى أن يوجد ناقض
غيره ، لكن يستحب للسلس والمستحاضة ؛ أن يتوضآً لكل صلاة ، ولا يجب
عليهما .
٣ - مذهب الحنابلة(١):
لا ينتقض وضوء المبتلى صاحب الحدث الدائم بسلس بول وكثرة مدي ونزف
الدم وانفلات ريح ونحوها كالمستحاضة . وذلك إذا دام حدثه ، ولم ينقطع زمناً
من وقت الصلاة بحيث يسعها مع الطهارة . فإن انقطع حدثه زمناً يسع الصلاة
والطهارة ، وجب عليه أداء الصلاة فيه .
لكن عليه الوضوء إن خرج منه شيء من حدثه الدائم لكل صلاة ، بعد غسل
(١) كشاف القناع: ١ / ١٣٨، ٢٤٧ وما بعدها، المغني: ١ / ٣٤٠ - ٣٤٢
- ٢٩١ -

محل الحدث ، وشدّه ، والتحرز من خروج الحدث بما يمكنه ، ولا يصح وضوءه
إلا بعد دخول وقت الصلاة لقول النبي ◌ُ ◌ّ لفاطمة بنت أبي حبيش: ((توضئي
لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت)) (١) وفي لفظ: ((توضئي لوقت كل
صلاة ))(٢) ولأنها طهارة عذر وضرورة ، فتقيدت بالوقت كالتيم ، فإن توضأ قبل
دخول الوقت وخرج منه شيء بطلت طهارته .
ويجوز للمستحاضة وغيرها الجمع بين فرضي الصلاتين بوضوء واحد ؛ لأن
النبي ◌ُِّّ((أمر حَمْنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد))(٣) وأمر به
سهلة بنت سهيل ، ولبقاء وضوئها إلى آخر الوقت ، وكالمتيم وأولى . ولو زال
العذر كأن انقطع دم المستحاضة وقتاً يسع الوضوء والصلاة ، بطلت الطهارة
ويلزم استئنافها لأنه صار بهذا الانقطاع في حكم من حدثه غير دائم .
وكيفية إعداد المعذور للوضوء هي : أن تغسل المستحاضة المحل ثم تحشوه
بقطن أو نحوه ليرد الدم . ومن به سلس البول أو كثرة المذي : يعصب رأس ذكره
بخرقة ويحترس حسبما يمكنه .
وكذلك يفعل من به ريح أو نزف دم يعصب المحل . فإن كان مما لا يمكن
عصبه مثل من به جرح لا يمكن شده ، أو باسور، أو ناسور لا يتمكن من
عصبه ، صلى على حسب حاله، كما روي عن عمر رضي الله عنه (( أنه حين طعن ،
صلى وجرحه يثْعَب دماً )) أي يتفجر .
وينوي المعذور استباحة الصلاة ، ولا يكفيه نية رفع الحدث لأنه دائم
الحدث .
(١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه ( نيل الأوطار: ١ / ٢٧٥ )
(٢) قال الترمذي : حديث حسن صحيح
(٣) صححه الترمذي
__ ٢٩٢ -

٤ - مذهب الشافعية(١):
صاحب السلَس الدائم من بول أو مذي أو غائط أو ريح ، والمستحاضة ،
يغسل الفرج ثم يحشوه إلا إذا كان صائماً ، أو تأذت المستحاضة به ، فأحرقها الدم
فلا يلزم الحشو حينئذ ، ثم يعصِب . وكيفية العصب للمستحاضة مثلاً : أن تشد
فرجها بعد غسله بخرقة مشقوقة الطرفين ، تخرج أحدهما من أمامها ، والآخر من
خلفها ، وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كالتكة .
ثم يتوضأ أو يتيم عقب ذلك فوراً ، أي أنه تجب الموالاة بين الأفعال من
عصب ووضوء ، يفعل كل ذلك بعد دخول وقت الصلاة ، لأنه طهارة ضرورة ،
فلا تصح قبل الوقت كالتيم .
ثم يبادر وجوباً إلى الصلاة تقليلاً للحدث ، فلو أخر لمصلحة الصلاة كستر
العورة ، وأذان وإقامة ، وانتظار جماعة ، واجتهاد في قبلة وذهاب إلى مسجد ،
وتحصيل سترة ، لم يضر، لأنه لا يعد بذلك مقصراً ، وإلا كأن أخر لا لمصلحة
الصلاة كأكل وشرب وغزل وحديث ، فيضر التأخير على الصحيح ، فيبطل .
الوضوء ، وتجب إعادته وإعادة الاحتياط لتكرر الحدث والنجس مع إمكان
الاستغناء عنه .
وتجب الطهارة وتجديد العصابة في الأصح ، والوضوء لكل فرض ولو
منذوراً ، كالمتيم لبقاء الحدث ، ويصلي به ما شاء من النوافل فقط ، وصلاة
الجنازة لها حكم النافلة، لقول النبي ◌ُ ◌ّ لفاطمة بنت أبي حبيش: ((توضئي
لكل صلاة )) ولو زال العذر وقتاً يسع الوضوء والصلاة ، كانقطاع الدم مثلاً ،
وجب الوضوء ، وإزالة ما على الفرج من الدم ونحوه .
(١) مغني المحتاج: ١ / ١١١ وما بعدها، الحضرمية: ص ٢٨
- ٢٩٣ -

وسلس المني : يلزمه الغسل لكل فرض .
ولو استمسك الحدث بالجلوس في الصلاة ، وجب بلا إعادة .
ولا يجوز للسلس : أن يعلق قارورة يقطر فيها بوله .
وينوي المعذور استباحة الصلاة ، لا رفع الحدث لأنه دائم الحدث ،
لا يرفعه وضوءه ، وإنما يبيح له العبادة ، كما قال الحنابلة .
وبه يتبين أن مذهبي الشافعية والحنابلة متفقان في أحكام وضوء المعذور ،
إلا أن الحنابلة ومثلهم الحنفية قالوا : يجوز بالوضوء الواحد صلاة أكثر من فرض
في الوقت ؛ لأن الواجب عندهم الوضوء لوقت كل صلاة . ولم يجز الشافعية
الصلاة به إلا فرضاً واحداً ؛ لأن الواجب عندهم تجديد الوضوء لكل فرض .
واتفق الجمهور ( غير المالكية ) على وجوب تجديد وضوء المعذور ، وقال
المالكية باستحباب الوضوء فقط ، والوضوء يكون بعد دخول الوقت عند
الشافعية والحنابلة ، وفي غير صلاة الظهر عند الحنفية ، أما صلاة الظهر فيجوز
تقديم الوضوء لها على دخول الوقت ، لسبقها بوقت مُهْمل .
المطلب التاسع - ما يحرم بالحدث الأصغر أو ما يمنع منه غير
المتوضئ :
يحرم بالحدث الأصغر ثلاثة أمور : الصلاة ونحوها ، والطواف ، ومس
المصحف وتوابعه ، على تفصيل بين المذاهب(١) .
١ - الصلاة ونحوها: يحرم على المحدث غير المتوضئ الصلاة فرضاً أو نفلاً،
(١) البدائع: ١ / ٣٣ وما بعدها، الدر المختار: ١ / ١٦٠ - ١٦٥، الشرح الصغير: ١ / ١٤٩ وما بعدها،
المجموع: ٢ / ٧١ - ٧٩، المهذب: ١ / ٢٥، الحضرمية: ص ١٦، حاشية الباجوري: ١ / ١٢١ وما بعدها ، المغني :
١ / ١٤٢، ١٤٧، كشاف القناع: ١ / ١٥٢ - ١٥٧.
- ٢٩٤ -

ونحوها ، كسجود التلاوة ، وسجود الشكر ، وخطبة الجمعة ، وصلاة الجنازة .
لقوله ◌َ النّة: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ))(١) (( لا صلاة
لمن لا وضوء له ... ))(٢)
٢ - الطواف بالبيت الحرام فرضاً أو نفلاً؛ لأنه صلاة، لقوله مع التع:
((الطواف بالبيت صلاة ، ولكن الله أحل فيه المنطق ، فمن نطق فلا ينطق إلا
(٣)
بخير))(٣)
إلا أن الحنفية جعلوا الطهارة للطواف واجباً لا شرطاً في صحته ، فيصح مع
الكراهة التحريمية الطواف محدثاً ؛ لأن الطواف بالبيت شبيه بالصلاة بنص
الحديث السابق ، ومعلوم أنه ليس بصلاة حقيقة ، فلكونه طوافاً حقيقة يحكم
بالجواز ، ولكونه شبيهاً بالصلاة يحكم بالكراهة .
٣ - مس المصحف كله أو بعضه ولو آية : والمحرم هو لمس الآية ولو بغير
أعضاء الطهارة لقوله تعالى: (( لا يمسه إلا المطهرون)) أي المتطهرون ، وهو خبر
بمعنى النهي، ولقوله مع اله: (( لا يمس القرآن إلا طاهر))(٤)، ولأن تعظيم القرآن
واجب ، وليس من التعظيم مس المصحف بيد حلَّها الحدث . واتفق الفقهاء على
أن غير المتوضئ يجوز له تلاوة القرآن أو النظر إليه دون لمسه ، كما أجازوا للصبي
لمس القرآن للتعلم ؛ لأنه غير مكلف ، والأفضل التوضؤ.
(١) رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة .
(٢) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ١ / ١٣٤)
(٣) رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية والحاكم والبيهقي في السنن عن ابن عباس ، وهو حديث حسن . ورواه
أحمد والنسائي والترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس ، وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان
مرفوعاً وموقوفاً بلفظ: ((إنما الطواف بالبيت صلاة، فإذا طُفتم فأقلوا الكلام)) ( نيل الأوطار: ٢٠٧/١)
(٤) روي من حديث عمرو بن حزم عند الأثرم وأبي داود والنسائي ، وعن ابن عمر عند الدارقطني والطبراني
والبيهقي ، وعن عثمان بن أبي العاص عند الطبراني ، وعن ثوبان إلا أن الأخير في غاية الضعف عنه ، والأحاديث
الأخرى ضعيفة، ورواه مالك مرسلاً عن عمرو بن حزم ( نيل الأوطار: ١ / ٢٠٥، نصب الراية: ١ / ١٩٦ )
- ٢٩٥ -

وقد حرم المالكية والشافعية مس القرآن بالحدث الأصغر ولو بحائل أو
عود ، وأجاز الحنفية والحنابلة مسه بحائل أو عود طاهرين .
وهذه عبارات الفقهاء :
قال الحنفية : يحرم مس المصحف كله أو بعضه أي مس المكتوب منه ، ولو
آية على نقود ( درهم ونحوه ) أو جدار، كما يحرم مس غلاف المصحف المتصل به ،
لأنه تبع له ، فكان مسه مساً للقرآن ، ولا يحرم مس الغلاف المنفصل عن القرآن
كالكيس والصندوق ، ويجوز مسه بنحو عود أو قلم أو غلاف منفصل عنه ،
ويكره لمسه بالكم تحريماً لتبعيته للابس ، والحائل كالخريطة في الصحيح ،
والمقصود بالخريطة : هو الوعاء من جلد أو غيره تُشرَج على مافيها .
ولا يجوز لغير المسلم مس المصحف ويجوز له تعلمه وتعلم الفقه ونحوه ،
ويجوز للصبي مس القرآن أو لوح منه للضرورة من أجل التعلم والحفظ .
ولا تحرم كتابة آية على ورقة ، لأن المحرم هو مس المكتوب باليد ، أما القلم فهو
واسطة منفصلة ، كالثوب المنفصل الذي يمس به القرآن ؛ لأن المفتى به جواز مس
المصحف بغلاف منفصل أو بصرة .
ولا يكره مس كتب التفسير إن كان التفسير أكثر، ويكره المس إن كان
القرآن أكثر من التفسير أو مساوياً له .
ولا مانع من مس بقية الكتب الشرعية من فقه وحديث وتوحيد بغير
وضوء ، والمستحب له ألا يفعل . كما لا مانع من لمس الكتب السماوية الأخرى
المبدلة ، لكن يكره قراءة توراة وإنجيل وزبور ؛ لأن الكل كلام الله ، ومابدل
منها غير معين .
ويجوز قربان المرأة في بيت فيه مصحف مستور ، ويكره وضع المصحف
- ٢٩٦ -

تحت رأسه إلا للحفظ . ويكره لف شيء في ورق فيه فقه ونحوه من علوم
الشرع . ويدفن المصحف كالمسلم إذا صار بحال لا يقرأ فيه ، ولا بأس أن تدفن
كتب الشرع ، أو تلقى في ماء جارٍ ، أو تحرق ، والأول أحسن . ويجوز محو
بعض الكتابة ولو قرآناً بالريق ، ويجوز حمل الحجب المشتملة على آيات قرآنية
ودخول الخلاء بها ومسها ولو للجنب إذا كانت محفوظة بغلاف منفصل عنها
كالمشمع ونحوه .
وقال المالكية : يمنع المحدث حدثاً أصغر من مس مصحف أو جزئه ، أو
كتَبْه ، أو حمله ولو بعلاقة أو ثوب أو وسادة ، أو كرسي تحته ، ولو كان المس
بحائل أو عود ، أو كان الحمل مع أمتعة أخرى غير مقصودة بالحمل . أما إن قصد
حمل الأمتعة وفيها قرآن تابع لها كصندوق ونحوه ، فيجوز الحمل ، أي إن قصد
المصحف فقط أو قصده مع الأمتعة حرم الحمل ، وإن قصد الأمتعة بالحمل جاز .
ويجوز المس والحمل لمعلم ومتعلم بالغ ، وإن كان حائضاً أو نفساء ، لعدم
قدرتها على إزالة المانع ، ولا يجوز ذلك للجنب لقدرته على إزالة المانع بالغسل أو
التيم .
5
كما يجوز للمسلم لا للكافر المس والحمل بحرْز ساتر واقٍ ، ولو لجنب أو
حائض ، ولو مصحفاً كاملاً . ويباح مس التفسير وحمله والمطالعة فيه للمحدث
ولو كان جنباً ، لأن المقصود من التفسير معاني القرآن ، لا تلاوته .
وقال الشافعية : يحرم حمل المصحف ومس ورقه وحواشيه ، وجلده ،
المتصل به ( لا المنفصل عنه ) ، ووعائه ( خريطته ) (١) وعلاقته ، وصندوقه،
(١) يعبر الفقهاء عادة عن كيس المصحف المعدّ له عرفاً اللائق به بالخريطة.
- ٢٩٧ -

وما كتب من الألواح لدارس قرآن ، ولو بخرقة ، أو بحائل . ويحل حمل القرآن
في أمتعة لا بقصده ، وحمل التفسير الأكثر منه ، أما إذا كانا متساويين أو كان
القرآن أكثر فلا يجوز، ويجوز حمل كتب العلم الأخرى غير التفسير المشتملة على
آيات قرآنية
ويباح قلب ورقه بعود . ولا يمنع الصبي المميز من حمله ومسه للدراسة .
ويجوز حمل التمائم ، وما على النقد ، وما على الثياب المطرزة بالآيات
القرآنية ككسوة الكعبة لأنه لم يقصد به القرآن .
ويجوز للمحدث كتابة القرآن بدون مس .
ويحرم وضع شيء على المصحف كخبز وملح ؛ لأن فيه إزراء وامتهاناً له .
ويحرم تصغير المصحف والسورة لما فيه من ايهام النقص ، وإن قصد به التعظيم .
وقال الحنابلة : يحرم مس المصحف ولو آية منه ، بشيء من جسده ، ويجوز
مسه بحائل أو عود طاهرين ، وحمله بعلاقة أو وعاء ، ولو كان المصحف مقصوداً
بالحمل ، وكتابته ولو لذمي من غير مس ، وحمله بحرز ساتر طاهر .
ولا يجوز لولي الصبي تمكينه من مس المصحف أو لوح الدرس القرآني ولو
للحفظ أو التعلم ، ما دام الصبي محدثاً ، أي أن حرمة مس القرآن إلا بطهارة
تشمل عندهم الصبي .
ويجوز مس كتب التفسير والفقه وغيرها وإن كان فيها آيات من القرآن ،
بدليل ((أن النبي ◌ُ التّ كتب إلى قيصر كتاباً فيه آية))(١). ويجوز في أرجح
الوجهين : مس الدراهم المكتوب عليها القرآن ، والثوب المرقوم بالقرآن ، لأنها
(١) متفق عليه من حديث ابن عباس .
- ٢٩٨ -

لا تسمى قرآناً ، ولأن في الاحتراز منها مشقة ، فأشبهت ألواح الصبيان على أحد
الوجهين .
وإن احتاج المحدث إلى مس المصحف عند عدم الماء ، تيم وجاز مسه .
ويمنع الكافر ( الذمي أو غيره ) من مس القرآن ومن قراءته ومن تملكه ويمنع
المسلم من تمليكه له ، ويحرم بيع المصحف ولو لمسلم ، ويحرم توسد المصحف والوزن
به والاتكاء عليه أو على كتب العلم التي فيها القرآن . فإن لم يكن فيها القرآن ،
كره توسدها والوزن بها والاتكاء عليها ، إلا إن خاف عليها سرقة ، فلا بأس أن
يتوسدها للحاجة .
ولا يجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الحرب ، لما روى ابن عمر قال : قال
رسول الله ◌َ فّ: (( لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ، مخافة أن تناله
أيديهم ))(١) .
والخلاصة : أنه وقع الاجماع ما عدا داود على أنه لا يجوز للمحدث حدثاً
أكبر أن يمس المصحف . وأما المحدث حدثاً أصغر فلم تدل الأدلة قطعاً على منعه
من مس القرآن ، لكن أكثر الفقهاء على أنه لا يجوز له . وأجاز ابن عباس
والزيدية له مس الصحف(٢). والظاهر أن المراد من آية ((لا يمسه إلا المطهرون))
هو اللوح المحفوظ ، والمطهرون : الملائكة ، فإن لم يكن ظاهراً فهو احتمال ،
كاحتمال أن المراد من كلمة ((طاهر)) في الحديث ((لا يمس القرآن إلا طاهر)):
هو المؤمن ، والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ، ومن ليس على بدنه نجاسة .
(١) رواه مسلم بلفظ: ((لا تسافروا بالقرآن ، فإني لا آمن أن يناله العدو)) ولعل هذا في بادئ الأمر، واليوم
يتداول العالم القرآن بسبب انتشار الطباعة .
(٢) راجع نيل الأوطار : ١ / ٢٠٥ - ٢٠٧
- ٢٩٩ -

المبحث الثاني - السواك :
تعريفه ، حكمه ، كيفيته ، فوائده
أولاً - تعريف السواك :
السواك لغة : الدلك وآلته . وشرعاً : استعمال عود أو نحوه كأشنان
وصابون ، في الأسنان وما حولها ، ليذهب الصفرة وغيرها عنها .
ثانياً - حكمه :
السواك من سنن الفطرة ( أي من السُّنَّة أو من الدين ) ، لأنه سبب لتطهير
الفم وموجب لرضا الله على فاعله، قال عليه السلام: ((السواك مطهرة للفم ،
مَرْضاة للرب )) (١) وهو يدل على مطلق شرعيته دون تخصيص بوقت معين ،
ولا بحالة مخصوصة ، فهو مسنون في كل وقت . وهو من السنن المؤكدة ، وليس
بواجب في حال من الأحوال، لقوله ◌ُ ◌ّ: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم
بالسواك عند كل صلاة)) وفي رواية لأحمد: ((لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء))(٢)
وللبخاري تعليقاً بصيغة الجزم، وتعليقاته هكذا صحيحة: ((لأمرتهم بالسواك
عند كل وضوء )) قال بعض الفقهاء : اتفق العلماء على أنه سنة مؤكدة لحث
الشارع ومواظبته عليه ، وترغيبه وندبه إليه .
وحكمه عند الفقهاء : أنه سنة عند الحنفية لكل وضوء عند المضمضة ، ومن
فضائل الوضوء قبل المضمضة عند المالكية ، لقوله مؤاتية: « لولا أن أشق على أمتي
(١) رواه عن عائشة أحمد والنسائي، وهو للبخاري تعليق، وابن حبان موصولاً (نيل الأوطار: ١ / ١٠٢)
(٢) رواه الجماعة ، ويروى نحوه عن جابر وزيد بن خالد، قال ابن منده: مجمع على صحته . ورواه مالك
والشافعي مرفوعاً ( المرجع السابق: ١ / ١٠٤)
- ٣٠٠ -