Indexed OCR Text

Pages 221-240

الشعر، ولا يجزئ مسحه عن الرأس ، ويجزئ المسح على الشعر الذي لم ينزل عن
محل الفرض . فإن فقد شعره مسح بشرته ؛ لأنها ظاهر رأسه بالنسبة إليه .
والظاهر عند الحنابلة : وجوب الاستيعاب للرجل ، أما المرأة فيجزئها
مسح مقدم رأسها ؛ لأن عائشة كانت تمسح مقدم رأسها . ويجب أيضاً عند
الحنابلة مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما ؛ لأنها من الرأس ، لما رواه ابن ماجه :
((الأذنان من الرأس))(١).
ويكفي المسح عندهم مرة واحدة ، ولا يستحب تكرار مسح رأس وأذن ،
قال الترمذي وأبو داود : والعمل عليه عند أكثر أهل العلم ؛ لأن أكثر من
وصف وضوء رسول الله للم ذكر أنه مسح رأسه واحدة ، لأنهم ذكروا الوضوء
ثلاثاً ثلاثاً، وقالوا فيها: ((ومسح برأسه )) ولم يذكروا عدداً، كما ذكروا في
غيره .
ودليلهم : أن الباء للإلصاق أي إلصاق الفعل بالمفعول ، فكأنه تعالى قال :
ألصقوا المسح برؤوسكم أي المسح بالماء .
ولأنه مَ ◌ّ مسح جميع الرأس، روى عبد الله بن زيد (( أن رسول
الله عَ ائتم مسح رأسه بيديه ، فأقبل بها ، وأدبر، بدأ بمقدّم رأسه ، ثم ذهب بها
إلى قَفاه ، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه)) (٢) وهو يدل على مشروعية مسح
جميع الرأس ، وهو مستحب باتفاق العلماء ، كما قال النووي .
(١) وعن ابن عباس ((أن النبي الم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنها)) رواه الترمذي وصححه ( نيل
الأوطار: ١ / ١٦٢ ) .
(٢) رواه الجماعة، وروى أبو داود وأحمد حديثاً حسناً عن الرَّبَيِّع بنت مُعوَّذ ((أن رسول الله سالم توضأ عندها ،
ومسح برأسه، فمسح الرأس كله من فوق الشعر، كلَّ ناحية لُنصَبَّ الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته» ( نيل الأوطار:
١ / ١٥٤، ١٥٦) .
- ٢٢١ -

وقال الشافعية : الواجب مسح بعض الرأس ، ولو شعرة واحدة في حدٌ
الرأس ، بأن لا يخرج بالمدَّ عنه من جهة نزوله .
والأصح عند الشافعية جواز غسله لأنه مسح وزيادة ، وجواز وضع اليد
على الرأس بلا مَدّ ، لحصول المقصود من وصول البلل إليه .
:
والأصح عند الحنابلة : أنه لا يكفي غسل الرأس من غير إمرار اليد على
الرأس ، فيجزئه الغسل مع الكراهة إن أمرّ يده .
ودليلهم حديث المغيرة السابق عند الشيخين: ((أنه مع التّ مسح بناصيته ،
وعلى العمامة )» فاكتفى بمسح البعض فيما ذكر ، لأن المطلوب مطلقاً وهو المسح
في الآية يتحقق بالبعض، والباء إذا دخلت على متعدد ، كما في الآية ، تكون
للتبعيض ، فيكفي القليل كالكثير .
والحق : أن الآية من قبيل المطلق ، وأنها لاتدل على أكثر من إيقاع المسح
بالرأس ، وذلك يتحقق بمسح الكل ، وبمسح أي جزء قل أم كثر، مادام في دائرة
ما يصدق عليه اسم المسح ، وأن مسح شعرة أو ثلاث شعرات لا يصدق عليه
ذلك(١)
رابعاً - غسل الرجلين إلى الكعبين :
لقوله تعالى: ﴿وأرجلكم(٢) إلى الكعبين﴾ ولإجماع العلماء ، ولحديث
عمرو بن عَبْسة عند أحمد: (( ... ثم يمسح رأسه كما أمر الله ، ثم يغسل قدميه
إلى الكعبين كما أمره الله )) ولحديث عثمان عند أبي داود والدارقطني بعد أن
(١) مقارنة المذاهب في الفقه للأستاذين الشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد علي السايس: ص ١١.
(٢) قراءة السبع بالنصب ، وقراءة غيرها بالجر المجاورة ، عطفاً على الوجوه ، لفظاً في الأول ، ومعنى في
الثاني .
- ٢٢٢ -

غسل رجليه قال: (( هكذا رأيت رسول الله عَالٍ يتوضأ)» ولغيرهما من
الأحاديث كحديث عبد الله بن زيد وحديث أبي هريرة .
والكعبان : هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل القدم .
والواجب عند جمهور الفقهاء غسل الكعبين أو قدرهما عند فقدهما مع
الرجلين مرة واحدة ، كغسل المرفقين ، لدخول الغاية في الْغَيًّا أي لدخول
ما بعد ((إلى)) فيما قبلها (١)، ولحديث أبي هريرة السابق: (( ... ثم غسل رجله
اليمنى حتى أشرع في الساق ، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق ، ثم
قال: هكذا رأيت رسول الله عَطّعٍ يتوضأ))(٢).
ويلزم عند الجمهور أيضاً غسل القدمين مع الكعبين ، ولا يجزئ مسحهما
لقوله مع الفتّ: ((ويل للأعقاب من النار)) (٣) فقد توعد على المسح،
ولمداومته مؤ قّ على غسل الرجلين ، وعدم ثبوت المسح عنه من وجه صحيح ،
ولأمره بالغسل ، كما ثبت في حديث جابر عند الدارقطني بلفظ « أمرنا رسول
الله مفعٍ إذا توضأنا للصلاة أن نغسل أرجلنا)» ولثبوت ذلك من قوله
وفعله مَ ◌ّله ، كما في حديث عمرو بن عَبْسة وأبي هريرة وعبد الله بن زيد
وعثمان السابقة التي فيها حكاية وضوء رسول الله وفيها: ((فغسل قدميه))،
ولقوله مع التّ بعد أن توضأ وضوءاً غسل قدميه: ((فمن زاد على هذا أو نقص
فقد أساء وظلم ))(٤) ولاشك أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص ، ولقوله عليه
(١) البدائع: ١/ ٥، الشرح الصغير: ١ / ١٠٩، مغني المحتاج: ١ / ٥٣، المغني: ١ / ١٣٢ ومابعدها.
(٢) رواه مسلم ( نيل الأوطار: ١ / ١٥٢) .
(٣) رواه أحمد والشيخان عن عبد الله بن عمر، قال: ((تخلف عنا رسول الله وخاتم في سفرة، فأدرَكنا وقد
أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ومسح على أرجلنا ، قال : فنادى بأعلى صوته : ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثاً))
( نيل الأوطار : ١ / ١٦٧ ) .
(٤) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة من طرق صحيحة وصححه ابن خزيمة ( نيل الأوطار :
١ / ١٤٦، ١٥٢، ١٦٨، ١٧٣ ) .
ااا۔۔
- ٢٢٣ -
٠

السلام للأعرابي: (( توضأ كما أمرك الله)) (١) ثم ذكر له صفة الوضوء، وفيها غسل
الرجلين ، ولإجماع الصحابة على الغسل ، فكانت هذه الأمور موجبة لحمل قراءة
((وأرجلكم )) بالكسر على حالة نادرة مخالفة للظاهر ، لا يجوز حمل المتنازع فيه
عليها. وعطفها على ((برؤوسكم)) بالجر المجاورة . وأما قراءة النصب فهي
عطف على اليدين في الغسل .
ثم إن أمر النبي ماقل بتخليل أصابع اليدين والرجلين يدل على وجوب
الغسل(٢) .
وأوجب الشيعة الإمامية(٣) مسح الرجلين ، لما أخرج أبو داود من حديث
أوس بن أبي أوس الثقفي أنه رأى رسول الله عَ ◌ّلِ أتى كِظَامة (٤) قوم بالطائف،
فتوضأ، ومسح على نعليه وقدميه))(٥)، وعملاً بقراءة الجر ((وأرجلكم)) وبما روي
عن علي وابن عباس وأنس ، لكن قد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك . قال
الشوكاني: وأما الموجبون للمسح ، وهم الإمامية ، فلم يأتوا مع مخالفتهم الكتاب
والسنة المتواترة قولاً وفعلاً بحجة نيرة ، وجعلوا قراءة النصب عطفاً على محل
قوله : ﴿ برؤوسكم ﴾(٢) .
والسبب في ذكر الغسل والمسح في الأرجل بحسب قراءتي النصب والجر - كما
ذكر الزمخشري - هو توقي الإسراف ؛ لأن الأرجل مظنة لذلك .
(١) رواه أحمد وأبو داود والدارقطني عن أنس بن مالك، ورواه أحمد ومسلم عن عمر بن الخطاب ( نيل
الأوطار : ١ / ١٧٠، ١٧٥ ).
(٢) روى أحمد وابن ماجه والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله مُ ثم قال: ((إذا توضأت فخلل أصابع يديك
ورجليك)) ( نيل الأوطار: ١ / ١٥٣ ).
(٣) المختصر النافع في فقه الإمامية: ص ٣٠ .
(٤) الكظامة : القناة ، أو فم الوادي .
(٥) حديث معلول بجهالة بعض رواته ، وعلى تقدير ثبوته ذهب بعضهم إلى نسخه ، قال هشيم : كان هذا في
أول الإسلام. ( نيل الأوطار: ١ / ١٦٩ ) .
(٦) نيل الأوطار ، المكان السابق .
- ٢٢٤ -

والخلاصة : أن أركان الوضوء المتفق عليها أربعة : غسل الوجه واليدين
والرجلين مرة واحدة ، والمسح بالرأس مرة واحدة ، وأما التثليث فهو سنة ، كما
سنبين .
النوع الثاني - فرائض الوضوء المختلف فيها :
اختلف الفقهاء في إيجاب النية والترتيب والموالاة والدلك . فقال غير الحنفية
بفرضية النية ، وقال المالكية والحنابلة والإمامية بوجوب الموالاة ، وقال الشافعية
والحنابلة والإمامية بوجوب الترتيب ، وانفرد المالكية بإيجاب الدلك . ونبحث
الخلاف في هذه الأمور :
أولاً - النية :
النية لغة : القصد بالقلب ، لاعلاقة للسان بها ، وشرعاً: هي أن ينوي
المتطهر أداء الفرض ، أو رفع حكم الحدث ، أو استباحة ماتجب الطهارة له ، كأن
يقول المتوضئ : نويت فرائض الوضوء ، أو يقول من دام حدثه كمستحاضة
وسلس بول أو ريح : نويت استباحة فرض الصلاة ، أو الطواف أو مس
المصحف . أو يقول المتطهر مطلقاً : نويت رفع الحدث ، أي إزالة المانع بين كل
فعل يفتقر إلى الطهارة . وعرف الحنفية النية اصطلاحاً بأنها توجه القلب لإيجاد
الفعل جزماً .
وقد اختلف الفقهاء في اشتراط النية للطهارة :
فقال الحنفية (١) : يسن للمتوضئ البداية بالنية لتحصيل الثواب ، ووقتها :
قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة . وكيفيتها : أن ينوي رفع الحدث ، أو
(١) الدر المختار: ١ / ٩٨ - ١٠٠، اللباب: ١ / ١٦، مراقي الفلاح: ص ١٢، البدائع: ١ / ١٧، مقارنة
المذاهب في الفقه : ص ١٤ .
الفقه الإسلامي جـ١ (١٥)
- ٢٢٥ _

إقامة الصلاة ، أو ينوي الوضوء أو امتثال الأمر . ومحلها القلب ، فإن نطق بها
ليجمع بين فعل القلب واللسان ، فهو مستحب عند المشايخ .
ويترتب على قولهم بعدم فرضية النية : صحة وضوء المتبرد ، والمنغمس في
الماء للسباحة أو للنظافة أو لإنقاذ غريق ، ونحو ذلك .
واستدلوا على رأيهم بما يأتي :
اً - عدم النص عليها في القرآن: إن آية الوضوء لم تأمر إلا بغسل الأعضاء
الثلاثة والمسح بالرأس ، والقول باشتراط النية بحديث آحاد زيادة على نص
الكتاب ، والزيادة على الكتاب عندهم نسخ ، لا يصح بالآحاد .
٢ - عدم النص عليها في السنة: لم يعلمها النبي ◌ُّرٍ للأعرابي مع جهله.
وفرضت النية في التيم لأنه بالتراب ، وليس هو مزيلاً للحدث بالأصالة ، وإنما
هو بدل عن الماء .
اً - القياس على سائر أنواع الطهارة وغيرها: إن الوضوء طهارة بماء ، فلا
تشترط لها النية كإزالة النجاسة ، كما لا تجب النية في شروط الصلاة الأخرى كستر
العورة ، ولا تجب أيضاً بغسل الذمية من حيضها لتحل لزوجها المسلم .
٤ - إن الوضوء وسيلة للصلاة ، وليس مقصوداً لذاته ، والنية شرط مطلوب
في المقاصد ، لا في الوسائل .
وقال جمهور الفقهاء غير الحنفية : النية فرض في الوضوء ، لتحقيق العبادة
أو قصد القربة لله عز وجل(١) ، فلا تصح الصلاة بالوضوء لغير العبادة كالأكل
(١) المجموع للنووي: ١ / ٣٦١ ومابعدها، المهذب: ١ / ١٤ وما بعدها، بداية المجتهد: ١ / ٧ وما بعدها ،
القوانين الفقهية: ص ٢١، الشرح الصغير: ١ / ١١٤ ومابعدها، الشرح الكبير: ١ / ٩٣ ومابعدها ، مغني المحتاج :
١ / ٤٧ وما بعدها، المغني: ١ / ١١٠ وما بعدها، كشاف القناع: ١ / ٩٤ - ١٠١ .
- ٢٢٦ -

والشرب والنوم ونحو ذلك . واستدلوا بما يأتي :
:
أً - السنة: قوله مع التّ: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى))(١)
أي إن الأعمال المعتدّ بها شرعاً تكون بالنية ، والوضوء عمل ، فلا يوجد شرعاً إلا
بنية .
اً - تحقيق الإخلاص في العبادة: لقوله تعالى: ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله
مخلصين له الدين ) والوضوء عبادة مأمور بها ، لا يتحقق إلا بإخلاص النية فيه
لله تعالى ، لأن الإخلاص عمل القلب وهو النية .
اً - القياس: تشترط النية في الوضوء كما تشترط في الصلاة، وكما تشترط في
التيم لاستباحة الصلاة .
٤ - الوضوء وسيلة للمقصود ، فله حكم ذلك المقصود، لقوله تعالى: ﴿ إذا
قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ فهذا يدل على أن الوضوء مأمور به عند القيام
للصلاة ، ومن أجل هذه العبادة ، فالمطلوب غسل الأعضاء لأجل الصلاة ، وهو
معنى النية .
والحق : القول بفرضية النية ؛ لأن أحاديث الآحاد كثيراً ما أثبتت أحكاماً
ليست في القرآن ، ولأن عموم الماء للأعضاء بدون قصد أصلاً ، أو بقصد التبرد ،
ليس غسلاً للوضوء ، حتى يؤدي مهمته الشرعية ، ويحقق المأمور به كما أمر به(٢).
ما يتعلق بالنية : يتلخص مما سبق أمور تتعلق بالنية هي ما يأتي(٣):
أ - حقيقتها : لغة : القصد ، وشرعاً : قصد الشيء مقترناً بفعله .
(١) متفق على صحته ، رواه الجماعة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( نيل الأوطار:
١ / ١٣١ ) .
(٢) مقارنة الفقه في المذاهب : ص ١٧ .
(٣) مغني المحتاج: ١ / ٤٧ والمراجع السابقة، المغني: ١ / ١٤٢.
- ٢٢٧ -

ب - حكمها : عند الجمهور : الوجوب ، وعند الحنفية : الاستحباب .
جـ ـ المقصود بها : تمييز العبادة عن العادة ، أو تمييز رتبتها أي تمييز بعض
العبادات عن بعض ، كالصلاة تكون فرضاً تارة ، ونفلاً أخرى .
:
د - شرطها : إسلام الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي ، وعدم إتيانه بما ينافيها
بأن يستصحبها حكماً ، فلا ينصرف عن الوضوء مثلاً لغيره ، وألا تكون معلقة ،
فلو قال : إن شاء الله تعالى : فإن قصد التعليق أو أطلق ، لم تصح ، وإن قصد
التبرك صحت .
واشترط غير الحنفية دخول وقت الصلاة لدائم الحدث كسلس بول
ومستحاضة ؛ لأن طهارته طهارة عذر وضرورة ، فتقيدت بالوقت كالتيم .
هـ - محلها : القلب ، إذ هي عبارة عن القصد ، ومحل القصد : القلب ،
فمتى اعتقد بقلبه أجزأه ، وإن لم يتلفظ بلسانه ، أما إن لم تخطر النية بقلبه ، فلم
يجزه الفعل الحاصل ، والأولى عند المالكية ترك التلفظ بالنية ، ويسن عند
الشافعية والحنابلة : التلفظ بها ، إلا أن المذهب عند الحنابلة أنه يستحب التلفظ
بها سراً ، ويكره الجهر بها وتكرارها .
و - صفتها : أن يقصد بطهارته استباحة شيء لا يستباح إلا بها ، كالصلاة
والطواف ومس المصحف ، وينوي رفع الحدث الأصغر ، أي المنع المترتب على
الأعضاء ، أي أن صفة النية أن ينوي رفع الحدث أو الطهارة من الحدث ، وأيهما
نواه أجزأه ، لأنه نوى المقصود وهو رفع الحدث .
فإن نوى بالطهارة : مالاتشرع له الطهارة ، كالتبرد والأكل والبيع والزواج
ونحوه ، ولم ينو الطهارة الشرعية ، لم يرتفع حدثه ؛ لأنه لم ينو الطهارة ولا
ما يتضمن نيتها ، فلم يحصل له شيء ، كالذي لم يقصد شيئاً .
- ٢٢٨ -

وإن نوى بالوضوء الصلاة وغيرها كالتبرد أو النظافة أو التعليم أو إزالة
النجاسة ، صحت النية وأجزأته . لكن لو أطلق النية أي لمجرد الطهارة الشاملة
للحدث والخبث مثلاً ، لم تصح ولم تجزئ ، حتى يتحقق تمييز العبادة عن العادة ،
ولا يتم التمييز إلا بالنية ، والطهارة قد تكون عن حدث وقد تكون عن نجس ، فلم
تصح بنية مطلقة .
وإن نوى المتوضئ بوضوئه ما تسن له الطهارة ، كأن نوى الوضوء لقراءة
وذكر وأذان ونوم وجلوس بمسجد أو تعليم علم وتعلمه أو زيارة عالم ونحو ذلك ،
ارتفع حدثه وله أن يصلي ماشاء عند الحنابلة ، لأنه نوى شيئاً من ضرورة صحة
الطهارة .
ولا يجزئه للصلاة عند المالكية من غير أن ينوي رفع الحدث ؛ لأن مانواه
يصح فعله مع بقاء الحدث .
كما لا يجزئه في الأصح عند الشافعية ؛ لأنه أمر مباح مع الحدث ، فلا يتضمن
قصده رفع الحدث .
ولاخلاف أنه إذا توضأ لنافلة أو لما يفتقر إلى الطهارة كمس المصحف
والطواف ، صلى بوضوئه الفريضة؛ لأنه ارتفع حدثه(١) .
وإن شك في النية في أثناء الطهارة لزمه استئنافها ؛ لأنها عبادة شك في
شرطها ، وهو فيها ، فلم تصح كالصلاة .
ولا يضر شكه في النية بعد فراغ الطهارة ، كسائر العبادات .
وإذا وضأه غيره ، اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ ؛ لأن المتوضئ هو
(١) المغني: ١ / ١٤٢.
- ٢٢٩ -

المخاطب بالوضوء ، والوضوء يحصل له بخلاف الموضئ فإنه آلة لا يخاطب ولا يحصل
له .
وينوي من حدثه دائم كالمستحاضة وسلس البول ونحوه استباحة الصلاة دون
رفع الحدث ، لعدم إمكان رفعه .
ز - وقت النية : قال الحنفية : وقتها قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله
قربة ، وقال الحنابلة : وقتها عند أول واجب وهو التسمية في الوضوء ، وقال
المالكية : محلها الوجه ، وقيل : أول الطهارة .
وقال الشافعية : عند أول غسل جزء من الوجه ، ويجب عند الشافعية قرنها
بأول غسل الوجه لتقترن بأول الفرض كالصلاة . ويستحب أن ينوي قبل غسل
الكفين لتشمل النية مسنون الطهارة ومفروضها ، فيثاب على كل منهما . ويجوز
تقديم النية على الطهارة بزمن يسير ، فإن طال الزمن لم يجزه ذلك .
ويستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر الطهارة ، لتكون أفعاله مقترنة
بالنية ، وإن استصحب حكمها أجزأه ، ومعناه : ألا ينوي قطعها .
ولا يضر عزوب النية : أي ذهابها عن خاطره وذهوله عنها ، بعد أن أتى بها
في أول الوضوء ؛ لأن ما اشترطت له النية لا يبطل بعزوبها والذهول عنها كالصلاة
والصيام . وذلك بخلاف الرفض : أي الإبطال في أثناء الوضوء بأن يبطل مافعله
منه ، كأن يقول بقلبه : أبطلت وضوئي ، فإنه يبطل .
وللمتوضئ عند الشافعية والحنابلة تفريق النية على أعضاء الوضوء ، بأن
ينوي عند كل عضو رفع الحدث عنه ، لأنه يجوز تفريق أفعال الوضوء ، فكذلك
يجوز تفريق النية على أفعاله .
والمعتمد عند المالكية خلافاً للأظهر عند ابن رشد : أنه لا يجزئ تفريق النية
- ٢٣٠ -

على الأعضاء ، بأن يخص كل عضو بنية ، من غير قصد إتمام الوضوء ، ثم يبدوله
فيغسل مابعده ، وهكذا ، فإن فرق النية على الأعضاء مع قصده إتمام الوضوء على
الفور ، أجزأه ذلك . وبه يلتقي المالكية مع الشافعية والحنابلة .
والخلاصة : اتفق العلماء على وجوب النية في التيم ، واختلفوا في وجوبها في
الطهارة عن الحدث الأكبر والأصغر على قولين .
ثانياً - الترتيب :
الترتيب : تطهير أعضاء الوضوء واحداً بعد الآخر كما ورد في النص القرآني :
أي غسل الوجه أولاً ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين . واختلف الفقهاء
في وجوبه(١) .
فقال الحنفية والمالكية : إنه سنة مؤكدة لافرض ، فيبدأ بما بدأ الله
بذكره وبالميامن ؛ لأن النص القرآني الوارد في تعداد فرائض الوضوء عطف
المفروضات بالواو ، التي لا تفيد إلا مطلق الجمع، وهو لا يقتضي الترتيب ، ولو
كان الترتيب مطلوباً لعطفه بالفاء أو ((ثم))، والفاء التي في قوله تعالى :
﴿ فاغسلوا﴾ لتعقيب جملة الأعضاء.
وروي عن علي وابن عباس وابن مسعود ما يدل على عدم وجوب الترتيب ،
قال علي رضي الله عنه: (( ما أبالي بأي أعضائي بدأت )) وقال ابن عباس رضي
الله عنهما: ((لا بأس بالبداية بالرجلين قبل اليدين )) وقال ابن مسعود رضي الله
عنه: ((لابأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء)) (٢).
(١) الدر المختار: ١ / ١١٣، مراقي الفلاح: ص ١٢، فتح القدير: ١ / ٢٣، البدائع: ١ / ١٧ ومابعدها ،
الشرح الصغير: ١ / ١٢٠، الشرح الكبير: ١ / ١٠٢، مغني المحتاج: ١ / ٥٤ ، المهذب: ١ / ١٩، المغني: ١ / ١٣٦ -
١٣٨، كشاف القناع: ١ / ١١٦، بداية المجتهد: ١ / ١٦، القوانين الفقهية: ص ٢٢، المجموع: ١ / ٤٨٠ - ٤٨٦ .
(٢) روى الدارقطني الأثرين الأولين، وأما الأثر الثالث فلا يعرف له أصل .
- ٢٣١ -

وقال الشافعية والحنابلة : الترتيب فرض في الوضوء لا في الغسل .
لفعل النبي مافر المبين للوضوء المأمور به(١)، ولقوله مع المه في حجته: «ابدؤوا بما
بدأ الله به))(٣)، والعبرة بعموم اللفظ ، ولأن في آية الوضوء قرينة تدل على أنه
أريد بها الترتيب ، فإنه تعالى ذكر ممسوحاً بين مغسولات ، والعرب لا تفرق بين
المتجانسين ولاتقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة ، وهي هنا الترتيب ، ولأن الآية
بيان للوضوء الواجب ، بدليل أنه لم يذكر فيها شيء من السنن . وقياساً على
الترتيب الواجب في أركان الصلاة .
فلو نكس(٣) الترتيب المطلوب ، فبدأ برجليه ، وختم بوجهه لم يصح إلا
غسل وجهه ، ثم يكمل مابعده على الترتيب الشرعي . ويمكن تصحيح الوضوء غير
المرتب بأن يغسل أعضاءه أربع مرات ، لأنه يحصل له في كل مرة غسل كل
عضو ، فيحصل له من المرة الأولى غسل الوجه ، ومن الثانية غسل اليدين ، ومن
الثالثة مسح الرأس ، ومن الرابعة غسل الرجلين .
وإن غسل أعضاءه دفعة واحدة ، لم يصح وضوءه ، وكذا لو وضأه أربعة في
حالة واحدة ؛ لأن الواجب الترتيب ، لاعدم التنكيس ، ولم يوجد الترتيب .
ولو اغتسل محدث حدثاً أصغر فقط بنية رفع الحدث أو نحوه ، فالأصح عند
الشافعية: أنه إن أمكن تقدير ترتيب بأن غطس مثلاً صح ، ولو بلا مُكْث ؛
لأنه يكفي ذلك لرفع أعلى الحدثين ، فللأصغر أولى ، ولتقدير الترتيب في
لحظات معينة .
ولا يكفي ذلك عند الحنابلة ، إلا إذا مكث في الماء قدراً يسع الترتيب ،
(١) رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ١ / ١٥٢).
(٢) رواه النسائي بإسناد صحيح .
(٣) نكس - كنصر - الشيء: فانتكس: قلبه على رأسه ، ونكْسه بالتشديد تنكيساً .
- ٢٣٢ -

فيخرج وجهه ثم يديه ، ثم يمسح رأسه ، ثم يخرج من الماء ، سواء أكان الماء راكداً
أم جارياً .
والترتيب مطلوب بين الفرائض ، ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى من
اليدين والرجلين ، وإنما هو مندوب ، لأن مخرجهما في القرآن واحد ، قال تعالى :
﴿ وأيديكم .... وأرجلكم ﴾ والفقهاء يعدون اليدين عضواً، والرجلين عضواً،
ولا يجب الترتيب في العضو الواحد . وهذا هو المقصود من قول علي وابن مسعود ،
قال أحمد : إنما عنيا به اليسرى قبل اليمنى ؛ لأن مخرجها من الكتاب واحد .
وفي تقديري: أن رأي القائلين بالترتيب أولى، المواظبة النبي عَ ◌ّ قولاً
وفعلاً عليه ، واستمر الصحابة على ذلك ، لا يعرفون غير الترتيب في الوضوء ،
ولا يتوضؤون إلا مرتبين ، ودرج المسلمون على الترتيب في كل العصور . وكون
الواو لا يقتضي الترتيب صحيح مسلّم به ، لكن ذلك عند عدم القرائن الدالة على
إرادة الترتيب ، والقرائن الدالة عليه كثيرة ، وهي المواظبة من النبي وصحبه(١) .
ثالثاً - الموالاة أو الولاء :
عالـ
هي متابعة أفعال الوضوء بحيث لا يقع بينها ما يعد فاصلاً في العرف ، أو هي
المتابعة بغسل الأعضاء قبل جفاف السابق ، مع الاعتدال مزاجاً وزماناً ومكاناً
ومناخاً . واختلف الفقهاء في وجوبها(٢).
فقال الحنفية والشافعية : الموالاة سنة لاواجب ، فإن فرق بين أعضائه
تفريقاً يسيراً لم يضر؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه . وإن فرق تفريقاً كثيراً، وهو
(١) مقارنة المذاهب: ص ٢١ - ٢٣.
(٢) بداية المجتهد: ١ / ١٧، القوانين الفقهية: ص ٢١، المجموع: ١ / ٤٨٩ - ٤٩٣، الدر المختار: ١ / ١١٣،
الشرح الصغير: ١ / ١١١، الشرح الكبير: ١ / ٩٠، مغني المحتاج: ١ / ٦١، كشاف القناع: ١ / ١١٧ ، المغني: ١ /
١٣٨، المهذب : ١ / ١٩ .
- ٢٣٣ -

بقدر ما يجف الماء على العضو في زمان معتدل ، أجزأه ؛ لأن الوضوء عبادة
لا يبطلها التفريق القليل والكثير كتفرقة الزكاة والحج .
واستدلوا على رأيهم بالآتي :
آً - («إنه مُ التّ توضأ في السوق ، فغسل وجهه ويديه ، ومسح رأسه ، فدعي
إلى جنازة، فأتى المسجد يمسح على خفيه وصلى عليها)) (١) قال الإمام الشافعي :
وبينهما تفريق كثير .
اً - صح عن ابن عمر رضي الله عنهما التفريق أيضاً ، ولم ينكر عليه أحد .
وقال المالكية والحنابلة : الموالاة في الوضوء لا في الغسل فرض ، بدليل
ما يأتي :
اً - ((إنه ◌ُّ رأى رجلاً يصلي ، وفي ظهر قدمه لُمْعة (بقعة) قدر
الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره النبي ◌ُ ◌ّ أن يعيد الوضوء والصلاة))(٣) ولو لم
تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة .
اً - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ((أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر
على قدمه ، فأبصره النبي مُاللّ ، فقال : ارجع فأحسن وضوءك ، فرجع ثم
(٣)
صلى ))(٣) .
(١) الواقع أنه أثر صحيح رواه مالك عن نافع: ((أن ابن عمر توضأ في السوق ... )) إلخ ( المجموع:
١ / ٤٩٣ ) .
(٢) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي مَ ◌ّله ، لكن قال عنه النووي:
إنه ضعيف الإسناد ، وقال عنه أحمد : إسناده جيد .
(٣) رواه أحمد ومسلم ( انظر الحديثين في نيل الأوطار: ١ / ١٧٤ وما بعدها ) لكن قال عنه النووي : لادلالة
فيه على الموالاة .
- ٢٣٤ _

اً - مواظبته ◌َّ على الولاء في أفعال الوضوء، فإنه لم يتوضأ إلا متوالياً ،
وأمر تارك الموالاة بإعادة الوضوء .
٤ - القياس على الصلاة : الوضوء عبادة يفسدها الحدث ، فاشترطت الموالاة
كالصلاة .
وفي تقديري أن القول بضرورة الموالاة إلا لعجز أمر يتفق مع ضرورة الجدية
في العبادات وعدم العبث واللعب فيها ، ومع وحدة العبادة ، والسنة الفعلية ،
ولزوم الانصراف الكلي بالنية والتطبيق لتنفيذ مطلب الشرع على نحو متتابع
منسجم بعضه مع بعض ، دون تخلل أمر صارف عن موضوعية التصرف .
رابعاً - الدلك الخفيف باليد :
الدلك : هو إمرار اليد على العضو بعد صب الماء قبل جفافه . والمراد
باليد : باطن الكف ، فلا يكفي دلك الرِّجْل بالأخرى .
واختلف الفقهاء في إيجابه(١) .
ـها
فقال الجمهور ( غير المالكية ) : الدلك سنة لاواجب ، لأن آية الوضوء لم
تأمر به ، والسنة لم تثبته ، فلم يذكر في صفة وضوء النبي معَ ◌ّه . والثابت في صفة
غسله عليه الصلاة والسلام مجرد إفاضة الماء مع تخلل أصول الشعر(٢).
وقال المالكية : الدلك واجب ، ويكون في الوضوء بباطن الكف ،
لابظاهر اليد ، ويكفي الدلك بالرجل في الغسل ، والدلك فيه : هو إمرار
(١) فتح القدير: ١ / ٩، الدر المختار: ١ / ١١٤، مراقي الفلاح: ص ١٢، الشرح الصغير: ١ / ١١٠
ومابعدها، الشرح الكبير: ١ / ٩٠ ، نيل الأوطار: ١ / ٢٢٠، ٢٤٥ .
(٢) عبرت ميمونة عن كيفية الغسل بالغسل ، وعبرت عائشة بالإفاضة والمعنى واحد ، وقد استدل بذلك على
عدم وجوب الدلك، وعلى أن مسمى ((غسل)) لا يدخل فيه الدلك ( نيل الأوطار: ١ / ٢٤٤ ومابعدها ) .
- ٢٣٥ _

العضو على العضو إمراراً متوسطاً ، ويندب أن يكون خفيفاً مرة واحدة ،
ويكره التشديد والتكرار لما فيه من التعمق في الدين المؤدي للوسوسة .
وهو واجب بنفسه ، ولو وصل الماء للبشرة على المشهور .
واستدلوا بما يأتي :
اً - إن الغسل المأمور به في آية الوضوء ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ لا يتحقق
معناه إلا بالدلك ، فإن مجرد إصابة الماء للعضو لا يعتبر غسلاً ، إلا إذا صاحبه
الإمرار بشيء آخر على الجسم ، وهو معنى الدلك .
٢ - حديث ((بُلُّوا الشعر، وأنقوا البشر)) (١) على فرض صحته مشعر بوجوب
الدلك ؛ لأن الإنقاء لا يحصل بمجرد الإفاضة .
اً - القياس: قاسوا طهارة الحدث الأصغر على إزالة النجاسة التي لاتحصل
إلا بالدلك والعرك، كما قاسوها على غسل الجنابة في آية: ﴿وإن كنتم جنباً
فاطهروا ﴾ فالصيغة للمبالغة ، والمبالغة تكون بالدلك. ويظهر لي أن الدلك
وسيلة تنظيف وتحسين هيئة الأعضاء الظاهرة ، ويكفي لتحقيق هذا المقصود
القول بسنية الدلك لا بوجوبه، لأن الأحاديث التي وصفت غسل النبي مع لته لا
تدل حقاً على الدلك ، وليس في كتب اللغة ما يشعر بأن الدلك داخل في مسمى
الغسل ، فالواجب ماصدق عليه اسم الغسل المأمور به لغة .
حكم ناسي أحد الفروض : قال ابن جزي المالكي(٢) : من نسي شيئاً من
فرائض الوضوء ، فإن ذكر بعد أن جف وضوءه ، فعل ماترك خاصة ، وإن ذكر
(١) نيل الأوطار: ١ / ٢٢٠.
(٢) القوانين الفقهية: ص ٢٣ .
- ٢٣٦ -
٠

قبل أن يجف وضوءه ابتدأ الوضوء ، قال الطيطلي : إنه يعيد الذي نسي وما بعده
ولا يبتدئ الوضوء ، وهو الصحيح .
المطلب الثالث - شروط الوضوء :
سبب وجوب الوضوء : هو الحدث ، ودخول وقت الصلاة ، والقيام إليها
ونحوها ، والأصح عند الشافعية : الاثنان معاً أي الحدث والقيام إلى الصلاة
ونحوها .
وأما شروط الوضوء فنوعان: شروط وجوب ، وشروط صحة(١) .
وشرائط الوجوب : هي ما إذا اجتمعت وجبت الطهارة على الشخص .
وشرائط الصحة : ما لا تصح الطهارة إلا بها .
أولاً - شروط الوجوب :
يشترط لوجوب الوضوء على الشخص ، أي التكليف به وافتراضه عليه
شروط ثمانية هي ما يأتي :
اً ۔ العقل: فلايجب ولا یصح من مجنون حال جنونه ، ولامن مصروع حال
صرعه ، ولا يجب على النائم والغافل ولا يصح منهما لعدم النية عند الجمهور غير
الحنفية ؛ إذ لانية لنائم أو غافل حال النوم أو الغفلة .
اً - البلوغ: فلا يجب على صبي ، لكن لا يصح الوضوء إلا من مميز، فالتمييز
شرط لصحة الوضوء .
(١) البدائع: ١ / ١٥، الدر المختار ورد المختار: ١ / ٨٠، مراقي الفلاح: ص ١٠، الشرح الصغير: ١ / ١٣١ -
١٣٤، الشرح الكبير: ١ / ٨٤ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١ / ٤٧ ، كشاف القناع: ١ / ٩٥ .
- ٢٣٧ -

اً - الإسلام : شرط وجوب عند الحنفية بناء على المشهور عندهم من أن
الكفار غير مخاطبين بالعبادات وغيرها من فروع الشريعة ، فلايجب على كافر إذ
لا يخاطب كافر بفروع الشريعة . وهو شرط صحة عند الجمهور بناء على أن المقرر
لديهم مخاطبة الكفار بفروع الشريعة ، فلا يصح من كافر ، إذ يشترط لصحة أدائه
منه وجود الإسلام(١) . وهذا شرط في جميع العبادات من طهارة وصلاة وزكاة
وصوم وحج .
٤ - القدرة على استعمال الماء الطهور الكافي ، فلا يجب على عاجز عن استعمال
المطهر ، ولا على فاقد الماء ، والتراب أيضاً ، ولاعلى واجد ماء لا يكفي لجميع
الأعضاء مرة مرة . ولاعلى عاجز يضره الماء ، فالمراد بالقادر : هو الواجد الماء
الذي لا يضره استعماله . هذا عند الحنفية والمالكية ، والأظهر عند الشافعية
والحنابلة أنه يجب استعمال الماء الذي لا يكفيه ثم يتيم .
٥ - وجود الحدث : فلا يلزم المتوضئ إعادة الوضوء أي الوضوء على الوضوء .
أً، لأَ - عدم الحيض والنفاس بانقطاعهما شرعاً، فلا يجب على الحائض
والنفساء .
5
٨ - ضيق الوقت: لأن الخطاب الشرعي يتوجه للمكلف حينئذ توجهاً
مضيقاً ، وموسعاً في ابتداء الوقت ، فلا يجب الوضوء حال سعة الوقت ، ويجب
إذا ضاق الوقت .
و يمكن اختصار هذه الشروط في أمر واحد : هو قدرة المكلف بالطهارة
عليها بالماء .
(١) انظر كتابنا الوسيط في أصول الفقه: ص ١٥٣ ومابعدها، ط أولى .
- ٢٣٨ -

ثانياً - شروط الصحة :
يشترط لصحة الوضوء شروط ثلاثة عند الحنفية ، وأربعة عند الجمهور :
اً - عموم البشرة بالماء الطهور : أي أن يعم الماء جميع أجزاء العضو المغسول ،
بحيث لا يبقى منه شيء ، إلا وقد غسل ، لكي يغمر الماء جميع أجزاء البشرة ،
حتى لو بقي مقدار مغرز إبرة لم يصبه الماء من المفروض غسله ، لم يصح
الوضوء .
وبناء عليه يجب تحريك الخاتم الضيق عند الجمهور غير المالكية ، أما المالكية
فقالوا : لا يجب تحريك الخاتم المأذون فيه لرجل أو امرأة ولو ضيقاً لا يدخل الماء
تحته ، ولا يعد حائلاً بخلاف غير المأذون فيه ، كالذهب للرجل أو المتعدد أكثر من
واحد ، فلابد من نزعه مالم يكن واسعاً يدخل الماء تحته ، فيكفي تحريكه ؛ لأنه
بمنزلة الدلك بالخرقة .
ولا يصح الوضوء باتفاق الفقهاء بغير الماء من المائعات كالخل والعصير واللبن
ونحو ذلك ، كما لا يصح التوضؤ بالماء النجس ، إذ لاصلاة إلا بطهور أو لاصلاة إلا
بطهارة .
٢ً - إزالة ما يمنع وصول الماء إلى العضو: أي ألا يكون على العضو الواجب
غسله حائل يمنع وصول الماء إلى البشرة ، كشمع وشحم ودهن ودهان ، ومنه
عماص العين ، والحبر الصيني المتجسم ، وطلاء الأظافر للنساء . أما الزيت ونحوه
فلا يمنع نفوذ الماء للبشرة .
٣ - عدم المنافي للوضوء أو انقطاع الناقض من خارج أو غيره: أي انقطاع
كل ما ينقض الوضوء قبل البدء به ، لغير المعذور ، من دم حيض ونفاس وبول
- ٢٣٩ _

ونحوهما ، وانقطاع حدث حال التوضؤ؛ لأنه بظهور بول وسيلان ناقض ،
لا يصح الوضوء .
والخلاصة : أنه لا يصح الوضوء لغير المعذور حال خروج الحدث أو وجود
ناقضٍ للوضوء .
٤ - دخول الوقت للتيم عند الجمهور غير الحنفية ، ولمن حدثه دائم کسلس
البول عند الشافعية والحنابلة ، لأن طهارته طهارة عذر وضرورة ، فتقيدت
بالوقت .
والإسلام كما عرفنا شرط لصحة أداء العبادات عند غير الحنفية ، وعندهم :
شرط وجوب . وأما التمييز فهو شرط لصحة الوضوء وغيره من العبادات
بالاتفاق .
وقال الشافعية : شروط الوضوء والغسل ثلاثة عشر : الإسلام ، والتمييز ،
والنقاء من الحيض والنفاس ، وعما يمنع وصول الماء إلى البشرة ، والعلم بفرضيته ،
وألا يعتقد فرضاً معيناً من فروضه سنة ، والماء الطهور ، وإزالة النجاسة
العينية ، وألا يكون على العضو ما يغير الماء ، وألا يعلق نيته ، وأن يجري الماء
على العضو ، ودخول الوقت لدائم الحدث ، والموالاة ( أي فقد الصارف ) .
المطلب الرابع - سنن الوضوء :
ميز الحنفية بين السنة والمندوب ، فقالوا : السنة : هي المؤكدة وهي
الطريقة المسلوكة في الدين من غير لزوم ، على سبيل المواظبة ، أي أنها التي
واظب عليها النبي ◌ُ ◌ّ وتركها أحياناً بلاعذر. وحكمها الثواب على الفعل
والعقاب على الترك .
- ٢٤٠ -