Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠٠
کتاب الأشربة
ثم يطبخ طبخة: حكمه حكم المثلث؛ لأن صبَّ الماء لا يزيده إلا ضعفاً، بخلاف ما إذا
٠
صُبَّ الماءُ على العصير، ثم يطبخ حتى يذهب ثلثا الكل؛ لأن الماء يذهب أولاً للطافته
لا يحل ذلك
أو يذهب منهما، فلا يكون الذاهب ثلثي ماء العنب، ولو طبخ العنب كما هو ثم
يعصر: يكتفى بأدنى طبخة في رواية عن أبي حنيفة مسلكه. وفي رواية عنه: لا يحلّ
ما لم يذهب ثلثاه بالطبخ وهو الأصحّ؛ لأن العصير قائم فيه من غير تغيرَّ، فصار كما
بعد العصر، ولو جمع في الطبخ بين العنب والتمر، أو بين التمر والزبيب: لا يحلّ،
فلا يكون الذاهب: [أي على القطع والبتات] يعني تارة يذهب الماء للطاقته أولاً، وتارة يذهب العصير
والماء معاً، فلو ذهبا معاً يحل شربه كما يحل شرب المثلث؛ لأنهما لما ذهبا معاً، كان الذاهب من العصير
أيضاً ثلثين كالماء، وهناك يجوز شربه، لكن لما لم يتيقن بذهابهما معاً، واحتمل ذهاب الماء أولاً للطاقته قلنا
بحرمة شربه احتياطاً؛ لأنه إذا ذهب الماء أولاً كان الذاهب أقل من ثلثي العصير، وهو حرامٌ عندنا على ما
مر، وهو الباذق. [الكفاية ٣٨/٩] عن أبي حنيفة: رواها الحسن عنه، وقد روي عنه إذا طبخ أدنى طبخة
يحل شربه إذا غلا واشتد كما في نقيع الزبيب والتمر. [البناية ٤٤٧/١١]
وفي رواية عنه: أي وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة رواها الحسن بن مالك عن أبي حنيفة. (البناية)
كما بعد العصر: يعني إذا طبخ ماء العنب بعد عصر العنب لا يحل ما لم يذهب ثلثاه، فكذا إذا طبخ
العنب أولاً، ثم عصر ماؤه لا يحل بالطبخ بعد ذلك، إلا إذا ذهب ثلثاه. [البناية ٤٤٨/١١]
التمر والزبيب: قال صاحب "غاية البيان": ولنا في قوله: أو بين التمر والزبيب نظر؛ لأن ماء الزبيب كماء
التمر، يكتفى فيهما بأدنى طبخة، وقد صرح بذلك القدوري قبل هذا، وهو قوله: ونبيذ التمر والزبيب إذا طبخ
كل واحد منهما أدنى طبخة حلال، وإن اشتد انتهى، ... وكان صاحب "الكافي" فهم ركاكة فيما ذكره
المصنف ههنا حيث غير عبارته في الصورة الثانية، فقال: ولو جمع في الطبخ بين العنب والتمر، أو بين العنب
والزبيب لا يحل ما لم يذهب بالطبخ من ثلثاه. انتهى. ويحتمل أن يقع لفظ التمر في قول المصنف: أو بين التمر
والزبيب بدل لفظ العنب سهواً من نفس المصنف، أو من الناسخ الأول، إلا أنه يبقى نوع قصور في التعليل
الذي ذكره ههنا عن إفادة المدعي في الصورة الثانية على كل حال؛ إذ لم يتعرض بالزبيب في التعليل قط، =

٣٠١
كتاب الأشربة
حتى يذهب ثلثاه؛ لأن التمر إن كان يكتفى فيه بأدنى طبخة فعصير العنب لابدّ أنْ
يذهبَ ثلثاه، فيعتبر جانبُ العِنَب احتياطاً، وكذا إذا جمعَ بين عصرِ العنب ونقيعِ
التمر؛ لما قلنا، ولو طبخ نقيعُ التمر والزبيب أدنى طبخة، ثم أُنْقِعَ فيه تمر أو زبيب إن
كان ما أنقع فيه شيئاً يسيرًا لا يُّتَّخذ النبيذُ من مثله: لا بأس به، وإن كان يتخذ
النبيذ من مثله: لم يحلّ كما إذا صبّ في المطبوخ قدحٌ من النقيع، والمعنى تغليبُ
جهة الحرمة، ولا حد في شربه؛ لأن التحريم للاحتياط، وهو للحدِّ في درئه،
ولو طبخ الخمر أو غيره بعد الاشتداد حتى يذهب ثلثاه: لم يحلّ؛ لأن الحرمة
قد تقررت، فلا ترتفع بالطبخ. قال: ولا بأس بالانتباد في الدََّّاءِ والحَنْثَم والمُزَفّتِ
والنقير؛ لقوله عليه في حديث فيه طول بعد ذكر هذه الأوعية: "فاشربوا في كل
3A
ظَرْفٍ، فإِنّ الظَّفَ لا يُحِلُّ شيئاً ولا يُحرِّمُه، ولا تشربوا المسكر"،
= ثم اعلم أن تاج الشريعة وجه ما وقع في نسخ "الهداية" هنا حيث قال: فإن قلت: هذا المعنى لا يتأتى في
التمر والزبيب على ما قال في "المختصر": أنه يكتفي فيهما أدنى طبخة، قلت: إن هذا على ما روى هشام
في النوادر عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يحمل ما لم يذهب ثلثاه بالطبخ. انتهى. [نتائج الأفكار ٣٩/٩]
لما قلنا: أشار به إلى قوله: فعصير العنب لابد أن يذهب ثلثاه. [البناية ٤٤٩/١١]
أو غيره: أي غير الخمر من الأشربة المحرمة. (البناية) في الدباء إلخ: الدباء القرع جمع دباءة، والحنتم بفتح الحاء
المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوق وهو جرار أحمر، وقال أبو عبيدة: خضر، وقد يجوز أن يكونا جميعاً،
وهو جمع حنتمة، والمزفت المطلي بالزفت، وهذا الذي ذكره القدوري هو قول أكثر أهل العلم. [البناية ٤٥٠/١١]
أخرجه الجماعة إلا البخاري عن بريدة. [نصب الراية ٣٠٩/٤] أخرجه مسلم في "صحيحه" عن ابن
بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله : "كنت نهيتكم عن الأشربة في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء
غير أن لا تشربوا مسكراً".[رقم: ٩٧٧، باب النهي عن الانتباه في المزفت]

٣٠٢
کتاب الأشربة
وقال: ذلك بعد ما أخبر عن النهى عنه، فكان ناسخاً له، وإنما ينتبذ فيه بعد
الحدیث
النھی
هذا الفعل
تطهيره. فإن كان الوعاء عتيقاً: يغسل ثلاثاً فَيَطْهُر، وإن كان جديداً لا يُطَهَّر عند
أبدًا
محمد رح له؛ لتشرب الخمر فيه، بخلاف العتيق، وعند أبي يوسف بدله: يغسل ثلاثا،
الجدید
ويحفّف في كل مرة، وهي مسألة ما لا ينعصر بالعصر، وقيل: عند أبي يوسف بحفظه:
يملأً ماء مرة بعد أخرى، حتى إذا خرج الماء صافياً غير متغير يُحْكم بطهارته. قال: وإذا
القدوري,
تخللت الخمرُ: حلّت، سواء صارت خلاً بنفسها، أو بشيء يُطْرَح فيها، ولا يكره تخليلها،
كالملح والخل
وقال الشافعي سألته: يكره التخليل، ولا يحلّ الخلُّ الحاصل به، إن كان التخليل بإلقاء شيء
فيه قولاً واحداً، وإن كان بغير إلقاء شيء فيه، فله في الخل الحاصل به قولان.
عن النهي عنه: وروي من حديث شعبة أخبرني عمرو بن مرة سمعت زادان يقول: قلت لابن عمر: أخبرنا
بما نهى عنه رسول الله ◌ُّ من الأوعية أخبرنا بلغتكم وفسره لنا بلغتنا. قال: نهى عن الحنتم وهي الجرة، ونهى
عن المزفت وهو النقير، ونهى عن الدباء وهو القرع، ونهى عن النقير وهي أصل النخلة ينقر نقراً ويمسح
مسحاً، وأمر أن ينتبذ في الأسقية قالوا: إنما نهى عن هذه الأوعية على الخصوص إلخ. [البناية ٤٥٢/١١]
بعد تطهيره: إن كان فيه خمراً. (البناية) يغسل ثلاثاً إلخ: لأنها تشرب كما لو ينجس الظرف بالدم أو
البول، فإنه يطهر بالغسل ثلاثاً. (البناية) وهي مسألة إلخ: والخلاف فيها مشهور، وقال شيخ الإسلام:
هذا مثل ظرف الخمر بعد ما صب منه الخمر، أما إذا لم يصب منه حتى صار الخمر خلاً ما حال الظرف
لم يذكر محمد هذا في الأصل. [البناية ٤٥٣/١١]
يحكم بطهارته: فإنه يطهر ولا يحتاج إلى التجفيف في كل مرة من الغسل. (البناية) قولاً واحداً: وبه قال مالك
وأحمد رحمها. [البناية ٤٥٤/١١] لأن ما يلقى في الخمر يتنجس بأول الملاقات، وما يكون نجسًا لا يفيد الطهارة،
بخلاف ما إذا تخللت بنفسها؛ لأن لم يوجد فيه شيء يتنجس بالملاقات. بغير إلقاء شيء إلخ: بالنقل من ظل إلى
الشمس إذا يقاد النار بالقرب منها. قولان: في قول: يحل كقولنا، وفي قول: لا يحل، وبه قال مالك وأحمد،
أما إذا صار خلاً بطول المدة بدون علاج يحل بلا خلاف لهم. [البناية ٤٥٥/١١]

٣٠٣
کتاب الأشربة
له: أن في التخليل اقتراباً من الخمر على وجه التموُّل، والأمر بالاجتناب ينافيه.
عن الخمر
ولنا: قوله عليها: "نَعْمَ الإِدامُ الخلّ(* من غير فصل، وقوله عليها: "خير خلكم
خل خمركم"، ولأن بالتخليل يزول الوصفُ المفسد، وتثبت صفة الصلاح من حيث
أي إزالة العقل
تسكين الصفراء وكسر الشهوة والتغذي به، والإصلاح مباح، وكذا الصالح للمصالح؛
إصلاح المفسد
اعتباراً بالمتخلّل بنفسه وبالدباغ، والاقتراب لإِعدام الفساد، فأشبه الإِراقة،
إراقة الخمر
والتخليلُ أولى؛ لما فيه من إحراز مال يصير حلالاً في الثاني، فيختاره مَن ابتلي به،
وإذا صار الخمرُ خلاًّ يَطْهُر ما يوازيها من الإِناء، فأما أعلاه وهو الذي نقص منه
الزمن الثاني
الخمر، قيل: يطهر تبعاً، وقيل: لا يطهر؛ لأنه خمر يابس إلا إذا غسل بالخَلّ فيتخلّل
من ساعته فيطهر، وكذا إذا صُبَّ فيه الخمر، ثم ملئ خلاَّ يَطْهُر في الحال على ما
الإِناء
أعلاه
قالوا. قال: ويكرهُ شربُ دُرديّ الخمر،
محمد
الصالح للمصالح: يجوز أن يكون معناه: المخلل صالح للمصالح، والصالح للمصالح مباح؛ اعتباراً بالمتخلل
بنفسه وبالدباغ. (العناية) والاقتراب إلخ: جواب عن قوله: إن في التخليل اقتراباً من الخمر على وجه
التمول، ووجهه: لا نسلم أنه على وجه التمول بل المنظور إليه إعدام الفساد. [العناية ٣٩/٩]
والتخليل أولى: أي بأن يكون مباحًا من الإراقة؛ إذ في الإِراقة إبطال المفسد لا غير، وفي التخليل إحراز
المال وصيانته مع إبطال المفسد. [الكفاية ٣٩/٩] فيختاره إلخ: أي فيختار التخليل على الإراقة من ابتلي
بالخمر كما إذا ورث الخمر مثلاً. [البناية ٤٥٧/١١] فيتخلل: يعني يدار فيه الخل حتى يصيب جميع الظرف،
فإذا فعل ذلك فقد طهر، وإن لم يشرب فيه الخمر كذا في "الذخيرة". (البناية) ذُردِيّ: ودردي الخمر ما
يرسف في آخره. [البناية ٤٥٩/١١]
أُروي من حديث جابر، ومن حديث عائشة ظُه، ومن حديث أم هاني، ومن حديث أيمن. [نصب الراية ٣١٠/٤]
أخرجه مسلم في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله أن النبي ◌ّ سأل أهله الإِدام، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا
به فجعل يأكل به، ويقول: "نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل". [رقم: ٢٠٥٢، باب فضيلة الخل والتأدم به]

٣٠٤
كتاب الأشربة
والإِمتشاطُ به؛ لأن فيه أجزاءَ الخمر، والانتفاعُ بالمحرّم حرام، ولهذا لا يجوز أن
يداوي به جرحاً، أو دَبَرَة دَّةٍ، ولا أن يسقي ذمياً، ولا أن يسقي صبياً للتداوي،
والوَبَالُ على مَن سقاه، وكذا لا يسقيها الدواب، وقيل: لا تُحْمل الخمرُ إِليها، أما إذا
الدواب
قيدت إلى الخمر: فلا بأس به كما في الكلب والميتة، ولو ألقى الدُّرْدِيُّ في الخلّ لا بأس
به؛ لأنه يصير خلاً، لكن يباح حملُ الخلّ إليه لا عكسه؛ لما قلنا. قال: ولا يحدُّ شاربهُ
أي شارب الدُّردي، إن لم يُسْكَرِ، وقال الشافعي ﴾: يُحدّ؛ لأنه شرب جزءاً من
الخمر. ولنا: أن قليله لا يدعوا إلى كثيره؛ لما في الطّباع من التّْوَة عنه، فكان ناقصًا،
فيجب الحد
فأشبه غير الخمر من الأشربة، ولا حدَّ فيها إلا بالسِّكْرِ، ولأن الغالب عليه التّعْل،
فصار كما إذا غلب عليه الماء بالامتزاج. ويكره لاحتقان بالخمر، وإقطارها في
الإحليل؛ لأنه انتفاع بالمحرَّم، ولا يجب الجدّ؛ لعدم الشرب، وهو السبب، ولو جعل
الخمرَ في مَرَقةٍ: لا تؤكل؛ لتنجُّسها بها، ولا حدَّ ما لم يَسْكَر منه؛ لأنه أصابه الطبخُ،
والامتشاط به: وإنما خص الامتشاط؛ لأن له تأثيرًا في تحسين الشعر. (البناية) أو دبرة: أي أو يداوي دبر
دابة، والدبر بفتحتين جرح الدابة أو عقرها. (البناية) يسقي صبياً: أي ولا يجوز أن يسقي صبياً لأجل التداوي؛
لما ذكرنا من حديث ابن مسعود.(البناية) لا يسقيها الدواب: لأنه نوع انتفاع بالخمر، وأقرب منه. (البناية)
كما في الكلب إلخ: أي لا تحمل الميتة إلى الكلب، ولو قيد الكلب إليها لا بأس به. [البناية ٤٦٠/١١]
لما قلنا: أشار به إلى التعليل المستفاد من قوله: كما في الكلب والميتة. (البناية) جزءاً من الخمر: أي الدردي
لا يخلو منه، وفي الخمر يجب الحد في القليل والكثير. (البناية) كما إذا غلب إلخ: حيث لا يحد إذا كان
الماء هو الغالب كما ذكرنا. (البناية) الإحليل: وهو ثقب الذكر. [البناية ٤٦١/١١]
أصابه الطبخ: لأنه مطبوخ، والخمر هو الذي من ماء العنب، وعند أحمد بحثه يحد؛ لأنه عين الخمر
موجود فيها، ولو لم يطبخ يعتبر الغالب والمغلوب كما لو مزج الخمر بالماء. [البناية ٤٦٢/١١]

٣٠٥
کتاب الأشربة
ويكره أكلُ خبز عُجنَ عجينه بالخمر؛ لقيام أجزاء الخمر فيه.
فصل في طبخ العصير
والأصل: أن ما ذهب بغليانه بالنار، وقذفِهِ بالزَّبَد: يجعل كأن لم يكن، ويعتبر
ذهاب ثلثي ما بقي؛ ليحلّ الثلث الباقي، بيانه: عشرة دَوارِقَ من عصير طبخ،
س
مُ
فذهب دورق بالزبد: يطبخ الباقي حتى يذهب ستة دوارق، ويبقى الثلث فيحل؛
لأن الذي يذهب زبدًا هو العصير أو ما يمازجه، وأيّا ما كان جعل كان العصيرُ تسعة
دوارق، فيكون ثلثُها ثلاثةً. وأصل آخر: أن العصير إذا صُبَّ عليه ماءً قبل الطبخ،
أجزاء الخمر فيه: أي في العجين، وأما اللحم إذا طبخ بالخمر، فعند محمد بحث: لا يطهر أبدًا، وعند
أبي يوسف حك: يغلى بالماء الطاهر ثلاث مرات، ويبرد في كل مرة. [البناية ٤٦٢/١١] طبخ العصير: قال جماعة
من الشراح: لما كان طبخ العصير من أسباب منعه عن التخمر ألحقه بالأشربة تعليمًا لإبقاء ما هو حلال
على حله، وقال بعضهم: لما ذكر فيما تقدم أن العصير لا يحل مالم يذهب ثلثاه شرع يبين كيفية طبخ
العصير إلى أن يذهب ثلثاه. [الكفاية ٤٠/٩]
ما ذهب: أي ما خرج من القدر من شدة الغليان، وقذفه بالزبد يجعل كأن لم يكن. [الكفاية ٤٠/٩-٤١]
عشرة دوارق: الدورق مكيال للشراب يسع أربعة أمناء، وهو أعجمي. (الكفاية) يطبخ الباقي: وهو تسعة
دوارق. (البناية) أو ما يمازجه: أي والذي ذهب زائداً هو ما يمازج العصير من الثفل والشراب
والدردي. [البناية ٤٦٣/١١] وأيا ما كان إلخ: أقول: فيه شيء، وهو أن وجه جعل العصير تسعة دوارق،
على تقدير أن يكون الذاهب زبدًا هو العصير غير ظاهر؛ إذ لا يكون حينئذ فرق بين الذاهب زبداً من عشرة
دوارق، وبين الباقي منها في كونها عصيرًا، فإذا جاز اعتبار بعض منها، وهو الذاهب زبداً في حكم العدم
بلا أمر يوجبه، فلم لا يجوز اعتبار بعض من التسعة الباقية منها أيضاً في حكم العدم عند ذهابه بالطبخ، والأظهر
في تعليل هذا الأصل أن يقال: لأن الذي يذهب زبدًا جعل كأن لم يكن؛ لأن الزبد ليس بعصير، فصار كما
لو صب فيه دورق من ماء، ولو كان كذلك لم يعتبر الماء، فكذلك هذا. [نتائج الأفكار ٤١/٩، ٤٠]

٣٠٦
كتاب الأشربة
ثم طبخ بمائه: إن كان الماء أسرع ذهاباً لرقته، ولطافته يطبخ الباقي بعد ما ذهب
مقدارُ ما صب فيه من الماء، حتى يذهب ثلثاه؛ لأن الذاهب الأول هو الماء، والثاني
العصیر، فلابد من ذهاب ثلثي العصیر، وإن کانا يذهبان معًا تُغْلی الجملة حتى يذهب
ءُ
ثلثاه ويبقى ثلثه، فيحل؛ لأنه ذهب الثلثان ماءً وعصيرًا، والثلث الباقي ماء وعصير،
فصار كما إذا صبّ الماء فيه بعد ما ذهب من العصير بالغلي ثلثاه. بيانه: عشرة
العصير
دوارق من عصير، وعشرون دورقاً من ماء، ففي الوجه الأول: يطبخ، حتى يبقى
تُسْعُ الجملة؛ لأنه ثلثُ العصير، وفي الوجه الثاني: حتى يذهب ثلثا الجملة؛ لما قلنا.
والغلي بدفعة أو دفعات، سواءً إذا حصل قبل أن يصير محرَّمً، ولو قطع عنه النارَ
كانا يذهبان إلخ: قال في "النهاية": كان محمد بلّ علم أن العصير على نوعين: منه ما لو صب الماء فيه وطبخ
يذهب الماء أولاً، ومنه ما إذا صب الماء فيه يذهبان فيه معاً، ففصل الجواب فيه تفصيلاً. [العناية ٤٠/٩]
فصار كما إذا إلخ: يعني صار حكم هذا كحكم ماء لو صب العصير بعد ما صار مثلًا بحيث يحل، فكذا
هذا. (البناية) ففي الوجه الأول: أي فيما إذا ذهب الماء أولاً. [البناية ٤٦٤/١١]
يبقى تسع إلخ: تسع الجملة وهي ثلاثة، وذلك بعد ذهاب الدورق بالزبد، والثلاثة ثلث العصير؛ لأن
العصير عشرة، ولكن ذهب منها دورق بالزبد، فبقي تسعة ثلثها ثلاثة. (البناية) وفي الوجه الثاني: أي فيما
إذا كان الماء والعصير يذهبان معاً. (البناية) حتى يذهب ثلثا إلخ: أي يطبخ حتى يذهب ثلثا الجملة وهو
عشرون، وبقي عشرة وثلاثة، فمتى بقي عشرة كان ثلثاه ماء وثلثه عصير، أو كان الباقي ثلث العصير
وثلث الماء. (البناية) لما قلنا: أشار به إلى قوله: لأن الباقي ثلث الماء وثلث العصير. [البناية ٤٦٥/١١]
ولو قطع إلخ: صورته: إذا طبخ العصير حتى ثلاثة أخماسه مثلاً وبقي خمساه ثم قطع عنه النار فلم يبرد حتى نقص
عليه تمام الثلثين وبقي الثلث: حل؛ لأن ما ذهب بعد قطع النار ذهب بحرارة النار، فصار كما إذا شمس العصير
وذهب ثلثاه بحرارة الشمس، فيصير مثلثاً؛ لأن المقصود ذهاب الثلثين، وصار كما لو صار مثلثاً والنار تحته، بخلاف
ما لو برد مشتداً محرماً ثم طبخ حتى ذهب ثلثاه حيث لا يحل كذا في "الذخيرة" و"المبسوط". [البناية ٤٦٥/١١]

٣٠٧
کتاب الأشربة
فغلي حتى ذهب الثلثان: يحل؛ لأنه أثرُ النار، وأصل آخر: أنّ العصير إذا طبخ،
فذهب بعضُه، ثم أُهْرِيقَ بعضُه ثم تطبخ البقية حتى يذهب الثلثان، فالسبيل فيه أن
تأخذ ثلث الجميع فتضربه في الباقي بعد المُنْصَبِّ، ثم تقسمه على ما بقي بعد
حاصل الضرب
ذهاب ما ذهب بالطبخ قبل أن ينصب منه شيءٌ، فما يخرج بالقسمة فهو حلال،
بيانه: عشرة أرطال عصيرٍ طبخ، حتى ذهب رطلُ، ثم أُهريقَ منه ثلاثة أرطال: تأخذ
ثلثَ العصير كلِّه، وهو ثلاثة وثلث وتضربه فيما بقي بعد المنصبّ، وهو ستة،
فيكون عشرين، ثم تقسم العشرين على ما بقي بعد ما ذهب بالطبخ منه قبل أن
ينصبّ منه شيءٌ، وذلك تسعة، فيخرج لكل جزءٍ من ذلك اثنان وتُسْعان، فعرفت
أن الحلال ما بقي منه رطلان وتُسْعانٍ، وعلى هذا تخرَّج المسائلُ، ولها طريقٌ آخر،
وفيما اكتفينا به كفاية وهداية إلى تخريج غيرها من المسائل، والله أعلم بالصواب.
طريق موصل
للذكي الفطن
وأصل آخر إلخ: ذكر أولاً: الأصل الذي فيه أن ما ذهب بالزبد لا يعتبر، ثم ثانياً: الأصل الذي فيما إذا
صب فيه الماء بالوجهين المذكورين. (البناية) ثلث العصير إلخ: لأن كل العصير عشيرة، وثلثها ثلاثة
وثلث. (البناية) فيكون عشرين: لأن الستة ثلاث مرات ثمانية عشر، والثلاث مرات اثنان، فالجملة
عشرون. [البناية ٤٦٦/١١] ولها طريق آخر: وهو أن الذي ذهب بالطبخ ذاهب من الحرام؛ لأنه إنما يطبخ
ليذهب حرامه، ويبقى حلاله، فثلثا عشرة أرطال حرام، وهو ستة أرطال وثلثا رطل، فإذا أهريق ثلاثة، فهذا من
الحلال والحرام جميعاً؛ لأنه لا معلق للذاهب حساباً بالحلال أو بالحرام، فكان الذاهب منهما على السواء،
فذهب من الحلال ثلثه، وهو رطل وتسع رطل، فيبقى ثلثاه رطلان وتسعا رطل. [الكفاية ٤١/٩]

٣٠٨
کتاب الصید
كتاب الصيد
الصيد: الاصطياد، ويطلق على ما يُصَاد، والفعل مباح لغير المُحْرِم في غير
الحَرَم؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، ولقوله عز وجل: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ
خرجتم عن الإحرام الأمر للإباحة
صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾، وقوله عليّ لعدي بن حاتم الطائي عنه: "إذا أرسلت
كلَبَك المعَلَّمَ وذكرت اسمَ الله عليه فكُلْ، وإن أكل منه فلا تأكل؛ لأنه إنما أمسك
على نفسه، وإن شارك كلبَك كلبٌ آخر فلا تأكل؛ فإنك إنما سميت على كلبك
ولم تُسَمِّ على كلب غيرك"،* وعلى إباحته انعقد الإجماع،
كتاب الصيد: مناسبة كتاب الصيد لكتاب الأشربة من حيث أن كل واحد من الأشربة والصيد مما يورث
السرور، إلا أنه قدم الأشربة لحرمتها؛ اعتناءً بالاحتراز عنها، ومحاسنه محاسن المكاسب. [العناية ٤٢/٩]
الصيد: هو لغة: الاصطياد، وقد سمي الصيد صيدًا تسميةً بالمصدر، فيجمع إذًا على صيود، والاصطياد مباح
لغير المحرم في غير الحرم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ أمر
بالاصطياد، وأدنى درجات الأمر الإباحة. والسنة: قوله عليه: "الصيد لمن أخذ"، ففي هذا بيان أن الاصطياد
مباح مشروع؛ لأن الملك حكم مشروع، فسببه يكون مشروعاً، ويستوي إن كان الصيد مأكول اللحم، أو غير
مأكول اللحم؛ لما في اصطياده من تحصيل منفعة جلده أو شعره أو دفع أذاه عن الناس. [الكفاية ٤٢/٩-٤٣]
الاصطياد: وهو أخذ الصيد كالاحتطاب وهو أخذ الحطب ثم يراد به ما يصاد مجازاً؛ إطلاقاً لاسم المصدر
على المفعول، وهو الممتنع المتوحش عن الآدمي بأصل الخلقة مأكولاً كان أو غير مأكول كذا في "غاية
البيان". [نتائج الأفكار ٤٢/٩] ما دمتم حرماً: هذا التحريم إلى غاية، فاقتضى الإباحة فيما وراء ذلك. (البناية)
* أخرجه الأئمة الستة عنه. [نصب الراية ٣١٢/٤] أخرجه البخاري في "صحيحه" عن عدي بن حاتم قال:
قلت: يا رسول الله! إني أرسل كلبي وأسّي، فقال النبي ◌َّ: "إذا أرسلت كلبك وسميت فأخذ فقتل فأكل،
فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه"، قلت إني أرسل كلبي أجد معه كلباً آخر لا أدري أيهما أخذه؟ فقال:
"لا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره". [رقم: ٥٤٨٦، باب إذا وجد مع الصيد كلباً آخر]

٣٠٩
كتاب الصيد
ولأنه نوعُ اکتساب وانتفاع بما هو مخلوق لذلك، وفيه استبقاءُ المكلف، وتمكينه من
إقامة التكاليف، فكان مباحًا بمنزلة الاحتطاب، ثم جملة ما يحويه الكتاب فصلان:
أحدهما: في الصيد بالجوارح، والثاني: في الاصطياد بالرمي.
فصل في الجوارح
قال: ويجوز الاصطيادُ بالكلبِ الْمُعَلَّمِ والفَهْد والبازي، وسائر الجوارح
المعلّم
القدوري
المعلّمة، وفي "الجامع الصغير": وكلُّ شيءٍ عَلَّمته من ذي ناب من السباع، وذي
مِثْلَبٍ من الطير، فلا بأس بصيده،
مخلوق لذلك: أي لأجل الانتفاع؛ لأن ما سوى الآدمي خلق لمصالح الآدمي. (البناية) وفيه: أي في
الانتفاع بالشيء المخلوق. (البناية) إقامة التكاليف: لأنه لو لم ينتفع بما فيه نفعه يهلك، ولا يتمكن
من إقامة التكاليف. (البناية) فكان مباحاً: أي إذا كان الأمر كذلك كان الاصطياد مباحاً. (البناية)
ما يحويه الكتاب: أي ما يجمعه كتاب الصيد. (البناية) بالجوارح: وهو جمع جارحة، وأراد بها ههنا
الجوارح من الحيوان كالكلب والفهد والبازيّ والصقر ونحوها. [البناية ٤٧١/١١]
في الجوارح: قدم فصل الجوارح على فصل الرمي؛ لما أن آلة الصيد ههنا حيوان، وفي الرمي جماد،
وللفاضل تقدم على المفضول. (العناية) وسائر الجوارح إلخ: وهذا بعمومه يتناول الأسد والذئب والدب
والخنزير، لكن الخنزير لكونه نجس العين لا يجوز الانتفاع به، وكان ذلك معلوماً لكل أحد، فلم يستشنه
والباقية إن أمكن تعليمها جاز الاصطياد بها. [العناية ٤٤/٩]
الجامع الصغير: وإنما أورد رواية "الجامع الصغير"؛ لقوله: ولا خير فيما سوى ذلك أي فيما سوى المعلمة
من ذي الناب والمخلب، فإن رواية القدوري بحثه تدل على الإثبات لا غير، ورواية "الجامع الصغير" تدل
على الإثبات والنفي جميعًا. [العناية ٤٤/٩] فلا بأس بصيده: إنما ذكر بلفظة لا بأس؛ لأن قوله تعالى:
﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ قد خص منه البعض، كالدب والخنزير وغير ذلك، والنص إذا خص منه
البعض یکون الباقي منه دون خبر الواحد، فیکون ظنیاً، فتمکن فيه الشبهة، فلذلك قال: لا بأس به . =

٣١٠
كتاب الصيد
ولا خير فيما سوى ذلك، إلا أن تُدْرِكَ ذکاتِه. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا
فیذكّیه
عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّينَ﴾، والجوارح: الكواسب، قال: في تأويل والمكلِّين:
مؤدبین الكلاب
المسلطين، فيتناول الكل بعمومه دل عليه ما روينا من حديث عدي ظلتنه، واسم
الكلاب
للجوارح على الصيد
الكلب في اللغة يقع على كل سَبُع حتى الأسد، وعن أبي يوسف ظه: أنه استثنى
من ذلك الأسدَ والدُّب؛ لأنهما لا يعملان لغيرهما،
= واعلم أن حل التناول بالاصطياد مختص بشرائط: منها: أن يكون الصائد من أهل الذّكاة، وذا بأن يعقل
الذّبح والتسمية حتى لا يؤكل صيد الصبي والمجنون إذا لم يعقلا الذّبح والتسمية، وأن يكون له ملة التوحيد
دعوى واعتقادًا كالمسلم، أو دعوى لا اعتقاداً كالكتابي كما مر في الذبائح، وأن يكون ما يصطاد به
معلماً، وأن يكون جارحًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾. [الكفاية ٤٤/٩]
فيما سوى إلخ: أي لا يجوز فيما سوى المعلم من ذي ناب، والمعلم من ذي مخلب يعني إذا أخذ كلب غير
معلم صيدًا، فلا خير فيه. (البناية) والأصل فيه: أي في اشتراط كون الجارح من ذوات الناب والمخلب التي
يصيد بها. [البناية ٤٧٢/١١] ومن علّمتم: أي وصيد ما علّمتم من الجوارح، وهو عطف على الطيبات، أي
أحل لكم الطيبات، وصيد ما علّمتم من الجوارح، وفي معنى الجوارح قولان: أحدهما: أن يكون جارحاً حقيقة
بنابه أو مخلبه، فيكون من الجرح بمعنى الجراحة. والثاني: الكواسب كقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾
أي: كسبتم، ويمكن حمله عليهما، فيشترط أن يكون من الكواسب التي تجرح ليعمل بالجرح بيقين، والمكلب
مؤدب الكلاب ومعلّمها، ثم عم في كل من أدب جارحة بهيمة كانت أو طائرًا. [الكفاية ٤٥/٩-٤٦]
الكواسب: أي الكواسب من سباع البهائم، والطير كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي
والشاهين، سميت بذلك؛ لأنها كواسب بنفسها، يقال: جرح وأجرح إذا كسب. (البناية) فيتناول إلخ: إذا كان
المعنى ما ذكرنا يتناول قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا عَلّمْتُمْ﴾ إلخ. [البناية ٤٧٣/١١] حتى الأسد: ألا ترى
أن النبي ◌ُّ قال في عتبة بن أبي لهب: "اللهم سلط عليه كلباً من كلابك"، فسلط الله عليه الأسد فقتله،
ومعنى هذا الاسم موجود في الكل، فكان عامًّا بطريق الحقيقة. (البناية) وعن أبي يوسف له: هذا يتعلق
بقوله: فيتناول العموم بعمومه. [البناية ٤٧٤/١١]

٣١١
كتاب الصيد
الأسد لعُلُوِّ همَّته، والدُّب لخساستِهِ، وألحق بهما بعضهم الحِدْأَةَ لخساسته،
فلا يعمل لغيره
والخنزير مستثنى؛ لأنه نَجسُ العين، فلا يجوز الانتفاعُ به، ثم لابد من التعليم؛ لأن
کالاصطياد
من عموم الآية
ما تلونا من النص ينطق باشتراط التعليم، والحديث به وبالإِرسال، ولأنه إنما يصير
ء
آلة بالتعليم؛ لیکون عاملاً له فيترسل بإرساله، ويُمْسِکه عليه. قال: وتعليم الكلب:
القدوري
أن يَتْرُكَ الأكل ثلاث مرات، وتعليم البازي: أن يرجع، ويُجْيْب إذا دعوْتَه، وهو
والأ کل منه عفو
مأثور عن ابن عباس ما،* ولأن بدن البازي لا يتحمل الضرب، وبدن الكلب
يتحمله، فيضرب ليتركه، ولأن آية التعليم تركُ ما هو مألوفه عادة،
من النص: وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلّمْتُمْ مِنَ الْحَوَارِحِ﴾. ينطق إلخ: أقول: فيه نوع شبهة؛ لأن كون
ما تلاه من الآية ناطقاً بالتعليم، وما رواه من الحديث ناطقاً بالتعليم، وبالإرسال مما لا كلام فيه، وأما كون
ما تلاه من الآية ناطقاً باشتراط التعليم، وكون ما رواه من الحديث ناطقاً باشتراط التعليم كما هو المدعى
ههنا، وباشتراط الإرسال أيضًا، فليس بظاهر، وإنما يدلان على الاشتراط المذكور بطريق مفهوم المخالفة،
وهو ليس بحجة عندنا في الأدلة الشرعية كما عرف. [نتائج الأفكار ٤٦/٩]
والحديث به: بالجر عطفًا على قوله: النص باشتراط التعليم. (البناية) ويمسكه عليه: أي يمسك الصيد
على صاحبه لا لنفسه. [البناية ٤٧٥/١١] ليتركه: أي يترك الأكل وتعذر ترك الأكل في البازي؛ لأنه
لا يحتمل الضرب حتى يترك، فأقيم مقامه ما يدل عليه وهو الإجابة عند الدَّعْي. [البناية ٤٧٦/١١]
مألوفه عادة: قيل: فيه نظر؛ لأن هذا الفرق لا يتأتى في الفهد والنمر، فإنه متوحش كالبازي، ثم الحكم
فيه وفي الكلب سواء، فالمعتمد هو الأول، وليس بوارد؛ لأنه إنما ذكره فرقاً بين الكلب والبازي لا غير،
وذلك صحيح، وإذا أريد الفرق عموماً، فالمعتمد هو الأول. [العناية ٤٦/٩]
*غريب، وفي البخاري: وقال ابن عباس ◌ّهما: إن أكل الكلب فقد أفسده، إنما أمسك على نفسه
والله تعالى يقول: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الُّ﴾ فَتُضرَب وتُعَلَّم حتى تَتْرك. [باب إذا أكل الكلب وقوله
تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّلَهُمْ﴾ مكلبين: الكواسب ..... ] [نصب الراية ٣١٤/٤]

٣١٢
كتاب الصيد
والبازي متوحش متنفّرٌ، فكانت الإجابةُ آيةَ تعليمه، أما الكلب فهو أُوفٌ يعتاد
الانتهابَ، فكان آيةُ تعليمه تَرْك مألوفه، وهو الأكل والاستلاب، ثم شَرَطَ ترك
القدوري
مألوف
الأکل ثلاثاً، وهذا عندهما، وهو رواية عن أبي حنيفة رڅ؛ لأن فيما دونه مزيد
الاحتمال، فلعله ترك مرةً أو مرتين شبعاً، فإذا تركه ثلاثاً دل على أنهٍ صار عادةً له؛
وهذا لأن الثلاث مدةٌ ضربت للاختبار، وإبلاء الأعذار، كما في مدة الخيار، وفي
في البيع
التقدير بالثلاث
بعض قصص الأخبار، ولأن الكثير هو الذي يقع أَمَارَةً على العلم دون القليل،
والجمعُ هو الكثير، وأدناه الثلاث، فقُدِّرَ بها، وعند أبي حنيفة حثه على ما ذكر في
لأنه متيقن الثلاث
"الأصل" لا يثبت التعليم ما لم يغلب على ظنِّ الصائد أنه معلّم، ولا يقدّر بالثلاث؛
المبسوط
لأن المقادير لا تعرف اجتهادًا، بل نصًا وسماعًا، ولا سَمْعَ فيفوَّض إلى رأي المبتلى به
كما هو أصله في جنسها. وعلى الرواية الأولى عنده: يحلّ ما اصطاده ثالثاً،
يعتاد الانتهاب: لأن حقيقة التعليم والجهل في الحيوان أمر مستبطن، فأقيم تبدل العادة المألوفة مقام العلم،
والجري على العادة الأصلية مقام الجهل. [البناية ٤٧٦/١١] لأن الثلاث مدة إلخ: وفي "المبسوط":
فقدرنا ذلك بالثلاث؛ لأنه حسن للاختبار، والأصل فيه قصة موسى عليّة مع الخضر حيث قال في الثالثة:
هذا فراق بيني وبينك، وكذا الشرع قدر مدة الخيار بثلاثة أيام للاختبار، وقال عليها: "إذا استأذن أحدكم
ثلاثاً فلم يُؤْذَن له فليرجع"، وقال عمر هه: إذا لم يربح أحدكم في التجارة ثلاث مرات فليتحول إلى
غيرها. [الكفاية ٤٧/٩] كما هو أصله: أي أصل أبي حنيفة ماله في جنس المقادير نحو حبس الغريم، وحد
التقادم، وتقدير ما غلب في نزح ماء البئر المعينة. [الكفاية ٤٧/٩]
الرواية الأولى: وهي التي قدرها بالثلاث، وهي رواية القدوري. (البناية) ما اصطاده: يعني إذا أخذ صيداً فلم
يأكل، ثم أخذ ثانياً فلم يأكل، ثم أخذ ثالثاً، فلم يأكل، يحل أكل الثالث عند أبي حنيفة بحثه. [البناية ٤٧٩/١١]

٣١٣
كتاب الصيد
وعندهما: لا يحل؛ لأنه إنما يصير معلَّما بعدم تمام الثّلاث، وقبل التعليم غيرُ معلّم، فكان
الثالثُ صيدَ كلبٍ جاهل، وصار كالتصرف المباشر في سكوت المولى. وله: أنه آية
تعليمه عنده، فكان هذا صيد جارحة معلّمة، بخلاف تلك المسألة؛ لأن الإِذن إعلامٌ،
الثالث
ولا يتحقق دون علم العبد، وذلك بعد المباشرة. قال: وإذا أرسل كلبَه المعلّمَ، أو
القدوري
بازيَّهِ، وذكر اسم الله تعالى عند إرساله، فأخذ الصيد وجرحه، فمات: حلّ أكله؛
المعلم
لما روينا من حديث عدي ﴿، ولأن الكلب أو البازي آلةٌ، والذبحُ لا يحصل
بمجرد الآلة إلا بالاستعمال، وذلك فيهما بالإرسال، فنزل منزلة الرمي وإمرار
السكين، فلابد من التسمية عنده، ولو تركه ناسياً حلّ أيضاً على ما بينّاه، وحرمة
٠
الإرسال
الاستعمال
التسمية
متروك التسمية عامداً في الذبائح، ولابد من الجرح في ظاهر الرواية؛
لا يحل: أي أكل الثالث، ويحل أكل ما بعده. (البناية) وصار كالتصرف إلخ: يعني إذا رأى المولى العبد
يتصرف فسكت يكون إذناً له فيما بعد، والتصرف الذي يباشره غير صحيح بالاتفاق. [البناية ٤٧٩/١١]
أنه آية: أي أن ترك الأكل علامة تعليمه عند الثالث؛ لأنه إنما يحكم بكونه معلماً بطريق تعيين إمساكه
الثالث على صاحبه، فإذا حكمنا بأنه يمسك وقد أخذه بعد إرسال صاحبه فيحل كذا في
"المبسوط". [الكفاية ٤٧/٩] وذلك إلخ: أي علم العبد لا يكون إلا بعد المباشرة، وما باشره قبل العلم
يكون تصرف محجور، فلا ينفذ. [البناية ٤٨٠/١١]
لا يحصل: ولهذا قال: لو انقلب الصيد أو الشاة على سكين، وأصاب مذبحها لا يحل؛ لأن الاستعمال
لم يوجد. (البناية) بالإرسال: أي الاستعمال يكون بإرسال الكلب والبازي، فلابد من الإرسال. (البناية)
على ما بيناه: أي على ما بينا أن ترك التسمية ناسياً لا يضر. [البناية ٤٨٠/١١] في ظاهر الرواية: يريد رواية
"الزيادات"، فإنه قال: لو قتل الكلب أو البازي الصيد من غير جرح لا يحل، وأشار في "الأصل" إلى أنه
يحل، والفتوى على ظاهر الرواية. [العناية ٤٧/٩]

٣١٤
کتاب الصید
ليتحقق الذ کاةُ الاضطراري، وهو: الجرح في أي موضع کان من البدن بانتساب
ما وجد من الآلة إِليه بالاستعمال، وفي ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْحَوَارِحِ﴾
الصائد
وهو الجرح
ما يشير إلى اشتراط الجرح؛ إذ هو من الجرح بمعنى الجراحة في تأويل، فيُحْمل على
الجارحِ الكاسب بنابه ومِخْلَبه ولا تنافي، وفيه أُخِذَ باليقين، وعن أبي يوسف بحثه:
بین التأویلین
أنه لا يُشْترط؛ رجوعاً إلى التأويل الأول، وجوابه ما قلنا. قال: فإن أكل منه
الجرح
الكلبُ أو الفهْد: لم يؤكل، وإن أكل منه البازي: أكل، والفرق ما بينّاه في دلالة
التعليم، وهو مؤيد بما رويناه من حديث عديّ ظُه، وهو حجة على مالك،
في تأويل: يعني غير ما أوّلناه أولاً، وهو قوله: والجوارح الكواسب في تأويل، وذلك ما يكون جارحًا
حقيقة. [العناية ٤٨/٩] فيحمل: أي إذا كان كذلك فيحمل الجارح الذي دل عليه قوله سبحانه وتعالى:
﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ على أنه موصوف بصفتين الجارح من الجرح بمعنى الجراحة والكاسب. [البناية ٤٨٢/١١]
أخذ باليقين: أي في الجمع بينهما أخذ باليقين؛ وذلك لأن النص إذا ورد فيه اختلاف المعاني، فإن كان
بينهما تناف يثبت أحدهما بدليل يوجب ترجيحه، وإن لم يكن بينهما تناف يثبت الجمع أخذاً بالمتيقن كذا
ذكره فخر الإسلام بحثه في الحيض في قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ قيل:
أريد به الحبل، وقيل: الحيض، والصحيح: أنهما مرادان؛ لأنه لا تنافي بينهما، فكذا هنا لا تنافي بين الكسب
والجراحة. [الكفاية ٤٩/٩] التأويل الأول: وهو أن المراد من الجوارح الكواسب، فيحصل صيده بأي
وجه كان؛ لعموم النص. (البناية) ما قلنا: أي جواب قول أبي يوسف ما قلناه أشار به إلى قوله: فيحمل
على الجارح الكاسب إلى آخره. [البناية ٤٨٣/١١]
ما بيناه: يعني أن التعليم شرط فيما يصاد به من الجوارح، وهو في الكلب بترك الأكل، وفي البازي
بالإِجابة، وقد مر بيانه مستوفًا. [البناية ٤٨٣/١١] وهو مؤيد إلخ: أقول: في كلامه هذا ركاكة؛
لأن ضمير هو في قوله (وهو مؤيد) إن كان راجعاً إلى الفرق كما هو الظاهر من أسلوب تحريره،
يرد عليه أن حديث عدي لا يفيد الفرق المذكور أصلاً، فإنه إنما يدل على أن لا يؤكل ما أكل منه
الكلب، ولا يدل على أن يؤكل ما أكل منه البازي، وإفادة الفرق إنما تكون بالدلالة عليهما معًا، =

٣١٥
کتاب الصید
وعلى الشافعي دعمًا في قوله القديم في إباحة ما أكل الكلب منه. ولو أنه صاد صيوداً،
ولم يأكل منها، ثم أكل من صيد: لا يؤكل هذا الصيد؛ لأنه علامة الجهل، ولا
جهل الكلب
الأکل
ما يصيده بعده، حتى يصير معلماً على اختلاف الروايات كما بينّاها في الابتداء،
أي لا يؤكل
وأما الصيود التي أخذها من قبل، فما أكل منها: لا تظهر الحرمةُ فيه؛ لانعدامِ المحلّة،
مُ
وما ليس بُمُحَرَّز بأن كان في المفازة، بأن لم يظفر صاحبه بعد: تَتْبْتُ الحرمة فيه بالاتفاق،
لم يأخذه الصياد
وما هو محرز في بيته: يحرم عنده، خلافاً لهما. هما يقولان: إن الأ كل ليس يدل على
الصائد
الجهل فيما تقدّم؛ لأن الحرفة قد تنسى، ولأن فيما أحرزه قد أمضى الحكم فيه بالاجتهاد،
الصائد
= وإن كان راجعًا إلى مضمون قوله: فإن أكل منه الكلب أو الفهد لم يؤ كل کان حق قوله: وهو مؤيد بما
رويناه من حديث عدي أن يذكر عقيب قوله: فإن أكل منه الكلب أو الفهد لم يؤكل. [نتائج الأفكار ٤٩/٩]
قوله القديم: وهو قول ربيعة باله أيضًا. (البناية) ولو أنه إلخ: ذكره تفريعاً على مسألة القدوري، وهي
من مسائل "الأصل". (البناية) في الابتداء: أراد به ما ذكر أنه يحله عندهما ما اصطادوا بالنابح. (البناية)
لانعدام المحلية: لأن الحكم بالحرمة لا يتصور إلا في محل قائم، وقد فات المحل بالأكل. [البناية ٤٨٤/١١]
وما هو محرز: وأما ما باع المالك مما قدره عن صيوده، فلا شك أن على قولهما لا ينقض البيع فيه، وأما
على قول أبي حنيفة ما ينبغي أن ينقض البيع إذا تصادق البائع والمشتري على كون الكلب
جاهلاً. [الكفاية ٥٠/٩] قد تنسى: كما في بني آدم، فلم يجز تحريم ما تقدم بالشك. [البناية ٤٨٤/١١]
قد أمضى الحكم: يعني إنما حكمنا بإباحة المحرز من الصيود بالاجتهاد؛ لأن ترك الأكل يحتمل أن يكون
للعلم، ويحتمل أن يكون للشبع، فصار إباحة المحرز بالاجتهاد، فلو نقض نقض بالاجتهاد؛ لأن الأكل أيضاً
يحتمل أن يكون عن جهل في الأصل، ويحتمل أن يكون لشدة الجوع، أو لأنه نسي الآن. والأصل: أن ما
أمضي بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله؛ لأن المقصود قد حصل الآن، ولكن يعمل به في المستقبل كما في سائر
المجتهدات، بخلاف ما لم يحرزه؛ لأن الإباحة غير محكوم بها من كل وجه؛ لأنها إنما نحكم بها إذا خرج من
الصيدية من كل وجه، وشيء من معناها باق فيه، وهو أنه في المفازة بعد، أو نقول: إباحة الأكل إنما تثبت
وقت الأكل لعدم الحاجة قبل ذلك، ووقت الأكل بعد الإحراز؛ لأن غير المحرز لا يؤ كل. [الكفاية ٥٠/٩]

٣١٦
کتاب الصید
فلا ينقض باجتهاد مثله؛ لأن المقصود قد حصل بالأول، بخلاف غير المحرز؛ لأنه
هو الإحراز
ما حصل المقصودُ من كل وجه، لبقائه صيداً من وجه؛ لعدم الإِحراز، فحرّمناه
احتياطاً، وله: أنه آية جهله من الابتداء؛ لأن الحِرْفة لا يُنْسَى أصلُها، فإذا أكل تبين
الأکل
أنه كان ترك الأكل للشبع، لا للعلم، وتبدل الاجتهاد قبل حصول المقصود؛ لأنه
المقصود
في الصيود السابقة
بالأكل، فصار كتبدّل اجتهاد القاضي قبل القضاء. ولو أن صقراً فرّ من صاحبه،
فمكث حيناً، ثم صاد: لا يؤكل صيدُه؛ لأنه ترك ما صار به عالما، فُيُحْكم بجهله
كالكلب إذا أكل من الصيد. ولو شرب الكلبُ من دم الصيد ولم يأكل منه:
ذکره تفریعاً
فیحکم بجهله
أكل؛ لأنه ممسكٌ للصيد عليه، وهذا من غاية علمه حيث شرب ما لا يصلح
الصائد
لصاحبه، وأمسك عليه ما يصلح له. ولو أخذ الصيدَ من المعلّم، ثم قطع منه قطعةً،
وألقاها إليه، فأكلها: يؤكل ما بقي؛
لأن الحرفة إلخ: هذا جواب عن نكتة غير مذكورة في الكتاب يحتجان بها، وهي أن الأكل في الحال
لا يدل على كونه جاهلاً في الماضي لجواز أنه كان عاملاً، إلا أنه جهل والحرفة قد تنسى، فأجاب بأنه
لو كان عالماً لما جهل إذًا أصل الحرفة إلخ. [البناية ٤٨٥/١١] وتبدل الاجتهاد: وتحقيقه: أن حكم الإباحة
في المحرز إنما يثبت عند الأكل؛ لأنها مبنية على كون الكلب معلّماً، وذلك ثابت بالاجتهاد على ما قالا،
فكان وهماً واحتمالاً، والموهوم يعتبر عند الضرورة، وذلك عند الأكل، فلم تكن الإباحة ثابتة قبله، فلو
اعتبر هذا الاجتهاد لا يؤدي إلى إبطال حكم أمضى بالاجتهاد وباجتهاد مثله، بل يؤدي إلى المنع، فصار
كظهور اجتهاد آخر للقاضي قبل القضاء. [الكفاية ٥١/٩]
ولو أن صقرًا إلخ: ذكره تفريعًا وهو من مسائل "الأصل". (البناية) ثم صاد: أي أنه رجع إلى صاحبه، ثم صاد
لا يؤكل، أما ما صاد قبل الرجوع إلى صاحبه، فلا شك أنه لا يؤكل؛ لعدم الإرسال. [البناية ٤٨٦/١١]
صار به عالماً: وهو إجابته إلى صاحبه. [البناية ٤٨٧/١١]

٣١٧
كتاب الصيد
لأنه لم يَبْقَ صيدا، فصار كما إذا ألقى إليه طعامًا غيرَه، وكذا إذا وثب الكلبُ،
فأخذه منه، وأكل منه؛ لأنه ما أكل من الصيد، والشرط تركُ الأكل من الصيد،
الصيد الصائد
فصار كما إذا افترس شاتَّه، بخلاف ما إذا فعل ذلك قبل أن يحرزه المالك؛ لأنه
الصید
الوثوب والأكل
الصائد
بقيت فيه جهة الصيدية. ولو نَهَس الصيدَ، فقطع سنّه بضعة فأكلها، ثم أدرك الصيدَ
بضعة
فی اتباعه إیاه
فقتله، ولم يأكل منه: لم يؤكل؛ لأنه صيدُ كلب جاهل حيث أكل من الصيد. ولو
ذلك الصید
ألقى ما نَهَسه، واتبع الصيدَ فقتله ولم يأكل منه، وأخذه صاحبه، ثم مرّ بتلك البضعة،
فأكلها: يؤكل الصيدُ؛ لأنه لو أكل من نفس الصيد في هذه الحالة لم يضرّه، فإذا
أكل ما بان منه، وهو لا يحلّ لصاحبه أولى، بخلاف الوجه الأول؛ لأنه أكل في
أن لا يضره
حالة الاصطياد، فكان جاهلاً ممسكاً لنفسه، ولأن نَهْسَ البضعة قد يكون ليأكلها،
وقد يكون حيلة في الاصطياد؛ ليَضْعُفَ بقطع القطعة منه فيدركه، فالأكل قبل
الصید
الأخذ يدلّ على الوجه الأول، وبعده على الوجه الثاني، فلا يدل على جهله.
الأكل بعد الأخذ
لم يبق صيداً: لأن الصيد اسمٌ للمتوحش غير محرز، وقد زال التوحش بالقتل، وزال عدم إحرازه
بالإِحراز، فالتحق بسائر أطعمته وأكله من سائر أطعمته لا يدل على جهلة، فهنا كذلك. [الكفاية ٥١/٩]
إذا وثب: أي وكذا يؤكل إذا نطَ الكلب فأخذه أي من يد صاحبه وأكل منه. [البناية ٤٨٨/١١]
أن يحرزه إخ: لأنه لما أكل قبل الإحراز صار كأنه أكل حالة الاصطياد فلا يؤكل. (البناية) هذه الحالة: وهي بعد
إحراز صاحبه وأخذه. [البناية ٤٨٨/١١] الوجه الأول: وهو ما إذا أكل البضعة حيث قطعها. (البناية)
قبل الأخذ: أي قبل أخذ المالك الصيد يدل على الوجه الأول، وهو أنه نهشه فيأكلها، فدل على جهل
الكلب. (البناية) وبعده إلخ: أي الأكل بعد أخذ المالك للصيد يدل على الوجه الثاني، وهو أنه نهش الصيد
وقطع بضعة حيلة في الاصطياد لتضعيف الصيد، فكان ذلك من غاية حداقته. [البناية ٤٨٩/١١]

٣١٨
کتاب الصید
قال: وإن أدرك المرسلُ الصيدَ حياً: وجب عليه أن يذكيه، وإن ترك تذكيته حتى
القدوري
مات: لم يؤكل، وكذا البازي والسُّهم؛ لأنه قدَرَ على الأصل قبل حصول المقصود
بالبدل؛ إذ المقصود هو الإباحة، ولم تثبت قبل موته، فبطل حكم البدل، وهذا إذا
الصيد
إباحة الأکل
تمكن من ذبحه، أما إذا وقع في يده، ولم يتمكن من ذبحه، وفيه من الحياة فوق
الصيد
ما يكون في المذبوح: لم يؤكل في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف لحمـ
أنه يحل، وهو قول الشافعي بطل؛ لأنه لم يقدر على الأصل، فصار كما إذا رأى
الماءَ، ولم يقدر على الاستعمال. ووجه الظاهر: أنه قدر اعتباراً؛
على الأصل
فلا يبطل تيممه
أدرك المرسل: اعلم أن قوله: وإن أدرك المرسل إلى قوله: حتى مات لم يؤكل عبارة القدوري في
"مختصره"، وقوله: وكذا البازي والسهم زيادة من المصنف، فأقول: هذه الزيادة من المصنف ههنا أمر زائد
مستغنى عنه جداً عندي، أما قوله: وكذا البازي فظاهر؛ لأن قول القدوري: وإن أدرك المرسل الصيد حيًّا
يتناول صيد الكلب وصيد البازي، وليس فيه شيء يقتضي اختصاصه بالأول، فلا حاجة إلى ذكر قوله:
وكذا البازي، بل لا وجه له. وأما قوله: والسهم؛ فلأن حكم مسألة السهم سيجيء في باب الرمي
مفصلاً، ألا يرى إلى قوله هناك: وإذا سمّى الرجل عند الرمي أكل ما أصاب إذا جرح السهم فمات، وإن
أدركه حيًا ذكاه، انتهى، فلا حاجة إلى بيانه ههنا. [نتائج الأفكار ٥٢/٩]
وكذا البازي: أي وكذا الحكم في التفصيل لو أدرك مرسل البازي الصيد حياً فذبحه حل، وإن لم يذبح
حتى مات لا يحل. [البناية ٤٨٩/١١] إذا تمكن: لأنه لابد له من مدة والناس يتفاوتون فيها على حسب
تفاوتهم في الکیاسة والهداية في أمر الذبح، فمنهم من یتمکن في ساعة، ومنهم من لا یتمکن في أکثر، وما
كان كذلك لا يدار الحكم عليه؛ لعدم انضباطه. (العناية) من ذبحه: لفقد الآلة لم يؤكل؛ لأنه مفرط، وإن
كان لضيق الوقت يؤكل عندنا خلافاً للشافعي والحسن بن زياد ومحمد بن مقاتل ثر. [العناية ٥٢/٩]
على الأصل: وهو الذكاة الاختيارية. (البناية) اعتباراً: يعني أنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود
بالبدل من حيث الاعتبار والحكم. [البناية ٤٩٠/١١]

٣١٩
كتاب الصيد
لأنه ثبت يده على المذبح، وهو قائم مقام التمكّن من الذبح؛ إذ لا يمكن اعتباره؛ لأنه
محل الذبح
لابد له من مدة، والناسُ يتفاوتون فيها على حسب تفاوتهم في الكياسة والهداية في أمر
الذبح، فأدير الحكمُ على ما ذكرناه، بخلاف ما إذا بقي فيه من الحياة مثلُ ما يبقي في
المذبوح؛ لأنه ميت حكمًا، ألا ترى أنه لو وقع في الماء، وهو بهذه الحالة: لم يحرّم، كما
إذا وقع وهو ميت، والمّت ليس بِمَذْبَح. وَفَصّل بعضُهم فيه تفصيلاً: وهو أنّه إِنْ
فلا یذبح
لم يتمكن؛ لفقد الآلة: لم يؤكل، وإن لم يتمكن؛ لضيق الوقت: لم يؤكل عندنا، خلافاً
للشافعي بسطله؛ لأنه إذا وقع في يده لم يَبْق صيداً، فبطل حكمُ ذكاة الاضطرار، وهذا
حیا
إذا كان يُتَوهَّم بقاؤه، أمّا إذا شقَّ بِطْنه، وأخرج ما فيه، ثم وقع في يد صاحبه: حل؛
الكلب المعلم
لأن ما بقي اضطرابُ المذبوح فلا يُعتبر كما إذا وقعت شاة في الماء بعد ما ذبحت،
لأنه ثبت يده إلخ: يعني أن حكم القدرة على الأصل يدار على الوقوع في يده حياً؛ لتعذر الوقوف على
حقيقة القدرة والعجز؛ لتفاوت أحوال الناس في الهداية في أمر الذبح وعدمها، ولهذا قلنا: إن الحمل إذا
سقط، وضاق الوقت عن الذبح في المذبح، فجرحه في غير المذبح حتى مات لا يحل؛ لوجود ما يقوم مقام
القدرة على ذكاة الاختيار، وهو حصوله في يده حياً. [الكفاية ٥٢/٩] قائم مقام التمكن: أي ثبوت يده
على الذبح قائم مقام التمكن عن الذبح. (البناية) يتفاوتون فيها: فمنهم من يتمكن في ساعة، ومنهم من
لا يتمكن إلا بأكثر من ساعة. (البناية) ميت حكماً: فلم يبق محلاً للذبح. [البناية ٤٩١/١١]
ليس بمذبح: أي ليس بمحل للذبح؛ لأن ما بقي اضطراب المذبوح لا الحياة المعتبرة. [الكفاية ٥٢/٩-٥٣]
لم يؤكل: لأن التقصير من قبله حيث لم يجعل آلة الذكاة مع نفسه. (الكفاية) لم يؤكل عندنا: وقال الحسن بن
زياد ومحمد بن مقاتل بحثًا: يحل استحساناً، وهو قول الشافعي له؛ لأنه لم يقدر على الأصل لضيق الوقت،
فبقيت ذكاة الاضطرار موجبة للحل، وبالاستحسان أخذ القاضي فخر الدين قاضي خان رحلته. [الكفاية ٥٣/٩]
وهذا: أي ما ذكرنا من إقامة ثبوت اليد مقام التمكن حتى لا يحل بدون الذكاة فيها. (البناية) حل: لأنه لا يتوهم
بقاؤه بعد ذلك. [البناية ٤٩٢/١١]