Indexed OCR Text

Pages 241-260

وأما المندوب أو المستحب: فهو مالم يواظب عليه النبي مع له. ويعرف هنا
بآداب الوضوء . وحكمه الثواب على فعله وعدم اللوم على تركه .
وأهم سنن الوضوء عند الحنفية : ثمانية عشر شيئاً ، وعند المالكية ثمانية ،
وعند الشافعية حوالي ثلاثين ، إذ لم يفرقوا بين السنة والمندوب ، وعند الحنابلة :
حوالي عشرين مطلوباً(١) .
اً - النية سنة عند الحنفية ، ووقتها قبل الاستنجاء ، وكيفيتها : أن ينوي
رفع الحدث أو إقامة الصلاة أو ينوي الوضوء أو امتثال الأمر . ومحلها القلب ،
واستحب المشايخ النطق بها . وهي فرض عند الجمهور غير الحنفية ، كما بينا في
بحث فرائض الوضوء .
٢ - غسل اليدين إلى الرسغين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء ، سواء قام من النوم
أم لم يقم؛ لأنها آلة التطهير، ولقول النبي ◌ّ له: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه،
فليغسل يده ، قبل أن يدخلها في الإِناء ، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده))(٢)
وفي لفظ: (( حتى يغسلها ثلاثاً )) والأرجح الاكتفاء بمرة كبقية أفعال الوضوء،
والتثليث مستحب . وقال الحنابلة : يكون الغسل ثلاثاً ، سنة لغير المستيقظ من
النوم ليلاً ، وواجباً على المستيقظ من نومه ليلاً .
اً - التسمية في بدء الوضوء: بأن يقول عند غسل يديه إلى كوعيه: بسم
(١) البدائع: ١٨ - ٢٣، فتح القدير: ١٣ - ٢٣، الدر المختار: ١ / ١٠١ - ١١٤، مراقي الفلاح: ص ١٠ -
١٣، الشرح الصغير: ١ / ١١٧ - ١٢١، الشرح الكبير: ١ / ٩٦ - ١٠٤، بداية المجتهد: ١ / ٨ - ١٢، القوانين
الفقهية: ص ٢٢ ، المهذب: ١ / ١٥ - ١٩، كشاف القناع: ١ / ١١٨ - ١٢٢، المغني: ١ / ٩٦ - ١٤٣.
(٢) أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة ( نصب الراية: ١ / ٢) والرسغ : المفصل الذي بين الساعد
والكف ، وبين الساق والقدم ، أو أنه مفصل الكف بين الكوع ( ما يلي الإبهام) والكرسوع ( ما يلي الخنصر) وأما البوع
فهو العظم الذي يلي إبهام الرجل .
الفقه الإسلامي جـ١ (١٦)
- ٢٤١ -
مر

الله ، والوارد عنه عليه السلام - فيما رواه الطبراني عن أبي هريرة بإسناد حسن -
باسم الله العظيم، والحمد لله على دين الإسلام. وقيل: الأفضل: (( بسم الله
الرحمن الرحيم)) عملاً بحديث (( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن
الرحيم : أقطع))(١) .
وقد اعتبر المالكية التسمية من فضائل ( آداب ) الوضوء . وأوجب الحنابلة
التسمية عند الوضوء .
ودليلها: قوله ◌َ اقال: ((لاصلاة لمن لاوضوء له، ولاوضوء لمن لم يذكر اسم
الله عليه ))(٢) وقوله عليه السلام من حديث سعيد بن زيد مثله(٢) ، وحديث
أبي سعيد: ((لاوضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه))(٤) .
استدل الحنابلة على وجوب التسمية بهذه الأحاديث . وتأول الجمهور هذه
الأحاديث بأنها واردة لنفي الكمال، لا نفي الصحة، كحديث ((لاصلاة لجار
المسجد إلا في المسجد))(٥) وحديث (( ذكر الله على قلب المؤمن ، سمى أو لم
يسمِ ))(٦) بقرينة حديث مرفوع عن ابن عمر(٢): ((من توضأ وذكر اسم الله عليه
كان طهوراً لجميع بدنه ، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه ، كان طهوراً لأعضاء
(١) ذكره عبد القادر الرهاوي في الأربعين عن أبي هريرة ، وهو حديث ضعيف.
(٢) رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم وقال: حديث صحيح الإسناد ، عن أبي هريرة ( نصب الراية :
١ / ٣ ) .
(٣) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي والحاكم ، قال الإمام أحمد : حديث أبي سعيد أحسن حديث في هذا
الباب ، وقال الترمذي والبخاري : حديث سعيد بن زيد أحسن . والجميع في أسانيدها مقال قريب ( نصب الراية :
١ / ٤، نيل الأوطار: ١ / ١٣٤).
(٤) رواه الحاكم في المستدرك وصححه، وضعفه غيره ( نصب الراية: ١ / ٤ ) .
(٥) رواه الدارقطني عن جابر وعن أبي هريرة ، وهو ضعيف ( الجامع الصغير، نيل الأوطار: ١ / ١٣٦).
(٦) أخرجه الدارقطني، وفيه ضعيف ( نصب الراية: ٤ / ١٨٣، نيل الأوطار، المكان السابق ) .
(٧) صرح ابن سيد الناس في شرح الترمذي بأنه قد روي في بعض الروايات: ((لاوضوء كاملاً )) وقد استدل به
الرافعي ، قال ابن حجر: لم أره هكذا ( نيل الأوطار ، المكان السابق ) .
- ٢٤٢ -

وضوئه))(١) ولخبر النسائي وابن خزيمة بإسناد جيد عن أنس: ((توضوّوا بسم
الله)) أي قائلين ذلك، وأكملها كالها ، ثم الحمد لله على الإسلام ونعمته ، الحمد لله
الذي جعل الماء طهوراً . وإنما لم تجب التسمية لآية الوضوء المبينة لواجباته .
٤ - المضمضة والاستنشاق: والمضمضة : هي إدخال الماء في الفم وخضخضته
وطرحه ، أو استيعاب جميع الفم بالماء . والاستنشاق : إدخال الماء في الأنف
وجذبه بنفسه إلى داخل أنفه .
ويلحق بها سنة الاستنثار : وهو دفع الماء بنفسه مع وضع أصبعيه ( السبابة
والإبهام من يده اليسرى ) على أنفه ، كما يفعل في امتخاطه . وهي كلها سنة
مؤكدة عند الجمهور غير الحنابلة لحديث مسلم: (( مامنكم من أحد يقرب وضوءه ،
ثم يتمضض ويستنشق ويستنثر، إلا خرَّت خطايا فيه ، وخياشيه مع الماء))(٢).
وأما خبر ((تمضمضوا واستنشقوا)) فضعيف. وإنما لم يجبا فلآية الوضوء المبينة
لواجباته .
صفة وضوء رسول الله مع التّ في المضمضة والاستنشاق :
وتسن المضمضة والاستنشاق ثلاثاً للحديث المتفق عليه عن عثمان بن عفان
رضي الله عنه : أنه دعا يإناء ، فأفرغ على كفّيه ثلاث مرات ، فغسلهما ، ثم أدخل
يمينه في الإناء ، فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً ، ويديه إلى المرفقين ثلاث
مرات ، ثم مسح برأسه ، ثم غسل رِجْليه ثلاث مرات إلى الكعبين . ثم قال :
((رأيت رسول الله مؤتمر توضأ نحو وُضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وُضوئي
(١) أخرجه الدارقطني والبيهقي ، وفيه متروك ومنسوب إلى الوضع، ورواه الدارقطني والبيهقي عن
أبي هريرة وفيه ضعيفان، ورواه الدارقطني والبيهقي أيضاً، وفيه متروك (نيل الأوطار: ١ / ١٣٥).
(٢) معنى : خرت : سقطت وذهبت .
- ٢٤٣ -

هذا ، ثم صلى ركعتين، لا يُحدّث فيها نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه))(١)
ولقوله عليه السلام فيما روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة :
((عشر من الفطرة)) وذكر منها ((المضمضة والاستنشاق)) والفطرة: السنة، ولأن
الفم والأنف عضوان باطنان ، فلا يجب غسلهما كباطن اللحية وداخل العينين ،
ولأن الوجه : ما تحصل به المواجهة ولا تحصل المواجهة بها .
واتفق الفقهاء على أنه تسن المبالغة فيها للمفطر غير الصائم، لقوله معد ◌ّة - في
رواية صحح ابن القطان إسنادها - : ((إذا توضأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق
مالم تكن صائماً)) ولحديث لَقِيط بن صَبْرة: (( أسبغ الوضوء، وخلل بين
الأصابع، وبالغ في الاستنشاق ، إلا أن تكون صائماً))(٢) ولا تسن المبالغة للصائم ،
بل تكره لخوف الإفطار.
والمبالغة في المضمضة : أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان
واللثات . ويسن إمرار أصبع يده اليسرى على ذلك ، وفي الاستنشاق : أن يصعد
الماء بالنَّفَس إلى الخيشوم . ويسن إدارة الماء في الفم ومجه .
ويسن الاستنثار للأمر به في خبر ابن عباس عن النبي مع فقال: ((استنثروا
مرتين بالغتين ، أو ثلاثاً ))(٣) .
وعبارة الحنفية في المضمضة والاستنشاق : وهما سنتان مؤكدتان مشتملتان
على سنن خمسة : الترتيب ، والتثليث ، وتجديد الماء ، وفعلهما باليمنى ، والمبالغة
(١) نيل الأوطار: ١ / ١٣٩، ويؤيده حديث ضعيف رواه الدارقطني عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ «المضمضة
والاستنشاق سنة )» .
(٢) صححه الترمذي وغيره ، ورواه الخمسة ( نيل الأوطار: ١ / ١٤٥ ).
(٣) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وابن الجارود وصححه ابن القطان: وذكره الحافظ ابن حجر في
التلخيص ولم يذكره بضعف، وكذلك المنذري ( نيل الأوطار: ١ / ١٤٦ ).
- ٢٤٤ -

فيهما بالغرغرة ومجاوزة المارن لغير الصائم ، لاحتمال الفساد أي الإفطار(١).
وقال المالكية : يندب فعل المضمضة والاستنشاق ، بثلاث غرفات لكل
منهما ، ومبالغة مفطر .
وقال الشافعية : الأصح أن الترتيب فيها مستحق لامستحب ، عكس تقديم
الينى على اليسرى . والأظهر كما قال النووي في المنهاج : تفضيل الجمع على الفصل
بين المضمضة والاستنشاق ، بثلاث غرف ، يتمضمض من كلٍ ، ثم يستنشق ، أي أن
الجمع بغرفة لكليهما أفضل من فصلهما للأخبار الصحيحة في ذلك(٣) .
والمشهور في مذهب الحنابلة : أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين
جميعاً: الوضوء والغسل ، لأن غسل الوجه واجب فيها ، والفم والأنف من
الوجه ، ولحديث عائشة: (( المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد
منه))(٣) ، ولمداومته مّ عليهما في كل حديث ذكر فيه صفة وضوء رسول الله
مَ لُ، مثل حديث عثمان السابق، وحديث علي: ((أنه دعا بوَضُوء ، فتمضمض
واستنشق ونثر بيده اليسرى ، ففعل هذا ثلاثاً، ثم قال : هذا طَهُور نبي الله
عٍَّ)) (٤) وحديثي أبي هريرة: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: إذا توضأ أحدكم، فليجعل
في أنفه ماء، ثم لينثر)) ((أمر رسول الله عَ لّ بالمضمضة والاستنشاق))(٥) .
والحق : أن هذه الأحاديث ظاهرة في إيجاب المضمضة والاستنشاق . وقد
اعترف جماعة من الشافعية وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة
(١) الدر المختار: ١ / ١٠٨.
(٢) مغني المحتاج : ١ / ٥٨ .
(٣) رواه أبو بكر في الشافي بإسناده ، والدارقطني في سننه .
(٤) رواه أحمد والنسائي عن علي رضي الله عنه (نيل الأوطار: ١ / ١٤٣).
(٥) الحديث الأول متفق عليه ، والثاني رواه الدارقطني ( نيل الأوطار ، المكان السابق ) .
- ٢٤٥ _

والاستنشاق والاستنثار ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح : وذكر ابن المنذر أن
الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق ، مع صحة الأمر به ، إلا بكونه
لا يعلم خلافاً في أن تاركه لا يعيد . وهذا دليل فقهي ، فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد
من الصحابة والتابعين إلا عن عطاء (١) .
٥ - السواك سنة باتفاق الفقهاء ماعدا المالكية الذين عدوه من الفضائل ،
وسنخصص له مبحثاً مستقلاً .
٦ - تخليل اللحية الكثة والأصابع : يسن تخليل اللحية الكثة بكف ماء من
أسفلها(٢) ، وتخليل أصابع اليدين والرجلين باتفاق الفقهاء ، لما روى ابن ماجه
والترمذي وصححه: أنه ظل كان يخلل لحيته، ولما روى أبو داود: ((أنه مُّ
كان إذا توضأ ، أخذ كفاً من ماء ، فأدخله تحت حنكه ، فخلل به لحيته ،
وقال : هكذا أمرني ربي ))(٣) .
ولحديث لَقيط بن صَبْرَة في المبالغة في الاستنشاق السابق: (( أسبغ الوضوء
وخلل بين الأصابع ، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً))(٤) وحديث ابن
عباس: ((أن رسول الله ◌َ ◌ّ قال: إذا توضأت فخلِّل أصابع يديك ورجليك))(٥)
وحديث المُسْتَورِد بن شدَّاد قال: «رأيت رسول الله ماتم إذا توضأ خلل أصابع
رجليه بمخنصره )) (٦) .
(١) نيل الأوطار: ١ / ١٤١.
(٢) أما اللحية الخفيفة ، والكثيفة في حد الوجه من لحية غير الرجل وعارضيه ، فيجب إيصال الماء إلى ظاهره
وباطنه ومنابته بتخليل أو غيره ( مغني المحتاج : ١ / ٦٠ ).
(٣) انظر الحديثين في ( نيل الأوطار: ١ / ١٤٨)، وحديث ابن عباس عند البخاري في صفة وضوء رسول الله
عَّ لا يوجب إيصال الماء إلى باطن اللحية الكثة (نيل الأوطار: ١ / ١٤٧، وانظر الأحاديث الواردة في تخليل
اللحية في ( نصب الراية: ١ / ٢٣ ) .
(٤) رواه الخمسة وصححه الترمذي ( نيل الأوطار: ١ / ١٤٥).
(٥) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي ( نيل الأوطار: ١ / ١٥٣) .
(٦) رواه الخمسة إلا أحمد ( المرجع السابق) وانظر أحاديث تخليل الأصابع في (نصب الراية: ١ / ٢٧).
- ٢٤٦ -

لاً - تثليث الغسل : اتفق الفقهاء على أنه يسن تثليث الغسل واعتبره
المالكية من فضائل الوضوء ، لما ثبت في السنة كحديث عمرو بن شعيب من
تثليث غسل الكفين والوجه والذراعين(١). وإنما لم يجب؛ لأنه مع ال توضأ مرة
مرة ، وقال: (( هذا الذي لا يقبل الله العمل إلا به))، وتوضأ مرتين مرتين ،
وقال: (( هذا يضاعف الله به الأجر مرتين)) وتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، وقال: ((هذا
وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي)) (٢) .
وأما المسح فلا يسن تكراره عند الجمهور وأكثر أهل العلم من الصحابة ،
لحديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء رسول الله عَ لّ، قال: ((ومسح برأسه
مرة واحدة))(٢)، ولما روي عن علي رضي الله عنه ((أنه توضأ ومسح برأسه مرة
واحدة)) ثم قال: ((هذا وضوء النبي ◌ُّ ، من أحب أن ينظر إلى طهور رسول
الله ◌ُ ◌ٍّ فلينظر إلى هذا » قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
وكذلك وصف عبد الله بن أبي أوفى ، وابن عباس ، وسلمة بن الأكوع
والرُّبَيِّع، كلهم قالوا: ((ومسح برأسه مرة واحدة)) وحكايتهم لوضوء النبي معد له
إخبار عن الدوام ، ولا يداوم إلا على الأفضل الأكمل .
ولأنه مسح في طهارة ، فلا يسن تكراره ، كالمسح في التيم والمسح على
الجبيرة ، وسائر المسح .
وقال الشافعية: ويسن أيضاً تثليث المسح، لما روي عن أنس: ((الثلاث
أفضل)) ولحديث شقيق بن سلمة عند أبي داود قال: (( رأيت عثمان بن عفان
(١) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وفي آخره: ((هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء
وظلم، أو ظلم وأساء)) ( نصب الراية: ١ / ٢٩).
(٢) رواه الدارقطني عن زيد بن ثابت وأبي هريرة ، ولكن فيه راو ضعيف ( المرجع السابق ) .
(٣) متفق عليه .
- ٢٤٧ -

غسل ذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله مؤهلٍ فعل مثل
هذا، وروي مثل ذلك عن غير واحد من أصحاب رسول الله مؤاتهم.
وروى عثمان وعلي وابن عمر وأبو هريرة وعبد الله بن أبي أوفى ، وأبو مالك
والرُّبيع، وأبي بن كعب: ((أن رسول الله عَ ل توضأ ثلاثاً ثلاثاً)).
لكن رد الجمهور على الشافعية بأنه لم يصح من أحاديثهم شيء صريح ،
ويظهر أن رأي الجمهور أقوى دليلاً من السنة الصحيحة .
٨ - استيعاب كل الرأس بالمسح: يسن الاستيعاب بالمسح عند الحنفية
والشافعية اتباعاً للسنة فيما رواه الشيخان ، مرة واحدة عند الحنفية ، وثلاثاً عند
الشافعية ، وخروجاً من خلاف من أوجبه ؛ لأن مسح الرأس كله واجب عند
المالكية والحنابلة كما بينا .
والسنة في كيفيته : أن يضع يديه على مقدمة رأسه ويلصق سبابته بالأخرى
وإبهاميه على صدغيه ، ثم يذهب بها إلى قفاه ، ثم يردهما إلى المكان الذي ذهب
منه إذا كان له شعر ينقلب (١) ، فإن لم يقلب شعره لقصره أو عدمه لم يردّ لعدم
الفائدة .
وقال المالكية : يسن رد مسح الرأس وإن لم يكن له شعر بأن يعمه بالمسح
ثانياً إن بقي بيده بلل من المسح الواجب ، وإلا سقطت سنة الرد .
ودليل الحنفية حديث عمرو بن شعيب وحديث عثمان السابقين وفيهما : (( ثم
مسح برأسه )) ولم يذكرا عدداً . ومثله حديث أبي حَبَّة في صفة وضوء علي وفيه:
((ومسح برأسه مرة ))(٢) ودليل الشافعية : حديث عثمان السابق فيما رواه أبو داود
(١) هكذا رواه الجماعة عن عبد الله بن زيد ( نيل الأوطار: ١ / ١٥٤).
(٢) رواه الترمذي وصححه ( المرجع السابق: ص ١٥٨) .
- ٢٤٨ _

بإسناد حسن: أنه توضأ، فمسح رأسه ثلاثاً ، وقال: رأيت رسول الله التر توضأ
هكذا . وحديث علي عند البيهقي: (( توضأ ، فمسح رأسه ثلاثاً ، ثم قال : هكذا
رأيت رسول الله مَ ◌ٍّ فعل)).
وأجاز الشافعية والحنابلة مسح بعض الرأس والإكال على العمامة إن عسر
رفعهما، لأنه مَ اللّه ((مسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين)) (١).
٩ - مسح الأذنين ظاهراً وباطناً بماء جديد: يسن مسح الأذنين ظاهراً
وباطناً بماء جديد عند الجمهور؛ لأنه مؤتم مسح في وضوئه برأسه وأذنيه ظاهرهما
وباطنهما ، وأدخل أصبعيه في صاخي أذنيه ، ويأخذ لصاخيه أيضاً ماء جديداً .
روي عن عبد الله بن زيد: ((أنه رأى رسول الله عَ اللّ يتوضأ، فأخذ
لأذنيه ماءً خلاف الماء الذي أخذه لرأسه ))(٢)، وكان ابن عمر إذا توضأ يأخذ الماء
يإصبعيه لأذنيه(٣) .
وقال الحنابلة : يجب مسح الأذنين ؛ لأن الأذنين من الرأس لحديث
((الأذنان من الرأس))(٤)، ولأن النبي ◌ُ ◌ّ مسحهما مع رأسه، كما هو الثابت في
أحاديث متعددة(٥) .
والراجح لدي القول بسنية مسح الأذنين فقط، لأن حديث ((الأذنان من
الرأس )) لم يثبت ، وإنما هو ضعيف ، حتى قال ابن الصلاح: إن ضعفه كثير
(١) رواه مسلم والترمذي وصححه عن المغيرة بن شعبة ( المرجع السابق: ص ١٦٤).
(٢) رواه الحاكم والبيهقي وقال: إسناده صحيح ( نصب الراية: ١ / ٢٢).
(٣) رواه مالك في الموطأ ( المرجع السابق ) .
(٤) رواه ابن ماجه من غير وجه، لكن فيه راو تكلم فيه ( نيل الأوطار: ١ / ١٦٠).
(٥) منها حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود ، وحديث ابن عباس عند الترمذي والنسائي ، وحديث الرُّبَيِّع
بنت مُعَوَّذ عند أبي داود والترمذي، وقالا: حديث حسن ( انظر نيل الأوطار: ١ / ١٦٠ - ١٦٢).
- ٢٤٩ -

لا ينجبر بكثرة الطرق . وقال الشوكاني : الحق عدم انتهاض الأحاديث الواردة
لذلك ، والمتيقن الاستحباب ، فلا يصار إلى الوجوب إلا بدليل ناهض ، وإلا
كان من التقول على الله بما لم يقل(١) .
ومسح الأذنين : ثلاث مرات عند الشافعية ومرة عند الجمهور .
١٠ً - البداءة بالميامن في غسل اليدين والرجلين : واعتبره المالكية من
الفضائل. ودليل السنية: حديث عائشة قالت: ((كان رسول الله صل ى الله يحب
التيامُن في تنعله وترجُّله وطَهوره ، وفي شأنه كله ))(٢) وهو دليل على مشروعية
الابتداء باليمين في لبس النعال ، وفي ترجيل الشعر ( أي تسريحه ) وفي الطهور ،
فيبدأ بيده اليمنى قبل اليسرى ، وبالجانب الأيمن من سائر البدن في الغسل قبل
الأيسر ، والتيامن سنة في جميع الأشياء .
ويؤيده حديث أبي هريرة أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((إذا لبستم ، وإذا توضأتم
فابدءوا بأيامنكم ))(٣) .
وأضاف الحنفية والشافعية لهذه السنة : البداءة برؤوس الأصابع ومقدم
الرأس ، كما أن الشافعية أضافوا: البدء بأعلى الوجه. وقال المالكية : يندب
البدء في الغسل أو المسح بمقدم العضو أي في الوجه واليدين والرأس والرجلين .
١١ - الترتيب والموالاة والدلك عند من لا يرى فرضيتها، كما قدمنا في بحث
فرائض الوضوء .
(١) نيل الأوطار: ١ / ١٦١ .
(٢) متفق عليه ، وصححه ابن حبان وابن منده ( نيل الأوطار: ١ / ١٧٠ ).
(٣) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي ، قال ابن دقيق العيد : هو حقيق بأن
يصح ( نيل الأوطار: ١ / ١٧٠ ) .
- ٢٥٠ -

المطلب الخامس - آداب الوضوء أو فضائله :
عبر الحنفية عن ذلك بالآداب جمع أدب: وهو مافعله النبي مُ اللّ مرة أو
مرتين ولم يواظب عليه . وحكمه الثواب بفعله وعدم اللوم على تركه . وآداب
الوضوء عندهم أربعة عشر شيئاً .
وعبر عنها المالكية بالفضائل أي الخصال والأفعال المستحبة ، وهي عندهم
عشرة ، والفرق بينها وبين السنة : أن السنة : ما أكد الشارع أمرها ، وعظم
قدرها ، وأما المندوب أو المستحب : فهو ماطلبه الشارع طلباً غير جازم ، وخفف
أمره ، وكل منهما يثاب على فعله ، ولا يعاقب على تركه .
وأهم هذه الآداب ما يأتي :
اً - استقبال القبلة ؛ لأنها أشرف الجهات ولأنها حالة أرجى لقبول الدعاء ،
واعتبره الحنابلة والشافعية سنة ، إذ لم يفرقوا بين السنة والأدب .
اً - الجلوس في مكان مرتفع ؛ تحرزاً عن الغسالة .
S
وقال المالكية : يستحب إيقاع الوضوء في محل طاهر بالفعل ، وشأنه
الطهارة ، فيكره الوضوء في بيت الخلاء أو الكنيف ( دورة المياه) قبل
استعماله(١) ، كما يكره الوضوء في غيره من المواضع المتنجسة بالفعل .
اً - عدم التكلم بكلام الناس ، بلا ضرورة ؛ لأنه يشغله عن الدعاء المأثور .
(١) لأنه يصير مأوى الشياطين بمجرد إعداده ، ففيه تعرض للوسواس ، وإن لم يكن تنجس برشاش .
والخلاصة : أنه يكره الوضوء في مكان نجس ؛ لأنه طهارة ، أو فيما شأنه النجاسة ، لئلا يتطاير عليه شيء مما يتقاطر
من أعضائه ويتعلق به النجاسة .
- ٢٥١ -

٤ - عدم الاستعانة بغيره إلا لعذر؛ كالصب ونحوه(١) ، لأنه الأكثر من فعله
عالفحم (٢)، ولأنها نوع من الترفه والتكبر، وذلك لا يليق بالمتعبد ، والأجر على قدر
النَّصَب، وهي خلاف الأولى ، وقيل : تكره . فإن كان ذلك لعذر كمرض فلا
بأس، وقد أجازها النبي، بدليل حديث المغيرة بن شعبة: (( أنه كان مع رسول
الله عَ لٍّ في سفر، وأنه ذهب لحاجة له ، وأن مُغيرة جعل يصب الماء عليه وهو
يتوضأ، فغسل وجهه ويديه ، ومسح برأسه، ومسح على الخفين ))(٣)، وقال
صفوان بن عَسال: ((صببت الماء على النبي عَ لَّ في السفر والحضر في الوضوء))(٤)
وقد دل هذان الحديثان على جواز الاستعانة بالغير، وبها أخذ الحنابلة فقالوا
بالإباحة .
٥ - تحريك الخاتم الواسع؛ مبالغة في الغسل، وروي عن أبي رافع: (( أن
رسول الله مَ اثٍ كان إذا توضأ حرَّك خاتمه))(٥) . ويندب أيضاً تحريك الخاتم
الضيق إن علم وصول الماء ، وإلا فيفرض تحريكه . وقد بينا أنه عند المالكية :
لا يجب تحريك الخاتم الضيق المأذون فيه .
٦ - كون المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى لشرفها، والامتخاط باليسرى
لامتهانها .
(١) أما الاستعانة بإحضار الماء فلا بأس بها وتركها أفضل، والاستعانة بغسل الأعضاء مكروهة ( مغني المحتاج:
١ / ٦١ ) .
(٢) روى ابن ماجه من حديث ابن عباس ((كان النبي ◌َّ لا يكل طهوره إلى أحد ، ولاصدقته التي يتصدق
بها إلى أحد ، ويكون هو الذي يتولاها بنفسه )) وهو حديث ضعيف .
(٣) متفق عليه بين الشيخين ( نيل الأوطار: ١ / ١٧٥ ).
(٤) رواه ابن ماجه، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير، قال ابن حجر: وفيه ضعف ( نيل الأوطار:
١ / ١٧٥ مكرر).
(٥) رواه ابن ماجه والدارقطني، وهو ضعيف ( نيل الأوطار: ١ / ١٥٣).
- ٢٥٢ -

٧ - التوضؤ قبل دخول الوقت مبادرة للطاعة ، لغير المعذور .
أما المعذور أو المتيم فلا يندب له تعجيل الطهارة عند الحنفية ، ويجب
تأخيرها لما بعد دخول الوقت عند الجمهور .
٨ - إدخال الخنصر المبلولة في صماخ الأذنين ؛ مبالغة في التنظيف .
٩ - مسح الرقبة بظهر يديه ، لا الحلقوم عند الحنفية(١)؛ لما روي عن ليث
عن طلحة بن مُصرِّف عن أبيه عن جده أنه رأى رسول الله مت فلم يمسح رأسه حتى
بلغ القَذَال ، وما يليه من مُقَدَّم العنق))(٢) .
وقال جمهور الفقهاء : لا يندب مسح الرقبة ، بل يكره ؛ لأنه من الغلو في
الدين .
١٠ - إطالة الغرة والتحجيل:
إطالة الغرة : بغسل زائد على الواجب من الوجه من جميع جوانبه ،
وغايتها : غسل صفحة العنق مع مقدمات الرأس .
والتحجيل : بغسل زائد على الواجب من اليدين والرجلين من جميع
الجوانب ، وغايته استيعاب العضدين والساقين .
وهذا مندوب عند الجمهور، لخبر الصحيحين: ((إن أمتي يدعون يوم القيامة
غرا محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّته فليفعل )» وخبر
مسلم: (( أنتم الغُرَّ المحجَّلُون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم
(١) هذا هو الراجح الصحيح ، وعده صاحب مراقي الفلاح تبعاً للبحر الرائق من سنن الوضوء ( انظر الدر
المختار: ١ / ١١٥) .
(٢) رواه أحمد، وهو ضعيف ( نيل الأوطار: ١ / ١٦٣) والقذال: مابين الأذنين من مؤخر الرأس.
- ٢٥٣ -

فليطل غُرَّته وتحجيله ))(١) .
وقال المالكية : لاتندب إطالة الغرة : وهي الزيادة في غسل أعضاء الوضوء
على محل الفرض ، بل يكره ؛ لأنه من الغلو في الدين ، وإنما يندب دوام الطهارة
والتجديد ، ويسمى ذلك أيضاً إطالة الغرة ، كما حمل عليه الحديث السابق :
((من استطاع منكم أن يطيل غرته)) فقد حملوا الإطالة على الدوام ، والغرة على
الوضوء . فيتلخص أن إطالة الغرة لها معنيان : الزيادة على المغسول ، وإدامة
الوضوء ، الأول مكروه ، والثاني مطلوب عندهم .
١١ - ترك التنشيف بالمنديل عند الحنفية والحنابلة وفي الأصح عند
الشافعية: إبقاء لأثر العبادة، ولأنه مع التّ ((بعد غسله من الجنابة أتته ميمونة
بمنديل ، فرده ، وجعل يقول بالماء : هكذا ، ينفضه))(٢).
وقال المالكية : المسح بالمنديل جائز، لحديث قيس بن سعد ، قال :
((زارنا رسول الله م التر في منزلنا، فأمر له سعد بغُسْل ، فوُضع له فاغتسل ، ثم
ناوله مِلْحفة مصبوغة بزعفران، أو وَرَس، فاشتمل بها))(٣).
وعبارة الحنابلة : يباح للمتطهر تنشيف أعضائه(٤)، وتركه أفضل . وهذا
هو الراجح .
(١) نيل الأوطار: ١ / ١٥٢.
(٢) رواه الشيخان، قال الشافعية: ولا دليل في ذلك لإباحة النفض، فقد يكون فعله مُ لّ لبيان الجواز
( مغني المحتاج: ١ / ٦١ ).
(٣) رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي. والغسل بضم الغين: اسم للماء الذي يغتسل به ( نيل الأوطار:
١ / ١٧٥ مكرر) اختلف في وصله وإرساله وذكره النووي في فصل الضعيف.
(٤) لما رواه ابن ماجه والطبراني في الصغير عن سلمان: أن النبي ◌َ اللّه (( توضأ، ثم قلب جبة كانت عليه ،
فمسح بها وجهه )) .
- ٢٥٤ -

١٢ - ترك النفض للماء في الأصح عند الشافعية والحنابلة؛ ويكره النفض
عند بعض الحنابلة ، وخلاف الأولى عند الشافعية، لحديث أبي هريرة: ((إذا
توضأتم فلا تنفضوا أيديكم، فإنها مراوح الشيطان))(١)، والأظهر عند الحنابلة أنه
لا يكره وفاقاً للأئمة الثلاثة .
١٣ - تقليل الماء الذي يرفعه للأعضاء حال الوضوء ، لأن الإسراف في الماء
مكروه .
١٤ - جعل الإناء المفتوح كالقَصْعة والطّست عن يمين المتطهر ، لأنه أعون في
التناول .
١٥ - الإتيان بالشهادتين والدعاء بعد الوضوء .
قال الحنابلة : وكذا بعد الغسل .
وهو أن يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين ، واجعلني من المتطهرين ، سبحانك
اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك . ويسن الصلاة
والسلام بعد الوضوء على النبي ◌َّ، فيقول: اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد .
والنطق بالشهادتين لخبر مسلم وأبي داود وابن ماجه عن عمر مرفوعاً:
(( مامنكم من أحد يتوضأ فيبلِّغ ، أو فيسبغ الوضوء ( أي يتمه ) ، ثم يقول: أشهد
أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، إلا فتحت له
أبواب الجنة الثمانية ، يدخل من أيها شاء )).
وزاد الترمذي على مسلم: (( سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا
(١) رواه المعمري وغيره من رواية البحتري بن عبيد، وهو متروك .
- ٢٥٥ -

أنت، أستغفرك وأتوب إليك)) وزاد فيه أيضاً: ((اللهم اجعلني من التوابين ،
واجعلني من المتطهرين )) ورواه أحمد وأبو داود .
وروى النسائي والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري: (( من توضأ ثم قال :
((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لاإله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ، كتب
في رَقّ ثم طبع بطابَع ( خاتم ) ، فلم يكسر إلى يوم القيامة )) أي لم يتطرق إليه
إبطال .
قال السامري : ويقرأ سورة القدر ثلاثاً .
وأما الدعاء عند غسل الأعضاء فلا أصل له في كتب الحديث ، كما قال
النووي رحمه الله . واستحبه الحنفية(١)، والمالكية(٢)، وأباحه بعض الشافعية .
خلاصة المذاهب في سنن الوضوء وآدابه :
اً - مذهب الحنفية(٣):
أ - سنن الوضوء سبع عشرة :
غسل اليدين إلى الرسغين ، والتسمية والسواك في ابتداء الوضوء ، والمضمضة
(١) فيقول عند غسل الكفين: ((اللهم احفظ يدي من معاصيك كلها))، وعند المضمضة: ((اللهم أعني على
تلاوة القرآن وذكرك وشكرك وحسن عبادتك)» وعند الاستنشاق: (( بسم الله، اللهم أرحني رائحة الجنة ولا ترحني
رائحة النار)) وعند غسل الوجه: ((اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه)) وعند غسل اليد اليمنى: (( اللهم
أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً)) وعند اليسرى: ((اللهم لاتعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري » وعند
مسح الرأس: ((اللهم حرم شعري وبشري على النار)) وعند مسح الأذنين: ((اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول
فيتبعون أحسنه)) وعند غسل الرجلين: ((اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام )» وأباح بعض الشافعية الدعاء
بهذه الأدعية .
(٢) قالوا: يكره الكلام حال الوضوء بغير ذكر الله تعالى، وورد أن النبي ◌ُ ◌ّم كان يقول حال الوضوء: اللهم
اغفر لي ذنبي ، ووسع لي في داري ، وبارك لي في رزقي ، وقنعني بما رزقتني ، ولا تفتني بما زويت عني )) رواه
الترمذي عن أبي هريرة ( الشرح الصغير: ١ / ١٢٧ ) .
( ٣) مراقي الفلاح: ص ١٠ - ١٣، الدر المختار: ١ / ٩٥ - ١٢٢.
- ٢٥٦ -

ثلاثاً ولو بغرفة ، والاستنشاق بثلاث غرفات ، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق
لغير الصائم ، وتخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها ، وتخليل الأصابع ،
وتثليث الغسل ، واستيعاب الرأس بالمسح مرة ، ومسح الأذنين ولو بماء الرأس ،
والدلك ، والولاء ، والنية ، والترتيب كما نص الله تعالى في كتابه ، والبداءة
بالميامن ورؤوس الأصابع ومقدم الرأس .
ب - آداب الوضوء خمسة عشر :
مسح الرقبة لا الحلقوم ، الجلوس في مكان مرتفع ، واستقبال القبلة ، وعدم
الاستعانة بغيره ، وعدم التكلم بكلام الناس ، والجمع بين نية القلب وفعل
اللسان ، والدعاء بالمأثور والتسمية عند كل عضو ، وإدخال خنصره في صاخ
أذنيه ، وتحريك خاتمه الواسع، والمضمضة والاستنشاق باليد اليمنى ، والامتخاط
باليسرى ، والتوضؤ قبل دخول الوقت لغير المعذور ، والإتيان بالشهادتين بعده ،
وأن يشرب من فضل الوضوء قائماً ، وأن يقول : اللهم اجعلني من التوابين ،
واجعلني من المتطهرين . ومن آدابه قراءة سورة القدر(١) وصلاة ركعتين في غير
وقت الكراهة(٢) ومن الآداب : تعاهد موقيه وكعبيه وعرقوبيه وإخمصيه .
٢ - مذهب المالكية(٣):
أ - سنن الوضوء ثمان :
غسل اليدين مرة إلى الكوعين أولاً قبل إدخالهما في الإناء ، والمضمضة ،
(١) الأحاديث وردت فيها، لكن قال ابن حجر: لم يثبت منها شيء عن النبي ◌َ ◌ّ لا من قوله ولا من
فعله .
(٢) لما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما: ((مامن أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين يقبل بقلبه
ووجهه عليها إلا وجبت له الجنة)).
(٣) الشرح الصغير: ١ / ١١٧ - ١٢٤، الشرح الكبير: ١ / ٩٦ - ١٠٦.
الفقه الإسلامي جـ١ (١٧)
- ٢٥٧ -

والاستنشاق بثلاث غرفات لكل منهما ومبالغة فيهما للمفطر ، ولابد لهذه السنن
الثلاث من نية بأن ينوي بها سنن الوضوء ، أو ينوي عند غسل يديه أداء
الوضوء ، والاستنثار ( دفع الماء من الأنف ) ، ومسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما
مرة واحدة ، وتجديد الماء لهما ، ورد مسح الرأس إن بقي بيده بلل من أثر المسح
الواجب لرأسه ، وترتيب فرائضه الأربعة بتقديم غسل الوجه على اليدين ، ثم
مسح الرأس ، ثم غسل الرجلين ، فإن قدم فرضاً على موضعه المشروع له ، أعاده
وحده مرة ولا يعيد مابعده . والمعتمد في ترك سنة ندب الإعادة دون مابعدها
سواء طال الترك أو لا ، لكن من ترك فرضاً من فرائض الوضوء أو الغسل غير
النية، أو ترك لمعة ( بقعة ) أتى به وبما بعده من الأعضاء إن لم يطل الترك ، فإن
طال بطل كل الفرض لعدم الموالاة الواجبة .
ب - فضائل الوضوء عشر :
أي خصاله وأفعاله التي يثاب عليها ولا يعاقب على تركها : إيقاع الوضوء في
موضع طاهر بالفعل وشأنه الطهارة ، واستقبال القبلة ، والتسمية بأن يقول عند
غسل يديه إلى كوعيه : بسم الله ، وتقليل الماء الذي يرفعه للأعضاء حال
الوضوء (١) ، وتقديم اليد أو الرجل الينى على اليسرى ، وجعل الإناء المفتوح
كالقصعة والطست لجهة اليد اليمنى ، والبدء في الغسل أو المسح بمقدم العضو ،
والغسلة الثانية والثالثة في السنن والفرائض حتى في الرِّجُل ، وترتيب السنن مع
بعضها أو مع الفرائض ، واستياك ولو بأصْبُع .
اً - مذهب الشافعية(٢):
سنن الوضوء حوالي ثلاثين : السواك عرضاً بكل خشن لاأصبعه في الأصح
(١) ولا تحديد في التقليل لاختلاف الأعضاء والناس ، بل بقدر ما يجري على العضو، وإن لم يتقاطر منه .
(٢) مغني المحتاج: ١ / ٥٥ - ٦٢، الحضرمية: ص ١١ - ١٣، وفي بعض الكتب مثل بجيرمي الخطيب:
١ / ١٣٩: سنن الوضوء عشر.
- ٢٥٨ -

لغير صائم بعد الزوال، والتسمية مقرونة بالنية مع أول غسل الكفين(١) ، والتلفظ
بالنية واستصحابها ، وغسل الكفين : فإن لم يتيقن طهرهما كره غمسهما في مائع أو
ماء قليل قبل غسلهما ثلاث مرات ، والمضمضة ، والاستنشاق ، والأفضل - في
الأظهر كما رجح النووي خلافاً للرافعي - الجمع بينهما بثلاث غرفات يتمضمض من
كل غرفة ثم يستنشق بباقيها ، والمبالغة فيها لغير الصائم ، وتثليث كل من الغسل
والمسح والتخليل والدلك والسواك (٢)، ومسح جميع رأسه أو بعضه ويتم على
العمامة ، ثم مسح أذنيه ظاهرهما وباطنها وصاخيه بماء جديد .
وتخليل اللحية الكثة وأصابع اليدين بالتشبيك وأصابع الرجلين بخنصر اليد
اليسرى من أسفل خنصر الرجل اليمنى إلى خنصر اليسرى ، والتتابع ( الموالاة )
والتيامن ، وإطالة غرته وتحجيله ، وترك النفض والاستعانة بالصب إلا لعذر
والتنشيف في الأصح ، وتحريك الخاتم (٣)، والبداءة بأعلى الوجه ، والبداءة في اليد
والرجل بالأصابع(٤)، ودلك العضو، ومسح المأقين ( طرفي العين مما يلي
الأنف )(٥) ، واستقبال القبلة ، ووضع الإناء في حالة الاغتراف فيه عن يمينه إن
كان واسعاً ، فإن صب منه وضعه عن يساره ، وألا ينقص ماء الوضوء عن مُدّ
5
( ٦٧٥ غم ) .
وألا يتكلم في جميع وضوئه إلا لمصلحة ، ولا يلطم وجهه بالماء ، ولا يمسح
الرقبة ، وأن يقول بعده : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين ، واجعلني من المتطهرين ،
(١) فإن ترك التسمية في أول الوضوء ولو عمداً، أتى بها قبل فراغه، فيقول: بسم الله في أوله وآخره، كما في
الأكل والشرب .
(٢) ويأخذ الشاك باليقين وجوباً في الواجب وندباً في المندوب ، وتكره الزيادة على الثلاث .
(٣) فإن لم يصل الماء إلى ماتحته إلا بالتحريك وجب .
(٤) فإن صب عليه غيره بدأ بالمرفق والكعب .
(٥) بالسبابتين إن لم يكن بها نحو رمص وإلا وجب .
- ٢٥٩ -

سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لاإله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ،
ويسن أن يقول بعده : وصلى الله وسلم على محمد وآل محمد ، ويقرأ سورة القدر ،
ويصلي ركعتين .
٤ - مذهب الحنابلة (١) :
جملة سنن الوضوء حوالي عشرين : استقبال القبلة ، والسواك عند المضمضة ،
وغسل الكفين ثلاثاً لغير قائم من نوم ليل ، ويجب ذلك للمستيقظ ليلاً ، والبداءة
قبل الوجه بالمضمضة ، ثم الاستنشاق ، والمبالغة فيهما لغير صائم ، والمبالغة في سائر
الأعضاء لصائم وغيره ، والاستنثار باليسار، وتخليل أصابع اليدين والرجلين ،
وتخليل شعر اللحية الكثيفة في الوجه ، والتيامن حتى بين الكفين للقائم من نوم
الليل ، وبين الأذنين ، ومسح الأذنين بعد الرأس بماء جديد ، ومجاوزة موضع
الفرض ، والغسلة الثانية والثالثة ، وتقديم النية على مسنونات الوضوء ،
واستصحاب ذكرها إلى آخر الوضوء ، وغسل باطن الشعور الكثيفة في الوجه غير
اللحية ، وأن يزيد في ماء الوجه ؛ لأن فيه غضوناً وشعوراً ، ودواخل وخوارج
ليصل الماء إلى جميعه ، وأن يتولى وضوءه بنفسه من غير معاونة ، ويباح للمتطهر
تنشيف أعضائه وتركه أفضل ، ووضع الإناء الواسع عن يمينه ليغترف منه ،
وترك نفض الماء ، ولا يكره فعله في الأظهر وفاقاً للأئمة الثلاثة ، والدعاء
( السابق عند الشافعية ) عقب فراغه من الوضوء بعد رفع بصره إلى السماء(٢)،
وكذا يدعو به بعد الغسل .
المطلب السادس - مكروهات الوضوء :
المكروه عند الحنفية نوعان : مكروه تحريماً : وهو ما كان إلى الحرام أقرب ،
(١) كشاف القناع: ١ / ١١٨ - ١٢٢، المغني: ١ / ١١٨، ١٣٩ - ١٤٢.
(٢) روى حديث الدعاء أحمد وأبو داود، كما قدمنا، وفي بعض رواياته: ((فأحسن الوضوء ، ثم رفع نظره إلى
السماء».
- ٢٦٠ -