Indexed OCR Text

Pages 261-280

وتركه واجب . وهو المراد عندهم حالة الإطلاق .
ومكروه تنزيهاً : وهو ما كان تركه أولى من فعله ، أي خلاف الأولى .
وكثيراً ما يطلقونه .
وعلى هذا إذا ذكروا مكروهاً فلا بد من النظر في دليله ، فإن كان نهياً ظنياً
يحكم بكراهة التحريم إلا لصارف عن التحريم إلى الندب . وإن لم يكن الدليل نهياً
بل كان مفيداً للترك غير الجازم ، فهي تنزيهية .
ولم يفرق الجمهور غير الحنفية بين نوعي الكراهة ، ويراد بها عندهم
التنزيهية. ويكره للمتوضئ(١) ضد ما يستحب من الآداب(٢) وأهمها ما يأتي :
اً - الإسراف في صب الماء: بأن يستعمل منه فوق الحاجة الشرعية أو
ما يزيد عن الكفاية . وهذا إذا كان الماء مباحاً أو مملوكاً للمتوضئ ، فإن كان
موقوفاً على الوضوء منه كالماء المعد للوضوء في المساجد ، فالإسراف فيه حرام .
ودليل الكراهة : ما أخرج ابن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص
أن رسول الله مِّّ مرَّ بسعد، وهو يتوضأ، فقال: ((ما هذا السّرَف ؟ فقال:
أفي الوضوء إسراف ؟ فقال: نعم، وإن كنت على نهر جار)) ومن الإسراف :
الزيادة على الثلاث في الغسلات وعلى المرة الواحدة في المسح عند الجمهور غير
الشافعية لحديث عمرو بن شعيب السابق: ((فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء
وتعدى وظلم ))(٣) .
(١) الدر المختار: ١ / ١٢١ - ١٢٣، مراقي الفلاح: ص ١٣، الشرح الصغير: ١ / ١٢٦ - ١٢٩، الشرح الكبير:
١ / ١٢٦، الحضرمية: ص ١٤، كشاف القناع: ١ / ١١٨ - ١٢٠.
(٢) حصر الشافعية المكروه في ترك السنة المؤكدة والمختلف فيها ، أما ترك غيرهما فخلاف الأولى .
(٣) هذه رواية النسائي ، ومعناها : أنه أخطأ طريق السنة .
- ٢٦١ -

والكراهة تنزيهية حتى عند الحنفية إلا إذا اعتقد أن مازاد على الغسلات
الثلاث من أعمال الوضوء ، فتكون الكراهة حينئذ تحريمية عندهم . وذكر ابن
عابدين : أن الكراهة مطلقاً تنزيهية ، فإن زاد للنظافة أو للطمأنينة ونحوها فلا
كراهة .
وكذا يكره تنزيهاً التقتير بجعل الغسل مثل المسح : ( وهو أن يكون تقاطر
الماء عن العضو المغسول غير ظاهر ) لأن السنة إسباغ الوضوء ، والتقتير ينافيه .
اً - لطم الوجه أو غيره بالماء : والكراهة تنزيهية ؛ لأنه يوجب انتضاح الماء
المستعمل على ثيابه ، وتركه أولى ، وهو أيضاً خلاف التؤدة والوقار ، فالنهي عنه
من الآداب .
٣ - التكلم بكلام الناس : والكراهة تنزيهية؛ لأنه يشغله عن الأدعية .
وعند الشافعية : خلاف الأولى .
٤ - الاستعانة بالغير بلا عذر: لحديث ابن عباس السابق: ((كان النبي مُ ◌ّ
لا يكل طهوره إلى أحد ... ))(١). وقد عرفنا أن الثابت في السنة جواز المعاونة
في الوضوء ، لكن قد حمل ذلك على حالة العذر ، ولأن الضرورات تبيح
المحظورات .
٥ - التوضؤ في موضع نجس: لئلا يتنجس منه، وزاد الحنفية: التوضؤ
بفضل ماء المرأة ، أو في المسجد إلا في إناء أو في موضع أعد لذلك خشية تلويث
(١) أخرجه ابن ماجه والدارقطني، وهو ضعيف (نيل الأوطار: ١٧٦/١) ومثله قوله ◌ٍَّ لعمر وقد بادر
ليصب الماء على يديه: ((أنا لا أستعين في وضوئي بأحد)) قال النووي في شرح المهذب : هذا حديث باطل
لا أصل له .
- ٢٦٢ -

المسجد بآثار الماء . وقال الحنابلة(١) : تكره إراقة ماء الوضوء وماء الغسل في
المسجد ، أو في مكان يداس فيه كالطريق تنزيهاً لماء الوضوء ؛ لأن له حرمة وأنه
أثر عبادة . ويباح الوضوء والغسل في المسجد اذا لم يؤذ به أحداً ولم يؤذ المسجد ؛
لأن المنفصل منه طاهر .
٦ً - مسح الرقبة بالماء : عند الجمهور غير الحنفية ؛ لأنه غلو في الدين
وتشديد . قال الشافعية : ولا يسن مسح الرقبة إذ لم يثبت فيه شيء ، قال
النووي : بل هو بدعة . وكذلك قال المالكية : إنه بدعة مكروهة(٢) .
٧ - مبالغة الصائم في المضمضة والاستنشاق مخافة أن يفسد صومه.
٨ - ترك سنة من سنن الوضوء، السابق بيانها في المذاهب . قال الحنابلة
مثلاً : يكره لكل أحد أن ينتثر وينقي أنفه ووسخه ودرنه ويخلع نعله ويتناول
الشيء من يد غيره ، ونحو ذلك بيمينه ، مع القدرة على ذلك بيساره ، مطلقاً (٣) .
١ - الوضوء بفضل طهور المرأة إذا استقلت به : قال الحنابلة في المشهور عن
أحمد (٤) : يكره ولا يجوز وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خَلَت به
( استقلت)، فإن اشترك الرجل معها فلابأس. بدليل ((أن النبي ◌ُ ◌ّ نهى أن
يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة ))(٥) ولأن جماعة من الصحابة كرهوا ذلك ،
فقالوا : إذا خلت بالماء فلا يتوضأ منه .
(١) كشاف القناع: ١٢٠/١، المغني: ١٤٣/١١.
(٢) مغني المحتاج: ٦٠/١، الشرح الصغير: ١٢٨/١.
(٣) كشاف القناع : ١١٨/١
(٤) المغني: ٢١٤/١ وما بعدها، المهذب: ٣١/١.
(٥) رواه الخمسة عن الحكم بن عمرو الغفاري، إلا أن ابن ماجه والنسائي قالا: ((وضوء المرأة)) وقال
الترمذي : هذا حديث حسن . وقال النووي : اتفق الحفاظ على تضعيفه ، قال ابن حجر : وقد أغرب النووي بذلك ،
وله شاهد عند أبي داود والنسائي ( نيل الأوطار: ٢٥/١).
- ٢٦٣ -

وقال أكثر العلماء : يجوز الوضوء به للرجال والنساء ، لما روى مسلم في
صحيحه وأحمد عن ابن عباس، قال: ((كان النبي ◌ُ ◌ّ يغتسل بفضل وضوء
ميمونة))(١) وقالت ميمونة: ((اغتسلت من جفنة(٢) ، ففضلت فيها فضلة ، فجاء
النبي ◌َّ يغتسل، فقلت : إني قد اغتسلت منه ، فقال: الماء ليس عليه
جنابة))(٣) ولأنه ماء طهور جاز للمرأة الوضوء به ، فجاز للرجل كفضل الرجل .
وهذا هو الأصح ، ويحمل النهي على الكراهة التنزيهية بقرينة أحاديث الجواز .
١٠ - الماء الساخن والماء المشمس : قال الشافعية : يكره تنزيهاً التطهير بماء
شديد السخونة وشديد البرودة ، والمشمس في جهة حارة في إناء منطبع ( أي ممتد
تحت المطرقة من نحو حديد ونحاس ) في بدن دون ثوب ، لناحية طبية لأنه
يورث البرص ظناً ، ولم يحرم لندرة ترتبه عليه . وتزول الكراهة بالتبريد .
المطلب السابع - نواقض الوضوء :
النواقض جمع ناقضة وناقض ، والنقض : إذا أضيف إلى الأجسام كنقض
الحائط : يراد به إبطال تأليفها . وإذا أضيف إلى المعاني كالوضوء : يراد به
إخراجها عن إقامة المطلوب بها ، والمعنى الثاني هو المراد هنا ، فمعنى ناقض
الوضوء : إخراجه عن إفادة المقصود منه ، كاستباحة الصلاة بالوضوء .
والنواقض أو المعاني الناقضة للوضوء المبطلة حكمه متفق على الكثير منها ،
مختلف في بعضها . وهي عند الحنفية اثنا عشر ناقضاً ، والمالكية : ثلاثة أنواع ،
(١) لكن مع كونه في صحيح مسلم أعله قوم ( نيل الأوطار: ٢٦/١ )
(٣) الجفنة وعاء كالقَصْعة .
(٣) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، بلفظ: ((يارسول الله ، إني
كنت جُنُباً، فقال: إن الماء لا يُجنَب)) (نيل الأوطار: ٢٦/١) وروى أحمد وابن ماجه عن ميمونة: ((أن رسول الله
مَطاقم توضأ بفضل غسلها من الجنابة )).
- ٢٦٤ _

والشافعية : خمسة أشياء ، والحنابلة : ثمانية أنواع، وهي ما يأتي(١):
اً - كل خارج من أحد السبيلين : معتاد كبول أو غائط أو ريح أو مذي أو
ودي(٣) أو مني، أو غير معتاد : كدودة وحصاة ودم قليلاً كان الخارج أو كثيراً ،
لقوله تعالى : ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ كناية عن الحدث من بول أو
غائط، ولقوله ◌َ التّ: (( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، فقال
رجل من أهل حضرموت : ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُسَاء أو ضراط))(٣)
وقوله عليه السلام: (( لا وضوء إلا من صوت أو ريح)) (٤)، ولأن الخارج غير
المعتاد خارج من السبيل ، فأشبه المذي ، ولأنه لا يخلو من بَلَّة تتعلق به ،
فينتقض الوضوء بها ، وقد أمر النبي ◌ّ المستحاضة بالوضوء لكل صلاة ، ودمها
خارج غير معتاد(٥) .
واستثنى الحنفية في الأصح : ريح القبل فهو غير ناقض ؛ لأنه اختلاج
لا ريح ، وإن كان ريحاً فهو لا نجاسة فيه. وغير الحنفية لم يستثن ذلك ،
(١) فتح القدير: ٢٤/١ - ٣٧، تبيين الحقائق: ٧/١ - ١٢، البدائع: ٢٤/١ - ٣٣ الدر المختار: ١٢٤/١ - ١٣٨،
اللباب: ١٧/١ - ٢٠، مراقي الفلاح: ص١٤ وما بعدها، الشرح الصغير: ١٣٥/١ - ١٤٨، الشرح الكبير:
١١٤/١ - ١١٦، القوانين الفقهية: ص٢٤ وما بعدها، المهذب: ٢٢/١ - ٢٥، حاشية الباجوري: ٦٩/١ - ٧٤ ،
المجموع: ٣/٢ - ٦٨، كشاف القناع: ١٣٨/١ - ١٤٨، بداية المجتهد: ٣٣/١ - ٣٩، المغني: ١ / ١٦٨ - ١٩٦.
(٢) الودي : ماء أبيض خائر يخرج بأثر البول . والمذي : هو ماء أبيض رقيق يخرج عند الالتذاذ .
(٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة ( نيل الأوطار : ١٨٥/١ ).
(٤) رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ، قال عنه النووي: حديث صحيح ، ولكن رمز له السيوطي
بالضعف ورواه مسلم بلفظ آخر: ((إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه ، أخرج منه شيء أم لا ، فلا يخرجن
من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)) (نيل الأوطار: ١٨٨/١).
(٥) روى أبو داود والدارقطني باسناد موثوق عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش: ((أنها كانت تستحاض،
فسألت النبي مؤلفٍّ فقال : إذا كان دم الحيض ، فإنه أسود يعرف ، فإذا كان كذلك، فأمسكي عن الصلاة ، وإذا كان
الآخر فتوضئي وصلي ، فإنما هو دم عرق )) فأمرها بالوضوء ، ودمها غير معتاد ، فيقاس عليه ما سواه ، طاهراً كان
الخارج كولد بلا دم ، أو نجساً كالبول ونحوه .
- ٢٦٥ _

للحديث السابق ((أو ريح)) فهو شامل للريح من القبل . والحق أنه كما قال ابن
قدامة في المغني : لا نعلم لهذا الريح وجوداً ولا نعلم وجوده في حق أحد .
واستثنى المالكية الخارج الغير المعتاد من الخرج المعتاد في حال الصحة ، كالدم
والقيح والحصى والدود ، والريح أو الغائط من القبل ، والبول من الدبر ، والمني
بغیر لذة معتادة کمن حك جرب أو هزته دابة فأمنی ، فلا ینقض حتى ولو كان
مع الحصى والدود أذى ( أي بول أو غائط ) بخلاف غيرهما ، فلو خرج مع الدم
والقيح أذى انتقض الوضوء(١). وكذا لا ينتقض الوضوء إن خرج شيء من ثقب
إلا إذا كان تحت المعدة وانسد المخرجان المعتادان ، فلا ينقض الوضوء بول أو غائط
أو ريح من ثقبة فوق المعدة ، سواء انسد المخرجان أو أحدهما أو لا ، أما الخارج
من ثقبة تحت المعدة ، فإنه ينقض بشرط انسداد المخرجين لأنه صار بمنزلة الخارج
من نفس المخرجين .
ولا ينتقض الوضوء عندهم بخروج شيء من السَّلَس الذي يلازم صاحبه
نصف الزمن فأكثر، وإلا نقض . والسلس: هو ما يسيل بنفسه لانحراف
الطبيعة بولاً أو ريحاً أو غائطاً أو مذياً. ودم الاستحاضة من السلس . وهذا في
غير المستحاضة إذا لم ينضبط ولم يقدر على التداوي ، فإن انضبط بأن جرت عادته
أن ينقطع آخر الوقت أو أوله ، وجب عليه الصلاة حينئذ ، وإن قدر على
التداوي وجب عليه التداوي .
واستثنى الشافعية : مني الشخص نفسه ، فإنه لا ينقض ؛ لأنه أوجب أعظم
الأمرين وهو الغسل .
لكن ينتقض الوضوء عندهم بالخارج من مخرج انفتح دون المعدة ، وانسد
(١) والمشهور عند ابن رشد: أنه لا نقض بها مطلقاً كالحصى والدود.
- ٢٦٦ _

المخرج المعتاد لأنه صار هو المخرج المعتاد ، أي كما قال المالكية . فإن لم ينسد المخرج
المعتاد فالأصح أنه لا ينقض ، سواء أكان المخرج تحت المعدة أم فوقها .
واستثنى الحنابلة : صاحب الحدث الدائم ، لا يبطل وضوءه بالحدث الدائم
قليلاً كان الخارج أو كثيراً ، نادراً كان أو معتاداً للحرج والمشقة . أما غير صاحب ،
الحدث الدائم فينقض ما خرج منه من بول أو غائط ، قليلاً كان أو كثيراً ، من
تحت المعدة أو فوقها ، سواء أكان السبيلان مفتوحين أم مسدودين لعموم الآية
والحديث السابق . وأضاف الحنابلة : أنه لو احتمل المتوضئ في قُبُل أو دُبُر قطناً أو
ميلاً ، ثم خرج ولو بلا بلل ، نقض ، وكذا لو قطر في إحليله دهناً أو غيره من
المائعات ثم خرج نقض ، أو ظهر طرف مصران أو رأس دودة نقض .
٣ - الولادة من غير رؤية دم، والصحيح عند الحنفية قول الصاحبين أن
المرأة لا تكون حينئذ نفساء لتعلق النفاس بالدم ولم يوجد ، وإنما عليها الوضوء
للرطوبة . وقال أبو حنيفة : عليها الغسل احتياطاً لعدم خلوه عن قليل دم
غالباً .
٣ - الخارج من غير السبيلين كالدم والقيح والصديد(١): ناقض بشرط سيلانه
عند الحنفية إلى موضع يلحقه حكم التطهير وهو ظاهر الجسد : أي يجب تطهيره
في الجملة ، ولو ندباً كسيلان الدم داخل الأنف . والسيلان : أن يتجاوز موضع
خروجه بأن يعلو على رأس الجرح ثم ينحدر إلى أسفل ، فليس في النقطة
والنقطتين وضوء وليس في أثر الدم بسبب عض شيء أو استياك وضوء . كما لا
وضوء من دم يخرج من موضع لا يلحقه حكم التطهير كالخارج من جرح في العين
أو في الأذن أو الثدي أو السرة ، ثم يسيل إلى الجانب الآخر منها .
(١) القيح: دم نَضح حتى ابيضَّ وخثر. والصديد: هو قيح ازداد نضجاً حتى رَقَّ، أو هو ماء الجرح الرقيق
المختلط بالدم .
- ٢٦٧ -

وبشرط كونه كثيراً عند الحنابلة ، والكثير : ما كان فاحشاً بحسب كل
إنسان ، أي أنه يراعى حالة الجسم نحافة وضخامة ، فلو خرج دم من نحيف مثلاً
وكان كثيراً بالنسبة إلى جسده، نقض، وإلا فلا ، لقول ابن عباس: ((الفاحش
ما فحش في قلبك )) .
ودليل الحنفية: قوله ◌ُ التّ: ((الوضوء من كل دم سائل)) (١) وقوله عليه
السلام: (( من قاء أو رعف في صلاته، فلينصرف ، وليتوضأ،
وليبن - يكمل - على صلاته مالم يتكلم)(٣) وقوله أيضاً: ((ليس في القطرة ولا في
القطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دماً سائلاً))(٣).
ودليل الحنابلة حديث فاطمة بنت أبي حبيش السابق عند الترمذي: ((إنه
دم عرق ، فتوضئي لكل صلاة )» ولأن الدم ونحوه نجاسة خارجة من البدن ،
فأشبه الخارج من السبيل .
وأما كون القليل من ذلك لا ينقض ، فامفهوم قول ابن عباس : في الدم :
((إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة )) وعصر ابن عمر بثرة ، فخرج الدم ، فصلى ولم
يتوضأ ، وابن أبي أوفى عصر دملاً ، وغيرهما(٤).
وقرر المالكية والشافعية : عدم نقض الوضوء بالدم ونحوه ، بدليل حديث
أنس، قال: ((واحتجم رسول الله مَ ◌ّ، فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل
محاجمه))(٥) .
(١) روي من حديث تميم الداري عند الدارقطني ، وفيه مجهولان ، ومن حديث زيد بن ثابت عند ابن عدي
في الكامل ، وفيه من لا يحتج بحديثه ( نصب الراية : ٣٧/١ ) .
(٢) روي من حديث عائشة عند ابن ماجه ، وهو حديث صحيح ، ومن حديث أبي سعيد الخدري عند
الدارقطني، وهو معلول براو فيه ( نصب الراية: ٣٨/١ ، نيل الأوطار: ١٨٧/١ )
(٣) أخرجه الدارقطني ، من حديث أبي هريرة مرفوعاً ، قال الحافظ ابن حجر : وإسناده ضعيف جداً . وفيه
متروك ( نيل الأوطار: ١٨٩/١، نصب الراية: ٤٤/١ ).
(٤) نيل الأوطار: ١٨٩/١ .
(٥) رواه الدارقطني والبيهقي، وهو ضعيف ( نيل الأوطار: ١٨٩/١ )
- ٢٦٨ -

وحديث عباد بن بشر: (( أنه أصيب بسهام ، وهو يصلي ، فاستمر في
صلاته)) (١) ويبعد ألا يطلع النبي ◌ُ ◌ّ على مثل هذه الواقعة العظيمة ، ولم ينقل
أنه أخبره بأن صلاته قد بطلت .
٤ - القيء : الخلاف فيه كالخلاف في الدم ونحوه من الخارج من غير
السبيلين ، على اتجاهين :
الأول - للحنفية والحنابلة : أنه ينقض الوضوء ، إذا كان بملء الفم عند
الحنفية : وهو ما لا ينطبق عليه الفم إلا بتكلف ، على الأصح . وإذا كان كثيراً
فاحشاً عند الحنابلة : وهو ما فحش في نفس كل أحد بحسبه .
والقيء سواء أكان طعاماً أم ماء أم عَلَقا ( المراد به هنا الدم المتجمد الخارج
من المعدة ) أم مِرَّة ( الصفراء ) . ولا ينقض البلغم من معدة أو صدر أو رأس ،
كالبصاق والنخامة ، لأنها ظاهرة تخلق من البدن . ولا ينقض الجشاء وهو الريح
الذي يخرج من فم الرجل .
ودليلهم: حديث عائشة المتقدم: (( من أصابه فيء أو رعاف أو قَلس ، أو
مذي ، فلينصرف ، فليتوضأ ، ثم ليَبْن على صلاته ، وهو في ذلك لا يتكلم)) (٢)
والقلس : هو ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه ، وليس بقيء ، وإن عاد فهو
القيء .
وحديث أبي الدرداء: ((أن النبي ◌ٍُّ قاء، فتوضأ، فلقيت ثوبانَ في
مسجد دمشق ، فذكرت له ذلك ، فقال: صدق، أنا صببت له وَضُوءه)) (٣) .
(١) ذكره البخاري تعليقاً ، وأبو داود وابن خزيمة .
(٢) رواه ابن ماجه والدارقطني ، قال البيهقي: والصواب إرسالة ( نيل الأوطار: ١٨٧/١ )
(٣) رواه أحمد الترمذي ، وقال: هو أصح شيء في الباب ( نيل الأوطار: ١٨٦/١).
- ٢٦٩ -
.

والخلاصة : أن القيء ناقض للوضوء عند هؤلاء بقيود ثلاثة : كونه من
المعدة ، وكونه ملء الفم أو كثيراً ، وكونه دفعة واحدة .
الاتجاه الثاني - للمالكية والشافعية : أنه لا ينقض الوضوء بالقيء ؛
لأنه عليه الصلاة والسلام قاء فلم يتوضأ(١) ، وفي حديث ثوبان قال: ((قلت :
يا رسول الله ، هل يجب الوضوء من القيء ؟ قال : لو كان واجباً ، لوجدته في
كتاب الله)) ولأنه خارج من غير الخرج ، مع بقاء المخرج ، فلم ينقض الطهارة
كالبصاق . وأجابوا عن حديث أبي الدرداء بأن المراد بالوضوء : غسل اليدين .
والظاهر لي : أن الخارج من غير السبيلين كالدم والقيء ينقض الوضوء إذا
كان كثيراً فاحشاً أي كما قال الحنابلة ، قياساً على الخارج النجس من السبيلين ، إذ
في الأحاديث كلها كلام ، ولا تخلو من ضعف .
٥ - غيبة العقل أو زواله بالمخدرات أو المسكرات، أو بالإغماء أو الجنون ، أو
الصرع ، أو بالنوم : هذا السبب وما بعده من لمس المرأة المشتهاة ، ومس الذكر أو
القبل أو الدبر ، قد يترتب عليه غالباً خروج شيء من أحد السبيلين ، فيكون
ناقضاً للوضوء ، لأن زائل العقل لا يشعر بحال ، والنوم يذهب معه الحس ،
5
والجنون والإغماء ونحوهما أشد تأثيراً من النوم .
والدليل على أن النوم الثقيل أو غير اليسير ناقض للوضوء: قوله مح له من
حديث علي: ((العين وِكاء السَّهِ، فمن نام فليتوضأ)) (٢) وحديث معاوية (( العين
وكاء السه ، فإذا نامت العينان ، استطلق الوكاء)) (٣) والحديثان يدلان على أن
النوم مظِنّة للنقض ، لا أنه بنفسه ناقض .
(١) رواه الدارقطني .
(٢) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. والوكاء : الخيط الذي يربط به الشيء ، والسه: الدبر ، والمعنى : اليقظة
وكاء الدبر، أي حافظة مافيه من الخروج لأنه ما دام مستيقظاً، أحس بما يخرج منه ( نيل الأوطار: ١٩٢/١ )
(٣) رواه أحمد والدارقطني ( المرجع السابق )
- ٢٧٠ -

وقد اختلف الفقهاء على آراء في كون النوم ناقضاً للوضوء ، ذكرها النووي
في شرح مسلم (١ / ٧٣ ) نختار منها رأيين متقاربين لا يختلفان إلا في بيان مدى
عمق النوم الذي يعد دليلاً على خروج الريح ، وهما ما يأتي :
الرأي الأول - للحنفية والشافعية : أن النوم الناقض للوضوء هو الذي
لم تتمكن فيه المقعدة من الأرض ، أو النوم مضطجعاً أو متكئاً أو منكباً على
شيء ؛ لأن الاضطجاع ونحوه سبب لاسترخاء المفاصل . فإن نام قاعداً ممكناً
مقعدته من الأرض لأرض وظهر دابة سائرة ، لم ينتقض وضوءه .
فإن كان مستنداً إلى شيء لو أزيل عنه لسقط ، ولم يكن ممكناً مقعده من
الأرض ، انتقض وضوءه عند الحنفية ؛ لأن الاسترخاء يبلغ نهايته بهذا النوع من
الاستناد ، ولم ينتقض عند الشافعية إذا كان ممكناً مقعده من الأرض ، للأمن
حينئذ من خروج شيء ، فالحكم في المذهبين إذن واحد .
ولا ينتقض الوضوء عند الحنفية بالنوم حالة القيام والركوع والسجود في
الصلاة وغيرها ؛ لأن بعض الاستمساك باق ، إذ لو زال لسقط ، فلم يتم
الاسترخاء .
ودليلهم: أحاديث ، منها حديث ابن عباس: (( ليس على من نام ساجداً
وضوء، حتى يضطجع ، فإنه إذا اضطجع ، استرخت مفاصله))(١) وفي لفظ
(( لا وضوء على من نام قاعداً ، إنما الوضوء على من نام مضطجعاً ، فإن من نام
مضطجعاً استرخت مفاصله))(٣) وفي رواية للبيهقي: ((لا يجب الوضوء على من
نام جالساً أو قائماً أو ساجداً حتى يضع جنبه )) .
(١) رواه أحمد وهو ضعيف ( نيل الأوطار: ١٩٣/١)
(٢) رواه أبو داود والترمذي والدارقطني، وهو ضعيف ( المرجع السابق )
- ٢٧١ -

ومنها حديث أنس: ((كان أصحاب رسول الله ◌ُ التّ ينتظرون العشاء،
فينامون قعوداً ، ثم يصلون ، ولا يتوضؤون)) (١) وهو يدل على أن يسير النوم
لا ينقض الوضوء .
ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ◌َ ◌ّ قال:
(( من نام جالساً فلا وضوء عليه، ومن وضع جنبه فعليه الوضوء))(٢) .
وروى مالك عن ابن عمر أنه كان ينام جالساً ، ثم يصلي ولا يتوضأ .
وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أنه رأى النبي اټ نام وهو ساجد ،
حتى غَطَّ أو نفخ ، ثم قام يصلي ، فقلت : يا رسول الله ، إنك قد نمت ؟ قال :
((إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً ، فإنه إذا اضطجع استرخت
مفاصله)) (٣).
قال الكمال بن الهمام : وأنت إذا تأملت فيما أوردناه لم ينزل عندك الحديث
(٤)
عن درجة الحسن
.
الرأي الثاني - للمالكية والحنابلة : أن النوم اليسير أو الخفيف
لا ينقض ، والنوم الثقيل ينقض .
وعبارة المالكية : النوم الثقيل ولو قَصُر زمنه ناقض للوضوء ، أما النوم
الخفيف ولو طال زمنه فلا ينقض . والثقيل : مالا يشعر صاحبه بالأصوات ، أو
بسقوط شيء بيده ، أو سيلان ريقه ونحو ذلك ، فإن شعر بذلك فنوم خفيف .
(١) رواه الشافعي وأبو داود ومسلم والترمذي وهو صحيح ( المرجع السابق )
(٢) أخرجه ابن عدي ( نصب الراية: ٤٥/١) وأخرج أيضاً ثم البيهقي حديثاً مماثلاً عن حذيفة بن اليمان.
(٣) نصب الراية : ٤٤/١
(٤) فتح القدير : ٣٣/١
- ٢٧٢ -
1

ودليلهم حديث أنس المتقدم: ((كان أصحاب رسول الله ما تم ينتظرون العشاء
الآخرة ، حتى تخفق رؤوسهم ، ثم يصلون ولا يتوضؤون)) .
وحديث ابن عباس، قال: (( بتُّ عند خالتي ميونة ، فقام رسول الله
عَ ◌ٍّ ، فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذ بيدي ، فجعلني من شقه الأيمن ، فجعلت
إذا أغفَيت، يأخذ بشحمة أذني ، قال: فصلى إحدى عشرة ركعة))(١) وفي هذين
الحديثين دلالة واضحة على أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء .
وعبارة الحنابلة : النوم في جميع أحواله ناقض للوضوء إلا النوم اليسير عرفاً
من جالس أو قائم ، لحديثي أنس وابن عباس السابقين . والصحيح أنه لا حد
للنوم القليل ، وإنما مرجعه إلى ما جرت به العادة ، فسقوط المتمكن وغيره ينقض
الوضوء .
فإن نام وشك ، هل نومه كثير أو يسير ؟ اعتبر طاهراً لتيقنه الطهارة ،
وشکه في نقضها ، وإن رأى رؤيا فهو نوم كثير . وينقض النوم اليسير من رائع
وساجد ومستند ومتكئ ومُحْتَب(٢) كمضطجع .
ومن لم يُغْلب على عقله ، لم ينقض وضوءه ؛ لأن النوم : الغلبة على العقل ،
ولأن الناقض زوال العقل ، ومتى كان العقل ثابتاً ، وحسه غير زائل ، مثل من
يسمع ما يقال عنده ، ويفهمه ، لم ينتقض وضوءه . والخلاصة : أن النوم
مضطجعاً في الصلاة أو في غيرها غير ممكن مقعدته ناقض للوضوء بلا خلاف بين
الفقهاء ، وأن زوال العقل بأي سبب من إغماء أو جنون أو سكر ناقض للوضوء
قياساً على النوم ، وهو الحق .
(١) رواه مسلم ( نيل الأوطار: ١٩٢/١) والإغفاء : النوم أو النعاس .
(٢) جلسة الاحتباء : أن يجلس على مقعده ويرفع ركبتيه ويمسكها بيديه .
الفقه الإسلامي جـ١ (١٨)
- ٢٧٣ -

٦ - لمس المرأة : ينتقض الوضوء عند الحنفية بلمس المرأة في حالة المباشرة
الفاحشة ، وعند المالكية والحنابلة بالتقاء بشرتي الرجل والمرأة في حال اللذة أو
الشهوة . وعند الشافعية : بمجرد التقاء بشرتي الرجل والمرأة ، اللامس والملموس ،
ولو بدون شهوة .
وتفصيل آراء المذاهب فيما يأتي :
:
قال الحنفية : ينتقض الوضوء بالمباشرة الفاحشة : وهي التقاء الفرجين مع
انتشار العضو بلا حائل يمنع حرارة الجسد ، أو هي أن يباشر الرجل المرأة بشهوة
وينتشرها ، وليس بينهما ثوب ، ولم ير بللاً .
وقال المالكية : ينتقض الوضوء بلمس المتوضئ البالغ لشخص يلتذ به
عادة - من ذكر أو أنثى - ولو كان الملموس غير بالغ ، سواء أكان اللمس لزوجته أو
أجنبية أو محرماً ، أم كان اللمس لظفر أو شعر ، أم من فوق حائل كثوب ، وسواء
أكان الحائل خفيفاً يحس اللامس معه بطراوة البدن ، أم كان كثيفاً ، وسواء أكان
اللمس بين الرجال أم بين النساء .
فاللمس بلذة ناقض ، وكذا القبلة بالفم تنقض الوضوء مطلقاً ، ولو بدون
لذة ؛ لأنها مظنة اللذة ، أما القبلة في غير الفم فتنقض وضوء المقبِّل والمقبَّل إن
كانا بالغين ، أو البالغ منهما إن قبل من يشتهى ، إن وجدت اللذة ، ولو وقعت
بإ كراه أو استغفال . فالنقض باللمس مشروط بشروط ثلاثة : أن يكون اللامس
بالغاً ، وأن يكون الملموس ممن يشتهى عادة ، وأن يقصد اللامس اللذة أو
يجدها .
ولا ينقض الوضوء بلذة من نظر أو فكر ولو حدث انتصاب ( إنعاظ ) مالم
- ٢٧٤ _

يمذ بالفعل ، ولا بلمس صغيرة لا تشتهى ، أو بهيمة أو رجل ملتحي ، إذ الشأن
عدم التلذذ به عادة إذا كملت لحيته .
وقال الحنابلة في المشهور : ينقض الوضوء بلمس بشرة النساء بشهوة من غير
حائل ، وكان الملموس مشتهى عادة غير طفلة وطفل ، ولو كان الملموس ميتاً ، أو
عجوزاً ، أو مَحْرماً، أو صغيرة تشتهى : وهي بنت سبع سنين فأكثر ، فلا فرق
بين الأجنبية وذات المحرم والكبيرة والصغيرة .
ولا ينقض لمس شعر وظفر وسن ، ولا مس عضو مقطوع لزوال حرمته ، ولا
مس أمرد ولو بشهوة ، ولا مس خنثى مشكل ، ولا ينقض مس الرجل الرجل ولا
المرأة المرأة ولو بشهوة . وإذا لم ينقض الوضوء بمس أنثى ، فإنه يستحب .
والخلاصة : أن هذه المذاهب الثلاثة ( الجمهور ) : لا ينتقض الوضوء لديها
بمجرد التلامس العادي بين الرجل والمرأة .
الله تـ
الأدلة :
واستدلوا بما يأتي :
١ - قوله تعالى: ﴿ أو لا مستم النساء﴾ وحقيقة اللمس : ملاقاة البشرتين،
أما الحنفية فأخذوا بما نقل عن ابن عباس ترجمان القرآن رضي الله عنهما : أن المراد
من اللمس الجماع ، وبما قال ابن السكيت : أن اللمس إذا قرن بالنساء يراد به
الوطء ، تقول العرب : لمست المرأة أي جامعتها ، فيجب المصير في الآية إلى إرادة
المجاز : وهو أن اللمس يراد به الجماع ، لوجود القرينة وهي حديث عائشة الذي
سيأتي .
وأما المالكية والحنبلية الذين قيدوا اللمس الناقض بما إذا كان لشهوة :
فجمعوا بين الآية والأخبار الآتية عن عائشة وغيرها .
- ٢٧٥ _

٢ - حديث عائشة: ((أن النبي ؤالٍ كان يُقبّل بعض أزواجه، ثم يصلّي
ولا يتوضأ)»(١) .
٣ - حديث عائشة أيضاً، قالت: ((إن كان رسول الله مَّ الّ ليُصلّي، وإني
المعترضة بين يديه اعتراض الجنازة ، حتى إذا أراد أن يوتر مسَّني برجْله))(٢) فيه
دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء ، والظاهر أن مسها برجله كانَ من غير
حائل .
٤ - حديث عائشة أيضاً، قالت: ((فَقَدْتُ رسول الله م ◌ِّ ليلةً من
الفراش ، فالتمسته ، فوضعت يدي على باطن قدميه ، وهو في المسجد ، وهما
منصوبتان ، وهو يقول : اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطك ، وبمعافاتك من
عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، كما أثنيت على نفسك))(٣)
وهو يدل على أن اللمس غير موجب للنقض .
وقال الشافعية : ينقض الوضوء بلمس الرجل المرأة الأجنبية غير المحرم ، ولو
ميتة ، من غير حائل بينهما ، ينقض اللامس والملموس ، ولو عجوزاً شوهاء أو
شيخاً هرماً ، ولو بغير قصد ، ولا ينقض شعر وسن وظفر ، أو لمس مع حائل .
والمراد بالرجل والمرأة : ذكر وأنثى بلغا حد الشهوة عرفاً ، أي عند أرباب
الطباع السليمة . والمراد بالَحْرم : من حرم نكاحها لأجل نسب أو رضاع أو
مصاهرة ، فلا ينقض صغير أو صغيرة لا يشتهى أحدهما عرفاً غالباً لذوي الطباع
(١) رواه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي ، وهو مرسل، وضعفه البخاري ، وكل طرقه معلولة ، قال ابن
حزم : لا يصح في الباب شيء ، وإن صح فهو محمول على ما كان عليه الأمر قبل نزول الوضوء من المس ( نيل
الأوطار : ١٩٥/١ )
(٢) رواه النسائي، قال ابن حجر: إسناده صحيح ( نيل الأوطار: ١٩٦/١ ).
(٣) رواه مسلم والترمذي وصححه والبيهقي ( المرجع السابق ، وانظر هذه الأحاديث في نصب الراية :
٧٠/١ - ٧٥)
- ٢٧٦ -

السليمة ، فلا يتقيد بابن سبع سنين أو أكثر، لاختلافه باختلاف الصغار
والصغيرات ، لانتفاء مظنة الشهوة . ولا ينقض مَحْرم بنسب ، أو رضاع ، أو
مصاهرة كأم الزوجة لانتفاء مظنة الشهوة .
وسبب النقض : أنه مظنة التلذذ المثير للشهوة التي لا تليق بحال المتطهر .
ودليلهم : العمل بحقيقة معنى الملامسة في اللغة في الآية: ﴿ أو لا مستم
النساء ) وهو الجس باليد ، أو ملاقاة البشرتين ، أو لمس اليد ، بدليل قراءة :
﴿ أو لمستم﴾ فإنها ظاهرة في مجرد اللمس من دون جماع.
وأما حديث عائشة في التقبيل فهو ضعيف ، ومرسل . وأما حديث عائشة
في لمسها لقدمه ◌ٍّ فمؤول بأن اللمس يحتمل أنه كان بحائل ، أو أنه خاص بالنبي .
لكن في هذا التأويل تكلف ومخالفة للظاهر .
ويبدو لي أن اللمس العارض أو الطارئ ، أو الذي لا لذة أو لا شهوة فيه
غير ناقض للوضوء ، وأما اللمس الذي يصحبه الشهوة فهو ناقض ، وهذا في
تقديري أرجح الآراء .
لاً - مس الفرج - القبل أو الدبر: لا ينتقض الوضوء عند الحنفية بمس
الفرج ، وينتقض به عند الجمهور، على تفصيل آتٍ ، قال الحنفية : لا ينتقض
الوضوء بمس الفرج أو الذكر، لحديث طَلْق بن علي: (( الرجل يمس ذكره ،
أعليه وضوء؟ فقال التِّ: إنما هو بَضْعة منك، أو مضغة منك))(١) .
ولما روي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وعمران بن
حصين ، وحذيفة بن اليمان ، وأبي الدرداء ، وأبي هريرة رضي الله عنهم : أنهم لم
(١) رواه أصحاب السنن الأربعة ( أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وأحمد والدارقطني مرفوعاً، ورواه
ابن حبان في صحيحه ، قال الترمذي : هذا الحديث أحسن شيء يروى في هذا البساب ( نصب الراية: ٦٠/١
وما بعدها ، نيل الأوطار: ١٩٨/١ )
- ٢٧٧ -

يجعلوا مس الذكر حدثاً ، حتى قال علي رضي الله عنه : لا أبالي مسسته ، أو
أرنبة أنفي .
وقال المالكية : ينقض الوضوء بمس الذكر ، لا بمس الدبر ، فيعد مس
الذكر المتصل ناقضاً ، لا المقطوع ، سواء مسَّه من أي جزء منه ، التذ أم لا ، إذا
مسه عمداً أو سهواً من غير حائل ببطن الكف أو جنبه ، أو ببطن أصبع وبجنبه ،
لا بظهره ، ولو كان الأصبع زائداً على الخمسة إن كان له إحساس ويتصرف به
كغيره من الأصابع ، وذلك إذا كان بالغاً ، أما مس الصبي ذكره فلا ينقض ، أي
أن المراد مس البالغ ذكره بباطن الكف والأصابع .
ولا ينقض مس حلقة الدبر ، أو الأنثيين ( الخصيتين ) ، ولا مس امرأة
فرجها ، ولو ألطفت : أي أدخلت أصبعاً أو أكثر من أصابعها في فرجها .
ولا ينقض مس ذكر صبي أو كبير غيره .
ودليلهم : الاقتصار على حديث: (( من مس ذكره فلا يصلي حتى
يتوضأ))(١) وحديث (( من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه سِتْر ، فقد وجب عليه
الوضوء))(٢) .
وقال الشافعية والحنابلة : ينتقض الوضوء بمس فرج الآدمي ( الذكر والدبر
وقبل المرأة ) من نفسه أو غيره ، صغيراً أو كبيراً ، حياً أو ميتاً ، وقياس الدبر على
الذكر هو مذهب الشافعي الجديد ، بشرط كونه بباطن الكف ( أي الراحة مع
(١) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن ) وصححه الترمذي، وأخرجه أيضاً مالك والشافعي وابن خزيمة وابن
حبان والحاكم وابن الجارود، وقال البخاري: ((هو أصح شيء في هذا الباب)) ( نيل الأوطار: ١٩٧/١، نصب الراية :
٥٤/١ وما بعدها ) .
(٢) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه، وقال: حديث صحيح سنده عدول نقلته ( نيل الأوطار: ١٩٩/١ )
ورواه الشافعي في مسنده بلفظ ((إذا أفضى أحدكم إلى ذكره، فقد وجب عليه الوضوء)) ( انظر نصب الراية: ٥٤/١
وما بعدها ) .
- ٢٧٨ -

بطون الأصابع ) فلا ينقض بظاهر الكف وحرفه ورؤوس الأصابع وما بينها بعد
التحامل اليسير ، أي أن الناقض هو ما يستقر عند وضع إحدى الراحتين على
الأخرى مع تحامل يسير ، وفي الإبهامين يضع باطن أحدهما على باطن الآخر . فلو
كان التحامل كثيراً كثر غير الناقض ، وقل الناقض . وفي هذا يتفق الشافعية مع
مذهب المالكية ؛ لأن ظاهر الكف ليس بآلة اللمس ، فأشبه ما لو مسه بفخذه .
ولا فرق عند الحنابلة بين بطن الكف وظهره ، بدليل حديث الإفضاء
المتقدم: ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، ليس بينهما سترة ، فليتوضأ)» وظاهر
كفه من يده ، والإفضاء : اللمس من غير حائل .
ودليل الشافعية والحنابلة مجموع الحديثين السابقين : حديث بُسْرة بنت
صفوان وأم حبيبة: ((من مس ذكره فليتوضأ)) وفي لفظ ((من مس فرجه
فليتوضأ)» وحديث أبي هريرة: ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ، فقد وجب
عليه الوضوء)) وفي لفظ ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه .. )) والفرج: يشمل
القبل والدبر ، ولأن الدبر أحد الفرجين ، فأشبه الذكر .
والنقض بمس المرأة قبلها لعموم حديث بسرة وأم حبيبة: (( من مس فرجه
فليتوضأ)» ولما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أيما رجل مس فرجه
فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ))(١).
والراجح عندي مذهب الجمهور غير الحنفية ؛ لأن حديث طلق بن علي
ضعيف أو منسوخ ، ضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي
وابن الجوزي ، وادعى فيه النسخ ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي
وآخرون .
(١) رواه أحمد والبيهقي ( نصب الراية : ٥٨/١ )
- ٢٧٩ -

٨ - القهقهة في الصلاة : تنقض الوضوء عند الحنفية دون غيرهم ، إذا كان
المصلي بالغاً ، عمداً أو سهواً ، زجراً وعقوبة للمصلي ، لمنافاتها مناجاة الله تعالى ،
فلا تبطل صلاة الصبي ، لأنه ليس من أهل الزجر .
والقهقهة : ما يكون مسموعاً لجيرانه . أما الضحك : فهو ما يسمعه هو دون
جيرانه ، والأول يبطل الصلاة والوضوء ، والثاني يبطل الصلاة فقط . أما
التبسم : وهو ما لا صوت فيه ، ولو بدت به الأسنان ، فلا يبطل شيئاً .
ودليلهم : حديث: (( ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الصلاة والوضوء
جميعاً ))(١).
ولا ينتقض الوضوء عند الجمهور ( غير الحنفية ) بالقهقهة ؛ لأنها لا توجب
الوضوء خارج الصلاة ، فلا توجبه داخلها كالعطاس والسعال . وردوا الحديث
السابق لكونه مرسلاً ، ومخالفته للأصول : وهو أن يكون شيء ينقض الطهارة في
الصلاة ، ولا ينقضها في غير الصلاة(٢).
وأرجح رأي الجمهور لعدم ثبوت حديث الحنفية .
٩ - أكل لحم الإبل: ينتقض الوضوء عند الحنابلة دون غيرهم بأكل لحم
الإبل ، على كل حال ، نيئاً ومطبوخاً ، عالماً كان أو جاهلاً . بدليل ما روى
البراء بن عازب قال: ((سئل رسول الله وَ الرّ عن لحوم الإبل ؟ فقال : توضؤوا
منها ، وسئل عن لحوم الغنم ؟ فقال : لا يتوضأ منها))(٣) وروى أسيد بن حضير
(١) فيه أحاديث مسندة ، وأحاديث مرسلة ، أما المسندة فمنها حديث أبي موسى الأشعري عند الطبراني ، وأبي
هريرة عند الدارقطني ، وابن عمر عند ابن عدي ، وأنس وجابر ، وعمران بن الحصين ، وأبي المليح : عند الدارقطني .
ولكن كلها ضعيفة ، وأما المراسيل فهي أربعة : مرسل أبي العالية ، ومرسل معبد الجهني ، ومرسل ابراهيم النخعي ،
ومرسل الحسن ( نصب الراية: ٤٧/١ - ٥٤ )
(٢) بداية المجتهد : ٣٩/١ .
(٣) روى مسلم وأبو داود . وروى مسلم وأحمد عن جابر بن سمرة مثله ، وهما حديثان صحيحان .
- ٢٨٠ -