Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨٠
كتاب إحياء الموات
وكذا إذا أراد أن يؤخرها عن فم النهر، فيجعلها في أربعة أذرع منه؛ لاحتباس الماء
فيه، فيزداد دخولُ الماءِ فيه، بخلاف ما إذا أراد أن يسفِّل كواه أو يرفعها: حيث يكون
له ذلك في الصحيح؛ لأن قسمةَ الماء في الأصل باعتبار سعة الكَوَّة وضِيقها من غير
اعتبار التسفّل والترفّع وهو العادة، فلم يكن فيه تغيير موضع القسمة، ولو كانت
القسمة وقعت بالكوى، فأراد أحدُهم أن يقسم بالأيام: ليس له ذلك؛ لأن القديم
يترك على قِدْمِه لظهور الحق فيه، ولو كان لكل منهم كوىِّ مسمّاة في نهر خاص:
معدودة
ليس لواحد أن يزيد كوّةً، وإن كان لا يضر بأهله؛ لأن الشركة خاصة، بخلاف ما إذا
كانت الكوى في النهر الأعظم؛ لأن لكلِّ منهم أن يشقَّ نهراً منه ابتداءً، فكان له أن
يزيد في الكوى بالطريق الأولى. وليس لأحد من الشركاء في النهر أن يسوق شربَه إلى
أرض له أخرى، ليس لها في ذلك شرب؛ لأنه إذا تقادم العهدُ يستدل به على أنه حقه.
هذه الأرض" النهر
فيجعلها إلخ: هذا التقدير اتفاقي، والعبرة للاحتباس، وصورة هذا: إذا كانت الألواح التي فيها الكوة في
فم النهر أراد أن يؤخرها عن فم النهر، فيجعلها في وسط النهر، ويدع فوهة النهر بغير لوح كذا في
"الذخيرة". (الكفاية) لاحتباس الماء إلخ: أي لاحتباس الماء في رأس النهر واعتاقه، فيجتمع الماء ويزداد
دخوله في الكوى أكثر مما كان يدخل. [البناية ٣٨٢/١١] أراد أن يسفل: أي أراد أن يضع الكوة أعمق
عما كانت هي في ذلك الموضع، أو يرفعها يعني إلى وجه الأرض. [الكفاية ١٩/٩]
يكون له ذلك: فإنه تصرف في خالص ملكه ليس فيه ضرر لأحد. ليس له ذلك: يعني إذا لم يرض
الشركاء بذلك، فإذا رضوا كان له ذلك. (البناية) لأن الشركة خاصة: لأن إحداث التصرف فيما هو
مشترك إلا بالإذن من الشركاء. (البناية) النهر الأعظم: كالفرات ودجلة والنيل، حيث لا يمنع أن يزيد في
الكوى إذا لم يضر بغيره. [البناية ٣٨٣/١١] يستدل به إلخ: أي يسوق الماء إليه؛ لأنه حقه، وبه قال الشافعي
ومالك والقاضي الحنبلي، وعن أحمد في رواية: جاز له ذلك إذا كان على وجه لا يتصرف في حافة النهر،
وكذا يجوز أي يهديه أو يهبه. [البناية ٣٨٤/١١]

٢٨١
كتاب إحياء الموات
وكذا إذا أراد أن يسوق شربه في أرضه الأولى، حتى ينتهي إلى هذه الأرض
التي لها شرب
الأخرى؛ لأنه يستوفي زيادةً على حقه؛ إذ الأرض الأولى تنشّف بعض الماء قبل أن
تشرب وتجذب
التي لا شرب لها
تسقي الأخرى، وهو نظير طريق مشترك إذا أراد أحدهم أن يفتح فيه باباً إلى دار
الطريق
بین قوم
أخرى ساكنُها غيرُ ساكن هذه الدار التي يفتحها في هذا الطريق، ولو أراد الأعلى
من الشريكين في النهر الخاص- وفيه كوى بينهما- أن يَسدَّ بعضها؛ دفعاً لفيض
الشریکین
الماء عن أرضه كيلا تنزَّ: ليس له ذلك؛ لما فيه من الضرر بالآخر، وكذا إذا أراد
أن يقسم الشرب مناصفة بينهما؛ لأن القسمة بالكوى تقدمت، إلا أن يتراضيا؛
إذا أراد: وذكر خواهر زاده: إذا ملأ الأرض الأولى من الماء، وسد فوهة النهر، له أن يسقي الأرض الأخرى
من هذا الماء؛ لأنه حينئذ لم يستوف زيادة على حقه، وإن لم يسد فوهة النهر ليس له ذلك. [الكفاية ١٩/٩]
وهو نظير إلخ: ووجه كونه نظيراً هو أنه يزيد في الشرب ما ليس له منه حق في الشرب، ويزيد في
الطريق من المارة من ليس له حق في المرور، يعني: إذا كان له داران متلازقان، وهو یسکن إحداهما،
والأخرى يسكنها غيره، وممر الدار التي هو يسكنها في طريق مشترك، فأراد أن يفتح باباً للدار الأخرى إلى
هذا ليس له ذلك.(الكفاية) ساکنها غیر ساکن: قيد به؛ لأنه لو كان ساكن الدارين واحداً كان له أن
يفتح باباً إلى الدار الأخرى؛ لأنه متى كان ساكن الدارين واحداً لا يزداد المار. [الكفاية ٢٠/٩]
من الضرر إلخ: بسد الكوى، وهو فعل صاحب الأعلى، وليس لأحد الشريكين أن يتصرف في المشترك
على وجه يلحق الضرر شريكه، وضرر النزّ لا يلحقه بفعل صاحب الأسفل، بل يكون أرضه في أعلى
النهر، وبمقابلة هذا الضرر له منفعة إذا قل الماء. [الكفاية ٢٠/٩] مناصفة بينهما: وهو أن يقول لشريكه:
اجعل لي نصف الشهر ولك نصفه، فإذا كان في حصتي سددت ما بدا لي منها، وأنت في حصتك فتحت
كلها، فليس له ذلك؛ لأن القسمة قد تمت بينهما مرة، فلا يكون لأحدهما أن يطالب بقسمة أخرى، وفي
القسمة الأولى الانتفاع بالماء يستدام، وفيما يطالب هذا به يكون انتفاع كل واحد منهما بالماء في بعض
المدة، وربما يضر ذلك لصاحب الأسفل. [الكفاية ٢٠/٩]

٢٨٢
كتاب إحياء الموات
لأن الحق لهما، وبعد التراضى لصاحب الأسفل أن ينقض ذلك، وكذا لورثته من
أي جاز لصاحب
التقسيم بالمناصفة
بعده؛ لأنه إعارة الشرب، فإن مبادلة الشرب بالشرب باطلة، والشرب مما يورث،
ويوصى بالانتفاع بعينه، بخلاف البيع والهبة والصدقة والوصية بذلك حيث لا تجوز
هذه العقود إما للجهالة، أو للغَرَرَ، أو لأنه ليس بمالٍ متقوّم، حتى لا يضمن إذا
سقى من شرب غيره، وإذا بطلت العقودُ، فالوصية بالباطل باطلة.
وكذا لورثته إلخ: أي وكذا لهم أن ينقضوا ذلك؛ لأنهم خلفاؤه في ذلك. (البناية) لأنه إعارة: لأن هذا
الفعل إعارة يعني كل واحد منهما يعير لصاحبه نصيبه من الشرب. [البناية ٣٨٦/١١] باطلة: لأنه بيع
الجنس بالجنس نسيئة؛ لأن ماء الغد لا يكون موجوداً اليوم، والجنس بانفراده يحرم النساء، ولأنه بيع المعدوم؛
لأن الماء معدوم في النهر في الحال، ولأنه مجهول القدر، ولأن معاوضة الشرب بمال معلوم لا تجوز فبمجهول
أولى، ولأن فيه غرراً، فإنه مجهول لا يدري أن الماء يجري في الوقت الثاني أم لا؟. [الكفاية ٢٠/٩]
مما يورث: لأن الورثة يقومون مقام المورث في أملاكه وحقوقه، وقد يملك لغيره بالإرث ما لا يملك من أسباب
الملك كالقصاص والدَّين والخمر. (الكفاية) ويوصى بالانتفاع: قيد الإيصاء بالانتفاع بعين الشرب؛ احترازاً عن
الإيصاء ببيع الشرب، فإن ذلك باطل على ما ذكر في الكتاب. (الكفاية) والوصية بذلك: أي وبخلاف الوصية
ببيع الشرب وصدقته وهبته، فإن ذلك لا يصح كما لا يصح بيعه وهبته. [الكفاية ٢٠/٩]
للجهالة: [فإنه غير معلوم القدر] أي كان الماء مجهولاً، ولا يصير معلومًا إلا بالإشارة، أو الكيل، أو
الوزن، ولم يوجد شيء منها، فكان مجهولاً جهالة تفضي إلى المنازعة. (البناية) أو للغرر: فإنه على خطر
الوجود؛ لأن الماء يجيء وينقطع. (البناية) ليس بمال متقوم: لأن الشرب عبارة عن النصيب من الماء، والماء
لا يملك قبل الإحراز. (البناية) حتى لا يضمن إلخ: يعني من لا شرب له من هذا النهر إذا سقي أرضه
بشرب غيره لا يضمن، ولو كان مملوكاً ضمن، وإذا لم يكن مملوكاً قبل الإحراز لا يجوز بيعه، وذكر
شيخ الإسلام خواهر زاده لك من مشايخ بلخ كأبي بكر الإسكاف ومحمد بن سلمة وغيرهما: يجوز، وفي
بيع الشرب يوم أو يومين؛ لأن أهل بلخ تعاملوا بذلك، والقياس يترك بالتعامل كما في الاستصناع، وكان
الفقيه أبو جعفر وأستاذه أبو بكر البلخي لا يجوزان ذلك، وقالا: هذا تعامل أهل بلدة واحدة، والقياس
يترك بتعامل البلاد كلها كما في الاستصناع، ولا يترك بتعامل أهل بلدة واحدة. [البناية ٣٨٧/١١]

٢٨٣
کتاب إحياء الموات
وكذا لا يصلح مسمىّ في النكاح، حتى يجب مهرُ المثل، ولا في الخُلْع حتى
مهرا
الشرب
يجب ردّ ما قبضت من الصداق؛ لتفاحش الجهالة، ولا يصلح بدل الصلح عن
الشرب
الدعوى؛ لأنه لا يُمْلَك بشيءٍ من العقود، ولا يباع الشربُ في دَيْن صاحبه بعد
موته بدون أرض كما في حال حياته، وكيف يصنع الإِمام؟ الأصح: أن يضمه
في أداء الدین
إلى أرض لا شربَ لها فيبيعهما بإذن صاحبها، ثم ينظر إلى قيمة الأرض مع الشرب
وبدونه، فيصرف التفاوت إلی قضاء الدین،
لا يصلح مسمى إلخ: يعني إذا تزوج الرجل امرأة على شرب بغير أرض، فالنكاح جائز، وليس لها من
الشرب شيء؛ لأن الشرب بدون الأرض لا يحتمل التمليك بعقد المعاوضة. [الكفاية ٢٠/٩-٢١]
مهر المثل: لعدم صحة التسمية. (البناية) ولا في الخلع: يعني لو اختلعت امرأة من زوجها على شرب بغير
أرض كان باطلاً لا يكون له من الشرب شيء، ولكن الخلع صحيح، وعليها أن ترد المهر الذي أخذت؛
لأنها اختلعت الزوج بهذه التسمية فيما هو مرغوب فيه، فتصير غارة بهذه التسمية، والغرور في الخلع يلزمها
رد ما قبضت كما لو اختلعت على ما في بيتها من المتاع، فإذا ليس في بيتها شيء. [الكفاية ٢١/٩]
لتفاحش الجهالة: يعني في الشرب، وهذا يرجع إلى الكل. (البناية) ولا يصلح إلخ: يعني إذا جعله بدل الصلح،
فالمدعي على دعواه إذا لم يكن عن قصاص، فإن كان فعلى القاتل الدية، وأرش الجراحة. [العناية ٢٠/٩-٢١]
لأنه لا يملك: أي لأن الشرب لا يملك بشيء من العقود، أي لأن الشرب لا يملك بشيء من الصلح متى
وقع على خلاف الجنس كان فيه معنى البيع، وبيع الشرب بلا أرض لا يجوز، وكذا الصلح عليه بدون
أرض، فإن كان المدعي قد شرب من ذلك الشرب سنة أو سنتين فلا ضمان عليه. [البناية ٣٨٨/١١]
حال حياته: أي كما لا يجوز بيعه بدون أرض في حياة صاحبه. (البناية) الأصح: أن يضمه إلخ: وقيل:
يتخذ حوضاً، ويجمع فيه ذلك الماء في كل نوبة، ثم يبيع الماء الذي جمعه في الحوض بثمن معلوم، فيقضي به
الدين. [الكفاية ٢١/٩] فيصرف التفاوت إلخ: فإن كان يشتري مع الشرب بمائة وخمسين، وبدون الشرب
يشتري بمائة، يعرف أن قيمة الشرب خمسون درهماً، فيصرف الخمسون إلى الدين. [البناية ٣٨٩/١١]

٢٨٤
کتاب إحياء الموات
وإن لم يجد ذلك اشترى على تَرِكَةِ المَيِّت أرضاً بغير شرب، ثم ضَمَّ الشربَ إليها
وباعهما، فيصرف من الثمن إلى ثمن الأرض، ويصرف الفاضل إلى قضاء الدين.
وإذا سقى الرجلُّ أرضَه، أو مَخَرَها ماءً أي: ملأها، فسال من مائها في أرض
رجل، فغرقها، أو نَزَّت أرضُ جاره من هذا الماء: لم يكن عليه ضمانُها؛ لأنه غير
متعدٍّ فيه، والله أعلم.
وباعهما: أي الأرض والشرب جميعًا. (البناية) ويصرف الفاضل إلخ: أي يصرف الفاضل من ثمن
الأرض إلى أرباب الديون. (البناية) أو مخرها: وفي "الصحاح": مخرت الأرض إذا أرسلت فيها الماء، وفي
"ديوان الأدب": مخرت السفينة الماء أي: سفينة يجريها. [البناية ٣٨٩/١١]
غير متعدّ فيه: [أي في السقي والمخر] وهذا لأن كون الفعل علة للشيء إنما يعرف بالأثر اللازم له،
والأثر اللازم لفعله اجتماع الماء في أرضه، وإنما صارت أرض جاره ذات نز بالشرب والاجتذاب، وهو
أمر اتفاقي قد يكون وقد لا يكون، فلا يضاف إلى فعله، إلا أنه لو لا فعله لما حصل هذا الفساد، فصار
فعله في حق هذا الأثر سبباً محضاً، والمسبب إنما يضمن إذا تعدى كحافر البئر وواضح الحجر، وفعله في
أرضه مباح، فلم يضمن، قالوا: هذا إذا سقى أرضه سقياً معتاداً يتحمل عادة، أما إذا سقى سقيًا لا تتحمل
أرضه فيضمن؛ لأنه أجرى الماء إلى أرض جاره تقديراً. [الكفاية ٢١/٩]

٢٨٥
کتاب الأشربة
كتاب الأشربة
سُمِّي بها، وهي جمع شَراب؛ لما فيه من بيان حكمها. قال: والأشربة المحرَّمة
أربعة: الخمر وهي عصير العنب إذا غَلَى وَاشْتَدَّ، وَقِذَفَ بِالزَّبَد. والعصير إذا طُبِخَ
القدوري
حتى يذهب أقلّ من ثلثَيْهِ، وهو الطلاء المذكور في "الجامع الصغير". ونقيعُ التمر وهو
بالكسر والمدّ
السَّكُرِ، ونقيع الزبيب إذا اشتدّ وغلى، أما الخمر فالكلام فيها في عشرة مواضع.
أحدها: في بيان مائيتها، وهي: النَّيُّ من ماء العنب إذا صار مُسْكِرًّا، وهذا عندنا،
وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم. وقال بعض الناس: هو اسم لكل مسكر؛
الفقه
لقوله عليه: "كل مسكر خمر"،" وقوله عليها: "الخمر من هاتين الشجرتين"، **
كتاب الأشربة: قال جمهور الشراح: ذكر الأشربة بعد الشرب؛ لأنهما شعبتا عرق واحد لفظاً ومعنىّ، وقصد
بعض الفضلاء حمل مرادهم بعرق واحد لفظاً ومعنىَّ، فقال: العرق اللفظي: ظاهر، وهو الشرب مصدر شرب،
والعرق المعنوي لعله الأرض، فإن كلاً منهما يخرج منه إما بالواسطة أو بدونها. [نتائج الأفكار ٢٢/٩]
سمّي بها إلخ: أي سمي هذا الكتاب بها؛ لأن فيه بيان أحكامها كما سمي كتاب البيوع والحدود؛ لما فيه
بيان أحكامها، والأصول التي يتخذ فيها الأشربة هي العنب والزبيب والتمر والحبوب كالحنطة والشعير
والأرز والدخن والفواكه كالأجاص والفرصاد والشهد والفانيد والألبان. [الكفاية ٢٢/٩]
واشتدَّ: المراد بالاشتداد: كونه صالحاً للإسكار. (الكفاية) ونقيع التمر: أي الثالث من الأشربة المحرمة
نقيع التمر. (البناية) مائيتها: أي ماهيتها في اصطلاح الفقهاء. (البناية) بعض الناس: أي من علماء الفقه،
وأراد بهم الأئمة الثلاثة وأصحاب الظاهر. [البناية ٣٩٣/١١]
*أخرجه مسلم عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر ثم قال: قال رسول الله رآآ: "كل مسكر
حمرْ وكل مسكرٍ حرام".[رقم: ٢٠٠٣، باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام]
** أخرجه الجماعة إلا البخاري. [نصب الراية ٢٩٥/٤] أخرجه مسلم في "صحيحه" عن يزيد بن عبد
الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌ّ: الخمر من هاتين الشجرتين: "النخلة والعنبة". [رقم:
١٩٨٥، باب بيان أن جمع ما ينبذ مما يتخذ من النخل من العنب يسمى خمرًا]

٢٨٦
كتاب الأشربة
وأشار إلى الكُرْمة والنخلة، ولأنه مشتقٌ من مخامرة العقل، وهو موجود في كل
مسكر. ولنا: أنه اسمٌ خاص بإطباق أهل اللغة فيما ذكرناه، ولهذا اشتهر استعماله
لفظ الخمر
فيه وفي غيره، ولأن حرمة الخمر قطعيةٌ، وهي في غيرها ظنِّة، وإنما سّي خمراً لتخمُّره
لا لمخامرته العقلَ، على أن ما ذكرتم لا ينافي كونَ الاسم خاصًّا فيه، فإن النَّحْمَ
مشتق من النُّجْوم وهو الظهور، ثم هو اسم خاص للنجم المعروفٍ لا لكل ما ظهر،
وهذا کثیر النظير، والحديث الأوَّل طعن فيه يحيى بن معين سه. والثاني: أريد به
بيان الحكم؛ إذ هو اللائق بمنصب الرسالة، والثاني في حق ثبوت هذا الاسم، وهذا
إسم الخمر
الذي ذكره في الكتاب قول أبي حنيفة رحلهه، وعندهما: إذا اشتد صار خمرا،
ولأنه مشتق إلخ: مثل هذا يجوز كما ذكر في الوجه أنه من المواجهة، واليم من اليمم. [الكفاية ٢٣/٩]
اسم خاص: أي اسم مخصوص للنيء من ماء العنب إذا صار مسكراً حقيقة باتفاق أهل اللغة قوله فيما
ذكرناه في النيء من ماء العنب. [البناية ٣٩٤/١١ -٣٩٥] ولهذا: أي ولأجل استعمال الخمر في النيء من
ماء العنب إذا صار مسكراً. (البناية) حرمة الخمر إلخ: يعني لا يصلح أن يصرف تحريمها إلا إلى عين ثبت
الحرمة في تلك العين قطعاً، وغير اليُّء ليست بتلك المثابة لمكان الاجتهاد فيه. [الكفاية ٢٣/٩]
وإنما سمي إلخ: هذا جواب عن قولهم: لأنه مشتق من مخامرة العقل يعني: لا نسلم أنه مشتق من المخامرة بل هو
مشتق من التخمر، وهو الشدة والقوة، فإن بها شدة قوة ليست بغيرها حتى سميت أم الخبائث. [البناية ٣٩٥/١١]
من النجوم: يعني مشتق من نجم إذا ظهر. (البناية) كثير النظير: كالقارورة مشتق من القرار، ولا يستعمل
في الكوز وإن وجد فيه القرار، وأنظاره كثيرة. [العناية ٢٥/٩] والحديث الأول: أراد به قوله مثل: "كل
مسكر خمر". (البناية) والثاني: أي والحديث الثاني، وهو قوله ◌ّ: "الخمر من هاتين الشجرتين" . (البناية)
بيان الحكم: أي الحرمة لا بيان الحقيقة، وفيه نزاع. [البناية ٣٩٦/١١] في الكتاب: وهو ما ذكر في
القدوري بقوله: وهو عصير العنب إذا غلا واشتد، وقذف بالزبد. [الكفاية ٢٦/٩]

٢٨٧
کتاب الأشربة
ولا يشترط القذفُ بالزَّبَد؛ لأن الاسم يثبت به، وكذا المعنى المحرم، وهو المؤثر في
الفساد بالاشتداد. ولأبي حنيفة رسالته: أن الغليان بداية الشدّة، وكمالُها بقذف الزبد
وسكونه؛ إذ به يتميز الصافي من الكَدِر، وأحكام الشرع قطعية، فتناط بالنهاية
قذف الزبد
كالحَدّ، وإِكفار المُسْتَحِلِّ وحرمةِ البيع، وقيل: يؤخذ في حرمة الشرب بمجرد الاشتداد
بعض المشايخ
احتياطاً. والثالث: أن عَيْنَها حرام غيرُ معلول بالسُگر، ولا موقوفٌ علیه، ومن الناس
ولا بالإسكار.
من أنكر حرمة عينها وقال: إن السكر منها حرام؛ لأن به يحصل الفسادُ وهو الصدُّ عن
ذكر الله تعالى، وهذا كفر؛ لأنه جحودُ الكتاب، فإِنه تعالى سَّهُ رِجْسًا، والرِّجس
ما هو محرَّم العَين، وقد جاءت السنَّة متواترةً، أن النبي ◌َّ حرَّم الخمرَ،*
الاسم يثبت: أي إنما يثبت هذا الاسم، لكونه مسكراً مخامراً للعقل، وذا باعتبار صفة الاشتداد؛ إذ هو
المؤثر في إيقاع العداوة، والصد عن ذكر الله تعالى باعتبار اللذة المطربة والقوة المسكرة. [الكفاية ٢٦/٩]
يتميز الصافي إلخ: لأن أسفله يصير أعلاه، فيميز فائقه من كدره. (البناية) وأحكام الشرع إلخ: أي أمهات
أحكام الشرع قطعية لا مجال للظن والاحتمال فيه. [البناية ٣٩٨/١١] غير معلول بالسكر: أي عينها حرام لا
أن يكون حراماً لكونه مسكراً، ولهذا لا يتوقف على السكر، بل قطرة منها حرام. [الكفاية ٢٧/٩]
وهذا: أي إنكار حرمة عينها. (الكفاية) رجساً: قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
وَالْأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌّ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. [الكفاية ٢٧/٩] والرجس ما هو: يعني الرجس اسم للحرام
النجس عيناً بلا شبهة، ودليله قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِْزِيرٍ﴾. [البناية ٣٩٩/١١] جاءت السنة إلخ: معناه:
جاء عن النبي ◌ُّ في الخمر أحاديث كلها تدل على حرمة الخمر، وكل واحد منها وإن لم يبلغ حد التواتر،
فالقدر المشترك منها متواتر كشجاعة علي مثله، وجود حاتم، ويسمى هذا التواتر بالمعنى. [العناية ٢٧/٩]
*الأحاديث في تحريم الخمر منها: ما أخرجه البخاري ومسلم عن ثابت عن أنس بن مالك رضيه. [نصب الراية
٢٩٦/٤] أخرج البخاري في "صحيحه" عن أنس ﴿ه كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة وكان خمرهم
يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﴿ منادياً ينادي: ألا أن الخمر قد حرمت، قال: فقال لي أبو طلحة منه﴾ : =

٢٨٨
کتاب الأشربة
وعليه انعقد الإجماع، ولأن قليله يدعو إلى كثيره، وهذا من خواص الخمر، ولهذا
مُ
تزداد لشاربه اللذة بالاستكثار منه، بخلاف سائر المطعومات، ثم هو غير معلول
عندنا، حتى لا يتعدى حكمه إلى سائر المُسْكِرَات، والشافعى بحِظْهِهِ يُعَدِّيْه إليها،
وهذا بعيد؛ لأنه خلاف السنَّة المشهورة، وتعليله لتعدية الاسم، والتعليل في
تعليل الشافعي
الأحكام لا في الأسماء. والرابع: أنها نجسة نجاسةً غليظةً، كالبَوْل؛ لثبوتها بالدلائل
القطعية على ما بينّاه. والخامس: أنه يكفر مستجلّها؛ لإنكاره الدليل القطعي.
الخمر
وهذا: يعني دعاء القليل إلى الكثير، قال في "المبسوط": ما من طعام وشراب إلا ولذته في الابتداء ولا يزيد
على اللذة في الانتهاء إلا الخمر، فإن اللذة لشاربها تزداد بالاستكثار منها. [العناية ٢٧/٩]
سائر المطعومات: لو قال: سائر المسكرات، أو قال: بخلاف سائر المشروبات لكان أولى؛ لأنه يريد الفرق
بين الخمر وسائر المسكرات لا بينها وبين سائر المطعومات؛ لأنه ساق كلامه في جواب الشافعي بحثه، وقد
عدَّى الشافعي بالشّه حكم الخمر إلى سائر المسكرات لا إلى سائر المطعومات. ثم هو: أي النص الوارد في
الخمر. (الكفاية) يعديه إليها: أي جعل الحرمة الثابتة في الخمر معلولة بالمخامرة، فعدى حكمها إلى غيرها
من المسكرات، حتى أوجب الحد بشرب قطرة من الباذق قياساً على الخمر. [الكفاية ٢٨/٩]
ضينهما
لأنه إلخ: أي لأن تعليل الشافعي يخامره العقل خلاف السنة المشهورة، وهي: ما روي عن ابن عباس
موقوفًا عليه، ومرفوعًا: "حرمة الخمر لعينها، والسكر من كل شرب". [البناية ٤٠٣/١١]
لتعدية الاسم: فإنه يثبت اسم الخمر لسائر الأشربة بمعنى المخامرة، ثم يثبت حكم الخمر في سائر الأشربة،
فهذا تعليل لتعدية الاسم، وتعليل لتعدية الأحكام لا الأسماء؛ لأن وضع اللغة ليس بقياس، وأنه
توقيفي. [الكفاية ٢٨/٩] على ما بيناه: أشار به إلى قوله: سّاه رجساً، فكان كالبول والدم المسفوح. (البناية)
= اخرج فأهرقها فخرجت فهرقتها فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في
بطونهم، فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ حُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. [رقم: ٢٤٦٤، باب
صب الخمر في الطريق]

٢٨٩
كتاب الأشربة
والسادس: سقوط تقوُّمها في حق المسلم حتى لا يضمن متلفُها وغاصبُها، ولا يجوز
بيعُها؛ لأن الله تعالى لما نجسها فقد أهانها، والتقوَّم يُشْعر بعزّها، وقال عِيَّة: "إن
الذي حرَّم شُرْبَهَا حرَّمَ بَيْعَهَا وأُكْلَ ثَمَنِها"،" واختلفوا في سقوط ماليتها، والأصح:
الخمر
أنه مالٍ؛ لأن الطِّباع تميل إليها وتضنُّ بها، ومن كان له على مسلم دَيْنٌ، فأوفاه ثمن
خمر لا يحلّ له أن يأخذه، ولا لمديون أن يؤديه؛ لأنه ثمنُ بيعٍ باطلٍ، وهو غصب في
يده، أو أمانة على حسب ما اختلفوا فيه كما في بيع الميتة، ولو كان الديْنُ على
فإنه باطل
ذميٌّ، فإنه يؤدّيه من ثمن الخمر، والمسلمُ الطالب يستوفيه؛ لأن بيعها فيما بينهم
جائز. والسابع: حرمة الانتفاع بها؛ لأن الانتفاع بالنَّحِسِ حرام، ولأنه واجب
أهل الذمة
الاجتناب، وفي الانتفاع به اقتراب. والثامن: أن يُحَدَّ شَارِبُهَا وإن لم يَسْكَر منها؛
لقوله عليه: "من شرب الخمر فاجلدوه،
لا يضمن متلفها: بالإجماع، قالوا: عدم الضمان في إتلافها لا يدل على إباحة إتلافها. [البناية ٤٠٧/١١]
والتقوم إلخ: معنى قولنا: إن الشيء متقوم: أنه مما يجب إيفاؤه إما بعينه، أو بماليته، وهي القيمة القائمة
مقامه، فيكون ذلك إشعاراً بعزته. [الكفاية ٢٨/٩-٢٩] وهو غصب: أي هذا الثمن غصب في يده،
وعلى قول أبي سعيد البردعي؛ لأنه أخذه بغير إذن الشرع، وأمنتهم على مذهب الطواويسي؛ لأنه أخذه
برضا صاحبه. [البناية ٤٠٨/١١-٤٠٩] اختلفوا فيه: أي في ثمن البيع الباطل على ما ذكرناه. (البناية)
الانتفاع بها: يريد به التداوي بالاحتقان، وسقي الدواب والإقطار في الإحليل. [العناية ٢٩/٩]
تقدم في المسائل المنثورة من البيوع. [نصب الراية ٢٩٩/٤] أخرجه مسلم في "صحيحه" قال ابن عباس
إن رجلاً أهدى لرسول الله فراوية خمر، فقال له رسول الله : "هل علمت أن الله تعالى قد حرمها"؟
قال: لا، فسارٌ إنساناً، فقال له رسول الله ثُ: "لم ساررته"؟ فقال: أمرته ببيعها، فقال: "إن الذي حرّم
شربها حرم بيعها". [رقم: ١٥٧٩، باب تحريم بيع الخمر]

٢٩٠
كتاب الأشربة
و
فإن عاد فاجلِدَوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه"،* إلا أن حكم القتل
٦
قد انتسخ، فبقي الجلد مشروعاً، وعليه انعقد إجماع الصحابة ، وتقديره
الجلد
ما ذكرناه في الحدود. والتاسع: أن الطّبْخَ لا يؤثر فيها؛ لأنه للمنع من ثبوت
الحرمة لا لرفعها بعد ثبوتها، إلا أنه لا يُحَدُّ فيه ما لم يسكر منه على ما قالوا؛ لأن
المطبوخ
الحرمة
الحدَّ بالقليل في النَّئ خاصة؛ لما ذكرناه، وهذا قد طبخ. والعاشر: جواز تخليلها،
وفيه خلاف الشافعي بحثله، وسنذكره من بعد إن شاء الله تعالى، هذا هو الكلام
في الخمر. وأما العصير: إذا طُبخ حتى يذهب أقلُّ من ثلثيه، وهو المطبوخ أدنى
عصير العنب
طبخة، ویسمی الباذق،
قد انتسخ: أي بقوله عليها: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى معان ثلاث". (الكفاية) وعليه انعقد: أي على
أنها حرام ويحد بشرب قليلها كذا قال الكاكي ... والصواب أن يقال: أي وعلى الجلد انعقد الإجماع من
الصحابة؛ لأن بيان انعقاد الإجماع تحريمها فيما قضي من قريب. [البناية ٤١٢/١١] لا يؤثر فيها: أي في
الخمر بعد أن صار خمراً، يعني أن الخمر إذا طبخت حتى ذهب ثلثاه لا يحل. [البناية ٤١٤/١١]
لا لرفعها: لأن أثر الطبخ في إزالة صفة الإسكار، والخمر حرام وموجب للحد بعينها لا للإسكار. (البناية)
على ما قالوا: قال شيخ الإسلام خواهر زاده: لم يذكر محمد أنه إذا شرب بعد الطبخ ولم يسكر هل يجب
عليه الحد، ثم قال: ويجب أن لا يجب عليه الحد؛ لأنه ليس بخمر لغة، فإن الخمر لغة هو النيئ من ماء العنب،
وهذا ليس بنيئ. (العناية) لما ذكرناه: أي قليله يدعو إلى كثيره. [الكفاية ٢٩/٩] من بعد: يعني في آخر هذا
الباب. (البناية) ويسمى الباذق: الباذق: عصير عنب طبخ أدنى طبخة فصار شديداً. [البناية ٤١٦/١١]
تقدم في الحدود. [نصب الراية ٢٩٩/٤] رواه أبو داود في "سنته" عن أبي هريرة ظه، قال: قال رسول الله ◌ُله.
"إذا سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه". [رقم: ٤٤٨٤،
باب إذا تتابع في شرب الخمر]

٢٩١
کتاب الأشربة
والمنصفُ- وهو ما ذهب نصفه بالطبخ- فكل ذلك حرام عندنا إذا غلى واشتد،
وقذف بالزبد، أو إذ اشتد على الاختلاف. وقال الأوزاعي: إنه مباح، وهو قول
بعض المعتزلة؛ لأنه مشروب طيب، وليس بخمر. ولنا: أنه رقيق مُلِذٌ مُطْرِبٌ، ولهذا
يجتمع عليه الفُسَّاق، فَيُحَرَّم شربُه؛ دفعاً للفساد المتعلق به. وأما نقيع التمر - وهو
السَّكَر، وهو النيئ من ماء التمر أي: الرطب- فهو حرام مكروه. وقال شريك بن
عبد الله: إنه مباح؛ لقوله تعالى: ﴿َّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ امِنَّ علينا به،
الله تعالى
وهو بالمحرم لا يتحقق. ولنا: إجماع الصحابة هي،،" ويدل عليه ما رويناه من قبل،
الامتنان
والمنصف: قال في "غاية البيان": قوله: والمنصف يجوز أن يكون بالنصب وهو الأوجه عطفاً على قوله:
الباذق أي يسمى العصير الذاهب أقل من ثلثيه الباذق، ويسمى المنصف أيضًا. [نتائج الأفكار ٢٩/٩]
الاختلاف: المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه ش في اشتراط القذف بالزبد. [البناية ٤١٦/١١]
أي الرطب: قال جمهور الشراح: وإنما فسر التمر بالرطب؛ لأن المتخذ من التمر اسمه نبيذ التمر لا السكر
وهو حلال على قول أبي حنيفة وأبي يوسف بحثًا على ما سيجيء. [نتائج الأفكار ٣٠/٩]
حرام مكروه: قال عامة الشراح: أردف الحرام بالكراهة إشارة إلى أن حرمته ليست كحرمة الخمر؛ لأن
مستحل الخمر يُكَفر، ومستحل غيرها لا يكفر. [نتائج الأفكار ٣١/٩] منه سكراً: بيان وكشف عن
كيفية الإِسقاء. والسكر: النبيذ: وهو خمر التمر، والرزق الحسن: الدبس والخل والتمر والزبيب وغير
ذلك، والرزق الحسن شرعاً: ما هو حلال، وحكم المعطوف والمعطوف عليه واحد؛ لأن الآية لبيان
الإمتنان، ويجوز أن يجعل السكر رزقاً حسناً كأنه قيل: تتخذون ما هو سكر ورزق حسن. [البناية ٤٢١/١١]
ما رويناه: يعني قوله عليثا: "الخمر من هاتين الشجرتين"، وأشار إلى الكرمة والنخلة. [العناية ٣١/٩]
*روى عبد الرزاق في "مصنفه" أخبرنا الثوري عن منصور عن أبي وائل قال: اشتكى رجل منا بطنه فنعت
له السكر، فقال عبد الله بن مسعود ◌ّه: إن الله لم يكن ليجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم.
[رقم: ١٧٠٩٧، باب التداوي بالخمر]

٢٩٢
كتاب الأشربة
والآيةُ محمولةٌ على الابتداء؛ إذ كانت الأشربةُ مباحةً كلها، وقيل: أراد به التوبيخ،
معناه- والله أعلم -: تتخذون منه سكراً وتَدَعون رزقاً حسناً. وأما نقيع الزبيب-
لا الامتنان
وهو النيئ من ماء الزبيب- فهو حرامٌ إذا اشتد وغلى، ويتأتى فيه خلاف
وقذف بالزبد
الأوزاعي، وقد بينًا المعنى من قبل، إلا أن حرمة هذه الأشربة دون حرمة الخمر
التي لا يُكَفَّرِ مستحِلُّها، ويكفر مستحلُّ الخمر؛ لأن حرمتها اجتهادية، وحرمة
الخمر قطعية، ولا يجب الحدُّ بشربها حتى يسكر، ويجب بشَرْب قطرة من الخمر،
ونجاستُها خفيفة في رواية، وغليظة في أخرى، ونجاسة الخمر غليظة رواية واحدة،
ويجوز بيعُها، ويَضْمَنُ مُتْلِفُها عند أبي حنيفة حفظته، خلافاً لهما فيهما؛ لأنه مالٌ متقوّم
البيع والضمان
لکنه یکره
على الابتداء: لأنها مكية، وحرمة الخمر بالمدينة، وهذا على تقدير أن يكون المراد بالآية الامتنان كما قال
الخصم، وقيل: أراد به التوبيخ، معناه: أنتم لسفاهتكم تتخذون منه سكراً حراماً، وتدعون رزقاً
حسناً. [العناية ٣١/٩] نقيع الزبيب: وقيد بنقيع الزبيب؛ لأنه نبيذ الزبيب، وهو الذي طبخ أدنى طبخة،
يحل شربه إلى السكر عند أبي حنيفة وأبي يوسف وميًا كالثلث العنبي عندهما. (البناية) وغلى: أي غلى
بنفسه لا بالنار. (البناية) بينا المعنى إلخ: أشار به إلى قوله: إنه رقيق ملذٌ، مطرب .. إلخ. [البناية ٤٢٤/١١]
هذه الأشربة: يعني الباذق، والمنصف، ونقيع الزبيب، ونقيع التمر. (البناية) ونجاستها خفيفة إلخ: ففي رواية
الغليظة تمنع ما زاد على الدرهم، وفي رواية الخفيفة لا تمنع إلا الكثير الفاحش. خلافاً لهما: أي خلافاً
لأبي يوسف ومحمد رحمةًا في البيع والإتلاف. [البناية ٤٢٥/١١] لأنه مال متقوم: أقول: فيه نظر، أما أولا؛
فلأنهم صرحوا بأن معنى تقوم المال إباحة الانتفاع به شرعاً، وسيجيء التصريح عن قريب، بأن هذه
الأشربة مما لا ينتفع بها بوجه من الوجوه، فكيف يتصور التقوم فيها، وأما ثانياً؛ فلأن الدلالة القطعية إنما
تعتبر في حق وجوب الاعتقاد دون وجوب العمل، ألا ترى أن خبر الواحد من السنة يوجب العلم
ولا يوجب علم اليقين، بل يوجب غلبة الظن على المذهب الصحيح المختار عند الجمهور كما تقرر في علم
الأصول، وما نحن فيه من العمليات، فينبغي أن يكتفي فيه بمجرد غلبة الظن. [نتائج الأفكار ٣١/٩-٣٢]

٢٩٣
کتاب الأشربة
وما شهدت دلالة قطعية بسقوط تقوُّمها، بخلاف الخمر، غير أن عنده يجب قيمتُها
لا مِثْلَها على ما عُرِفٍ، ولا يُنْتَفَع بها بوجه من الوجوه؛ لأنها محرّة، وعن أبي يوسف بحثه:
كما فى الخمر
أنه يجوز بيعُها إذا كان الذاهب بالطبخ أكثرَ من النصف دون الثلثين. وقال في
"الجامع الصغير": وما سوى ذلك من الأشربة، فلا بأس به، قالوا: هذا الجواب على
هذا العموم، والبيان لا يوجد في غيره، وهو نصّ على أن ما يتخذ من الحنطة
الجامع الصغير
والشعير والعسل والذرة حلال عند أبي حنيفة محدثه، ولا يحدّ شاربُه عنده وإِن سَكَّرَ
منه، ولا يقع طلاقُ السَّكْرَانِ منه بمنزلة النائم، ومن ذهب عقلُه بالبنجِ ولَبَنِ الرِّماك.
بخلاف الخمر: فإنه لا يجوز بيع الخمر ولا يضمن متلفها. يجب قيمتها: أي قيمة هذه الأشربة عند
الإتلاف. (البناية) على ما عرف: أي أن المسلم ممنوع عن التصرف في الحرام، فلا يكون مأموراً بإعطاء
المثل. [الكفاية ٣٢/٩] لأنها محرمة: أقول: في التعليل بحث؛ إذ لا يلزم من حرمة تناول الشيء عدم
الانتفاع به، ألا يرى أن السرقين نجس العين محرم التناول قطعاً مع أنه مما ينتفع به حيث يلقى في الأراضي
لاستكثار الريع، ولهذا يجوز بيعه كما مر في فصل البيع من كتاب الكراهية. [نتائج الأفكار ٣٢/٩]
وعن أبي يوسف بله إلخ: أقول: لا يذهب عليك أن حق هذه الرواية أن تذكر قبل قوله، ولا ينتفع بها
بوجه من الوجوه؛ لأنها من شعب جواز بيع هذه الأشربة، وقوله: ولا ينتفع بها إلى آخره مسألة مستقلة
دخلت في البين كما ترى. [نتائج الأفكار ٣٢/٩] وقال في "الجامع" إلخ: أورد رواية "الجامع الصغير"،
وهي قوله: ما سوى ذلك من الأشربة، أي ما سوى المذكور، وهو الخمر والسكر ونقيع الزبيب والطلاء،
وهو الباذق والمنصف لبيان أن العموم المذكور في "الجامع الصغير" لا يوجد في غيره. [العناية ٣٢/٩]
قالوا: أي قال شرّاح "الجامع الصغير" مثل فخر الإسلام وغيره. (البناية) على هذا العموم: يعني في جميع
الأشربة غير المستثناه. (البناية) ومن ذهب عقله إخ: قال شيخ الإسلام خواهرزاده بحلكه في شرحه: أكل
قليل السقمونيا والبنج مباح للتداوي، وما زاد على ذلك إذا كان يقتل، أو يذهب العقل حرام. (البناية)
ولبن الرِّمالك: أي وبمنزلة من ذهب عقله بلبن الرماك، وهو جمع رمكة، وهي الأنثى من الخيل. [البناية ٤٢٨/١١]

٢٩٤
كتاب الأشربة
وعن محمد بدله: أنه حرام، ويحدُّ شاربُه إذا سكر منه، ويقع طلاِقُه إذا سكر منه
زجراً له
١١
كما في سائر الأشربة المحرّمة. وقال فيه أيضاً: وكان أبو يوسف بحالته يقول: ما كان
الجامع الصغير
من الأشربة يبقى بعد ما يبلغ عشرةَ أيام ولا يَفْسُدْ، فإِنِّي أكرهه، ثم رجع إلى
قول أبي حنيفة بدله، وقوله الأول مثل قول محمد محله: إن كل مسكر حرام، إلا أنه
تفرَّد بهذا الشرط، ومعنى قوله: "يبلغ" يغلي ويشتدّ، ومعنى قوله: "ولا يفسد"
لا يحمض، ووجهه: أن بقاه هذه المدة من غير أن يحمض دلالة قوته وشدّته، فكان آية
عشرة أيام
حرمته، ومثل ذلك مروي عن ابن عباس نجمها،* وأبو حنيفة حالته يعتبر حقيقة الشدّة
على الحدِّ الذي ذكرناه فيما يُحَرَّم أصلُ شربه، وفيما يحرَّم السكر منه على
ما نذكره إن شاء الله تعالى، وأبو يوسف بدله رجع إلى قول أبي حنيفة محله،
أنه حرام: أي ما سوى ذلك من الأنبذة كالمتخذ من الحنطة والشعير وأمثاله، ويحد شاربه. (الكفاية)
إلا أنه تفرد إلخ: فالحاصل: أن أبا يوسف بسطله كان يقول أولاً مثل قول محمد مسله: إن كل مسكرٍ
حرام، لكنه وحده شرط أن لا يفسد بعد ما يبلغ عشرة أيام، فهاتان مسألتان: إحداهما: أن كل مسكر
حرام عند محمد وأبي يوسف عما أولاً، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة بحثه، والثانية: أن الأشربة نحو السكر،
ونقيع الزبيب إذا غلى واشتدّ حرام عندهما، وعند أبي يوسف له كذلك، ولكن بشرط أن يبقى بعد
عشرة أيام، ولا يفسد أي لا يحمض، ثم رجع إلى قولهما. [الكفاية ٣٢/٩]
الذي ذكرناه: وهو الغليان والشدة والقذف بالزبد فيما يحرم أصل شربه، وهو الخمر، وفيما يحرم السكر
منه، وهو نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ كل واحد منهما أدنى طبخة، يعني كما أن الخمر لا يثبت الأوان
يثبت على هذا الحد من الغليان والاشتداد، والقذف بالزبد، كذلك لا يثبت كون السكر من هذين
الشرايين حراماً، إلا بثبوت هذا الحد فيهما، وهو الغليان والاشتداد، والقذف بالزبد. [الكفاية ٣٣/٩]
*غريب، وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" حدثنا وكيع عن علي بن مالك عن الضحاك عن ابن عباس
قال: النبيذ الذي بلغ فسد، وأما ما ازداد على طول الترك جودة، فلا خير فيه. [نصب الراية ٢٩٩/٤]

٢٩٥
کتاب الأشربة
فلم يحرِّمُ كلَّ مسكِر، ورجع عن هذا الشرط أيضاً. وقال في "المختصر": ونبيذ
مختصر القدوري
الَّمر والزَّبيب إذ طُبخ كل واحد منهما أدنى طبخة حلالٌ، وإن اشتدّ إذا شرب
وغلی وقذف بالزبد
منه ما يغلب على ظنه أنه لا يُسْكره من غير لهو ولا طرب، وهذا عند أبي حنيفة
وأبي يوسف لحمًا، وعند محمد والشافعي يحملًا حرام، والكلام فيه كالكلام في المثلث
العني، ونذكره إن شاء الله تعالى. قال: ولا بأس بالخليطيْن؛ لما روي عن ابن زياد أنه
قليله أو كثيره
القدوري
قال: سقائي ابن عمر طُما شربة ما كدت أهتدي إلى منزلي، فغدوت إليه من الغد،
فأخبرته بذلك، فقال: ما زدناك على عجوة وزبيب، * وهذا نوع من الخليطين، وكان
مطبوخا؛ لأن المروي عنه حرمة نقيع الزبيب، وهو النّئ منه، وما روي: أنه عليَّ نهى
عن الجمع بين التمر والزبيب، والزبيب والرُّطَب، والرطب والبُسْر **
ولا بأس بالخليطين: وهو أن يجمع بين ماء التمر وماء الزبيب، ويطبخ أدنى طبخة، ويترك إلى أن يغلي ويشتد
كذا في "الأوضح".(الكفاية) سقائي ابن عمر إلخ: وابن عمر كان معروفاً بالزهد والفقه بين الصحابة، فلا يظن
به أنه كان يسقي غيره ما لا يشربه، أو يشربه ما كان حراماً، وهذا يفيد أن المتخذ من العجوة والزبيب حلال
وإن اشتد، وصار مسكراً؛ لأن الذي سقاه كان مسكرًا، ألا ترى إلى قوله: ما كدت أهتدي إلى أهلي وكان
مطبوخاً؛ لأن المروي عنه حرمة نقيع الزبيب وهو النِّئ منه. [الكفاية ٣٣/٩] عجوة: نوع من أجود التمر.
*رواه محمد بن الحسن في "كتاب الآثار" أخبرنا أبو حنيفة بالت عن سليمان الشيباني عن ابن زيادة أنه أفطر عند
عبد الله بن عمر ◌ُها، فسقاه شراباً، فكأنه أخذ منه، فلما أصبح غدا إليه، فقال له: ما هذا الشراب ماكدت
أهتدي إلى منزلي، فقال ابن عمر ◌ُما: ما زدناك على عجوة وزبيب. [رقم: ٨٢٩، باب الأشربة والأنبذة]
** أخرج البخاري ومسلم، وباقي الستة عن عطاء بن أبي رباح. [نصب الراية ٣٠٠/٤] أخرجه البخاري في
"صحيحه" عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﴿ عن رسول ﴿ أنه نهى أن يُنبذ التمر والزبيب جميعاً، ونهى
أن ينبذ الرطب والبسر جميعاً. [رقم: ٥٦٠١، باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكراً]

٢٩٦
کتاب الأشربة
ءُ
محمول على حالة الشدّة، وكان ذلك في الابتداء. قال: ونبيذ العسل والتين ونبيذ
القدوري
الحنطة والذرة والشعير حلال وإن لم يطبخ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف لحـ
وإن اشتد وغلی
إذا كان من غير لهو وطرب؛ لقوله عليه: "الخمر من هاتين الشجرتين"، وأشار إلى
ء
الكرمة والنخلة، خصّ التحريم بهما، والمراد بيان الحكم، ثم قيل: يشترط الطبخ فيه؛
لإباحته، وقيل: لا يشترط، وهو المذکور في الكتاب؛ لأنّ قلیله لا يدعو إلى كثيره
القدوري
كيف ما كان، وهل يجد في المُتّخَذ من الحبوبِ إذا سكر منه؟
عند الشیخین
على حالة الشدة: أي على المعسرة والقحط حيث كره للأغنياء الجمع بين النعمتين، بل المستحب أن
يأكل أحدهما ويؤثر بالآخر على جاره، حتى لا يشبع هو وجاره جائع، وما روينا من الإباحة محمول على
حالة السعة بين الناس، حيث أباح الجمع بين النعمتين، هكذا روي عن إبراهيم النخعي له كذا في
"مبسوط شيخ الإسلام". [الكفاية ٣٣/٩-٣٤] في الابتداء: يعني أن النهي عن الجمع بين التمر والزبيب
كان في الابتداء في وقت كان بين المسلمين ضيق وشدة في أمر الطعام. [العناية ٣٣/٩]
بيان الحكم: وهو حرمة ما يتخذ من ثمرها، فيكون ما وراءهما مباحاً بالنصوص العامة. [الكفاية ٣٤/٩]
الطبخ فيه: أي في نبيذ كل واحد من الأشياء المذكورة. (البناية) لأن قليله إلخ: أقول: هذا التعليل منظور
فيه؛ لأن مجرد أن لا يدعو قليله إلى كثيره لا يقتضي أن لا يشترط الطبخ فيه لإباحته، ألا ترى أن نبيذ التمر
والزبيب مما يشترط الطبخ فيه لإباحته بلا اختلاف مع أن قليل ذلك أيضاً لا يدعو إلى كثيره كيفما كان،
فإن دعاء القليل إلى الكثير من خواص الخمر كما صرح به فيما مر، واظهر في التعليل ههنا ما ذكر في
"غاية البيان" حيث قال فيها: وفي رواية: لا يشترط؛ لأن حال هذه الأشربة دون نقيع التمر والزبيب، فإن
نقيع التمر والزبيب اتخذ مما هو أصل للخمر شرعاً، فإن أصل الخمر شرعاً: التمر والعنب على ما قال مآ:
صلاته
"الخمر من هاتين الشجرتين"، وقد شرط أدنى طبخة في نقيع الزبيب والتمر، فيجب أن لا يشترط أدنى طبخة
في هذه الأشربة؛ ليظهر نقصان هذه الأشربة عن نقيع التمر والزبيب. انتهى. [نتائج الأفكار ٣٤/٩]
كيف ما كان: يعني مطبوخاً كان أو غير مطبوخ. [البناية ٤٣٦/١١]
*تقدم في أول كتاب الأشربة.

٢٩٧
كتاب الأشربة
قيل: لا يجدّ، وقد ذكرنا الوجه من قبل. قالوا: والأصح أنه يحدّ، فإنه روي عن
عند الشیخین
محمد رحْه فيمن سكر من الأشربة أنه يحدّ من غير تفصيل؛ وهذا لأن الفسّاق
١
ـد
لحـ
يجتمعون عليه في زماننا اجتماعَهم على سائر الأشربة، بل فوق ذلك، وكذلك
المتخذُ من الألبان إذا اشتدّ، فهو على هذا، وقيل: إن المتخذ من لبن الرِّماك لا يحل
عند أبي حنيفة بسطله؛ اعتباراً بلحمه؛ إذ هو متولد منه، قالوا: والأصحّ أنه يحلّ؛ لأن
اللحم المشايخ
كراهة لحمه لما في إباحته من قطع مادة الجهاد أو لاحترامه، فلا يتعدى إلى لبنه.
قال: وعصير العنب إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه: حلال وإن اشتد، وهذا
وغلی
القدوري
عند أبي حنيفة وأبي يوسف بحثًا، وقال محمد ومالك والشافعي هلك: حرام، وهذا
قلیله و کثیره
الخلاف فيما إذا قصد به التقوّي، أما إذا قصد به التلهِّي فلا يحل بالاتفاق، وعن
محمد له مثل قولهما، وعنه: أنه كره ذلك، وعنه: أنه توقّف فيه،
قيل لايحد: وهو قول الفقيه أبي جعفر؛ لأنه متخذ مما ليس بأصل الخمر، فكان بمنزلة البنج ولبن الرماك،
والسكر منهما حرام، فلا يحد، فكذا هنا. [البناية ٤٣٦/١١] وقد ذكرنا الوجه: إشارة إلى ما ذكر أن
السكران منه بمنزلة النائم، ومن ذهب عقله بالبنج ولبن الرماك؛ وهذا لأن النص ورد بالحد في الخمر،
وهذا ليس في معناه، فلو وجب الحد فيه لكان بطريق القياس، وذا لا يجوز. [الكفاية ٣٤/٩-٣٥]
روي عن محمد إلخ: هذا لا يناسب، فإن الكلام على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف بحمثا، والمذكور سابقاً
قولهما، فالتفريع على قولهما. وأما محمد بدله: فيخالفهما في أصل المسألة حيث لا يقول بحل المتخذ من الحبوب
إذا اشتدّ وغلى، فيجوز أن يقول بالحد إذا سكر منه، وأما هما فيقولان: يحل ذلك، فيكون المروي عن محمد مسحثه
حجة في حقهما، ولذا ترك صاحب "الكافي" هذا التعليل، واكتفى بما ذكره المصنف فيما بعد بقوله: وهذا لأن
الفساق إلخ. فهو على هذا: أي على اختلاف الروايتين: قيل يحد، وقيل: لا يحد. (البناية) أنه توقف إلخ: أي
روي عن محمد أنه يوقف في حكم المثلث العنبي، وقال: لا أحرمه ولا أبيحه؛ لتعارض الآثار. [البناية ٤٣٨/١١]

٢٩٨
کتاب الأشربة
لهم في إثبات الحرمة قوله عليها: "كل مسكر خمر"،* وقوله عليها: "ما أسكر كثيره فقليله
حرامٌ) ** ويروى عنه عليها: "ما أسكر الحرّةُ منه فالحُرْعةُ منه حرامٌ"، *** ولأن المسكر
يفسد العقل، فيكون حرامًا قليله وكثيره كالخمر. ولهما: قوله عليها: "حرِّمت الخمر
العَيْنِهَا "، **** ويروى: "بعينها قليلُها وكثيرُها، والسَّكَرُ من كل شراب" خصّ السكر
خص السكر إلخ: تقريره: أنه ﴿﴿® أطلق الحرمة في الخمر حيث قال: حرّمت الخمر لعينها، فاقتضى أن
يكون قليلها وكثيرها حراماً، بخلاف غيرها من الأشربة، فإنه خص بالتحريم فيها حيث قال: والسُّكر من
كل شرابٍ بواو العطف، ولا شكّ أن المعطوف غير المعطوف عليه، فيكون ما نحن فيه من الشراب غير
الخمر لا يكون حراماً إلا بالسكر. [البناية ٤٤١/١١]
*تقدم في أول "كتاب الأشربة".
** روي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومن حديث جابر، ومن حديث سعد بن
أبي وقاص، ومن حديث علي، ومن حديث عائشة، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث خوّات بن جبير،
ومن حديث زيد بن ثابت ه. [نصب الراية ٣٠١/٤] أخرجه النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
عن النبي ◌ُّ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام". [رقم: ٥٦٠٧، باب تحريم كل شراب أسكر كثيره]
*** هذه رواية غريبة، ولكن معناها في حديث عائشة فيها: "ما أسكر الفرق فملؤ الكف منه حرام"
أخرجه أبو داود والترمذي، وقد تقدم. [نصب الراية ٣٠٥/٤] أخرج أبو داود في "سنته" عن عائشة ثما
قالت: سمعت رسول ◌ّ يقول: "كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملؤ الكف منه حرام". [رقم:
٣٦٨٧، باب النهي عن المسكر]
**** " رواه العقيلي في "كتاب الضعفاء" في ترجمة محمد بن الفرات حدثنا عمرو بن أحمد بن عمرو بن
السرح ثنا يوسف بن عدي ثنا محمد بن الفرات الكوفي عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث عن علي،
قال: طاف النبي ◌ُّ بين الصفا والمروة أسبوعاً، ثم استند إلى حائط من حيطان مكة، فقال: هل من شربة؟
فأتى بقعب من نبيذ، فذاق فقطب ورده، فقام إليه رجل من آل حاطب، فقال: يا رسول الله هذا شراب
أهل مكة، قال: "فصب عليه الماء"، ثم شرب ثم قال: "حرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب".
وأعله بمحمد بن الفرات. [رقم: ١٦٨١] [نصب الراية ٣٠٦/٤] تقدم الكلام عليه في هذا الباب أنه روي
عن ابن عباس كلّها مرفوعاً، والوقف أصح. [البناية ٤٤١/١١]

٢٩٩
کتاب الأشربة
بالتحريم في غير الخمر؛ إذ العطف للمغايرة، ولأن المفسد هو القَدَحُ المسكِر،
وهو حرام عندنا، وإنما يُحَرَّم القليلُ منه؛ لأنه يدعو لرقته ولطافته إلى الكثير، فَأَعْطِي
المزيل للعقل
القدح المسكر
الكثير"
الخمر
حكمه، والمثلث لغلظة لا يدعو، وهو في نفسه غذاء، فبقي على الإِباحة. والحديث
إلی الکثیر
الأول* غير ثابت على ما بيّناه، ثم هو محمول على القدح الأخير؛ إذ هو المسكر
القلیل
حقيقةً، والذي يُصَبُّ عليه الماء بعد ما ذهب ثلثاه بالطبخ حتى يرقّ،
وإنما يحرم: جواب سؤال، يمكن تقريره على هذا الوجه، وهو أن يقال: لما كان المفسد هو دون ما تقدم
وجب أن يكون في الخمر كذلك. (العناية) لأنه يدعو إلخ: أقول: فيه كلام وهو: أن هذا التقرير يقتضي
كون حرمة الخمر معللة، وقد صرح فيما أمر بأن الخمر عينه حرام غير معلول عندنا بشيء؛ لأن تعليله
خلاف السنة المشهورة، وهي: قوله وثّ: "حرمت الخمر لعينها، والسكر من كل شراب"، فكان الذي
ينبغي ههنا أن يقال: وإنما يحرم القليل من الخمر؛ لورود النص فيه، وهو قوله عليه: "حرمت الخمر لعينها"
الحديث. [نتائج الأفكار ٣٧/٩] والحديث الأول: يعني قوله: "كل مسكر خمر". [العناية ٣٧/٩]
غير ثابت: قال بعض الفضلاء: وكان على المصنف أن يتعرض للحديثين الآخرين الذين رواهما ولم يفعل
كأنه اكتفى بمعارضة ما رواه لهما. [نتائج الأفكار ٣٧/٩] ما بيناه: من طعن يحيى بن معين. (العناية)
هو محمول: هذا جواب بطريق التسليم، يعني سلمنا أن هذا الحديث صحيح. [البناية ٤٤٦/١١]
والذي يصب إلخ: لم يذكر اسمه لاختلاف وقع فيه، فإن منهم من سماه يوسفيًا ويعقوبيًّا؛ لأن أبا يوسف محافظته
كثيراً ما كان يستعمل هذا. [العناية ٣٧/١١]
*أخرج الدار قطني في "سننه" عن عمار بن مطر ثنا جرير بن عبد الحميد عن الحجاج عن حماد عن
إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبي رّ قال: "كل مسكر حرام"، قال عبد الله: هي الشربة التي
أسكرتك، ثم أخرجه عن عمار بن مطر ثنا شريك عن أبي حمزة عن إبراهيم قوله: "كل مسكر حرام"
قال: هي الشربة التي أسكرتك، قال: وهذا أصح من الأول ولم يسنده غير الحجاج، واختلف عنه،
وعمار بن مطر ضعيف، وحجاج ضعيف، وإنما هو من قول إبراهيم النخعي، ثم أسند عن ابن المبارك أنه
ذكر له حديث ابن مسعود : وكل مسكر حرام هي الشربة التي أسكرتك، فقال: حديث باطل.
[رقم: ٤٥٨٦ و ٤٥٨٧ و٤٥٨٨، كتاب الأشربة] [نصب الراية ٣٠٥/٤-٣٠٦]