Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢٠
باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه
وهو مختص بالأب، ولا يملك العفو؛ لأن الأب لا يملكه؛ لما فيه من الإبطال فهو
العفو
أولى، وقالوا: القياس أن لا يملك الوصيُّ الاستيفاءَ في الطرف، كما لا يملكه في
المشايخ
النفس؛ لأن المقصود متحد، وهو التشفّي، وفي الاستحسان: يملكه؛ لأن الأطراف
الاستيفاء في الطرف
يسلك بها مسلك الأموال، فإنها خلقت وقاية للأنفس كالمال على ما عرف، فكان
في الأصول
الأطراف
استيفاؤه بمنزلة التصرف في المال، والصيُّ بمنزلة المعتوه في هذا، والقاضي
ءُ
الوصي
بمنزلة الأب في الصحيح، ألا ترى أن مَن قُتِلَ ولا ولي له يستوفيه السلطان،
القصاص
مے
والقاضي بمنزلته فيه. قال: ومن قتل وله أولياء صغارٌ وكبار: فللكبار أن يقتلوا
السلطان استيفاء القصاص
القاتل عند أبي حنيفة حدثته. وقالا: ليس لهم ذلك حتى يدرك الصغارُ؛ لأن القصاص
. يبلغ
مشترَكٌ بينهم، ولا يمكن استيفاء البعض؛ لعدم التجزّي، وفي استيفائهم الكل إبطال
بعض القصاص
الكبار والصغار
كل القصاص
حقِّ الصغار فيؤخر إلى إدراكهم، كما إذا كان بين الكبيرين وأحدُهما غائب، أو كان
فينظر
بين الموليين. وله: أنه حقٌّ لا يتجزأ لثبوته بسبب لا يتجزأ وهو القرابة،
أبي حنيفة حق القصاص
من الإبطال: أي إبطال حق المعتوه من القصاص والمال. (الكفاية) بمنزلة [أي للأب أن يستوفي
القصاص الواجب للصغير في النفس أو ما دونها] المعتوه: أي إذا قتل قريب الصغير، فلأبيه أن يقتص، وله
أن يصالح، وليس للوصي أن يقتص، وذكر الإمام التمرتاشي: ولو قتل عبد اليتيم لم يكن للوصي أن
يقتص، ولو كان الأب حياً له أن يقتص، وله أن يصالح. [الكفاية ١٦١/٩-١٦٢]
في هذا: أي في القتل والصلح، وعدم جواز المعتوه. (البناية) قال: أي محمد بحثه في "الجامع الصغير". (البناية)
صغار وكبار: بأن كان للمقتول أخوان: أحدهما صغير، والآخر كبير. (الكفاية) لعدم التجزي: لأنه تصرف
في الروح، وذا لا يقبل الوصف بالتجزي. [الكفاية ١٦٢/٩] بين الموليين: صورته: معتق رجلين قتل أحد
مولييه غائب، فليس للحاضر استيفاء القصاص حتى يحضر الغائب، وفي "المبسوط": صورته: عبد مشترك
بين الصغير والكبير، فقتل، ليس للكبير استيفاء القصاص قبل أن يدرك الصغير بالإجماع. [البناية ٩٤/١٣]

٢١
باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه
واحتمالُ العفو من الصغير منقطع، فيثبت لكل واحد كملاً في ولاية الإنكاح،
بخلاف الكبيرين؛ لأن احتمال العفو من الغائب ثابت، ومسألة الموليين ممنوعة.
قال: ومن ضرب رجلاً بمَرِّ فقتله، فإن أصابه بالحديد: قُتل به، وإن أصابه
بالعود: فعليه الدية، قال له: وهذا إذا أصابه بحدِّ الحديد لوجود الجرح، فكمل
٠
السبب، وإن أصابه بظهر الحديد: فعندهما يجب، وهو رواية عن أبي حنيفة بح الته اعتباراً
القصاص
ولم يجرح
منه للآلة، وهو الحديد، وعنه: إنما يجب إذا جرح، وهو الأصح على ما نبيّنه إن شاء
الله تعالى، وعلى هذا الضرب بسنجاتٍ الميزان، وأما إذا ضربه بالعود، فإنما تجب
بعود المر
من الحدید
الاختلاف
الديّةَ؛ لوجود قتل النفس المعصومة، وامتناع القصاص، حتى لا يُهْدَرَ الدمُ، ثم قيل:
هو بمنزلة العصا الكبيرة، فيكون قتلاً بالُثقَّل،
منقطع: أي في حال استيفاء القصاص؛ لأن الصغير ليس من أهل العفو، وإنما يتوهم عفوه بعد بلوغه، وشبهة
عفوه بتوهم أعراضه لا يمنع استيفاء القصاص، بخلاف الكبيرين، وأحدهما غائب؛ لأن هناك شبهة العفو موجودة؟
لجواز أن يكون الغائب عفا، والحاضر لا يشعر به، وعفو الغائب صحيح. ولاية الإنكاح: حيث يجوز لأحد
أولياء الصغير أن يزوجه؛ لأن لكل واحد منهم ذلك. [البناية ٩٤/١٣]
ثابت: فلو استوفي لكان استيفاء منه مع الشبهة، وذا لا يجوز. ممنوعة: وفي "فوائد مولانا حميد الدين":
عبد بين موليين، وأحدهما صغير قتل عمداً، قال بعض مشايخنا: عند أبي حنيفة بحثه له ولاية استيفاء
القصاص. [الكفاية ١٦٣/٩] قال: أي محمد محله في "الجامع الصغير". [البناية ٩٥/١٣] بمر: في "الدر المختار":
المر - بفتح الميم ـ ما يعمل به في الطين، وقال العيني: المر - بفتح الميم وتشديد الراء - هو خشبة طويلة في
رأسها حديدة عريضة من فوقها خشبة عريضة يضع الرجل رجله عليها، ويحفر بها الأرض.
وهو الحديد [لأن الحديد سلاح كله. (البناية)]: فإنه معد لذلك في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، وهو القتل، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾. [الكفاية ١٦٣/٩-١٦٤]
إذا جرح: لأن بدون الجرح لا يتكامل إفساد الظاهر، فلا يستدعي العقوبة المتناهية.

٢٢
باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه
وفيه خلاف أبي حنيفة بد له على ما نبّن، وقيل: هو بمنزلة السوط، وفيه خلاف
الشافعي بطلبه، وهي مسألة الموالاة. له أن الموالاة في الضربات إلى أن مات دليلُ
العمدية، فيتحقق الموجب. ولنا: ما روينا ألا إن قتيلَ خطأ العمد"، * ويروى: "شبه
للقصاص
العمد" الحديث، ولأن فيه شبهة عدم العمدية؛ لأن الموالاة قد تُسْتعمل للتأديب، أو
الموالاة
لعله اعتراه القصدُ في خلال الضربات، فيعرى أول الفعل عنه، وعساه أصاب
عرضه قصد القتل ».
بغير قصد
الضرب
المقتل، والشبهة دارئة للقود، فوجبت الدية. قال: ومن غرَّق صبياً، أو بالغاً في
البحر: فلا قصاص عند أبي حنيفة بدله. وقالا: يقتصّ منه، وهو قول الشافعي حدثله،
غير أن عندهما يستوفي حزاً، وعنده يغرَّق كما بينّاه من قبل، لهم: قوله عليه:
الشافعي
القصاص
مسألة الموالاة: يعني في الضرب بالعصا الصغيرة أو الحجر الصغير إذا والى الضربات لا يجب القصاص به،
وقال الشافعي بدله: يجب إذا والى الضربات على وجه لا تحمله النفس عادة؛ لأنه دلالة القصد إلى القتل،
وبه قال مالك وأحمد دعمها. [البناية ٩٦/١٣] ولنا ما روينا إلخ: ولا يقال: إنه محمول على عدم الموالاة؛
لأنا نقول: بأن إجراءه على إطلاقه أولى؛ إذ فيه درء القصاص، وهو مندوب إليه. [الكفاية ١٦٤/٩]
وعساه أصاب المقتل: أي لعل أول الفعل، وهو الضربة أصاب المقتل، فالشبهة إلى القتل، فلا يدل ذلك على
العمد. (البناية) قال: أي محمد ماله في "الجامع الصغير". [البناية ٩٧/١٣] ومن غرق إلخ: ذكر محمد مله
التغريق بالماء مطلقاً، وهو على ثلاثة أوجه: إن كان الماء قليلاً لا يقتل به غالباً لا يجب القصاص بالاتفاق، وإن
كان الماء كثيراً إلا أنه يمكنه النجاة بالسباحة، فهو شبه العمد عندنا، وإن كان الماء كثيراً، ولا يمكنه النجاة
بالسباحة كالبحر، فهذا مسألة الكتاب كذا في بعض الفوائد. [الكفاية ١٦٤/٩]
كما بينّاه [في أوائل هذا الباب]: إشارة إلى قوله: يفعل به كما فعل إن كان فعلاً مشروعاً. [العناية ١٦٤/٩]
لهم قوله إلخ: أي للشافعي بمدل ولهما، لكن للشافعي الاستدلال بالحديث، ولهما الاستدلال بالمعقول، أو
للشافعي الاستدلال بالحديث في وجوب القصاص والاستيفاء، ولهما الاستدلال بهذا الحديث في وجوب
القصاص، وفي الاستيفاء لم يعملا بهذا الحديث؛ لقوله عليها: "لا قود إلا بالسيف". [الكفاية ١٦٤/٩ -١٦٥]
* تقدم تخريج هذا الحديث قريباً.

٢٣
باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه
"من غرَّق غرَّقناه"،* ولأن الآلة قاتلة، فاستعمالها أَمَارةُ العمدية؛ ولا مِراء في العصمة.
شك
وله: قوله عليًا: ألا إن قتيلَ الخطأِ العمد قتيلُ السَّوْطِ والعصا"، وفيه: وفي كل خطأ
شبه العمد
الحدیث
أرش، ** ولأن الآلة غير معدّةٍ للقتل، ولا مستعملة فيه؛ لتعذر استعماله، فتمكنت
شبهة عدم العمدية؛ ولأن القصاص ينبئ عن المماثلة، ومنه يقال: اقتص أَثْرَه، ومنه:
تبعه
المِقَصَّة للجَلَمَيْن، ولا تماثل بين الجرح والدق؛ لقصور الثاني عن تخريب الظاهر، وكذا
وكذا الغرق
لا يتماثلان في حكمة الزجر؛ لأن القتل بالسلاح غالبٌ، وبالمثقل نادر، وما رواه غير
مرفوع، أو هو محمول على السياسة، وقد أومت إليه إضافته إلى نفسه فيه،
الحدیث
أشارت
العصمة: أي عصمة المحل؛ لأن كلامنا فيما إذا كان المقتول محقون الدم على التأبيد وقد وجد، فيجب
القصاص. (البناية) والعصا: وهذا في معناه؛ لأن الماء غير جارح كالسوط والعصا. للجلمين: الجلم الذي يجز به،
وهما جلمان. [العناية ١٦٥/٩] وبالمثقل نادر: وشرعية الزجر في الغائب لا في النادر، ولهذا شرع الحد في شرب
الخمر لا في شرب البول. (البناية) رواه: أي الشافعي بالته من قوله: "من غرق غرقناه". [البناية ٩٩/١٣]
غير مرفوع [أي غير مرفوع إلى النبي ◌ُّ. (البناية)]: فلا يكون حجة عنده؛ لأنه لا يرى العمل بالموقوف.
وقد أومت إليه: أي إلى الحمل على السياسة إضافة النبي عليلا فعل التغريق إلى نفسه، حيث قال: غرقناه،
ولم يقل: من غرق يغرق. [الكفاية ١٦٥/٩]
"رواه البيهقي في "سننه" عن البراء بن عازب عن النبي ◌ُّ قال: "من عرض عرضنا له، ومن حرق
حرقناه، ومن غرق غرقناه". [٨/ ٤٣، في الجنايات] قال صاحب "التنقيح" في هذا الإسناد: من يجهل
حاله كبشر وغيره. [نصب الراية ٣٤٤/٤]
** غريب بهذا اللفظ، وبمعناه ما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة في "مصنفيهما"، والدار قطني، ثم البيهقي في
"سنيهما". [نصب الراية ٣٤٤/٤] أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" عن النعمان بن بشير أن رسول الله (5 1*
قال: "كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش". [رقم: ١٧١٨٢، باب عمد السلاح] بالجملة الحديث
حجة مرسلة كان أو مسنداً من أبي بكرة، أو من النعمان بن بشير، أو من كليهما. [إعلاء السنن ٨١/١٨]

٢٤
باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه
وإذا امتنع القصاصُ: وجبت الدية، وهي على العاقلة، وقد ذكرناه، واختلافُ الروايتين
في الكفارة. قال: ومن جرح رجلاً عمداً، فلم يزل صاحب فراش، حتى مات:
أي صار
القدوري
فعليه القصاص؛ لوجود السبب وعدم ما يبطل حكمه في الظاهر، فأضيف إليه.
قال: وإذا التقى الصفّن من المسلمين والمشركين، فقتل مسلم مسلماً، ظن أنه مشرك:
الحکم
فلا قودَ عليه، وعليه الكفارة؛ لأن هذا أحد نوعي الخطأ على ما بينَّاه، والخطأ بنوعيه
لا يوجب القود، ويوجب الكفارة، وكذا الدية على ما نطق به نص الكتاب.
ولما اختلفت سيوف المسلمين على اليمان أبي حذيفة بنظ نه قضى رسول عليه بالدية،*
ذكرناه: أي فيما مضى عند ذكر شبه العمد. (البناية) واختلاف الروايتين: أي عن أبي حنيفة حالته إنما
كان في الكفارة، فإنه روي عنه أن لا كفارة في شبه العمد، وروى الطحاوي أن فيه الكفارة عنده، وأما
الدية، فإنها واجبة عنده من غير تردد. [العناية ١٦٥/٩] الكفارة: لا في الدية، فإن الدية تجب بلا تردد. (البناية)
قال: أي محمد بدله في "الجامع الصغير". (البناية) الخطأ: وهو الخطأ في القصد. (البناية) بيناه: أي فيما
مضى في بيان تقسيم القتل في أول كتاب الجنايات. [البناية ١٠٠/١٣]
وكذا الدية: أي وكذا يوجب الدية. (البناية) نص الكتاب: وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَّةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾. [الكفاية ١٦٥/٩] ولما اختلفت إلخ: أي توالت، روي أن سيوف المسلمين
توالت على اليمان أبي حذيفة في بعض الليالي في غزوة الخندق، فقتلوه على ظن أنه مشرك، فقضى رسول الله وث
بالدية، فوهبها لهم حذيفة. [العناية ١٦٥/٩] على اليمان: وظنه المسلمون حريباً. [الكفاية ١٦٦/٩]
*
روي مرسلاً عن عروة، وعن الزهري، ومسنداً عن محمود بن لبيد، ورافع بن خديج، وحديثه عند
الواقدي في "كتاب المغازي" في "غزوة أحد" حدثني ابن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن عمر بن الحكم
قال: قال رافع بن خديج: لما انصرف الرماة يوم أحد، فذكره بطوله، وفي آخره: وكان اليمان حسيل بن
جابر ورفاعة بن وقش شيخين كبيرين قد رفعا في الآطام مع النساء، فقال أحدهما للآخر: ما نستبقي من
أنفسنا، وما الذي بقي من أجلنا، فلو لحقنا برسول الله تَّ لعل الله يرزقنا الشهادة، ففعلا، فأما رفاعة، =

٢٥
باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه
قالوا: إنما تجب الدية إذا كانوا مختلطين، فإن كان في صف المشركين: لا تجب؛ لسقوط
المشايخ
الدیة
الكفار والمسلمين
عصمته بتکثیر سوادهم، قال عليها: "من كثر سواد قومهم فهو منهم" .* قال: ومن شج
جماعة
نفسه، وشحُّه رجل، وعقره أسد، وأصابته حية، فمات من ذلك كله، فعلى الأجنبي
ثلثُ الدية؛ لأن فعل الأسد والحيّة جنس واحد؛ لكونه هدراً في الدنيا والآخرة، وفعله
بنفسه هدر في الدنيا معتبر في الآخرة حتى يؤثم عليه، وفي "النوادر": أن عند أبي حنيفة
ومحمد بحمنًا يُغْسَل، ويصلى عليه، وعند أبي يوسف بحثه: يغسل، ولا يصلى عليه،
فإن كان إلخ: أي فإن لم يكونوا مختلطين، بل كانوا مسلمين في صف المشركين وإن لم يكن قصدهم تقوية
الكفار لا تجب الدية. قال: أي محمد مسالكه في "الجامع الصغير". (البناية) يغسل ويصلى إلخ: هذا أثر كون
فعله غير معتبر؛ لأنه لما كان يغسل ويصلى عليه صار كأنه مات حتف أنفه بمرضه من غير فعله على نفسه
عندهما، أما عند أبي يوسف بحثكه فجنايته على نفسه معتبرة حتى لا يصلى عليه، وصار بمنزلة الباغي، ولو
كان فعله هدراً أصلاً كنهش الحية، ولم يكن جناية مع كونه مقتولاً حقيقة لكان شهيداً، ويسقط غسله،
فلم يكن فعله هدراً مطلقاً، فكان جنساً آخر، وفعل الأسد والحية هدر في الدنيا والآخرة، وفعل الأجنبي
معتبرة في الدنيا والآخرة، فيكون التالف بفعل كل واحد ثلثه، فيجب عليه ثلث الدية. [الكفاية ١٦٦/٩]
ولا يصلى عليه: لأنه باغ على نفسه. [البناية ١٠٢/١٣]
= فقتله المشركون، وأما اليمان فاختلفت عليه سيوف المسلمين، وحذيفة يقول: أبي أبي، وهم لا يعرفونه
حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين، فأمر رسول الله (3ّ بديته أن تخرج، فتصدق
حذيفة بدمه على المسلمين، فزاده ذلك خيراً عند رسول الله ﴿﴿ّ ويقال: إن الذي أصابه يومئذ عتبة بن
مسعود. مختصر. [نصب الراية ٣٤٤/٤]
"رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" حدثنا أبو همام ثنا ابن وهب أخبرني بكر بن مضر عن عمرو بن
الحارث أن رجلاً دعا عبد الله بن مسعود إلى وليمة، فلما جاء ليدخل سمع لهواً، فلم يدخل، فقال له: لم
رجعت؟ قال: إني سمعت رسول الله ◌ّ يقول: "من كثر سواد قوم فهو منهم، ومن رضي عمل قوم كان
شريك من عمل به". [نصب الراية ٣٤٦/٤]

٢٦
باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه
وفي "شرح السّير الكبير": ذكر في الصلاة عليه اختلاف المشايخ على ما كتبناه في
"كتاب التجنيس والمزيد"، فلم يكن هدراً مطلقاً، وكان جنساً آخر، وفعل الأجنبي
معتبر في الدنيا والآخرة، فصارت ثلاثة أجناس، فكأن النفس تلفت بثلاثة أفعال،
فيكون التالفُ بفعل كل واحد ثلثه، فيجب عليه ثلث الدية، والله أعلم.
فصل
قال: ومن شَهَرَ على المسلمين سيفا: فعليهم أن يقتلوه؛ لقوله عليه: "من شهر على
المسلمين سيفاً فقد أُطِلَّ دمُه"،* ولأنه باغ، فتسقط عصمتُه ببغيه، ولأنه تعين طريقاً
القتل
أي أهدر
لدفع القتل عن نفسه فله قتله. وقوله: فعليهم، وقول محمد له في "الجامع الصغير":
فحقٌّ على المسلمين أن يقتلوه إشارة إلى الوجوب، والمعنى: وجوب دفع الضرر،
مطلقاً: متعلق بقوله: جنساً هدر في الدنيا معتبر في الآخرة. (العناية) جنساً آخر: من حيث أنه هدر من
وجه دون وجه. فصل: لما فرغ من بيان المسائل التي توجب القصاص ألحق بها فصلاً يشتمل على المسائل
التي لها عرضية إيجاب القصاص. [العناية ١٦٦/٩] قال: أي محمد معه في "الجامع الصغير". (البناية)
المسلمين: ليلاً ونهاراً في مصر أو غيره. (الدر المختار) وقوله: قال الكاكي: أي قال صاحب "المختصر"،
قلت: إن أراد بالمختصر "مختصر القدوري"، فالقدوري لم يذكر هذه المسألة، وإنما ذكرها في "الجامع
الصغير"، والصواب ما ذكره تاج الشريعة ماله، أي قول محمد مده في "المبسوط". [البناية ١٠٤/١٣]
والمعنى [أي إنما وجب القتل؛ لأن دفع الضرر واجب] إلخ: أي معنى الوجوب دفع الضرر؛ لأن الواجب
هو دفع الشر على أي وجه كان لا عين القتل. [العناية ١٦٦/٩]
* غريب بهذا اللفظ. [نصب الراية ٣٤٧/٤] وأخرج النسائي في "سننه" من طريق إسحاق بن راهويه ثنا
الفضل بن موسى الشيباني عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن الزبير عن رسول الله ﴿ قال:
"من شهر سيفه ثم وضعه، فدمه هدر". [رقم: ٤٠٩٧، باب من شهر سيفه ثم وضعه في الناس]

٢٧
باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه
وفي سرقة "الجامع الصغير": ومَن شهر على رجل سلاحاً ليلاً أو نهاراً، أو شهر عليه
عصاً ليلاً في مصر، أو نهاراً في طريق في غير مصر، فقتله المشهورُ عليه عمداً: فلا شيء
عليه؛ لما بينا؛ وهذا لأن السلاح لا يلبث، فيحتاج إلى دفعه بالقتل، والعصا الصغيرة
المشهور عليه
وإن كانت تلبث، ولكن في الليل لا يلحقه الغوثَ، فيضطر إلى دفعه بالقتل، وكذا في
المشهور عليه
النهار في غير المصر في الطريق لا يلحقه الغوث، فإذا قتله كان دمه هدراً، قالوا:
المشايخ
الشاهر
فإن كان عصا لا تلبث يحتمل أن يكون مثل السلاح عندهما. قال: وإن شهر المجنون
على غيره سلاحاً، فقتله المشهور عليه عمدً: فعليه الدية في ماله. وقال الشافعي مدظله:
لا شيء عليه، وعلى هذا الخلاف الصبىُّ والدابة، وعن أبي يوسف بالله: أنه يجب
الضمانُ في الدابة، ولا يجب في الصبي والمجنون، للشافعي بثته: أنه قتله دافعاً عن نفسه،
القيمة
فيُعْتبر بالبالغ الشاهر، ولأنه يصير محمولاً على قتله بفعله، فأشبه المُكرَه،
وفي سرقة الجامع إلخ: وإنما ذكر هذه لزيادة بيان فيها ما ليس في قوله: ومن شهر على المسلمين سيفاً،
فعليهم أن يقتلوه، وهو قوله: فلا شيء عليه، وإنما ذكر هذه لفائدة، وهو: أن من الجائز أن يجوز قتله،
وعليه الضمان كما في قتل الجمل الصائل، والأكل من مال الغير حالة المخمصة، فقال: فلا شيء عليه؛
لدفع هذا الوهم. (الكفاية) لما بينا: إشارة إلى ما ذكر من الحديث والمعقول. [الكفاية ١٦٦/٩-١٦٧]
وهذا: أي عدم شيء عليه. (البناية) الغوث: أي من يخلصه منه. (البناية) مثل السلاح: إذا ضربه بحجر
عظيم أو بخشبة عظيمة فهو عمد. (البناية) قال: أي محمد رحلته في "الجامع الصغير". [البناية ١٠٥/١٣]
الصبي والدابة: يعني إذا صالا على إنسان فقتله المصول عليه عمداً يضمن الدية والقيمة. [العناية ١٦٧/٩]
فيعتبر: الصبي والمجنون والدابة. فأشبه المكره: صورته: أن رجلاً أكره غيره بالسلاح على أن يقتله، وتحقق
عند المكره أنه لو لم يقتله لقتله هو فقتله، فلا شيء عليه، ولا يقال: بأن عند الشافعي بحظه يجب القصاص على
المكره، فكيف يصح الاستدلال؛ لأنا نقول: إنما يجب القصاص عنده على المكره إذا كان المقتول غير المكره، =.

٢٨
باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه
ولأبي يوسف بحثه: أن فعل الدابة غيرُ معتبر أصلاً، حتى لو تحقق لا يوجب
الضمانَ، أما فعلهما معتبر في الجملة، حتى لو حققاه يجب عليهما الضمان، وكذا
فعل الدابة
عصمتُهما لحقهما، وعصمة الدابة لحقِّ مالكها، فكان فعلهما مسقطاً للعصمة دون
لعصمتهما
فعل الدابة. ولنا: أنه قتل شخصاً معصوماً، أو أتلف مالاً معصوماً حقاً للمالك،
وفعلُ الدابة لا يصلح مسقطً، وكذا فعلُهما، وإن كانت عصمتُهما حقّهما؛ لعدم
المشهور عليه
اختيار صحيح، ولهذا لا يجب القصاص بتحقّق الفعل منهما، بخلاف العاقل البالغ؛
الشاهر
لأن له اختياراً صحيحاً، وإنما لا يجب القصاصُ لوجود المبيح، وهو دفعُ الشر،
فتجب الدية. قال: ومن شهر على غيره سلاحاً في المصر فضربه، ثم قتله الآخر:
فعلى القاتل القصاص، معناه: إذا ضربه فانصرف؛ لأنه خرج من أن يكون محارباً
بالانصراف، فعادت عصمتُه. قال: ومن دخل عليه غيره ليلا،
= فأما إذا أكرهه المكره على قتل المكره، فقتله فلا رواية فيه، ويحتمل أن لا يجب القصاص عنده ههنا؛ لأن
المكره أسقط عصمة نفسه بالإكراه، فلا يجب القصاص بقتله، بخلاف ما إذا كان المقتول غير المكره؛ لأن
المقتول ثمة معصوم فافترقا. [الكفاية ١٦٧/٩] حققاه: أي الفعل وأتلفا مالاً أو نفساً. [البناية ١٠٦/١٣]
معصوماً: وهو الصبي والمجنون. مسقطاً: أي للعصمة الثابتة للمالك. (البناية) فعلهما: أي فعل الصبي والمجنون
لا يصلح مسقطً. (البناية) ولهذا: أي ولأجل الاختيار الصحيح منهما. (البناية) بتحقق الفعل: أي على
الشاهر، وهو الصبي والمجنون. (الكفاية) قال: أي محمد بحظه في "الجامع الصغير". [البناية ١٠٧/١٣]
فضربه: أي فضربه الشاهر، فانصرف، ثم قتله المشهور عليه، فعلى القاتل القصاص، هذا إذا ضربه الأول، و کف
عن الضرب على وجه لا يريد ضربه ثانياً؛ لأنه لما شهر حل دمه، دفعاً لشره، فلما لم يقتله، وكف عنه اندفع شره،
وعادت عصمته، فإذا قتله، فقد قتل شخصاً معصوماً من غير دفع ضرر، فلزمه القصاص. [الكفاية ١٩٧/٩]
الآخر: أي المشهور عليه أو غيره. (الدر المختار) قال: أي محمد بحثه في "الجامع الصغير". (البناية)

٢٩
باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه
وأخرج السرقةَ فَاتَّبعه وقتله: فلا شيءَ عليه؛ لقوله عليه: "قاتِلْ دون مالك"،*
لأجل مالك
ولأنه يباح له القتلُ دفعاً في الابتداء، فكذا استرداداً في الانتهاء، وتأويل المسألة
إذا كان لا يتمكن من الاسترداد إلا بالقتل، والله أعلم.
عليه: أي القاتل المسروق منه. ولأنه: أي ولأن المدخل عليه ليلاً. (البناية) دفعاً في الابتداء: أي دفعاً لشره
في ابتداء الأمر. [البناية ١٠٨/١٣] الانتهاء: لأنه أسهل من الابتداء. [العناية ١٦٧/٩] لا يتمكن: أما إذا
أمكنه بطريق آخر كالتهديد والصياح عليه يكون القتل مضموناً. [الكفاية ١٦٧/٩]
* روي من حديث أبي هريرة، ومن حديث المخارق أبي قابوس. [نصب الراية ٣٤٨/٤] أخرجه مسلم في
"صحيحه" عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله { ﴿ّ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء
رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه مالك"، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله"، قال: "فأنت شهيد"،
قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار". [رقم: ١٤٠، باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير
حق كان القاصد مهدر الدم في حقه] وروى البخاري في "صحيحه" عن عبد الله بن عمرو وظائهما قال:
سمعت النبي ◌ُّيقول: "من قتل دون ماله فهو شهيد". [رقم: ٢٤٨٠، باب من قتل دون ماله]

٣٠
باب القصاص فیما دون النفس
باب القصاص فيما دون النفس
قال: ومن قطع يدَ غيره عمداً من المِفْصل: قُطِعَتْ يدُه، وإن كانت يده أكبرَ
من اليد المقطوعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وهو ينبئ عن المماثلة، فكلُّ
القصاص
ما أمكن رعايتُها فيه يجب فيه القصاصُ، وما لا فلا، وقد أمكن في القطع من
رعاية المماثلة
المفصل فاعتُبر، ولا معتبر بكِبَر اليد وصغرها؛ لأن منفعة اليد لا تختلف بذلك،
" وهو البطش
وكذلك الرجْلُ، ومارن الأنف، والأذن؛ لإمكان رعاية المماثلة. قال: ومن ضرب
القدوري
عينَ رجل، فَقْلَعَها: لا قصاص عليه؛ لامتناع المماثلة في القلع، وإن كانت قائمةً
ثابتة
فذهب ضوءها: فعليه القصاص؛ لإمكان المماثلة على ما قال في الكتاب: تُحْمى له
القدوري
المرآة، ويُجْعل على وجهه قطن رطب، وتقابل عينُه بالمرآة، فذهب ضوءها، وهو مأثور
باب: لما فرغ من بيان القصاص في النفس أتبعه بما هو بمنزلة التبع، وهو القصاص في الأطراف. [العناية ١٦٨/٩]
والجروح قصاص: أي ذات قصاص في "شرح الأقطع": فاقتضت الآية ثبوت القصاص فيما دون النفس، وفي
"الإيضاح": فصار القصاص فيما دون النفس مشروعاً بهذه الآية، والمماثلة معتبرة من حيث سلامة الأجزاء،
ولفظ القصاص ينبئ عن هذا. [الكفاية ١٦٧/٩-١٦٨] وما لا فلا: أي وما لم يكن فيه رعاية المماثلة
فلا يجب القصاص. [البناية ١٠٩/١٣] ومارن: وهو ما لان من الأنف، واحترز به عن القصبة. (رد المحتار)
لامتناع المماثلة إلخ: لأنها إذا قلعت فقد تعذر اعتبار المماثلة؛ لأنه ليس له حد معلوم، ومن الجائز أن
يكون الثاني زائداً. [الكفاية ١٦٨/٩] تحمى له المرآة: بكسر الميم ومد الهمزة: آلة الرؤية، ورأيت بخط
بعض العلماء أن المراد ههنا فولاد صيقل يرى به الوجه لا المرآة المعروفة من الزجاج. (رد المحتار)
ويجعل: ويشد عينه الأخرى. وهو مأثور إلخ: هذه حادثة وقعت في زمان عثمان طه، فسأل الصحابة
عنها، فلم يكن عندهم جواب، فحضر علي رضيّ، فسأله، فأجاب بهذا، فقضى عثمان بهذا، ولم ينكر أحد
من الصحابة صوته، فصار إجماعاً منهم. [الكفاية ١٦٨/٩]

٣١
باب القصاص فیما دون النفس
عن جماعة من الصحابة ها . * قال: وفي السنِّ القصاصُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ
بِالسِّنِّ﴾، وإن كان سنُّ من يُقْتص منه أكبرَ من سن الآخر؛ لأن منفعة السن
لا تتفاوت بالصِّغَر والكبر. قالٍ: وفي كلِّ شَجَّةٍ تتحقق فيها المماثلةُ القصاصُ؛
لما تلوناه. قال: ولا قصاصَ في عَظْم إلا في السنّ، وهذا اللفظ مروي عن عمر
القدوري
وابن مسعود ◌ُهما، ** وقال عليه: "لا قصاص في العَظْم"، ***
وفي كل شجة: تختص الشجة بما يكون بالوجه والرأس لغة، وما يكون بغيرهما فجراحة. المماثلة: كما في
الموضحة، كما سيجيء في فصل الشجاج. لما تلوناه: إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وفي بعض
النسخ: لما ذكرنا، وهو إشارة إلى قوله: ينبئ عن المماثلة. (العناية) إلا في السن: فإن كان السن عظماً،
فالاستثناء متصل، ولابد من فرق بينها وبين غيرها من العظام، وهو إمكان القصاص فيها بأن يبرد بالمبرد بقدر
ما كسر منها، أو إلى أصلها إن قلعها، ولا يقلع؛ لتعذر المماثلة، فربما تفسد به الثانية كذا في "المبسوط"، وإن
كان غير عظم كما أشار إليه قوله : "لا قصاص في عظم" حيث لم يستثن السن، فالاستثناء منقطع. وقد
اختلف الأطباء في ذلك، فمنهم من قال: هو طرف عصب يابس؛ لأنه يحدث وينمو بعد تمام الخلقة، ومنهم من
قال: هو عظم، وكأنه وقع عند المصنف أنه عظم، حتى قال: والمراد منه غير السن. [العناية ١٦٨/٩-١٦٩]
*روى عبد الرزاق في "مصنفه" في "كتاب العقول" أخبرنا معمر عن رجل عن الحكم بن عتيبة قال: لطم
رجل رجلاً فذهب بصره وعينه قائمة، فأرادوا أن يقيدوه، فأعيا عليهم، وعلى الناس كيف يقيدونه،
وجعلوا لا يدرون كيف يصنعون فأتاهم علي، فأمر به، فجعل على وجهه كرسف، ثم استقبل به
الشمس، وأدنى من عينه مرآة، فالتمع بصره وعينه قائمة. [رقم: ١٧٤١٤، ٣٢٨/٩، باب العين]
** غريب. [نصب الراية ٣٥٠/٤] وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن الشعبي والحسن قالا: ليس في
عظم قصاص. [رقم: ٧٣٥٨، ٢٥٨/٩، باب العظام من قال: ليس فيها قصاص]
*** غريب. [نصب الراية ٣٥٠/٤] وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" حدثنا حفص عن حجاج عن عطاء
عن عمر ظُ، قال: "إنا لا نقيد من العظام". [رقم: ٧٣٥٢، ٢٥٧/٩، باب العظام من قال: ليس فيها قصاص]
وفي رواية عن ابن عباس هما قال: "ليس في العظام قصاص". [رقم: ٧٣٥٣]

٣٢
باب القصاص فیما دون النفس
والمراد غير السنّ، ولأن اعتبار المماثلة في غير السنّ متعذّر؛ لاحتمال الزيادة
والنقصان، بخلاف السنّ؛ لأنه يُبْرِد بالمِبْرَد، ولو قُلِعَ من أصله يقلع الثاني، فيتماثلان.
قال: وليس فيما دون النفس شبهُ عمد إنما هو عمد أوخطأ؛ لأن شبه العمد يعود
القدوري
إلى الآلة، والقتل هو الذي يختلف باختلافها دون ما دون النفس؛ لأنه لا يختلف
إتلافه باختلاف الآلة، فلم يبقَ إلا العمد والخطأ. ولا قصاص بين الرجل والمرأة فيما
دون النفس، ولا بين الحرّ والعبد، ولا بين العبدين خلافاً للشافعي بدلته في جميع
فیما دون النفس
ذلك إلا في الحرّ يَقْطع طرفَ العبد، ويَعْتبر الأطرافَ بالأنفس؛ لكونها تابعة لها.
الأنفس
الأطراف
ولنا: أن الأطراف يُسْلك بها مسلكَ الأموال،
والمراد غير السن: لقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ يؤخذ الثنية بالثنية، والناب بالناب، والضرس
بالضرس، والأعلى بالأعلى، والأسفل بالأسفل؛ لما في خلاف ذلك من الإخلال بالمماثلة. [الكفاية ١٦٨/٩]
يقلع [وقيل: يبرد إلى موضع أصل السن] الثاني: ويخالفه ما قال في "الكفاية": إذا قلع السن، فإنه لا يقلع
سنه قصاصاً؛ لتعذر اعتبار المماثلة فيه، فربما يفسد به الثانية، ولكن يبرد بالمبرد إلى موضع أصل السن.
وليس فيما دون إلخ: قد ذكره مرة، لكنه قد ذكر هناك أنه عمد، وههنا أنه عمد أو خطأ، فيحمل
الأول على أن المراد به إن أمكن القصاص؛ وذلك لأن شبه العمد إذا حصل فيما دون النفس، وأمكن
القصاص جعل عمداً، روي أن الربيع عمة أنس بن مالك ظلّ كسرت ثنية جارية من الأنصار بلطمة،
فأمر النبي ◌ُّ بالقصاص واللطمة إذا أتت على النفس لا توجب القود، وإن لم يكن القصاص جعل خطأ،
ووجب الأرش. (العناية) والقتل هو الذي إلخ: لأنه عبارة عن إزهاق الروح، وهو غير محسوس، فأقيمت
الآلة الصالحة لتفريق الأجزاء مقام الإزهاق، بخلاف الأطراف؛ لأنها محسوسة، فلا حاجة إلى ذلك.
للشافعي: فإن عنده يقتص. الحر: يعني لا يجب القصاص فيه عنده أيضاً. [العناية ١٦٩/٩]
لكونها تابعة لها: يعني تابعة للنفوس، فكما يجري القصاص بين الرجال والنساء في النفوس، فكذلك في الأطراف؛
لكونها تابعة لها. [العناية ١٦٩/٩] يسلك بها مسلك إلخ: لأن الأطراف خلقت وقاية للأنفس كالمال. (الكفاية)

٣٣
باب القصاص فیما دون النفس
فينعدم التماثل بالتفاوت في القيمة، وهو معلوم قطعا بتقويم الشرع، فأمكن
ء
اعتبارُه، بخلاف التفاوت في البطش؛ لأنه لا ضابط له، فاعتبر أصلُه، وبخلاف
الأنفس؛ لأن المتلف إزهاق الروح، ولا تفاوت فيه، ويجب القصاص في الأطراف
إزقاق الروح
بين المسلم والكافر؛ للتساوي بينهما في الأرش. قال: ومن قطع يدَ رجل من نصف
القدوري
الساعد، أو جرحه جائفةً، فبرأ منها، فلا قصاصَ عليه؛ لأنه لا يُمْكن اعتبارُ المماثلة
الجائفة
فيه؛ إذ الأول كسر العظم ولا ضابط فيه، وكذا البرء نادر، فيفضي الثاني إلى الهلاك
ظاهراً. قال: وإذا كانت يدُ المقطوع صحيحةً، ويد القاطع شَلاَّء، أو ناقصةٍ
الأصابع: فالمقطوع بالخيار إن شاء قطع اليدَ المعيبة، ولا شيء له غيرُها، وإن شاء
اليد المعيبة
أخذ الأرشَ كاملاً؛ لأن استيفاء الحقِّ كملاً متعذر،
التماثل بالتفاوت [فإن قيمة الرجل خمس مائة دينار، وقيمة يد المرأة نصفها] إلخ: الأصل في جريان
القصاص فيما دون النفس اعتبار المماثلة في الفعل، والمحل المأخوذ بالفعل؛ لأن المماثلة في ضمان العدوان
منصوص عليه، فيجب اعتبارها. (الكفاية) بتقويم الشرع إلخ: فإن الشرع قوم اليد الواحدة للحر بخمس
مائة دينار قطعاً ويقيناً، ولا يبلغ قيمة العبد إلى ذلك، ولو بلغت إنما يبلغ بالحزر والظن، فلا يكون مساوية
ليد الحر يقيناً، فينعدم التماثل. [الكفاية ١٧٠/٩-١٧١]
بخلاف التفاوت: لأن التفاوت بين طرفي المرأة وطرف الرجل ظاهر؛ لأن يد المرأة تصلح لنوع من المنافع
لا تصلح ليد الرجل، فصارت كاليمين واليسار. [البناية ١١٣/١٣] جرحه جائفة: الجائفة: هي التي
تصل إلى الجوف من الصدر أو الظهر أو البطن، فلا قصاص؛ لانتفاء شرطه، بل يجب ثلث الدية، ولا تكون
الجائفة في الرقبة والحلق واليدين والرجلين، ولو في الأنثيين والدبر، فهي جائفة اتفاقي. (رد المحتار)
فيلا قصاص عليه: بل يجب حكومة عدل. (البناية) لا يمكن إلخ: لأنه ليس له حد معلوم، ومن الجائز أن
يكون الثاني زائداً. [الكفاية ١٧١/٩] ولا ضابط فيه: أي في كسر العظم، وفي بعض النسخ: ولا ضابط
في الثاني وهو الجرح الجائفة؛ لأنها تصل إلى البطن من الصدر والظهر. [البناية ١١٤/١٣]

٣٤
باب القصاص فيما دون النفس
فله أن يتجوَّز بدون حقه، وله أن يَعْدل إلى العوض كالمثلي إذا انصرم عن أيدي الناس
الأرش
بعد الإتلاف، ثم إذا استوفاها ناقصا، فقد رضي به، فيسقط حقه كما إذا رضي
بالرديء مكان الجيد. ولو سقطت المؤفة قبل اختيار المجنيُّ عليه، أو قطعت ظلماً:
الید الشلاء
فلا شيء له عندنا؛ لأن حقه متعين في القصاص، وإنما ينتقل إلى المال باختياره، فيسقط
القصاص
بفواته، بخلاف ما إذا قطعت بحق عليه من قصاص أو سرقة حيث يجب عليه الأرشُ؛
من آخر
لأنه أوفي به حقاً مستحقاً، فصارت سالمة له معنى. قال: ومن شج رجلاً، فاستوعبت
الشجّةُ ما بين قَرْنيه، وهي لا تستوعب ما بين قرني الشاج: فالمشجوج بالخيار، إن شاء
يده المعيبة
لکېر رأسه
الشجة
لصغر رأسه
اقتصُّ بمقدار شجّته يبتدئ من أي الجانبين شاء، وإن شاء أخذ الأرش؛ لأن الشجة
موجبة؛ لكونها مشينة فقط، فيزداد الشين بزيادتها، وفي استيفائه ما بين قرني الشاجّ زيادة
المشجوج
العیب
للقصاص
على ما فعل، ولا يلحقه من الشين باستيفائه قدر حقه ما يلحق المشجوج فينتقص،
الشاج
الشاج
بدون حقه: أي بما هو دون حقه، وهو قطع اليد الشلاء. كالمثلي إلخ: يعني لم يبق منه إلا ناقص الصفة كان
المالك بالخيار، إن شاء أخذه ناقصاً، وإن شاء عدل إلى القيمة كذا هنا، فيسقط حقه كما إذا رضي بالردئ مكان
الجيد. (الكفاية) الإتلافى: أي أتلف المثلي ثم انصرم هو. فقد رضي به: يعني أنه رضي باستيفاء الحق ناقصاً،
والفائت كالوصف، والوصف منفرد عن الأصل غير مضمون، فسقط حقه في الوصف. [الكفاية ١٧١/٩]
عندنا: وعند الشافعي بثه: له الأرش؛ لأن عنده المال ضمان أصلي كالقود، فإذا تعذر استيفاء القود تعين
الآخر. (الكفاية) القصاص: فإنه لو زال الشلل قبل أن يستوفي الأرش لم يكن له إلا القصاص. [العناية ١٧١/٩]
بفواته: لأن ما تعلق به حقه قد هلك، فيسقط بفواته، وصار كالصحيحة إذا تلفت. [البناية ١١٥/١٣]
لا تستوعب إلخ: لكون رأس الشاج أكبر من رأس المشجوج، فإذا شج ما بين قرني الشاج مقدار شجته،
يبقى قطعة مما بين قرنيه لا شجة فيه. [الكفاية ١٧٢/٩] باستيفائه: المشجوج، أي إن اقتص بمقدار شجته.
فينتقص: يعني ينتقص حق المشجوج إذا لم يستوعب الشجة ما بين قرني الشاج إذا كان رأسه صغيراً. (البناية)

٣٥
باب القصاص فیما دون النفس
فيخيّر كما في الشلاء والصحيحة، وفي عكسه: يخير أيضاً؛ لأنه يتعذر الاستيفاءُ
كَمَلاً للتعدِّي إلى غيرحقه، وكذا إذا كانت الشجة في طول الرأس،
المشجوج المشجوج بالخيار
وهي تأخذ من جبهته إلى قفاه، ولا تبلغ إلى قفا الشاجّ، فهو بالخيار؛ لأن المعنى
الوجه
الشجة
الشاجة
لا يختلف. قال: ولا قصاص في اللسان، ولا في الذكر، وعن أبي يوسف بحثه:
القدوري
أنه إذا قُطعَ من أصله يجب؛ لأنه يمكن اعتبار المساواة. ولنا: أنه ينقبض
اللسان أو الذكر
القصاص
اللسان أو الذكر
وينبسط، فلا يمكن اعتبار المساواة، إلا أن تُقْطع الحَشَفَة؛ لأن موضع القطع
معلومٌ كالمفصل، ولو قطع بعض الحشفة أو بعض الذكر: فلا قصاص فيه؛
لأن البعض لا يُعْلم مقداره، بخلاف الأذن إذا قطع كله أوبعضه؛ لأنه لا ينقبض،
ولا ينبسط، وله حدَّ يعرف، فيمكن اعتبارُ المساواة، والشَّفةُ إذا استقصاها
بالقطع: يجب القصاص؛ لإمكان اعتبار المساواة، بخلاف ما إذا قطع بعضها؛
لأنه يتعذر اعتبارها.
المساواة
فيخير: أي المشجوج رأسه بين الاقتصاص بمقدار شجته، وبين أخذ الأرش. (البناية) وفي عكسه إلخ: أي لو
كان رأس المشجوج أكبر من رأس الشاج يخير أيضاً؛ لأنه لو استوفى المشجوج مثل حقه في المساحة مما بين قرني
الشاج كان هذا أزيد في الشين من الأول؛ لأن تلك المساحة لم تأخذ ما بين قرني المشجوج لكبر رأسه، وهي
تأخذ ما بين قرني الشاج لصغر رأسه، فيزداد في الشين، وإن اقتصر على ما يكون مثل الأول في الشين وإن كان
دون حقه في المساحة، فيخير إن شاء أخذ الأرش، وإن شاء اقتصر على ما يكون مثل الأول في الشين، وإن كان
دونه في المساحة. (الكفاية) للتعدي إلى إلخ: أي في مقدار الشين لا في قدر الشجة. [الكفاية ١٧٢/٩]
وعن أبي يوسف أنه إلخ: [رواه بشر عنه. (البناية ١١٧/١٣)] قاضي خان حكى في شرحه على "الجامع
الصغير" رواية أبي يوسف في الذكر واللسان. (رد المحتار) استقصاها: أي بلغ أقصاها أي نهايتها.

٣٦
باب القصاص فيما دون النفس
فصل
قال: وإذا اصطلح القاتلُ، وأولياء القتيل على مال: سقط القصاصُ، ووجب المالُ،
عن القصاص
القدوري
قليلاً كان أو كثيراً؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَيْءٌ﴾ الآية، على ما قيل:
نزلت الآية في الصلح، وقوله عاليًا: "من قُتِلَ له قتيل" * الحديث،
فصل: لما كان تصور الصلح بعد تصور الجناية، وموجبها أتبعه ذلك في فصل على حدة. [العناية ١٧٤/٩]
كثيراً: أي زائداً على مقدار الدية. (العناية) نزلت الآية إلخ: تقدير الآية على قول ابن عباس والحسن
والضحاك ومجاهد ◌ّه، فمن أعطى له على سهولة، وأريد به ولي القتيل يقال: خذ ما آتاك عفواً، أي سهلاً
من أخيه أي من جهة أخيه المقتول شيء، أي شيء من المال بطريق الصلح ويكره؛ لأنه مجهول القدر، فإنه
مقدر بما تراضيا عليه، فاتباع بالمعروف، أي فله اتباع أي فلولي القتيل اتباع المصالح بالمعروف أي مطالبة يبدل
الصلح على مجاملة وحسن معاملة، وأداء إليه بإحسان، أي وعلى المصالح أداء إلى ولي القتيل بإحسان في الأداء.
وقال جماعة: وهو مروي عن عمر وابن عباس وابن مسعود ﴿ه، الآية في عفو بعض الأولياء، ويدل عليه قوله
شيء، فإنه يراد به البعض، وتقديره: فمن عفي له وهو القاتل من أخيه في الدين، وهو المقتول شيء من
القصاص، بأن كان للقتيل أولياء، فعفا بعضهم، فقد صار نصيب الباقين مالاً، وهو الدية على حصصهم من
الميراث، فاتباع بالمعروف أي فليتبع الذين لم يعفوا القاتل بطلب حصصهم بالمعروف، أي بقدر حقوقهم من
غير زيادة، وأداء إليه بإحسان أي وليؤد القاتل إلى غير العافي حقه وافياً غير ناقص، وأريد بالمصدر في قوله:
فاتباع وأداء إليه الأمر بهذا الفعل كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. [الكفاية ١٧٤/٩-١٧٥]
* أخرجه الأئمة الستة في كتبهم. [نصب الراية ٣٥٠/٤] أخرجه البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة
أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلاً من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقام رسول الله وع يناه فقال: "إن الله
حبس عن مكة الفيلَ، وسلّط عليهم رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي،
ألا وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه حرام لا يختلى شوكها، ولا يُعضد شجرها،
ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما يؤدي، وإما يقاد". [رقم: ٦٨٨٠،
باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين]

٣٧
باب القصاص فیما دون النفس
والمراد - والله أعلم -: الأخذ بالرضا، على ما بينَّاه، وهو الصلح بعينه، ولأنه حقّ
القصاص
رضا القاتل
ثابت للورثة يجري فيه الإسقاطُ عفواً، فكذا تعويضاً؛ لاشتماله على إحسان
التعويض
الأولياء، وإحياء القاتل، فيجوز بالتراضي، والقليل والكثير فيه سواء؛ لأنه ليس فيه
نصٌّ مقدَّر، فيفوّض إلى اصطلاحهما كالخُلع وغيره، وإن لم يذكروا حالاً ولا
من المال أخذ العوض
القاتل وولي المقتول
مُ
مؤجلاً، فهو حال؛ لأنه مال واجب بالعقد، والأصل في أمثاله الحلول نحو المهر
بالتراضي
والثمن، بخلاف الدية؛ لأنها ما وجبت بالعقد. قال: وإن كان القاتل حرًّا وعبداً،
الدیة
فأمر الحر ومولى العبد رجلا بأن يصالح عن دمهما على ألف درهم، ففعل: فالألف
على الحرّ، والمولى نصفان؛ لأن عقد الصلح أضيف إليهما. وإذا عفا أحدُ الشركاء
من الدم، أو صالح من نصيبه على عوض: سقط حقُّ الباقين عن القصاص، وكان
لهم نصيبهم من الدية. وأصل هذا: أن القصاص حقّ جميع الورثة، وكذا الدية،
والمراد والله أعلم إلخ: إنما يحتاج إلى قوله: والمراد؛ لأن الظاهر يشهد للشافعي في أحد قوليه لولي القتيل
الاختيار بين أن يقتل، وبين أن يأخذ المال بغير رضاه. على ما بيناه: أن ليس لولي القتيل العدول عن
القصاص إلا برضا القاتل. [الكفاية ١٧٥/٩] وهو الصلح إلخ: أي أخذ الدية هو الصلح بعينه؛ لأن
الصلح عبارة عن قطع النزاع، ففي أخذ الدية قطع النزاع. [البناية ١٢٠/١٣]
وغيره: يعني كالإعتاق على مال. (العناية) بخلاف الدية: أي في قتل الخطأ حيث لا تجب حالة. (البناية)
قال: أي محمد بدله في "الجامع الصغير". [البناية ١٢١/١٣] دمهما: أي عن دم عليهما. أضيف [لأن ذلك
الرجل سفير محض لاحتياجه إلى الإضافة عليهما] إليهما: لأن الواجب بدل عن القصاص، والقصاص
عليهما على السواء، فيقسم البدل عليهما على السواء كرجلين اشتريا عبداً كان الثمن عليهما على
السواء؛ لأن الثمن بدل العبد، وقد ملكاه على السواء، فبدله كذلك. [الكفاية ١٧٥/٩]

٣٨
باب القصاص فیما دون النفس
خلافاً لمالك والشافعي لحمها في الزوجين. لهما: أن الوراثة خلافة، وهي بالنسب دون
السبب؛ لانقطاعه بالموت، ولنا: أنه عليًّا أمر بتوريث امرأة أشيم الضبابي من عَقْل
زوجها أشیم،* ولأنه حق جري فیه الإرث، حتى إن من قتل وله ابنان،
القصاص والدیة
خلافاً لمالك إلخ: هذا اللفظ كما ترى يدل على أنه ليس للزوجين حق في القصاص والدية جميعاً
عندهما، وفي "المبسوط": ولكل وارث في دم العمد نصيب بميراثه عندنا، وقال مالك بحث: لا يرث
الزوج الزوجة من الدية شيئًا، وكذا في عامة الكتب التخصيص بالدية، ثم قال في "المبسوط": وكذلك
ثبت حق الزوج والزوجة في القصاص عندنا، وعلى قول ابن أبي ليلى: لا يثبت حقهما في القصاص،
والتخصيص بقول ابن أبي ليلى في الخلاف يؤذن بأن لا خلاف لمالك في القصاص، وفي بعض "الفوائد":
التنصيص على خلاف مالك في الدية لا ينافي خلافه في القصاص، بل ينبغي أن يكون له فيه خلاف
بالطريق الأولى؛ لأن الدية مال، والمال مما لا خلاف فيه أن الزوج والزوجة يرثان، فلما لم ير مالك فيه
الإرث، فلأن لا يرى في القصاص لهما بالطريق الأولى. [الكفاية ١٧٥/٩]
لهما[ أي لمالك والشافعي مها. (البناية)] أن الوراثة [من المورث، يعني أن وجوبهما بعد الموت بطريق
الخلافة، فيثبت بالنسب دون الزوجية؛ لأنها تنقطع بالسبب] إلخ: يستلزم عدم توريث أحد الزوجين من
الآخر شيئًا، وهو باطل، ولكن يحمل على أن معناه الوراثة فيما يجب بعد الموت خلافة، وهي فيه بالنسب
لا السبب؛ لانقطاعه بالموت، والقصاص والدية إنما يجبان بعد الموت، وقلنا: إنه فاسد بالنقل والعقل، أما
الأول فحديث امرأة أشيم الضبابي بكسر الضاد المعجمة كما ذكره في الكتاب، وأما الثاني؛ فلأنهما مورثان
كسائر الأموال بالاتفاق، فيجب أن يكونا في حق الزوجين كذلك؛ لأن وجوبهما أولاً للميت، ثم يثبت
للورثة، ولا يقع للميت إلا بأن يسند الوجوب إلى سببه، وهو الجرح، فكانا كسائر الأموال في ثبوتهما قبل
الموت، ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله دخلت ديته فيها، وتقضى منه ديونه. [العناية ١٧٥/٩ -١٧٦]
أشيم: قال السيد السند ناقلاً عن الزهري: إن قتل أشيم كان خطأ.
*روي من حديث الضحاك بن سفيان، ومن حديث المغيرة بن شعبة. [نصب الراية ٣٥٢/٤] فحديث
الضحاك بن سفيان: أخرجه أبوداود في "سننه" عن سعيد قال: كان عمر بن الخطاب يقول: الدية للعاقلة،
ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا، حتى قال له الضحاك بن سفيان: كتب إلى رسول الله ﴿﴿ أن أورث
امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فرجع عمر. [رقم: ٢٩٢٧، باب في المرأة ترث من دية زوجها] =

٣٩
باب القصاص فیما دون النفس
فمات أحدُهما عن ابن: كان القصاص بين الصلبي وابن الابن، فيثبت لسائر
القصاص والدیة
الورثة، والزوجيةُ تبقى بعد الموت حكماً في حق الإرث، أو يثبت بعد الموت
القصاص والدیة
مستنداً إلى سببه، وهو الجرح، وإذا ثبت للجميع، فكلُّ منهم يتمكن من الاستيفاء
والإسقاط عفواً وصلحاً، ومن ضرورة سقوط حق البعض في القصاص سقوط
حق الباقين فيه؛ لأنه لا يتجزأ، بخلاف ما إذا قتل رجلين وعفا أحدُ الوليين؛ لأن
الواجب هناك قصاصان من غير شبهة؛ لاختلاف القتل والمقتول، وههنا واحد
الاتحادهما، وإذا سقط القصاص ينقلب نصيب الباقين مالا؛ لأنه امتنع بمعنى راجع
إلى القاتل، وليس للعافي شيء من المال؛ لأنه أسقط حقه بفعله ورضاه، ثم يجب
ما يجب من المال في ثلاث سنين، وقال زفر بحلته: يجب في سنتين فيما إذا كان بين
الشريكين، وعفا أحدهما؛ لأن الواجب نصفُ الدية،
والزوجية تبقى إلخ: هذا جواب عما قال مالك والشافعي من قولهما: لانقطاعه بالموت. (البناية)
سببه: والزوجية في تلك الحالة ثابتة. وعفا أحد إلخ: أي ولي القصاص حيث لا يسقط حق الآخر في
القصاص. [البناية ١٢٣/١٣] وههنا: في مسألة ما إذا قتل وله ابنان. (البناية) بمعنى [هو مراعاة الحرمة
لبعض نفسه] راجع إلى القاتل: وهو ثبوت العصمة للقاتل بعفو البعض من القصاص، فيجب المال كما
في الخطأ، فإن العجز عن القصاص ثمة لمعنى في القاتل، وهو كونه خاطئًا. [الكفاية ١٧٧/٩]
يجب في سنتين: الثلث في سنة والسدس في سنة. (الكفاية) لأن الواجب نصف إلخ: يعني بالعفو، فيكون
في السنة الأولى الثلث، وفي الثانية السدس كما إذا قطع يد إنسان خطأ. [العناية ١٧٧/٩]
= ورواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم. [رقم: ١٤١٥،
باب ما جاء في المرأة هل ترث من دية زوجها]