Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢٠
باب ما يُحدثُه الرجل في الطريق
في الإسلام" .* قال: وليس لأحد من أهل الدرب الذي ليس بنافذ أن يشرع
كنيفًا ولا ميزاباً إلا بإذنهم؛ لأنها مملوكة لهم، ولهذا وجبت الشُّفْعَةُ لهم على كل
حال، فلا يجوز التصرفُ أضرّ بهم، أو لم يضرّ إلا بإذنهم. وفي الطريق النافذ له
التصرف إلا إذا أضرّ؛ لأنه يتعذر الوصولُ إلى إذن الكل، فجُعِلَ في حق كل واحد،
كأنه هو المالك وحده حكماً؛ كيلا يتعطّلَ عليه طريقُ الانتفاع، ولا كذلك غير
النافذ؛ لأن الوصول إلى إرضائهم ممكن، فبقي على الشركة حقيقةً وحكماً. قال:
القدوري
وإذا أشرع في الطريق روشناً، أو ميزاباً، أو نحوه، فسقط على إنسان فعَطبَ: فالدية
أخرج
هلك الإنسان
على عاقلته؛ لأنه مسبّب لتلفه متعدٍّ بشغله هواءَ الطريق،
المشرع المشرع
من أهل الدرب: الدرب الباب الواسع على السكة، والمراد به السكة ههنا. (العناية) إلا بإذنهم: أي بإذن
أصحاب ذلك الدرب. لأنها مملوكة لهم: أي الغالب أنها مملوكة، وذكر الإمام الكسائي محله، إلا أن يأذن جميع
أهل الدرب؛ لأنها مملوكة لهم هذا هو الغالب، وفي "الجامع الصغير" لفخر الإسلام محله: المراد بغير النافذة
المملوكة، وليس ذلك بعلة الملك، فقد تنفذ، وهي مملو کة، وقد بسد منفذها، وهي للعامة، ولكن ذلك دليل
على الملك غالباً، فأقيم مقامه، ووجب العمل به، حتى يدل الدليل على خلافه. [الكفاية ٢٤٠/٩-٢٤١]
على كل حال: أي قريباً بالدار المبيعة، أو بعيداً. إرضائهم: أي إرضاء أصحاب الغير النافذ.
روشناً: الروشن: الممر على العلو، وهو مثل الرف كذا في "المغرب"، وقيل: الروشن الخشبة الموضوعة على
جداري السطحين ليتمكن من المرور. [الكفاية ٢٤١/٩]
"روي من حديث عبادة بن الصامت وابن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وأبي لبابة وثعلبة بن
مالك وجابر بن عبد الله وعائشة. [نصب الراية ٣٨٤/٤] فحديث الخدري رواه الحاكم في "المستدرك" من
حدیث عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن حدثني عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن
عمرو بن یحی المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن الني څ﴾ قال: "لا ضرر ولا ضرار من ضر ضره
الله، ومن شق شق الله عليه". وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. [٥٧/٢، في البيوع]

١٢١
باب ما يُحدثُه الرجل في الطريق
وهذا من أسباب الضمان، وهو الأصل، و کذلك إذا سقط شيء مما ذكرنا في أول
القاعدة الكلية
الباب. وكذا إذ تعثر بنقضه إنسان أوعطبت به داّة، وإن عَثَرَ بذلك رجل، فوقع على
بالنقض
النقض
فعطب
آخر فماتا: فالضمان على الذي أحدثه فيهما؛ لأنه يصير كالدافع إياه عليه. وإن سقط
الميزابُ: نُظر، فإن أصاب ما كان منه في الحائط رجلاً، فقتله: فلا ضمان عليه؛ لأنه
غير متعدٍّ فيه؛ لما أنه وضعه في ملكه. وإن أصابه ما كان خارجاً من الحائط، فالضمانُ
على الذي وضعه فيه؛ لكونه متعدّيًا فيه، ولا ضرورة؛ لأنه يمكنه أن يركبه في الحائط،
ولا كفّارة عليه، ولا يُحْرم عن الميراث؛ لأنه ليس بقاتل حقيقةً. ولو أصابه الطرفان جميعاً،
الخارج والداخل
وعلم ذلك: وجب النصفُ، وهَدَرَ النصفُ كما إذا جرحه سبع وإنسان، ولو لم يعلم
أي طرف أصابه: يضمن النصف؛ اعتباراً للأحوال. ولو أشرع جناحاً إلى الطريق،
سقط
نصف الدیة
وهذا: أي التسبب بطريق التعدي. (البناية) سقط شيء: أي تجب الدية على العاقلة. [البناية ٢٣٢/١٣]
ذكرنا: يعني الكنيف والميزاب والجرصن. (العناية) فالضمان إلخ: أي فضمانهما على من أشرع الروشن أو
غيره. [الكفاية ٢٤١/٩] يعني ضمانهما على المحدث، ولا ضمان على الذي عثر به؛ لأنه مدفوع في هذه
الحالة، والمدفوع كالآلة. (العناية) ليس بقاتل حقيقةً: يعني أن الكفارة وحرمان الميراث إنما يجبان بالقتل
حقيقةً، وهذا ليس بقتل حقيقةً، وإلا لساوى الملك غيره كما في الرقي، قيل: إن كان قتلاً حقيقةً، فالقياس
شمول الوجوب في الضمان والكفارة والحرمان، وإن لم يكن، فالقياس عدمه فيها، والجواب أن الضمان
يعتمد الإتلاف بطريق التعدي؛ صيانة التعدي للدماء عن الهدر، وقد يتحقق بإحداثه في الطريق ما ليس له
ذلك، وأما الكفارة والحرمان، فيعتمد أن القتل عمداً، أو خطأ، ولم يوجد شيء منهما. [العناية ٢٤١/٩]
اعتبارً للأحوال: يعني يعلم بيقين أنه قتيل الجراحة، ولا يعلم أنه بأي الطرفين كان، فإن كان بالطرف
الداخل، فلا ضمان، وإن كان بالخارج فعليه ضمان، فيجعل كأنه حصل بالطرفين. [العناية ٢٤١/٩]
ولو أُشرع جناحاً: قال صاحب "القاموس": الجناح الروشن، ثم قال: الروشن الكوة.

١٢٢
باب ما يُحْدُه الرجل في الطريق
ثم باع الدار، فأصاب الجناحُ رجلا فقتله، أو وضع خشبة في الطريق، ثم باع
الخشبةَ وبرئ إليه منها، فتركها المشتري حتى عَطِبَ بها إنسان: فالضمان على
المشتري
البائع؛ لأن فعله وهو الوضعُ لم ينفسخ بزوال ملكه، وهو الموجب. ولو وضع في
فعله
الطريق جَمْراً، فأحرق شيئًا: يضمنه؛ لأنه متعدٍّ فيه، ولو حركته الريحُ إلى موضع
آخر، ثم أحرق شيئًا: لم يضمنه؛ لنسخ الريح فِعْلَه. وقيل: إذا كان اليوم ريحاً يضمنه؛
صاحب الريح
لأنه فعله مع علمه بعاقبته، وقد أفضى إليها، فجُعلَ كمباشرته. ولو استأجر ربُّ
الإفضاء ذلك بنفسه
الدار العمَلَة لإِخراج الجناح، أو الظلة، فوقع،
وبرئ إليه منها: أي برئ مما يحدث منه، وهذا التبري لا ينفعه؛ لأنه يبرأ من ضمان يجب عليه، وتبرؤ الإِنسان
عن ضمان يجب عليه للغير باطل، وإن كان بعد سبب الوجوب. [الكفاية ٢٤١/٩] لم ينفسخ: وكذلك في
الجناح وجدت الجناية من البائع لشغل هواء المسلمين بالجناح، وبالبيع لم يزل هذا الشغل، فبقيت جناية
على حالها، فإن قيل: المشتري جان أيضًا بالامتناع من الرفع مع تمكنه منه شرعاً. قلنا: المشتري غير
مباشر، ولا مسبب؛ لانعدام الفعل منه، وإنما صار تاركاً معروفاً، فلا يضمن كمن رأى أعمى يقع في البئر
فلم يمنعه من الوقوع حتى مات. [الكفاية ٢٤٢/٩]
ولو حركته: أي حركت الريح عين الجمر، وإنما قيد به؛ لأن عند بعض أصحابنا: أن الريح إذا هبت بشرارها،
فأحرقت شيئًا فالضمان عليه في ذلك؛ لأن الريح إنما ذهبت بشرارها، ولم تذهب بعينها، فالعین باق في مكانه،
فكانت الجناية باقية، فكان ضمان ذلك عليه. (الكفاية) يضمنه: هذا اختيار الشيخ الإمام شمس الأئمة
السرخسي ، وكان شمس الأئمة الحلواني لا يقول بالضمان من غير تفصيل كذا في "الذخيرة". (الكفاية)
وقد أفضى إليها: أي إلى عاقبته، وهو الحرق بواسطة الريح، فلا ينفسخ حكم فعله بالانتقال من موضع إلى
موضع؛ لأنه كان عالماً به بمنزلة الدابة التي جالت في رباطها، كذا في "المبسوط". [الكفاية ٢٤٢/٩]
لإخراج الجناح: أي قال المستأجر للأجراء: أشرعوا لي جناحاً على فناء داري وأخبرهم أنه ليس له حق
إشراع الجناح، أو لم يخبرهم، حتى بنوا جناحاً بأمره، ثم سقط فأتلف شيئًا إلخ. [الكفاية ٢٤٣/٩]

١٢٣
باب ما يُحدثُه الرجل في الطريق
فقتل إنساناً قبل أن يفرُغُوا من العمل: فالضمان عليهم؛ لأن التلف بفعلهم، وما
الفعلة
لم يفرغوا: لم يكن العمل مسلّمًا إلى ربّ الدار؛ وهذا لأنه انقلب فعلُهم قتلاً، حتى
الفعلة
وجبت عليهم الكفارةُ، والقتلُ غير داخل في عقده، فلم ينتقل فعلُهم إليه فاقتصر
عليهم. وإن سقط بعد فراغهم: فالضمان على ربِّ الدار استحساناً؛ لأنه صح
الاستثجار، حتى استحقوا الأجرَ، ووقع فعلُهم عمارةً وإصلاحاً، فانتقل فعلُهم
إليه، فكأنه فعل بنفسه، فلهذا يضمنه. وكذا إذا صبّ الماء في الطريق، فعَطبَ به
يضمن الفاعل
ربالدار
إنسان أو داّة، وكذا إذا رش الماءَ أو توضأ؛ لأنه متعدٍّ فيه بإلحاق الضرر بالمارة،
في الطريق
بخلاف ما إذا فعل ذلك في سكّة غير نافذة، وهو من أهلها، أو قعد أو وضع
السكة
لا یضمن
متاعه؛ لأن لكل واحد أن يفعل ذلك فيها؛ لكونه من ضرورات السكنى كما في
الدار المشتركة، قالوا: هذا إذا رشّ ماءً كثيراً بحيث يُزْلق به عادةً، أما إذا رشَّ ماءً
المشايخ
قليلاً كما هو المعتاد، والظاهر أنه لا يزلق به عادةً لا يضمن.
استحساناً: وفي القياس هذا كالأول؛ لأنهم باشروا إحداث ذلك في الطريق، وصاحب الدار ممنوع من
إحداثه، وإنما يعتبر أمره فيما له أن يفعل بنفسه. [الكفاية ٢٤٣/٩] صح الاستئجار: يعني بالنظر إلى
أنه ينتفع بفناء داره، وإنما يحصل له المنفعة بعد الفراغ من العمل، فبالنظر إلى هذا كان أمره معتبراً.
فكأنه فعل بنفسه: ولو فعله بنفسه يقيد بشرط السلامة؛ لكونه غير مملوك له، فكذا إذا أمر به. (العناية)
ذلك: يعني الصب والرش والوضوء. [العناية ٢٤٣/٩]
وضع متاعه: فعطب به إنسان. (الكفاية) كما في الدار إلخ: يعني أن له أن يفعل فيها ما هو من ضرورات
السكنى، وهو اعتبار لحق الملك بحقيقته. [العناية ٢٤٣/٩-٢٤٥] لايضمن: لأنه إذا أزلق يكون ذلك من
خوفه. [البناية ٢٣٤/١٣]

١٢٤
باب ما يُحدثُه الرجل في الطريق
ولو تعمد المرورَ في موضع صَبِّ الماء، فسقط: لا يضمن الراشُّ؛ لأنه صاحب علّة،
المار
وقيل: هذا إذا رشَّ بعضَ الطريق؛ لأنه يجد موضعاً للمرور، ولا أثر للماء فيه، فإذا
المار
تعمد المرورَ على موضع صبّ الماء مع علمه بذلك: لم يكن على الراش شيء وإن
رشّ جميع الطريق: يضمن؛ لأنه مضطر في المرور، وكذا الحكم في الخشبة الموضوعة
الراش المار
في الطريق في أخذها جميعه، أو بعضه. ولو رشَّ فناءَ حانوت بإذن صاحبه: فضمانُ
ما عطبَ على الآمر استحساناً، وإذا استأجر أجيراً ليبني له في فناء حانوته، فتعقّل به
إنسان بعد فراغه من العمل، فمات: يجب الضمانُ على الآمر استحساناً، ولو كان
أمره بالبناء في وسط الطريق: فالضمان على الأجير؛ لفساد الأمر. قال: ومن حفر
القدوري
الأجير
بئرًا في طريق المسلمين، أو وضع حجرًا، فتلف بذلك إنسان فديتُه على عاقلته، وإن
تلفت بهيمة، فضمانها في ماله؛ لأنه متعدٍّ فيه، فيضمن ما يتولّد منه، غير أن العاقلة
تعدیہ
تتحمل النفس دون المال، فكان ضمانُ البهيمة في ماله، وإلقاءُ التراب،
صاحب علّة: والعلة إذا صلحت لإضافة الحكم إليها بطل غيرها. (العناية) هذا: أي عدم وجوب الضمان
على الراش. [البناية ٢٣٤/١٣] فناء حانوت: الفناء سعة أمام البيوت، وقيل: ما امتد من جوانبها، كذا في
"المغرب"، وذكر الإمام التمرتاشي: الفناء ما أعد لحوائج الدار كربط الدابة وكسر الحطب. [الكفاية ٢٤٥/٩]
فتعقّل: أي فحس، وتعلق بالبناء. [العناية ٢٤٥/٩]
استحساناً: هذا إذا لم يكن الفناء مملوكاً للمستأجر. (الكفاية) فالضمان على الأجير إلخ: بخلاف الفناء؛ لأنه
مباح له فيما بينه وبين ربه إحداث مثل ذلك في فناء إذا كان لا يتضرر به غيره، وقد جرت العادة بذلك في بلاد
المسلمين فاعتبر أمره في ذلك، ولكن لما كان الفناء غير مملوك له يتقيد بشرط السلامة. [الكفاية ٢٤٥/٩-٢٤٦]
في طريق المسلمين: المراد بالطريق في الكتب: الطريق في الأمصار دون الفيافي والصحاري؛ لأنه لا يمكن
العدول عنه في الأمصار غالباً دون الصحارى. (رد المحتار)

١٢٥
باب ما يُحدثُه الرجل في الطريق
واتخاذ الطين في الطريق بمنزلة إلقاء الحجر والخشبة؛ لما ذكرنا؛ بخلاف ما إذا
كنس الطريقَ فعطب بموضع كنسِهِ إنسان حيث لم يضمن؛ لأنه ليس متعدٍّ، فإنه
هلك
ما أحدث شيئًا فيه إنما قصد دفَعَ الأذى عن الطريق، حتى لو جمع الكُنَاسَةَ في
الطريق
الطريق وتعقل به إنسان: كان ضامناً؛ لتعدِّيه بشغله. ولو وضع حجرًا فنحّاه غيره
الطريق
عن موضعه، فعطب به إنسان: فالضمان على الذي تحّاه؛ لأن حكم فعله قد انتسخ؛
الفراغ ما شغله، وإنما اشتغل بالفعل الثاني موضع آخر. وفي "الجامع الصغير": في
البالوعة يحفرها الرجلُ في الطريق، فإن أمره السلطان بذلك، أو أجبَرَه عليه:
لم يضمن؛ لأنه غير متعدٍّ حيث فعل ما فعل بأمر مَن له الولاية في حقوق العامة،
وإن كان بغير أمره: فهو متعدٍّ، إما بالتصرف في حق غيره، أو بالافتيات على
رأي الإِمام، أو هو مباح مقيد بشرط السلامة،
حفر البئر
لما ذكرنا: أي لأنه متعد فيه. (البناية) الكناسة: ما يحصل من الكنس. فتحاه غيره: أي حوله عن موضعه
إلى موضع آخر. (رد المحتار) انتسخ: أي فعل الواضع الأول. وفي "الجامع الصغير" إلخ: وذكر رواية
"الجامع الصغير"؛ لاشتمالها على بيان إذن الإِمام. [العناية ٢٤٦/٩] البالوعة: وهو ما يحفر في وسط الدار
ليجمع ماء الوضوء وماء المطر، وفي "الصحاح": البالوعة ثقب في وسط الدار. [البناية ٢٣٦/١٣]
بالتصرف: فإن الطريق مشترك. أو بالافتيات: الافتيات الاستبداد بالرأي افتعال من الفوت بمعنى السبق. (الكفاية)
أو هو مباح إلخ: لأن الانتفاع بطريق العامة إنما يباح بشرط السلامة، وفي "شرح الأقطع": وقد قالوا:
لو قعد في الطريق ليستريح، أو لمرض أضعفه، فعثر به إنسان ضمن؛ لأن المشي في الطريق مباح بشرط
السلامة كما أن الله تعالى أباح الرمي إلى الصيد، ولو رمى إلى صيد، فأصاب آدميًا، أو شاة ضمن؛ فاعتبر
فيه السلامة فكذلك ههنا.

١٢٦
باب ما يُحْدُثُه الرجل في الطريق
وكذا الجواب على هذا التفصيل في جميع ما فُعِلَ في طريق العامة مما ذكرناه وغيره؛
لأن المعنى لا يختلف. وكذا إن حفره في ملكه لا يضمن؛ لأنه غير متعدٍّ، وكذا إذا
حفره في فناء داره؛ لأن له ذلك لمصلحة داره، والفناءُ في تصرفه، وقيل: هذا إذا كان
عدم الضمان
الحفر
الفناء مملوكاً له، أو كان له حقُّ الحفر فيه؛ لأنه غير متعدٍّ، أما إذا كان لجماعة
المسلمين أو مشتركاً، بأن كان في سكة غير نافذة: فإنه يضمنه؛ لأنه مسّبِّب متعدٍّ
وهذا صحيح. ولو حفر في الطريق، ومات الواقعُ فيه جوعاً، أو غمًّا: لا ضمان على
الحافر عند أبي حنيفة له؛ لأنه مات لمعنى في نفسه، فلا يضاف إلى الحفر، والضمان
إنما يجب إذا مات من الوقوع، وقال أبو يوسف عليه: إن مات جوعاً فكذلك،
على هذا التفصيل: يعني أنه لو فعل بأمر من له الولاية في الأمر، لم يضمنه، ولو فعل بنفسه من غير أمر
أحد ضمنه. (العناية) مما ذكرناه: يعني من أول الباب إلى هنا من إخراج الكنيف والميزاب والجر صن وبناء
الدكان وإشراع الروشن وحفر البئر. (العناية) وغيره: يعني ما لم يذكره في الكتاب كبناء الظلة وغرس
الشجر ورمي الثلج والجلوس للبيع. (العناية) وكذا إن حفر إلخ: يعني كما إذا أمره الإمام، فحفر في طريق
المسلمين لم يضمن ما تلف به كذلك إذا حفره في ملكه، وإن لم يأذن له الإمام. [العناية ٢٤٦/٩]
فناء داره: يعني وإن لم يكن الفناء ملكه. (العناية) حقّ الحفر: بأن لا يضر لأحد، أو أذن له الإمام. [البناية ٢٤٧/٩]
وهذا: يعني هذا الجواب وهو أن يضمن إذا كان الفناء لجماعة المسلمين، أو كان مشتركاً إذا كان في
سكة غير نافذة صحيح. (العناية) غمًّا: أي انخناقاً بالعفونة، قال في "الصحاح": يوم غم إذا كان يأخذ
النفس من شدة الحر. [العناية ٢٤٧/٩] لأنه مات لمعنى إلخ: أي صار كأنه مات حتف أنفه لا بسبب الوقوع
في البشر، وفي "المبسوط": وأبو حنيفة مالك يقول: إنما يصير هلاكه مضافاً إلى الحفر إذا هلك بسبب الوقوع؛
ليجعل الحافر كالدافع، فأما إذا طرأ عليه سبب آخر، هو سبب لهلاكه كالجوع الذي هاج من طبعه، أو الغم
الذي أثر في قلبه، فإنما يكون هلاكه مضافاً إلى هذا السبب، ولا صنع للحافر فيه. [الكفاية ٢٤٧/٩]

١٢٧
باب ما يُحدثُه الرجل في الطريق
وإن مات غمًّا فالحافر ضامن له؛ لأنه لا سبب للغمِّ سوى الوقوع، أما الجوع فلا
يختصّ بالبئر. وقال محمد رجاليه: هو ضامن في الوجوه كلها؛ لأنه إنما حدث بسبب
الوقوع؛ إذ لولاه لكان الطعام قريباً منه. قال: وإن استأجر أجراء، فحفروها له
الجوع
في غير فنائه: فذلك على المستأجر، ولا شيء على الأجراء إن لم يعلموا أنها في غير
الضمان
فنائه: لأن الإِجارة صحّت ظاهرة إذا لم يعلموا، فنقلَ فعلهم إليه؛ لأنهم كانوا
مغرورين، فصار كما إذا أمر آخر بذبح هذه الشاة فذبحها، ثم ظهر أن الشاة لغيره،
إلا أن هناك يضمن المأمورُ، ويرجع على الآمر؛ لأن الذابح مباشر، والآمر مسبّب،
من المستأجر
المغرور الذابح
والترجيح للمباشرة، فيضمن المأمور، ويرجع المغرور، وهنا يجب الضمانُ على
على الآمر
المستأجر ابتداء؛ لأن كل واحد منهما مسبّب، والأجيرُ غير متعدٍّ، والمستاجر متعدٍّ،
المستأجر والأجير لا مباشر
فيرجّح جانبه. وإن علموا ذلك: فالضمان على الأجراء؛
لأنه لا سبب للغمِّ إلخ: لأنه أثر جعل الأرض عميقاً، وهو من آثار حفره، فإن البئر تنبعث منها العفونة،
فلا يكون للغم سبب سوى الوقوع في البئر، وأما الجوع فله سبب آخر سوى الوقوع، وهو بعد الطعام
عنه، واحتراق معدته حين لم يبق فيها من مواد الطعام. (الكفاية) بسبب الوقوع: والحافر متعدٍّ في ذلك
السبب. [الكفاية ٢٤٧/٩] قال: أي المصنف، وليس لفظة "قال" في غالب النسخ. [البناية ٢٣٨/١٣]
فحفروها له: في غير فنائه يعني بأن كان الفناء للغير، أو طريقاً للعامة لكنه غير مشهور. [العناية ٢٤٧/٩]
فنقل: هذا دليل كون الضمان على المستأجر. [العناية ٢٤٧/٩] لأنهم: دليل قوله: ولا شيء على
الأجراء. [العناية ٢٤٧/٩] فصار: أي وصار هذا الأمر في صحته ظاهراً، وكون المأمور مغرورًا كالآمر
بذبح شاة ظهر فيها استحقاق الغير. [العناية ٢٤٧/٩ -٢٤٨] ثم ظهر: فالضمان يتقرر على الآمر.
إلا أن هناك: أي في الأمر بذبح الشاة. [البناية ٢٣٨/١٣] للمباشرة: وفي نسخة: للمباشر.

١٢٨
باب ما يُحدثُه الرجل في الطريق
لأنه لم يصح أمره بما ليس بمملوك له، ولا غرور، فبقي الفعل مضافاً إليهم. وإن
لعلمهم
قال لهم: هذا فنائي، وليس لي فيه حقّ الحفر، فحفروا فمات فيه إنسان: فالضمان
الأجراء
على الأجراء قياساً؛ لأنهم علموا بفساد الأمر فما غرّهم، وفي الاستحسان: الضمانُ
٠
على المستأجر؛ لأن كونه فناء له بمنزلة كونه مملوكاً له؛ لانطلاق يده في التصرف
فيه من إلقاء الطين والحَطَب، وربط الدابّة والركوب، وبناء الدكان، فكان الأمر
بالحفر في ملكه ظاهراً بالنظر إلى ما ذكرنا، فكفى ذلك؛ لنقل الفعل إليه. قال: ومن
جعل قنطرةً بغير إذن الإِمام، فتعمَّد رجل المرور عليها فعَطبَ، فلا ضمانَ على
المستأجر
الذي عمل القنطرة، وكذلك إن وضع خشبةً في الطريق فتعمد رجل المرورَ عليها؛
لأن الأول تعدٍّ هو تسبيب،
لم يصح أمره [فلا ينتقل فعلهم إليه] بما ليس إلخ: وفي عبارته تسامح؛ لأن صحة الأمر فيما نحن فيه لا يحتاج إلى
كون المأمور به في ملكه، حتى يصح التعليل بقوله؛ لأنه لم يصح أمره بما ليس بمملوك له، بل المناسب أن يقال:
لأن الأمر لم يصح ظاهراً حيث علموا، وطولب بالفرق بين هذه المسألة وبين الأمر بإشراع الجناح فإن الأجراء
هناك إذا لم يعلموا ضمنوا، ورجعوا على الآمر، وههنا لم يضمنوا أصلاً، والجواب ما أشار إليه المصنف في ذبح
شاة غيره، بأن الذابح مباشر، والآمر مسبب، وقد تقدم أن إشراع الجناح كذبح الشاة إذا ظهر
استحقاقها. [العناية ٢٤٨/٩] ما ذكرنا: يعني قوله: لانطلاق يده في التصرف إلخ. [العناية ٢٤٩/٩]
قال: أي محمد بحثه في "الجامع الصغير". (البناية) قنطرة: القنطرة ما أحكم بناؤه ولا يرفع، والجسر ما
يوضع ويرفع. [البناية ٢٣٩/١٣] لأن الأول [أي جعل القنطرة ووضع الخشبة بغير إذن الإمام] تعدٍّ: وإنما
سمي بناء القنطرة تعديًا؛ لأن الذي جعل القنطرة فوت حقًا على غيره، فإن التدبير في موضع القناطر على
الأنهار العظام من حيث تعيين المكان والضيق والسعة للإمام، فكأنه جناية بهذا الاعتبار، والجناية تعد كذا
في "مبسوط شيخ الإسلام". [الكفاية ٢٤٩/٩]

١٢٩
باب ما يُحدثُه الرجل في الطريق
والثاني تعدِّ هو مباشرة، فكانت الإضافةُ إلى المباشر أولى، ولأن تخلُل فعلٍ فاعلٍ
مختار يقطع النسبة كما في الحافر مع الملقي. قال: ومن حمل شيئا في الطريق فسقط
فالنسبة إلى الملقي
إلی السبب
على إنسان، فعطب به إنسان: فهو ضامن، وكذا إذا سقط فتعثر به إنسان، وإن
ومات
بسقوطه عليه
كان رداء قد لبسه، فسقط عنه فعطب به إنسان: لم يضمن، وهذا اللفظ يشمل
على إنسان
الوجهين. والفرق: أن حامِلَ الشيء قاصد حفظه، فلا حرج في التقييد بوصف
السلامة، واللابس لا يقصد حفظ ما يلبسه، فيخرج بالتقييد بما ذكرناه فجعلناه
اللبس
مباحاً مطلقاً. وعن محمد بحلته: أنه إذا لبس ما لا يلبسه عادة،
والثاني [أي المرور بالتعمد] تعدٍّ: هو مباشرة؛ لأنه إذا تعمد المرور بأن كان بصيرًا أو يجد موضعاً آخر للمرور
صار متعدّيًا، فينسب التلف إليه دون المسبب، وصار كأنه أتلف نفسه، فأما إذا لم يتعمد بأن كان أعمى، أو مر
ليلاً يضمن إذا وضعه بغير إذن الإمام، فأما إذا وضعه بإذن الإمام فلا يضمن. [الكفاية ٢٤٩/٩]
قال: أي محمد محلّه في "الجامع الصغير". [البناية ٢٣٩/١٣] فهو ضامن: لأن حمل المتاع في الطريق على
رأسه، أو على ظهر مباح؛ لكنه مقيد بشرط السلامة بمنزلة الرمي إلى الهدف، أو الصيد.
وإن كان رداء: قيد باللبس؛ لأنه إن كان حاملاً له، فسقط على إنسان، فعطب به، أو سقط، فتعثر به
إنسان ضمن. وهذا اللفظ: يعني قوله: فعطب به، فهو ضامن يشتمل الوجهين، وهما تلف الإنسان بوقوع
الشيء المحمول عليه، وتلفه بالتعثر به، ... وفي بعض الشروح جعل قوله: وهذا اللفظ إشارة إلى قوله:
فعطب به إنسان لم يضمن، وهو بالنسبة إلى الرداء فاسد؛ لأن موت الإنسان بسقوط الرداء عليه غير
متصور. [العناية ٢٤٩/٩ - ٢٥٠] والفرق: أي بين الشيء المحمول حيث يجب الضمان به فيما إذا هلك
إنسان وبين الثوب الملبوس حيث لا يجب الضمان فيه وإن هلك إنسان بوقوعه عليه. [البناية ٢٤٠/١٣]
في التقييد: فإذا انتفى السلامة بأن عطب به إنسان لزم الضمان. مطلقًا: يعني من غير شرط
السلامة. [البناية ٢٤٠/١٣] ما لا يلبسه عادة: يعني مثل اللبد والجوالق ودروع الحرب في غير موضع
الحرب. [العناية ٢٥٠/٩]

١٣٠
باب ما يُحْدِثُه الرجل في الطريق
فهو كالحامل؛ لأن الحاجة لا تدعوا إلى لبسه. قال: وإذا كان المسجد للعشيرة،
فعلق رجل منهم فيه قنديلا، أو جعل فيه بواريَ أو حصّاه، فعطب به رجل: لم يضمن،
وإن كان الذي فعل ذلك من غير العشيرة: ضمن، قالوا: هذا عند أبي حنيفة حدثله.
المشايخ
و
وقالا: لا يضمن في الوجهين؛ لأن هذه من القَرَب، وكلَّ أحد مأذون في إقامتها،
من أهل المسجد
الأفعال
فلا يتقيد بشرط السلامة كما إذا فعله بإذن واحد من أهل المسجد. ولأبي حنيفة ظله:
وهو الفرق: أن التدبير فيما يتعلق بالمسجد لأهله دون غيرهم كنَصْب الإِمام
أهل المسجد
واختيار المتولي، وفتح بابه، وإغلاقه، وتكرار الجماعة إذا سبقهم بها غير أهله، فكان
المسجد
الصلاة بالجماعة
فعلهم مباحاً مطلقاً غير مقيد بشرط السلامة، وفعلُ غيرهم تعدًّا، أو مباحاً مقيدًا
بشرط السلامة، وقصدُ القربة لا ينافي الغرامة إذا أخطأ الطريقَ كما إذا تفرَّد
بالشهادة على الزنا، والطريق فيما نحن فيه الاستئذان من أهله.
المسجد
فهو كالحامل: أي لبس ثوباً زيادة على قدر الحاجة يضمنه إذا سقط منه، وعطب به إنسان؛ لأنه لا تعم
به البلوى. [الكفاية ٢٥٠/٩] قال: أي محمد له في "الجامع الصغير". (البناية) للعشيرة: يعني أهل
المسجد. (العناية) العشيرة: القبيلة ذكره في "الصحاح". [البناية ٢٤٠/١٣] ضمن: يعني إذا فعل ذلك بغير
إذن أحد من العشيرة. [العناية ٢٥٠/٩] وقالا: وقال الحلواني: أكثر المشايخ أخذوا بقولهما في هذه المسألة،
وعليه الفتوى. (البناية) الوجهين: وهما إذن الإمام، أو إذن العشيرة. [البناية ٢٤١/١٣]
غير أهله: فلهم تكرار الجماعة، بخلاف ما إذا سبقوا بها، فإنه ليس لغيرهم أن يكرر الجماعة. (العناية)
وقصدُ القربة: جواب عن قولهما: لأن هذه من القرب. [العناية ٢٥١/٩] إذا تفرّد بالشهادة إلخ: فإن شهادته
من حيث أنه شهادة في حقوق الله تعالى حسبة كانت أو قربة، ولكن من شرط قبول الشهادة في الزنا أن
يكون الشهود أربعة ممن يسمع شهادته، فإذا نقصت تلك الشهادة من ذلك العدد انقلبت الشهادة قذفً،
فيجب حد القذف على الشاهد. [الكفاية ٢٥٠/٩-٢٥١]

١٣١
باب ما يُحدثُه الرجل في الطريق
قال: وإن جلس فيه رجل منهم، فعطب به رجل: لم يضمن إن كان في الصلاة،
بأن عثر به
العشيرة
المسجد
وإن كان في غير الصلاة ضمن، وهذا عند أبي حنيفة بداله. وقالا: لا يضمن على
كل حال، ولو كان جالسًا لقراءة القرآن، أو للتعليم أو للصلاة، أو نام فيه أثناء
المسجد
الصلاة، أو نام في غير الصلاة أو مرّ فيه مارّ أو قعد فيه لحديث، فهو على هذا
الاختلاف. وأما المعتكف: فقد قيل: على هذا الاختلاف، وقيل: لا يضمن
بین الإمام وصاحبيه
بالاتفاق، لهما: أن المسجد إنما بني للصلاة والذكر، ولا يمكنه أداء الصلاة بالجماعة
إلا بانتظارها، فكان الجلوسُ فيه مباحاً؛ لأنه من ضرورات الصلاة، أو لأن المنتظر
المسجد
للصلاة في الصلاة حكمًا بالحديث، فلا يضمن كما إذا كان في الصلاة.
قال: أي محمد مرله في "الجامع الصغير". (البناية) في الصلاة: سواء كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً. (العناية)
ضمن: أي إن لم يكن فيها بل كان قاعداً لغيرها. (العناية) أو للتعليم: أي تعليم الفقه أو الحديث. [العناية ٢٥١/٩]
أو للصلاة: يعني منتظرًا لها. (العناية) وذكر شمس الأئمة السرخسي بعثته في "شرح الجامع الصغير"، والصحيح
من الجواب على قول أبي حنيفة بدله: إنه إذا كان الجالس منتظرًا للصلاة، فإنه لا يكون ضامناً لما يعطب به؛
لقوله عليه: "المنتظر للصلاة في الصلاة ما دام ينتظرها"، وإنما الخلاف فيما إذا جلس لعمل لا يكون له
اختصاص بالمسجد من درس الفقه، أو الحديث، أو قراءة القرآن. [الكفاية ٢٥١/٩]
أو قعد فيه الحديث: وذكر فخر الإسلام والصدر الشهيد في شرح "الجامع الصغير": إن جلس للحديث
فعطب به رجل ضمن بالإجماع؛ لأنه غير مباح، وإن جلس من غير العشيرة فيه في الصلاة، فتعقل به
إنسان لا يضمن في الصحيح؛ لأن المساجد أعدت لصلاة العامة من غير خصوص، فكان لكل واحد أن
يصلي فيه وحده، وإنما المفوض إلى أهل المسجد أمر الصلاة بالجماعة. [الكفاية ٢٥٣/٩]
فهو: أي إذا عثر به إنسان فمات. إنما بني للصلاة إلخ: قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ
فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. [العناية ٢٥٣/٩]

١٣٢
باب ما يُحْدُثُه الرجل في الطريق
وله: أن المسجد بني للصلاة، وهذه الأشياء ملحقة بها، فلابد من إظهار التفاوت،
فجعلنا الجلوس للأصل مباحاً مطلقاً، والجلوسَ لما يلحق به مباحاً مقيدًا بشرط
السلامة، ولا غرْوَ أن يكون الفعل مباحاً، أو مندوبًا إليه، وهو مقيد بشرط السلامة
لا عجب
كالرمي إلى الكافر، أو إلى الصيد، والمشي في الطريق، والمشي في المسجد إذا وطئ
غيره، والنوم فيه إذا انقلب على غيره. وإن جلس رجل من غير العشيرة فيه للصلاة،
فتعقل به إنسان: ينبغي أن لا يضمن؛ لأن المسجد بني للصلاة، وأمر الصلاة بالجماعة
إن كان مفوّضًا إلى أهل المسجد، فلكل واحد من المسلمين أن يصلي فيه وحده.
فهو غیر متعد
فصل في الحائط المائل
قال: وإذا مال الحائط إلى طريق المسلمين، فطولب صاحبُه بنقضه،
القدوري
وله أن المسجد إلخ: يعني أن المسجد بني للصلاة وغيرها من العبادة تبع لها بدليل أن المسجد إذا ضاق على
المصلي كان له أن يزعج القاعد عن موضعه حتى يصلي فيه، وإن كان القاعد مشتغلاً بذكر الله تعالى، وبقراءة
القرآن أو التدريس أو معتكفاً، وليس لأحد أن يزعج المصلي عن مكانه الذي سبق إليه؛ لما أنه بني لها، واسمه
يدل عليه؛ لأن المسجد اسم لموضع السجود، وفي العبادة أيضاً لا يعرف بناء المسجد إلا للصلاة، فإذا كان
كذلك فلابد من إظهار التفاوت بينهما، فكان الكون فيه في حق الصلاة مباحاً مطلقاً من غير تقييد بشرط
السلامة، وفي حق غيرها مقيدًا بشرط السلامة؛ ليظهر التفاوت بين الأصل والتبع. [العناية ٢٥٣/٩]
إظهار التفاوت: بين الملحق والملحق به. (البناية) بين الموضوع الأصلي وما لحق به. (العناية) للأصل: الذي هو
الصلاة. (البناية) فتعقل به: أي فنشب به وتعلق. [البناية ٢٤٤/١٣] فصل في الحائط إلخ: لما كان الحائط المائل
يناسب الجرصن والروشن والجناح والكنيف وغيرها ألحق مسائله بها في فصل على حدة. [العناية ٢٥٣/٩]
فطولب إلخ: وصورة الطلب: أن يقول: إن حائطك هذا مائل فاهدمه، وفي "المنتقى": رجل له حائط
مائل، فقال له آخر: اهدم هذا الحائط، فإنه مائل، فهذا إشهاد عليه، ولو قال له: ينبغي لك أن تهدمه، =

١٣٣
باب ما يُحدثُه الرجل في الطريق
وأشهد عليه، فلم ينقضه في مدةٍ يقدر على نقضه حتى سقط: ضمن ما تلف به من
الجدار
الطلب
نفس، أو مال، والقياس: أن لا يضمن؛ لأنه لا صنع منه مباشرة، ولا مباشرة شرط
هو متعد فيه؛ لأن أصل البناء كان في ملكه، والميلانُ وشغل الهواء ليس من فعله،
فصار كما قبل الإشهاد. وجه الاستحسان: أن الحائط لما مال إلى الطريق، فقد
اشتغل هواءُ طريق المسلمين بملكه، ورفعُه في يده، فإذا تقدم إليه وطولب بتفريغه يجب
الشغل
عليه، فإذا امتنع صار متعدياً بمنزلة ما لو وقع ثوبُ إنسان في حجره يصير متعدياً
عن التفريخ
بالامتناع عن التسليم إذا طولب به كذا هذا، بخلاف ما قبل الإشهاد؛ لأنه بمنزلة
هلاك الثوب قبل الطلب، ولأنا لو لم نوجب عليه الضمان يمتنع عن التفريغ، فينقطع
المارَّةُ حذراً على أنفسهم، فيتضررون به، ودفعُ الضرر العام من الواجب،
= فهذا ليس بإشهاد عليه بل هو مشورة، ويشترط لصحة التقدم، والطلب أن يكون التقدم والطلب إلى
من له ولاية التفريغ؛ لأن الفعل إنما يطلب من القادر حتى لو تقدم إلى من يسكن الدار بإجارة أو إعارة،
فلم ينقض الحائط، حتى سقط على إنسان لا ضمان على أحد. أما على السكان؛ فلأن التقدم إليهم
لم يصح، وأما على المالك؛ فإنه لم يتقدم إليه، وكذلك يشترط أن يكون التقدم والطلب من صاحب الحق،
والحق في طريق العامة للعامة، فيكتفي بطلب واحد من العامة، وفي السكة الخاصة الحق لأصحاب السكة،
فيكتفى بطلب واحد منهم أيضاً، وفي الدار شرط طلب المالك، وإن كان فيها سكان لهم أن يطالبوه، وبعد
صحة الطلب يشترط لوجوب الضمان دوام القدرة على التفريغ إلى وقت السقوط. [الكفاية ٢٥٣/٩]
وأشهد علیه: لا حاجة إلى الإشهاد، وذكره في الكتب؛ ليتمكن في الإثبات عند الإنكار. لا يضمن: وبه قال
الشافعي وأحمد بما في المنصوص عنه؛ لأنه بناه في ملكه ولا تعدي منه. (البناية) لأنه: أي لأنه لم يباشر التلف
ولم يباشر ما هو شرط التلف، وهو متعد فيه. [الكفاية ٢٥٣/٩] كما قبل الإشهاد: أي في صنعته مباشرة، أما
كونه لاصنع فيه فظاهر، وأما كونه لا مباشرة وهو القتل بسبب كحفر البئر ونحوه. [البناية ٢٤٦/١٣-٢٤٧]
بالامتناع إلخ: حتى يضمن إذا هلك في يده. (البناية) بخلاف ما قبل إلخ: فإنه لا يضمن بالإجماع. [البناية ٢٤٧/١٣]

١٣٤
باب ما يُحدثُه الرجل في الطريق
وله تعلق بالحائط، فيتعين لدفع هذا الضرر، وكم من ضرر خاص يتحمل لدفع
رب الحائط
صاحب الحائط
العام منه، ثم فيما تلف به من النفوس تجب الدية، وتتحملها العاقلة؛ لأنه في كونه
الضرر
جناية دون الخطأ، فيستحق فيه التخفيف بالطريق الأولى؛ کیلا يؤدي إلى استئصاله
انقطاعه بالكلية
والإحجاف به وما تلف به من الأموال كالدواب والعروض يجب ضمانها في ماله؛
لأن العواقل لا تَعْقِلُ المالَ، والشرط التقدّم إليه، وطلب النقض منه دون الإِشهاد،
صاحب الحائط
وإنما ذكر الإشهاد ليتمكن من إثباته عند إنكاره، فكان من باب الاحتياط، وصورة
المطلوب بالهدم الإشهاد
الإشهاد: أن يقول الرجل: أشهدوا أني قد تقدمت إلى هذا الرجل في هدم حائطه
هذا، ولا يصح الإشهادُ قبل أن يهي الحائط لانعدام التعدّي.
ابتداء وانتهاء
ـميل
وله تعلق إلخ: هذا جواب إشكال، وهو أن يقال: الهواء حق العامة، وقد اشتغل بهذا الحائط، فينبغي أن يكون
تفريغه عليهم، فأجاب بقوله: وله تعلق بالحائط يعني نقضاً وإبقاء، فكأنه هو أولى بذلك. [البناية ٢٤٧/١٣]
يتحمل لدفع إلخ: كما في الرمي إلى الكفار وإن تترسوا بصبيان المسلمين أو بالأسارى، وقطع العضو
للآكلة عند خوف هلاك النفس. [الكفاية ٢٥٣/٩-٢٥٤] وتتحملها العاقلة: قال محمد رسالته: إن العاقلة
لا تتحمل حتى يشهد الشهود على ثلاثة أشياء: على التقدم إليه في النقض، وعلى أنه مات من سقوطه عليه،
وعلى أن الدار له؛ لأن كون الدار في يده ظاهر، والظاهر لا يستحق به حق على الغير. [العناية ٢٥٣/٩]
بالطريق الأولى: أي هو أحق بذلك؛ لأن الجناية دون الخطأ، فيكون أدعى إلى التخفيف.
والإحجاف به: يعني بإتلاف ماله بأداء الدية. المال: بل تعقل دية النفس. والشرط التقدم: وهو أن
يقول صاحب الحق لصاحب الحائط: إن حائطك هذا مخوف، أو يقول: مائل فانقضه أو اهدمه حتى لا يسقط،
ولا يتلف شيئًا، ولو قال: ينبغي أن تهدمه، فذلك مشورة، ويشترط أن يكون التقدم من صاحب حق كواحد
من العامة مسلماً كان أو ذمياً، أو صباً أو امرأةً. [العناية ٢٥٣/٩-٢٥٤] فكان من باب إلخ: حتى لو
اعترف صاحبه أنه طولب بنقضه وجب عليه الضمان وإن لم يشهد عليه. [العناية ٢٥٤/٩]

١٣٥
باب ما يُحدثُه الرجل في الطريق
قال: ولو بنى الحائط مائلاً في الابتداء قالوا: يضمن ما تلف بسقوطه من غير
المشايخ
إشهاد؛ لأن البناء تعدٍّ ابتداء كما في إشراع الجناح. قال: وتقبل شهادة رجلين أو
رجل وامرأتين على التقدم؛ لأن هذه ليست بشهادة على القتل، وشرط الترك في
القدوري
مدة يقدر على نقضه فيها؛ لأنه لابد من إمكان النقض ليصير بتركه جانيا،
ويستوي أن يطالبه بنقضه مسلم أو ذميّ؛ لأن الناس كلهم شركاءٌ في المرور،
فيصحّ التقدمُ إليه من كل واحد منهم، رجلاً كان أو امرأة، حرًّا كان أو مكاتباً،
ويصح التقدمُ إليه عند السلطان وغيره؛ لأنه مطالبة بالتفريغ، فيتفرد كلُّ صاحب
حق به. وإن مال إلى دار رجل، فالمطالبة إلى مالك الدار خاصة؛ لأن الحق له على
وُ
الحائط
الخصوص، وإن كان فيها سكان: لهم أن يطالبوه؛ لأن لهم المطالبة بإزالة ما شغل
الدار كالمستأجر والمستعير
الدار، فكذا بإزالة ما شغل هواءها، ولو أجَّله صاحبُ الدار، أو أبرأه منها، أو فعل
الجنایة
ذلك ساكنوها، فذلك جائز، ولا ضمان عليه فيما تلف بالحائط؛ لأن الحق لهم،
صاحب الحائط
التأجيل أو الإبراء
التأجيل
كما في إشراع: أي لا يعد فيه ابتداء. (البناية) ليست بشهادة إلخ: يعني لو كانت شهادة على نفس
القتل لم يقبل شهادة النساء بشبهة البدلية بل هي شهادة على ميلان الحائط، فتقبل شهادة رجل وامرأتين.
[البناية ٢٤٩/١٣] لأن الثابت بهذا التقدم ما لا يسقط بالشبهة، وهو المال لا القتل. [الكفاية ٢٥٤/٩]
ويستوي أن يطالبه إلخ: وفي "شرح الأقطع": وكذلك لو طالبت به امرأة أو صبي أو رجل غريب من بلد
آخر؛ لأن جميع هؤلاء لهم حق المرور في الطريق، فصحت مطالبتهم لثبوت حقهم وفي "شرح الطحاوي": لو
كان الحائط مائلاً إلى الطريق العام، فإن الخصومة فيه إلى الناس مسلماً كان أو ذمياً بعد أن كان حراً بالغاً عاقلاً
كان أو صغيراً أذن له وليه بالخصومة فيه، أو كان عبداً أذن له مولاه بالخصومة فيه. [الكفاية ٢٥٤/٩]
وإن مال إلخ: ههنا في نسخة العيني وجد قال أي القدوري.

١٣٦
باب ما يُحْدُثُه الرجل في الطريق
بخلاف ما إذا مال إلى الطريق، فأجَّله القاضى، أو مَن أشهد عليه حيث لا يصح؛
صاحب الحائط
لأن الحق لجماعة المسلمين، وليس إليهما إبطال حقهم. ولو باع الدارَ بعد ما أشهد
القاضي ومن أشهد جماعة المسلمين
عليه، وقبضها المشتري: برئ من ضمانه؛ لأن الجناية بترك الهدم مع تمكنه، وقد زال
تمكنُه بالبيع، بخلاف إشراع الجناح؛ لأنه كان جانياً بالوضع، ولم ينفسخ بالبيع،
البائع
مالك الدار
فلا يبرأ على ما ذكرنا، ولا ضمان على المشتري؛ لأنه لم يُشْهِدْ عليه، ولو أشهد
عليه بعد شرائه فهو ضامن؛ لتركه التفريغ مع تمكنه بعد ما طولب به، والأصل: أنه
القاعدة الكلية
يصح التقدم إلى كل من يتمكن من نقض الحائط وتفريغ الهواء، ومن لا يتمكن منه
لا يصح التقدمُ إليه كالمرتهن والمستأجر والمودع وساكن الدار، ويصح التقدمُ إلى
الراهن؛ لقدرته على ذلك بواسطة الفكاك، وإلى الوصي وإلى أب اليتيم، أو أمه
فكاك الرهن
نقض الحائط
في حائط الصبي؛ لقيام الولاية، وذكر الإمام في "الزيادات": والضمان في مال اليتيم؛
لأن فعل هؤلاء كفعله، وإلى المكاتب؛ لأن الولاية له، وإلى العبد التاجر،
المکاتب
بخلاف إِشراع إلخ: أي أشرع جناحاً إلى الطريق، ثم باع الدار فأصاب الجناح رجلاً فقتله. ما ذكرنا: أشار به
إلى قوله في باب ما يحدثه الرجل في الطريق: ولو أشرع جناحاً إلى الطريق فأصاب الجناح رجلاً، فالضمان
على البائع. [البناية ٢٥٠/١٣] أب اليتيم: قال شيخنا العلاء بعثه: المراد من اليتيم الصبي؛ لأن اليتيم
لا أب له، والمراد من الأب الجد؛ لأن الجد يسمى الأب عند عدم الأب. [البناية ٢٥١/١٣]
لقيام الولاية: للوصي والأب والأم. [البناية ٢٥١/١٣] لأن فعل هؤلاء كفعله: أي فعل الوصي والأب
والأم كفعل الصبي، وفي "المبسوط": وإذا تقدم إلى أب الصي، أو الوصي في نقض الحائط، فلم ينقضه حتى
سقط، فأصاب شيئًا، فضمانه على الصبي؛ لأن الأب والوصي يقومان مقامه، ويملكان هدم الحائط، فصح
التقدم إليهما فيه، ويكون ذلك كالتقدم إلى الصبي بعد بلوغه، ثم هما في ترك الهدم يعملان للصبي،
وينظران له، فلهذا كان الضمان عليه دونهما كذا في "المبسوط". [الكفاية ٢٥٥/٩]

١٣٧
باب ما يُحدثُه الرجل في الطريق
سواء كان عليه دين أو لم يكن؛ لأن ولاية النقض له، ثم التالف بالسقوط إن كان
مالاً فهو في عنق العبد، وإن كان نفساً فهو على عاقلة المولى؛ لأن الإشهاد من
رقبته
وجه على المولى، وضمانُ المال أليق بالعبد، وضمان النفس بالمولى، ويصح التقدمُ
إلى أحد الورثة في نصيبه، وإن کان لا یتمکن من نقض الحائط وحده؛ لتمكنه من
إصلاح نصيبه بطريقه، وهو المرافعة إلى القاضي.
الإصلاح
بالسقوط: فيما إذا تقدم إلى العبد. فهو في عنق العبد: حتى يباع العبد فيه كما يباع في ديون تجارته، وكان
القياس أن يكون ذلك على المولى كضمان النفس، ولكن استحسنا الفرق بينهما، فقلنا: العبد في ضمان التزام المال
کالحر، فإنه ينفك الحجر عنه في اكتساب سبب ذلك في التزام ضمان الجناية على النفس هو كالمحجور عليه؛ لأن
فك الحجر بالإِذن لم يتناول ذلك، فكان الضمان على عاقلة المولى كذا في "المبسوط". [الكفاية ٢٥٥/٩]
لأن الإشهاد من وجه إلخ: أما إذا لم يكن على العبد دين، فظاهر؛ لأن الملك في الدار للمولى رقبة
وتصرفاً، والعبد خصم من جهته، ألا ترى أنه لو ادعى إنسان حقاً في دار بيد مأذون له ينتصب خصماً،
فكان الإشهاد عليه إشهاداً على المولى من وجه، وأما إذا كان عليه دين، فعندهما ظاهر، وعند أبي حنيفة وحثه
للمولى أن يستخلصه بقضاء الدين، فكان هذا تقدماً إلى المولى من وجه، وتقدماً إلى العبد من وجه، فاعتبر
في ضمان الأنفس تقدماً إلى المولى؛ لما ذكرنا أن فك الحجر بالإذن لم يتناول، وفي ضمان الأموال تقدماً
إلى العبد؛ لأنه كالحر فيه كما مر. [العناية ٢٥٥/٩]
بالمولى: لأن دية العبد غير قابلة لموجب جناية الدم؛ لأنه يشبه الصلاة، والعبد ليس بأهل لذلك. [البناية ٢٥٢/١٣]
ويصح التقدم إلخ: يعني لو أهلك أحد بسقوطه بعد ذلك ضمن ذلك الواحد بقدر نصيبه فيه. [العناية ٢٥٥/٩]
لتمكنه من إلخ: هذا جواب الاستحسان، وأما جواب القياس فهو أن لا يضمن واحد من الورثة أما الذي
تقدم إليه، فلعدم تمكنه من النقضّ، فلم يفد التقدم فائدته في حقه، فإن واحداً منهم كما لا يتمكن من بنائه
لا يتمكن من نقضه أيضاً، وأما غيره من الورثة؛ فلعدم التقدم إليهم، فلم يكن واحد منهم متعدياً في ترك
التفريغ. فأما جواب الاستحسان، فإنه يضمن هذا الذي أشهد عليه بحصته فيما أصابه؛ لأنه كان متمكناً من
أن يطلب شركاءه ليجمعوا على هدمه، وهذا لأن الإشهاد على جماعتهم متعذر عادة، فلو لم يصح الإشهاد
على بعضهم في نصيبه أدى إلى الضرر، والضرر مدفوع كذا في "المبسوط". [الكفاية ٢٥٥/٩]

١٣٨
باب ما يُحْدُثُه الرجل في الطريق
ولو سقط الحائط المائلُ على إنسان بعد الإشهاد فقتله، فتعثر بالقتيل غيره، فعطب:
وُ
لا يضمنه؛ لأن التفريغ عنه إلى الأولياء لا إليه، وإن عطب بالنقض: ضمنه؛ لأن
صاحب الحائط
التفريغ إليه؛ إذ النقض ملكه، والإشهادُ على الحائط إشهادٌ على النقض؛ لأن المقصود
امتناع الشغل. ولو عطب بجرَّة كانت على الحائط، فسقطت بسقوطه وهي ملكه:
عن الهواء
ضمنه؛ لأن التفريغ إليه، وإن كان ملك غيره: لا يضمنه؛ لأن التفريغ إلى مالكها.
لا يضمنه: أي لا يضمن صاحب الحائط القتيل الثاني. (العناية) لأن التفريغ عنه: أي القتيل الأول.
برفعه مفوض إلى أوليائه؛ لأنهم الذين يتولون دفنه، وطولب بالفرق بينهما وبين ما إذا وقع الجناح في
الطريق، فتعثر إنسان بنقضه ومات، ثم تعثر رجل بالقتيل ومات، فإن دية القتيلين جميعاً على صاحب
الجناح، وأجيب: بأن إشراع الجناح في نفسه جناية، وهو فعله، فصار كأنه ألقاه بيده عليه، فكان
حصول القتيل في الطريق مضافاً إلى فعله كحصول نقض الجناح في الطريق، ومن ألقى شيئًا في الطريق
كان ضامناً لما عطب به، وإن لم يملك تفريغ الطريق عنه، بخلاف مسألة الحائط، فإن نفس البناء ليس
بجناية، وبعد ذلك لم يوجد منه فعل يصير به جانياً، لكن جعل كالفاعل بترك النقض في الطريق مع
القدرة على التفريغ، والترك مع القدرة وجد في حق النقض لا في حق القتيل، فلذلك جعل فاعلاً في حق
القتيل الأول لا في حق القتيل الثاني. [العناية ٢٥٦/٩]
لأن التفريغ إليه: أي لأن تفريغ الطريق عن نقض الحائط إلى صاحب الحائط. [البناية ٢٥٢/١٣]
فسقطت بسقوطه: يعني الجرة بسقوط الحائط يشير إلى أنه لو وقعت الجرة وحدها، فأصابت إنساناً
فلا ضمان عليه؛ لأنه وضعها على ملكه، وهو لا يكون متعدياً فيما يحدثه في ملكه، سواء كان الحائط
مائلاً أو غير مائل كذا في "المبسوط". [العناية ٢٥٦/٩] ضمنه: حائط مائل أشهد عليه، فوضع صاحب
الحائط أو غيره عليه جرة، فسقط الحائط، ورمى بالجرة على إنسان فقتله، فالضمان على صاحب الحائط،
ولو عثر بالجرة أو بنقضها أحد إن كانت الجرة لغير صاحب الحائط فلا يضمن أحد، أما صاحب الحائط؛
فلأن الإشهاد على الحائط لا يكون إشهاداً على الجرة، وأما صاحب الجرة؛ فلأنه لم يوجد الإشهاد عليه،
حتى لو كانت الجرة لصاحب الحائط يضمن لقدرته على رفعها. [الكفاية ٢٥٦/٩]

١٣٩
باب ما يُحْدُثُه الرجل في الطريق
قال: وإذا كان الحائط بين خمسة رجال أشهد على أحدهم، فقتل إنساناً: ضمن
خُمْسَ الدية، ويكون ذلك على عاقلته، وإن كانت دار بين ثلاثة نفر، فحفر
أحدُهم فيها بقراً، والحفرُ كان بغير رضا الشريكين الآخرين، أو بنى حائطاً
فعطب به إنسان: فعليه ثلثا الدية على عاقلته، وهذا عند أبي حنيفة له، وقالا:
عليه نصفُ الدية على عاقلته في الفصلين، لهما: أن التلف بنصيب مَنْ أُشهد
عليه معتبر، وبنصيب مَن لم يشهد عليه هَدَرٌ، فكانا قسمين، فانقسم نصفين كما
الضمان
مرّ في عقر الأسد، ونهس الحية وجرح الرجل. وله: أن الموت حصل بعلَّةً
واحدة، وهو الثقل المقدَّر والعمق المقدَّر؛
في البثر
قال: أي محمد مدالكه في "الجامع الصغير". [البناية ٢٥٣/١٣] خمس دية: ألا ترى أنه لو أشهد عليهم جميعاً، ثم
سقط على إنسان كان على كل واحد منهم خمس الدية، فيترك الإشهاد في حق الباقين لا يزداد الواجب على
من أشهد عليه. [العناية ٢٥٦/٩-٢٥٧] ثلثا الدية: [أي فعلى كل واحد من حافر البئر وباني
الحائط. (العناية)] لكونه ظالماً في ثلثي نصيب شريكيه، فيضمن ثلثى الدية، ولا يلزم ثلث الدية في نصيبه؛ لكونه
غير متعد فيه. في الفصلين: أي في فصل الحائط المائل المشترك بين خمسة وفي فصل دار بين ثلاثة نفر، وقيل:
جواب أبي حنيفة بدله فيما إذا مات القتيل بثقل الحائط، وأبو يوسف ومحمد بحثًا لا يخالفانه في ذلك، وجوابهما
فيما إذا مات بسبب الجرح، بأن جرحه الحائط، وأبو حنيفة بحالته يوافقهما في ذلك. [الكفاية ٣٥٦/٩]
أن التلف إلخ: وعلى هذا تخرج مسألة البئر: فيقال لهما: اجتمع في حقه معنيان: أحدهما: موجب
للضمان، وهو التعدي بالحفر في ملك غيره، والآخر: مانع عنه، وهو عدم التعدي من حيث الحفر في
ملكه، فيجعل المعتبر جنساً، والهدر جنساً، فيلزمه نصف الضمان. [العناية ٢٥٧/٩] کما مر: في باب ما
يوجب القصاص وما لا يوجبه، فالواجب القسم على ذي عقل وغيره. عقر الأسد إلخ: فإنه يكون
نصفين: النصف على الخارج والنصف هدر. (البناية) الثقل المقدر: أي في الحائط المهلك لا مجرد الثقل،
ومجرد العقل؛ لأن اليسير من ذلك لا يصلح علة للتلف. [البناية ٢٥٣/١٣]