Indexed OCR Text
Pages 21-40
الخزينة ونفقاتها . ويقصد بها تنظيم العلاقات المالية بين الأغنياء والفقراء ، وبين الدولة والأفراد . وهذه تشمل أموال الدولة العامة والخاصة ، كالغنائم والأنفال والعشور (ومنها الجمارك ) والخراج ( ضريبة الأرض ) والمعادن الجامدة والسائلة وموارد الطبيعة المخلوقة ، وأموال المجتمع كالزكاة والصدقات والنذور والقروض ، وأموال الأسرة كالنفقات والمواريث والوصايا ، وأموال الأفراد كأرباح التجارة ، والإجارة ، والشركات ، وكل مرافق الاستغلال المشروع ، والإنتاج ، والعقوبات المالية ، كالكفارات والديات والفدية . ح - الأخلاق أو الآداب ( المحاسن والمساوئ ) : وهي التي تحد من جموح الإنسان ، وتشيع أجواء الفضيلة والتعاون والتراحم بين الناس . وكان سبب اتساع الفقه هو ما جاء في السنة النبوية من الأحاديث الكثيرة في كل باب من هذه الأبواب . ٣ - اتصافه بالصفة الدينية حلاً وحرمة : يفترق الفقه عن القانون الوضعي في أن كل فعل أو تصرف مدني في المعاملات يتصف بوجود فكرة الحلال والحرام فيه ، مما يؤدي إلى اتصاف أحكام المعاملات بوصفين : أحدهما - دنيوي يبنى على ظاهر الفعل أو التصرف ، ولا علاقة بالأمر المستقر الباطني ، وهو الحكم القضائي ؛ لأن القاضي يحكم بما هو مستطاع . وحكمه لا يجعل الباطل حقاً ، والحق باطلاً في الواقع ، ولا يحل الحرام ولا يحرم الحلال في الواقع . ثم إن القضاء ملزم ، بعكس الفتوى . والثاني - حكم أخروي يبنى على حقيقة الشيء والواقع ، وإن كان خفياً عن الآخرين ، ويعمل به فيما بين الشخص والله تعالى. وهو الحكم الدياني . وهذا - ٢١ - ما يعتمده المفتي ، والفتوى : هي الإخبار عن الحكم الشرعي من غير الزام . . ومنشأ هذه التفرقة: حديث النبي عَ لّ فيما يرويه مالك وأحمد وأصحاب الكتب الستة: (( إنما أنا بشر، وإنكم تختصون إلي ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن(١) بحجته من بعض ، فأقضي له على نحوٍ مما أسمع ، فمن قضيت له بحق مسلم ، فإنما هي قطعة من النار ، فليأخذها أو ليتركها )» وسبب وجود هذين الوصفين : أن الشريعة وحي الله ، لها ثواب وعقاب أخروي ، وهي نظام روحي ومدني معاً ، لأنها جاءت لخيري الدنيا والآخرة ، أو الدين والدنيا . وتظهر ثمرة التفرقة مثلاً في الطلاق والأيمان والديون والإبراء والإكراه ونحوها ، وبناء عليه ، اختلفت وظيفة القاضي عن وظيفة المفتي ، فالقاضي يصدر حكمه بناء على الأمر الظاهر فقط ، والمفتي يراعي الباطن والظاهر معاً ، فإذا اختلفا بنی حکمه على الباطن إذا بان له . فمن طلق امرأته خطأ غير قاصد الطلاق®، يقع منه قضاء ولا يقع ديانة ، ومن أبرأ مدينه دون أن يعلمه بذلك ، ثم رفع الدعوى على المدين مطالباً بسداد الدين ، فالقضاء يقضي له بقبض الدين ، والفتوى تمنعه من ذلك لوجود الإبراء . وقد أدى وجود هذه النزعة الدينية أو الوازع الديني الداخلي إلى إضفاء صفة الهيبة والاحترام للأنظمة الشرعية ، وإلى صيانة الحقوق بجانب النزعة المادية التي تلاحظها فقط القوانين الوضعية ؛ لأن الشريعة ترعى الاعتبارين معاً : الاعتبار القضائي والاعتبار الدياني . ٤ - ارتباط الفقه بالأخلاق : يختلف الفقه عن القانون في تأثره بقواعد (١) ألحن بحجته أي أفطن وأحسن بياناً لها . - ٢٢ - الأخلاق ، فليس للقانون الوضعي إلا غاية نفعية وهي العمل على حفظ النظام واستقرار المجتمع ، وإن أهدرت بعض مبادئ الدين والأخلاق . أما الفقه فيحرص على رعاية الفضيلة والمثل العليا والأخلاق القويمة ، فتشريع العبادات من أجل تطهير النفس وتزكيتها وإبعادها عن المنكرات ؛ وتحريم الربا بقصد بث روح التعاون والتعاطف بين الناس ، وحماية المحتاجين من جشع أصحاب المال ؛ والمنع من التغرير والغش في العقود وأكل المال بالباطل ، وإفساد العقود بسبب الجهالة ونحوها من عيوب الرضا ، من أجل إشاعة المحبة وتوفير الثقة ، ومنع المنازعة بين الناس ، والسمو عن أدران المادة ، واحترام حقوق الآخرين ؛ والأمر بتنفيذ العقود قصد به الوفاء بالعهد ؛ وتحريم الخمر للحفاظ على مقياس الخير والشر وهو العقل . وإذا تآزر الدين والخلق مع التعامل ، تحقق صلاح الفرد والمجتمع ، وسعادتها معاً ، وتهيأ سبيل الخلود في النعمى في عالم الآخرة ، والأمل بالخلود هو مطمح البشرية من قديم الزمان . وبذلك تكون غاية الفقه هي خير الإنسان حقاً في الحال والمآل ، وإسعاده في الدنيا والآخرة . ثم إن التأثر بالدين والخلق يجعل الفقه أكثر امتثالاً وأشد احتراماً وطاعة ، أما القوانين فيكثر الإفلات من سلطانها . ٥ - الجزاء على المخالفة دنيوي وأخروي : يمتاز الفقه عن القانون الذي يقرر جزاء دنيوياً فقط على المخالفة بأن لديه نوعين من الجزاء على المخالفات : الجزاء الدنيوي من عقوبات مقدرة ( الحدود ) وغير مقدرة ( التعازير) ، على الأعمال الظاهرة للناس ، والجزاء الأخروي على أعمال القلوب غير الظاهرة للناس ، كالحقد والحسد وقصد الإضرار بالآخرين إذا اتخذ مظهراً إيجابياً ، وعلى الأعمال الظاهرة التي لم يعاقب عليها في الدنيا ، إما بسبب إهمال عقوبتها ، - ٢٣ - كتعطيل الحدود اليوم في أغلب الدول ، أو لعدم إثباتها في الظاهر ، أو لعدم اطلاع السلطة عليها . كذلك الجزاء في الفقه إيجابي وسلبي ، إيجابي لأن فيه ثواباً على طاعة الأوامر وامتثالها ، وسلبي لأنه يقرر ثواباً على اجتناب النواهي والمعاصي والكف عنها . أما القانون فيقتصر على تقرير جزاءات سلبية على مخالفة أحكامه ، دون تقرير ثواب على حالة امتثال قواعده . ٦ - النزعة في الفقه جماعية : أي أن فيه مراعاة لمصلحة الفرد والجماعة معاً ، دون أن تطغى واحدة على الأخرى ، ومع ذلك تقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد عند تعارض المصلحتين ، كما أنه عند تعارض مصلحة شخصين : تقدم مصلحة من يصيبه أكبر الضررين، تطبيقاً لقاعدة ((لا ضرر ولا ضرار)) و (( يدفع أكبر الضررين بالأخف منهما )). فمن أمثلة رعاية مصلحة الجماعة : تشريع العبادات من صلاة وصوم ونحوهما ، وحل البيع وتحريم الربا ، وتحريم الاحتكار ثم البيع بثمن المثل ، ومشروعية التسعير الجبري ، وإقامة الحدود على أخطر المنكرات ، وتنظيم الأسرة ، ورعاية حقوق الجار ، والوفاء بالعقود ، والبيع الجبري للمصلحة العامة كبناء المساجد والمدارس والمشافي ، وإنشاء المقابر ، وتوسيع الطرق ومجاري الأنهار . ومن أمثلة تقييد حق الفرد عند ضرر الجماعة ، أو حدوث ضرر أكبر : عدم إلزام الزوجة بطاعة زوجها إذا أضرَّ بها ، لقوله تعالى: ﴿ ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ﴾ ، وعدم إطاعة الحاكم إذا أمر بمعصية ، أو تنكر للمصلحة العامة ؛ لأن الطاعة في المعروف، ولقول الرسول الله مؤتمر فيما رواه أحمد: ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره ، مالم يؤمر بمعصية ، فإن أمر بمعصية ، فلا سمع ولا طاعة )) . - ٢٤ - ومن أمثلته : تقييد جواز الوصية بثلث المال منعاً من إضرار الورثة ، لقول النبي ◌ُؤالٍ لسعد بن أبي وقاص فيما يرويه البخاري ومسلم: ((الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة ، يتكففون الناس )» أي فقراء يسألون الناس بأكفهم . ومن أمثلته : ترك الأراضي المفتوحة بيد أهلها على أن يدفعوا ضريبة الجزية والخراج ، توفيراً لمورد عام للخزينة ، ورعاية لمصلحة المسلمين العامة . ومنه تشريع الشفعة للشريك أو للجار دفعاً للضرر الذي قد يحدث من المشتري الجديد . ومنه إمرار الماء في أرض الغير لإرواء الأرض البعيدة عن مجرى الماء . ونحو ذلك من الأمثال التي تصدر عن مبدأ واحد في الإسلام ، وهو أن مصدر الحق : هو الله الذي لا يمنحه لأحد إلا لغرض حكيم هو تحقيق الخير للفرد وللمجتمع معاً . ٧ - الفقه صالح للبقاء والتطبيق الدائم : إن فقه المبادئ الخالدة لا يتغير كالتراضي في العقود ، وضمان الضرر ، وقمع الإجرام وحماية الحقوق ، والمسؤولية الشخصية ، أما الفقه المبني على القياس ومراعاة المصالح والأعراف ، فيقبل التغير والتطور بحسب الحاجات الزمنية ، وخير البشرية ، والبيئات المختلفة زماناً ومكاناً ، مادام الحكم في نطاق مقاصد الشريعة وأصولها الصحيحة ، وذلك في دائرة المعاملات لا في العقائد والعبادات ، وهذا هو المراد بقاعدة ((تتغير الأحكام بتغير الأزمان )) . ٨ - إن الغاية من توطئة الفقه وتعبيد طرق الوصول إليه هي الإفادة الكاملة منه على الصعيد الفردي ، وعلى الصعيد الرسمي باستداد القوانين في كل بلاد الإسلام منه ؛ لأن غايته خير الإنسان وإسعاده في الدارين ، أما غاية القوانين الحالية فهي مجرد استقرار المجتمع . - ٢٥ _ وقد اشتمل الفقه الإسلامي على فروع القوانين المختلفة كما بينا ، ويمكن معرفة حكم مشكلات العصر كالتأمين ونظام المصارف ونظام البورصات وقواعد النقل الجوي والبحري ونحوها بالقواعد الفقهية الكلية ، والاجتهاد المستند إلى القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف وغيرها ، كما يمكن صياغة الفقه على أساس النظريات العامة كما هو الشأن في دراسة القوانين ، مثل نظرية الضمان ، ونظرية الضرورة ، ونظرية العقد ، ونظرية الملكية ، والمؤيدات الشرعية المدنية والجزائية ونظرية الحق ، والتعسف في استعمال الحق ، والظروف الطارئة وغيرها . وأجاز بعض الفقهاء خلافاً للأكثرية تخصيص النصوص بالعرف كعدم إلزام المرأة الشريفة القدر بإرضاع ولدها عند المالكية(١)، ومثل أخذ أبي يوسف بالعرف في مقياس الأموال الربوية كيلاً أو وزناً لتحقيق المساواة وعدمها ، فإذا تبدل عرف التعامل ، فأصبح بيع المال الربوي كالقمح والشعير وزنياً بعد أن كان كيلياً ، أو العكس ، عمل به ، وينظر حينئذ للتساوي وزناً أو كيلاً بحسب المتعارف بين الناس . كما أجاز بعضهم تغير الحكم لتغير علته كإيقاف سهم المؤلفة قلوبهم(٢) ، واعتماد حساب أوائل الشهور العربية على الحساب ، لا على الرؤية(٣). وأجاز آخرون تغير الحكم بالضرورة أو الحاجة دفعاً للحرج والضرر عن الناس بشرط توافر معنى الضرورة والحاجة شرعاً ، والترخيص بالقدر اللازم فقط لإزالة الضرورة وتحقيق الحاجة، لأن ((الضرورة تقدر بقدرها))(8) والضرورة : هي التي تهدد المرء بهلاك نفسه أو نسله ، أو تلف ماله ، أو ذهاب عقله إذا لم يقدم على (١) والتحقيق أن هذا من قبيل تفسير النص الغامض أو المجمل بالعرف ، وليس من قبيل التخصيص . (٢) فتح القدير : ١٤/٢ وما بعدها . (٣) رسالة أحمد شاكر في أوائل الشهور العربية . (٤) انظر كتابنا نظرية الضرورة الشرعية . - ٢٦ - الشيء الممنوع . والحاجة : ما يترتب على عدم استعمال الشيء الممنوع حرج ومشقة تصيب الإنسان في نفسه أو ولده أو ماله أو عقله . والعمل بالفقه واجب إلزامي ؛ لأن المجتهد يجب عليه أن يعمل بما أداه إليه اجتهاده ، وهو بالنسبة إليه حكم الله تعالى . وعلى غير المجتهد أن يعمل بفتوى المجتهد ، إذ ليس أمامه طريق آخر لمعرفة الحكم الشرعي سوى الاستفتاء : ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾. وإنكار حكم من أحكام الشريعة التي ثبتت بدليل قطعي ، أو زم قسوة حكم ما كالحدود مثلاً ، أو ادعاء عدم صلاحية الشريعة للتطبيق ، يعتبر كفراً وردة عن الإسلام . أما إنكار الأحكام الثابتة بالاجتهاد المبني على غلبة الظن فهو معصية وفسق وظلم ؛ لأن المجتهد بذل أقصى جهده لمعرفة الحق وبيان حكم الله تعالى ، بعيداً عن أي هوى شخصي ، أو مأرب نفعي ، أو طلب سمعة أو شهرة زائفة ، وإنما مستنده الدليل الشرعي ، ورائده الحق ، وشعاره الأمانة والصدق والإخلاص . وسبيل العودة إلى العمل بالفقه : هو تقنينه أي صياغته في مواد مبسطة تيسيراً لرجوع القضاة إليه ، وتوحيداً لأحكام القضاة ، وتسهيلاً لأمر المتقاضين بمعرفة الحكم الذي يتقاضى على أساسه . ويتم هذا بواسطة لجنة من علماء المذاهب لانتقاء الحكم من أي مذهب بحسب ما يرى من المصلحة ، ويكون عمل اللجنة جاداً وسريعاً ، حتى إذا ما انتهت من أعمالها أصدر الحاكم - وهنا العقدة - أمراً باعتماد القانون المستمد من الفقه ، تجاوباً مع تطلعات الناس بالرجوع إلى الشريعة وفقه القرآن والسنة ، وفي ذلك راحة للنفوس ، وطمأنينة للقلوب تزول بها تلك الازدواجية بين الدين والحياة والأنظمة السائدة . ولعل في مثل هذا المؤلّف ما ييسر الطريق أمام هؤلاء المقننين ، وليس في الأمر صعوبة إذا صدقت النية وتوافرت العزيمة ، وكان الحاكم جاداً في تنفيذ هذه - ٢٧ - الخطوة الجريئة التي لا تتم إلا بصدق الإسلام ، والاقتناع الحر، والقدرة على مواجهة التحديات والتخرصات والأضاليل . المطلب الثاني - لمحة موجزة عن فقهاء المذاهب : الفقيه أو المفتي : هو المجتهد ، والمجتهد : هو الذي حصلت له ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام من أدلتها . وإطلاق كلمة الفقيه أو المفتي أخيراً على متفقهة المذاهب من باب المجاز والحقيقة العرفية . والفتاوى الصادرة في زماننا هي مجرد نقل كلام المفتي ( المجتهد ) ليأخذ به المستفتي ، وليست هي بفتوى حقيقة . والمذهب : لغة : مكان الذهاب وهو الطريق . واصطلاحاً : الأحكام التي اشتملت عليها المسائل . شبهت بمكان الذهاب بجامع أن الطريق يوصل إلى المعاش ، وتلك الأحكام توصل إلى المعاد(١). ولقد بدأت نواة المذاهب في عصر الصحابة كما أشرنا سابقاً ، فكان مثلاً مذهب عائشة ، ومذهب عبد الله بن عمر ، ومذهب عبد الله بن مسعود وغيرهم ، ثم في عصر التابعين اشتهر فقهاء المدينة السبعة ( وهم سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد ، وخارجة بن زيد ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام ، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ) ونافع مولى عبد الله بن عمر . ومن أهل الكوفة : علقمة بن مسعود ، وابراهيم النخعي شيخ حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة ، ومن أهل البصرة : الحسن البصري . وهناك بين التابعين فقهاء آخرون : مثل عكرمة مولى ابن عباس ، وعطاء بن أبي رباح ، وطاوس بن كيسان ، ومحمد بن سيرين ، والأسود بن (١) بجيرمي الخطيب: ٤٥/١ . - ٢٨ - يزيد ، ومسروق بن الأعرج ، وعلقمة النخعي ، والشعبي ، وشريح ، وسعيد بن جبير ، ومكحول الدمشقي ، وأبو إدريس الخولاني . وفي أول القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع الهجري وهو الدور الذهبي للاجتهاد ، لمع في الأفق ثلاثة عشر مجتهداً دونت مذاهبهم ، وقلدت آراؤهم وهم(١) : سفيان بن عيينة بمكة، ومالك بن أنس بالمدينة ، والحسن البصري بالبصرة ، وأبو حنيفة وسفيان الثوري ( ١٦١ هـ ) بالكوفة ، والأوزاعي ( ١٥٧ هـ) بالشام، والشافعي والليث بن سعد بمصر، واسحق بن راهويه بنيسابور، وأبو ثور وأحمد ، وداود الظاهري ، وابن جرير الطبري ببغداد . إلا أن أكثر هذه المذاهب لم يبق إلا في بطون الكتب ، لانقراض أتباعها ، وظل بعضها قائماً مشهوراً إلى يومنا هذا، وسأذكر هنا لمحة موجزة عن أئمة المذاهب الكبرى الثمانية لأهل السنة ، وأهل الشيعة ، وبعض الخوارج المعتدلة الذين ما يزال أتباعهم موجودين ، ماعدا الظاهرية الذين فقدوا الأشياع والأتباع(٣) . تعر أولاً - أبو حنيفة - النعمان بن ثابت ( ٨٠ - ١٥٠ هـ ) مؤسس المذهب الحنفي : هو الإمام الأعظم أبو حنيفة ، النعمان بن ثابت بن زُوَطَى الكوفي من أبناء فارس الأحرار، ولد عام ٨٠ ، وتوفي عام ١٥٠ هـ رحمه الله ، عاصر أوج الدولتين الأموية والعباسية . وهو من أتباع التابعين ، وقيل : من التابعين ، لقي أنس بن مالك، وروى عنه حديث: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم )). (١) تاريخ الفقه الإسلامي للسايس: ص٨٦ . (٢) أفضل ما يقرأ عن الأئمة المجتهدين ماكتبه عنهم أستاذنا المرحوم الشيخ محمد أبو زهرة . - ٢٩ - وهو إمام أهل الرأي ، وفقيه أهل العراق ، صاحب المذهب الحنفي ، قال الشافعي عنه: (( الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة))، كان تاجر قماش بالكوفة . أخذ علمه في الحديث والفقه عن أكثر أعيان العلماء ، وتفقه في مدة ثمانية عشر عاماً بصفة خاصة بحمَّاد بن أبي سليمان ، الذي أخذ الفقه عن ابراهيم النخعي ، تشدد في قبول الحديث ، وتوسع في القياس والاستحسان . وأصول مذهبه : الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستحسان . له في علم الكلام كتاب الفقه الأكبر ، كما له مسند في الحديث ، ولم يؤثر عنه كتاب في الفقه . وأشهر تلامذته أربعة : ؟ ١ - أبو يوسف، يعقوب بن ابراهيم الكوفي (١١٣ - ١٨٢ هـ) : قاضي القضاة في عهد الرشيد ، كان له الفضل الأكبر على مذهب أبي حنيفة في تدوين أصوله ، ونشر آرائه في أقطار الأرض ، وكان مجتهداً مطلقاً . ٣ - محمد بن الحسن الشيباني (١٣٢ - ١٨٩ هـ): ولد بواسط ، وكان والده من أهل حرستا بدمشق ، ونشأ بالكوفة ، وعاش في بغداد ، وتوفي بالري ، تفقه أولاً على أبي حنيفة ، ثم أتم تعلمه على أبي يوسف ، ولازم مالك بن أنس مدة ، وانتهت إليه رياسة الفقه بالعراق بعد أبي يوسف ، وكان نابغة من أذكياء العلم ومجتهداً مطلقاً ، صنف التصانيف الكثيرة التي حفظ بها فقه أبي حنيفة ، فهو صاحب الفضل في تدوين المذهب الحنفي ، وكتبه ((ظاهر الرواية)) هي الحجة المعتمدة عند الحنفية . ٣ - أبو الهذيل ، زفر بن الهذيل بن قيس الكوفي (١١٠ - ١٥٨ هـ): ولد في أصبهان، وتوفي بالبصرة ، كان من أصحاب الحديث - ٣٠ - ثم غلب عليه الرأي ، ومهر في القياس ، حتى صار أقيس تلامذة أبي حنيفة وأصحابه ، وكان مجتهداً مطلقاً . ٤ - الحسن بن زياد اللؤلؤي ( المتوفى عام ٢٠٤ هـ ): تتلمذ أولاً لأبي حنيفة ، ثم للصاحبين : أبي يوسف ومحمد ، اشتهر برواية الحديث ، وبرواية آراء أبي حنيفة، لكن روايته دون رواية كتب ((ظاهر الرواية )» للإمام محمد ، ولم يبلغ في الفقه درجة أبي حنيفة وصاحبيه . ثانياً - مالك بن أنس ( ٩٣ - ١٧٩ هـ ) مؤسس المذهب المالكي : هو الإمام مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي(١)، إمام دار الهجرة فقهاً وحديثاً بعد التابعين ، ولد في عهد الوليد بن عبد الملك ومات في عهد الرشيد في المدينة رحمه الله ، ولم يرحل منها إلى بلد آخر ، عاصر كأبي حنيفة الدولتين الأموية والعباسية ، لكنه أدرك من الدولة العباسية حظاً أوفر ، وقد اتسعت الدولة الإسلامية في عصر هذين الإمامين ، فامتدت من المحيط الأطلسي غرباً إلى الصين شرقاً ، ووصلت إلى أواسط أوربا بفتح الأندلس . طلب العلم على علماء المدينة ، ولازم عبد الرحمن بن هرمز مدة طويلة ، وأخذ عن نافع مولى ابن عمر وابن شهاب الزهري ، وشيخه في الفقه ربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي . كان إماماً في الحديث وفي الفقه، وكتابه ((الموطأ)» كتاب جليل في الحديث والفقه ، قال عنه الشافعي رحمه الله: ((مالك أستاذي ، وعنه أخذت العلم ، وهو الحجة بيني وبين الله تعالى ، وما أحد أمنّ علي من مالك ، وإذا ذكر العلماء ، فمالك النجم الثاقب )) بنى مذهبه على أدلة عشرين : خمسة من القرآن ، وخمسة (١) نسبة إلى ذي أصبح : قبيلة من اليمن . - ٣١ - مماثلة لها من السنة ، وهي نص الكتاب ، وظاهره وهو العموم ، ودليله وهو مفهوم المخالفة ، ومفهومه : وهو مفهوم الموافقة ، وتنبيهه وهو التنبيه على العلة ، كقوله تعالى : ﴿ فإنه رجس ، أو فسقاً ﴾ فهذه عشرة . والبقية هي : الإجماع ، والقياس ، وعمل أهل المدينة ، وقول الصحابي ، والاستحسان ، والحكم بسد الذرائع ، ومراعاة الخلاف ، فقد كان يراعيه أحياناً ، والاستصحاب ، والمصالح المرسلة ، وشرع من قبلنا(١) . وأهم ما اشتهر به : العمل بالسنة ، وعمل أهل المدينة ، والمصالح المرسلة ، وقول الصحابي إذا صح سنده ، والاستحسان . كان من أشهر تلامذته فريق من المصريين ، وفريق آخر من شمال أفريقية والأندلس ، منهم سبعة مصريون وهم(٢) : أ - أبو عبد الله، عبد الرحمن بن القاسم، ( المتوفى بمصر عام ١٩١ هـ)، تفقه على مالك مدة عشرين سنة ، وتفقه على الليث بن سعد فقيه مصر المتوفى عام ١٧٥ هـ، كان مجتهداً مطلقاً، قال عنه يحيى بن يحيى: ((أعلم الأصحاب بعلم مالك، وآمنهم عليه ))، وهو الذي نظر وصحح ((المدوّنة)) في مذهب مالك ، وهي من أجل الكتب عند المالكية ، وعنه أخذ سحنون المغربي الذي رتب المدونة على ترتيب الفقه . ٣ - أبو محمد، عبد الله بن وهب بن مسلم، (ولد عام ١٢٥ وتوفي سنة ١٩٧ هـ ) ، لازم مالكاً عشرين سنة ، ونشر فقهه في مصر وكان له أثر في تدوين مذهبه ، وكان مالك يكتب إليه : إلى فقيه مصر ، وإلى أبي محمد المفتي . وتفقه أيضاً على الليث بن سعد، وكان محدثاً ثقة، وكان يسمى ((ديوان العلم)). (١) تاريخ الفقه للسايس: ص١٠٥، كتاب مالك لأبي زهرة : ص٢٥٤ وما بعدها . (٢) الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى: ص٨٦ - ٨٩، كتاب مالك: ص٢٣٣ وما بعدها . - ٣٢ - ٣ - أشهب بن عبد العزيز القيسي ، ( ولد في السنة التي ولد فيها الشافعي وهي سنة ١٥٠ هـ ، وتوفي سنة ٢٠٤ هـ ) بعد الشافعي بثمانية عشر يوماً ، تفقه على مالك والليث بن سعد ، انتهت إليه رياسة الفقه بمصر بعد ابن القاسم، وله مدونة روى فيها فقه مالك تسمى « مدونة أشهب )) وهي غير مدونة سحنون . قال عنه الشافعي : ما رأيت أفقه من أشهب . ٤ - أبو محمد، عبد الله بن عبد الحكم (المتوفى عام ٢١٤ هـ ) ، أعلم أصحاب مالك بمختلف أقواله ، وإليه صارت رياسة المالكية بعد أشهب . ٥ - أصْبَغ بن الفرج، الأموي ولاءٌ، ( المتوفى عام ٢٢٥ هـ ) ، تفقه بابن القاسم وابن وهب وأشهب السابق ذكرهم ، كان من أعلم خلق الله بمذهب مالك ومسائله . ٦ - محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ( المتوفى عام ٢٦٨ هـ) ، أخذ الفقه والعلم عن أبيه ، ومن عاصره من الفقهاء المالكيين السابق ذكرهم ، كما أخذ عن الشافعي ، حتى صار علماً في الفقه ، وانتهت إليه الرياسة والفُتيا بمصر ، والرحلة من بلاد المغرب والأندلس . ٧ - محمد بن ابراهيم الاسكندري بن زياد ، المعروف بابن المؤَّاز، ( والمتوفى عام ٢٦٩ هـ ) ، أخذ الفقه عن علماء عصره ، حتى صار راسخاً في الفقه والفتيا ، وله كتابه المشهور بالموازية ، وهو أجل كتاب ألفه المالكيون ، وأصحه مسائل ، وأبسطه كلاماً وأوعبه ، بنى فيه الفروع على الأصول . ومن أشهر تلامذة مالك المغاربة سبعة وهم : ١ - أبو الحسن، علي بن زياد التونسي، (المتوفى عام ١٨٣ هـ) ، أخذ عن مالك والليث بن سعد ، كان فقيه إفريقية . الفقه الإسلامي جـ١ (٣) - ٣٣ - ٣ - أبو عبد الله، زياد بن عبد الرحمن القرطبي ، ( المتوفى عام ١٩٣)، يلقب بشبْطون، سمع الموطأ عن مالك، وكان أول من أدخله الأندلس. ٣ - عيسى بن دينار، القرطبي الأندلسي، المتوفى عام ٢١٢ هـ ، كان فقيه الأندلس . ٤ - أسد بن الفرات بن سنان التونسي ، أصله من خراسان من نيسابور، ( ولد عام ١٤٥، وتوفي عام ٢١٣ هـ ) شهيداً بسرقوسة ، إذ كان أمير الجيش الذي ذهب لفتح صقلّية ، كان عالماً فقيهاً ، مجاهداً يقود الجيوش ، وجمع بين فقه المدينة ، إذ سمع الموطأ من مالك ، وفقه العراق ، إذ لقي أبا يوسف ومحمد بن الحسن ، وله كتاب ((الأسدية)) التي هي الأصل لمدونة سحنون . ة - يحيى بن يحيى بن كثير الليثي ، (المتوفى عام ٢٣٤ هـ ) ، أندلسي قرطبي ، نشر مذهب مالك في الأندلس . on. ٦ - عبد الملك بن حبيب بن سليمان السُّلَمي، ( المتوفى عام ٢٣٨ هـ) ، انفرد برياسة الفقه المالكي بعد يحيى المذكور آنفاً. ٧ - سَحْنون ، عبد السلام بن سعيد التّنْوخي، ( المتوفى عام ٢٤٠ هـ ) ، تفقه بعلماء مصر والمدينة ، حتى صار فقيه أهل زمانه ، وشيخ عصره، وعالم وقته. وهو صاحب («المدونة » في مذهب مالك التي يعتمد عليها المالكية . ومن أشهر تلامذة مالك الذين نشروا مذهبه في الحجاز والعراق ثلاثة وهم : ١ - أبو مروان، عبد الملك بن أبي سَلّمة الماجشون ، ( المتوفى عام ٢١٢ هـ)، كان مفتي المدينة في زمانه. وقيل: إنه كتب ((موطأ)» قبل مالك. - ٣٤ - ٢ - أحمد بن الُعَذَّل بن غيلان العبدي ، معاصر ابن الماجشون ومن أصحابه ، كان أفقه أصحاب مالك في العراق . ولم يعرف تاريخ وفاته . ٣ - أبو إسحق ، إسماعيل بن إسحق ، القاضي ، ( المتوفى عام ٢٨٢ هـ ) ، أصله من البصرة ، واستوطن بغداد ، تفقه على ابن المعذل ، السابق الذكر ، نشر مذهب مالك في العراق . ثالثاً - محمد بن إدريس الشافعي ( ١٥٠ - ٢٠٤ هـ ) مؤسس المذهب الشافعي : الإمام أبو عبد الله ، محمد بن إدريس القرشي الهاشمي المُطَّلبي بن العباس بن عثمان بن شافع رحمه الله ، يلتقي نسبه مع الرسول صلّ في جده عبد مناف ، ولد في غزة بفلسطين الشام عام ١٥٠ هـ، وهو عام وفاة أبي حنيفة ، وتوفي في مصر عام ٢٠٤ هـ . بعد موت أبيه في غزة وبعد سنتين من ميلاده ، حملته أمه إلى مكة موطن آبائه ، فنشأ بها يتيماً ، وحفظ القرآن في صباه ، ثم خرج إلى هذيل بالبادية ، وكانت أفصح العرب ، فحفظ أشعارهم ، ونبغ في العربية والأدب ، حتى قال الأصمعي عنه: ((وصححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له : محمد بن إدريس )» ، فكان بذلك إماماً في العربية وواضعاً فيها . تتلمذ في مكة على مفتيها مسلم بن خالد الزنجي ، حتى أذن له بالإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة ، ثم ارتحل إلى المدينة ، فتفقه على مالك بن أنس ، وسمع منه الموطأ ، وحفظه في تسع ليال ، وروى الحديث أيضاً عن سفيان بن عيينة ، والفضيل بن عياض ، وعمه محمد بن شافع وغيرهم . وارتحل إلى اليمن ، فولي عملاً فيها ، ثم ارتحل إلى بغداد عام ١٨٣ هـ - ٣٥ - و ١٩٥ هـ ، فأخذ عن محمد بن الحسن كتب فقهاء العراق ، وكانت له مناظرات معه ، سر منها الرشيد . ولقيه أحمد بن حنبل في مكة سنة ١٨٧ هـ ، وفي بغداد سنة ١٩٥ هـ ، وأخذ عنه فقهه وأصوله ، وبيانه ناسخ القرآن ومنسوخه . وفي بغداد صنف كتابه القديم المسمى بالحجة الذي ضمن فيه ((مذهبه القديم))، ثم ارتحل إلى مصر عام ٢٠٠ هـ حيث أنشأ ((مذهبه الجديد)) وتوفي بها شهيد العلم(١) في آخر رجب يوم الجمعة سنة ٢٠٤ هـ ، ودفن بالقرافة بعد العصر من يومه ، رحمه الله . ومن مؤلفاته ((الرسالة)) أول مدون في علم أصول الفقه، وكتاب ((الأم)) في فقه مذهبه الجدید . كان مجتهداً مستقلاً مطلقاً، إماماً في الفقه والحديث والأصول ، جمع فقه الحجازيين والعراقيين، قال فيه أحمد: ((كان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسوله)) وقال عنه أيضاً: ((مامن أحد مسَّ بيده محبرة وقَلَاً، إلا وللشافعي في عنقه منَّة)) وقال عنه طاش كبري زاده في مفتاح السعادة: (( اتفق العلماء من أهل الفقه والأصول والحديث ، واللغة والنحو وغير ذلك ، على أمانته وعدالته وزهده ، وورعه وتقواه وجوده ، وحسن سيرته ، وعلو قدره ، فالمطنب في وصفه مقصر، والمسهب في مدحته مقتصر)). وأصول مذهبه : القرآن والسنة ، ثم الإجماع ، ثم القياس . ولم يأخذ بأقوال الصحابة ، لأنها اجتهادات تحتمل الخطأ ، وترك العمل بالاستحسان الذي قال به الحنفية والمالكية، وقال: ((من أستحسن فقد شرع))، ورد المصالح المرسلة ، (١) قيل: ضربه أشهب الفقيه المالكي المصري ، حين تناظر مع الشافعي، فأفحمه، فضربه بمفتاح في جبهته ، فمرض بسبب ذلك أياماً ، ثم مات ، وكان أشهب يدعو عليه في سجوده ، قائلاً: اللهم أمت الشافعي ، وإلا ذهب علم مالك . والمشهور أن الضارب له : فتيان المغربي ( بجيرمي الخطيب: ١ / ٤٩ وما بعدها) . - ٣٦ _ وأنكر الاحتجاج بعمل أهل المدينة، وسماه أهل بغداد ((ناصر السنة)). روى عنه كتابه القديم (( الحجة)) أربعة من أصحابه العراقيين وهم : أحمد بن حنبل ، وأبو ثور ، والزعفراني ، والكرابيسي ، وأنفسهم رواية له : الزعفراني . وروى عنه مذهبه الجديد في (( الأم )) في أبواب الفقه كلها أربعة أيضاً من أصحابه المصريين وهم : المزني ، والبويطي ، والربيع الجيزي ، والربيع بن سليمان المرادي راوي ((الأم)) وغيرها عن الشافعي. والفتوى على مافي الجديد ، دون القديم ، فقد رجع الشافعي عنه، وقال: (( لا أجعل في حل من رواه عني)) إلا في مسائل يسيرة نحو السبع عشرة ، يفتى فيها بالقديم إلا إذا اعتضد القديم بحديث صحيح لامعارض له ، فإن اعتضد بدليل فهو مذهب الشافعي ، فقد صح أنه قال: ((إذا صح الحديث فهو مذهبي"، واضربوا بقولي عُرْض الحائط)). وقد كثر تلاميذه وأتباعه في الحجاز والعراق ومصر وغيرها من البلاد الإسلامية ، ونترجم بصفة خاصة لخمسة مصريين منهم أخذوا عنه مذهبه الجديد (١) وهم(١) : ٦ - يوسف بن يحيى البويطي، أبو يعقوب، ( توفي عام ٢٣١ هـ ) وهو مسجون ببغداد بسبب فتنة القول بخلق القرآن التي أثارها الخليفة المأمون ، استخلفه الشافعي في حلقته ، له مختصر مشهور اختصره من كلام الشافعي . ٢ - أبو ابراهيم ، اسماعيل بن يحيى المزني، ( المتوفى عام ٢٦٤ هـ)، قال عنه الشافعي: ((المزني ناصر مذهبي))، له في مذهب الشافعي كتب كثيرة ، منها المختصر الكبير المسمى المبسوط ، والمختصر الصغير . أخذ عنه كثير من علماء خراسان والعراق والشام ، وكان عالماً مجتهداً . (١) كتاب الشافعي لأستاذنا أبي زهرة : ص ١٤٩ ومابعدها . - ٣٧ - اً - الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي ، أبو محمد ، راوي الكتب ، كان مؤذناً بجامع عمرو بن العاص (جامع الفسطاط ) ، توفي عام ٢٧٠ هـ ، صحب الشافعي طويلاً، حتى صار راوية كتبه ، وعن طريقه وصلنا : الرسالة والأم وغيرهما من كتب الإمام . وتقدم روايته على رواية المزني إن تعارضا . ٤ - حَرْملة بن يحيى بن حرملة، ( المتوفى سنة ٢٦٦ هـ ) ، روى عن الشافعي من الكتب مالم يروه الربيع ، مثل كتاب الشروط ( ٣ أجزاء ) ، وكتاب السنن ( عشرة أجزاء ) ، وكتاب النكاح ، وكتاب ألوان الإبل والغنم وصفاتها وأسنانها . ٥ - محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، (المتوفى في ذي القعدة سنة ٢٦٨ هـ ) ، وأحد تلامذة مالك ، كان أهل مصر لا يعدلون به أحداً ، وكان الشافعي يُحبه ويوده ، ثم ترك مذهبه إلى مذهب مالك ؛ لأن الشافعي لم يخلفه في حلقته ، ولأنه مذهب أبيه . رابعاً - أحمد بن حنبل الشيباني (١٦٤ - ٢٤١ هـ ) مؤسس المذهب الحنبلي : الإمام أبو عبد الله ، أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد الذَّهلي الشيباني ، ولد ببغداد ، ونشأ بها ، وتوفي فيها في ربيع الأول رحمه الله ، وكانت له رحلات إلى مدائن العلم ، كالكوفة والبصرة ومكة والمدينة والين والشام والجزيرة . تفقه على الشافعي حين قدم بغداد ، ثم أصبح مجتهداً مستقلاً ، وتجاوز عدد شيوخه المائة ، وأكبَّ على السُّنة يجمعها ويحفظها ، حتى صار إمام المحدثين في عصره ، بفضل شيخه : هشيم بن بشير بن أبي خازم البخاري الأصل ( ١٠٤ - ١٨٣ هـ ) . - ٣٨ - كان إماماً في الحديث والسنة والفقه، قال عنه إبراهيم الحربي: «رأيت أحمد ، كأن الله قد جمع له علم الأولين والآخرين )) وقال عنه الشافعي حين ارتحل إلى مصر: ((خرجت من بغداد ، وماخلّفت بها أتقى ولا أفقه من ابن حنبل)). وقد امتحن أحمد بالضرب والحبس في فتنة خلق القرآن في زمن المأمون والمعتصم والواثق ، فصبر صبر الأنبياء ، قال عنه ابن المديني : إن الله أعز الإسلام برجلين : أبي بكر يوم الردة ، وابن حنبل يوم المحنة . وقال عنه بشر الحافي : إن أحمد قام مقام الأنبياء . وأصول مذهبه في الاجتهاد قريبة من مبدأ الشافعي ؛ لأنه تفقه عليه ، فهو يأخذ بالقرآن والسنة وفتوى الصحابي والإجماع والقياس ، والاستصحاب ، والمصالح المرسلة ، والذرائع . لم يؤلف الإمام أحمد في الفقه كتاباً ، وإنما أخذ أصحابه مذهبه من أقواله وأفعاله وأجوبته وغير ذلك . وله كتاب ((المسند )» في الحديث ، حوى نيفاً وأربعين ألف حديث ، وكان ذا حافظة قوية جداً . ويعمل بالحديث المرسل ( وهو ماسقط منه الصحابي ) وبالحديث الضعيف الذي يرتفع إلى درجة الحديث الحسن ، لا الباطل ولا المنكر ، مرجحاً العمل بالمرسل أو الضعيف على القياس . وكان من أشهر تلامذته الذين نشروا علمه الآتي ذكره(١) : ١ - صالح بن أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٦٦ هـ : وهو أكبر أولاد الإمام أحمد ، تلقى الفقه والحديث عن أبيه ، وعن غيره من معاصريه ، قال فيه (١) ابن حنبل لأستاذنا المرحوم أبي زهرة: ص ١٧٦ - ١٨٨. - ٣٩ - أبو بكر الخلال راوي الفقه الحنبلي : سمع من أبيه مسائل كثيرة ، وكان الناس يكتبون إليه من خراسان ، يسأل لهم - أي أباه - عن المسائل)). ٢ - عبد الله بن أحمد بن حنبل (٢١٣ - ٢٩٠): اشتغل برواية الحديث عن أبيه . أما أخوه صالح فقد عني بنقل فقه أبيه ومسائله . ٣ - الأثرم ، أبو بكر ، أحمد بن محمد بن هانئ الخراساني البغدادي ( المتوفى سنة ٢٧٣ هـ ) ، روى عن أحمد مسائل في الفقه ، وروى عنه حديثاً كثيراً، له كتاب (( السنن في الفقه)) على مذهب أحمد وشواهده من الحديث ، كان من الفقهاء الحفاظ الأعلام . ٤ - عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني، ( المتوفى سنة ٢٧٤ هـ ) ، صحب أحمد أكثر من عشرين سنة ، وكان جليل القدر في أصحاب أحمد ، وكان أبو بكر الخلال معجباً بنقله عن أحمد أشد الإعجاب . ٥ - أحمد بن محمد بن الحجاج، أبو بكر المروذي ، ( المتوفى عام ٢٧٤ هـ ) ، كان أخص أصحاب أحمد به ، وأقربهم إليه ، وإماماً في الفقه والحديث، كثير التصانيف. وإذا أطلق الحنابلة كلمة ((أبو بكر)) يراد به المروذي . ٦ - حرب بن إسماعيل الحنظلي الكرماني، ( المتوفى سنة ٢٨٠ هـ ) ، أخذ عن أحمد فقهاً كثيراً ، وكان المروذي ، مع عظيم صلته بأحمد ، ينقل عنه ما كتب عن أحمد . ٧ - إبراهيم بن إسحق الحربي، أبو إسحاق، ( المتوفى عام ٢٨٥ هـ ) ، كان تبحره في الحديث أكثر من الفقه ، وكان عالماً باللغة . ثم جاء أحمد بن محمد بن هرون ، أبو بكر الخلال ، ( المتوفى سنة ٣١١ هـ ) - ٤٠ -