Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨٠
باب العُشْر والخراج
يوضع عليها بحسب الطاقة؛ لأنه ليس فيه توظيف عمر ظه، وقد اعتبر الطاقة في ذلك،
فنعتبرها فيما لا توظيف فيه. قالوا: ونهاية الطاقة أن يبلغ الواجبُ نصف الخارج لا يزاد
في التوظيف
عليه؛ لأن التصيفَ عين الإنصاف؛ لما كان لنا أن نقسم الكلّ بين الغانمين. والبستانُ:
مشايخنا
كل أرض يحوطها حائط، وفيها نخيل متفرقة، وأشجار أُخَرَ، وفي ديارنا وظفوا من
الدراهم في الأراضي كلها وترك كذلك؛ لأن التقديرَ يجب أن يكون بقدر الطاقة من
تُطِقْ ما وُضعَ عليها: نقصهم الإِمام، والنقصان عند قلة
أي شيء کان. قال: فإِن.
القدوري
الريع جائز بالإجماع، ألا ترى إلى قول عمررضيه: لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق؟
بحسب الطاقة: ينظر في ذلك كله إلى غلتها، فإن لم تبلغ سوى غلة الزرع يؤخذ قدر خراج غلة الزرع، أو الرطبة
يؤخذ خراج الرطبة، أو الكرم. [فتح القدير ٢٨٣/٥] لا يزاد عليه: قال فخر الإسلام البزدوي: ألا ترى
أنه قال في "كتاب العشر والخراج" و"السير الكبير": في أرض لم يخرج من الغلة إلا قدر قفيزين ودرهمين،
وهي جريب أن خراجها قفيز ودرهم؛ وهذا لأنا لما ظفرنا بهم وسعنا أن نسترقهم ونقسم أموالهم، فإذا مننا
عليهم، وقاطعناهم على نصف الخراج، كان التنصيف هو الإنصاف بعينه. [البناية ٣٠٥/٩-٣٠٦]
يحوطها حائط: أي يكون حواليها حيطان. (البناية) وفي ديارنا: ديار صاحب"الهداية" فرغانة، ويقال له: الفرغاني
والمرغيناني أيضاً، وفرغانة بفتح الفاء وسكون الراء، وراء جيحون وسيحون، ومرغينان من بلاد فرغانة. (البناية)
بقدر الطاقة: أي من أي جنس كان. فإن لم تطق: أي الأرض وعدم الإطاقة عبارة عن قلة الريع. [البناية ٣٠٦/٩]
بأن لم يبلغ الخارج منها ضعفه نقص إلى نصف الخارج، كذا أفاده في "الخلاصة"، حيث قال: فإن كانت
الأراضي لا تطيق أن يكون الخراج خمسة بأن كان الخارج لا يبلغ عشرة يجوز أن ينقص حتى يصير نصف
الخارج. انتهى. وفي هذا لا فرق بين الأرضين التي وظف عليها عمرهُه ثم نقص نزلها وضعفت الآن أو غيرها،
وأجمعوا على أنه لا تجوز الزيادة على وظيفة عمر في الأراضي التي وظف فيها عمر ظله، أو إمام آخر مثل
وظيفة، ذكره في "الكافي". وأما في بلد أراد الإمام أن يبتدئ فيها التوظيف، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف بعدها:
لا يزيد، وقال محمد بدله: وهو قول مالك وأحمدها، ورواية عن أبي يوسف، وقول الشافعي بحثه له ذلك.
الريع: والريع النماء والزيادة، وأراد به هنا الغلة. (البناية) لعلكما: خطاب لحذيفة وابن حنيف.

٢٨١
باب العُشْر والخراج
فقالا: لا، بل حملناها ما تطيق، ولو زدناها لأطاقت، * وهذا يدل على جواز النقصان.
وأما الزيادة عند زيادة الربع: يجوز عند محمد مح له؛ اعتباراً بالنقصان، وعند أبي يوسف بحثه:
لا يجوز؛ لأن عمر ه لم يَزِدْ حين أُخْبِرَ بزيادة الطاقة. وإن غَبَ على أرض الخراج
الماُ، أو انقطع الماءُ عنها، أو اصطلم الزرعَ آفة: فلا خراج عليه، لأنه فات التمكنُ من
الزراعة، وهو النماء التقديري المعتبر في الخراج، وفيما إذا اصطلم الزرع آفة فات النماء
التقديري في بعض الحول، وكونه نامياً في جميع الحول شرط، كما في مال الزكاة،
وهذا: أي قولهما: لو زدناها لأطاقت. (البناية) وإن غلب: فلم يخرج الأرض شيئًا بسبب غلبة الماء، أو انقطاعه.
أو اصطلم: أي استأصله، الاصطلام الاستئصال وهو القلع. (البناية) آفة: حر شديد أو برد شديد. (العناية)
فلا خراج عليه: قال الكاكي: قال مشايخنا له: ما ذكر في الكتاب: بأن الخراج يسقط بالاصطلام
محمول على ما إذا لم يبق من السنة مقدار ما يمكن أن تزرع الأرض ثانياً، أما إذا بقي فلا يسقط الخراج،
ذكره في "شرح الطحاوي". [البناية ٣٠٩/٩] فات التمكن: وهذا بخلاف الأجر، فإنه يجب بقدر ما كانت
الأرض مشغولة بالزرع؛ لأن الأجر عوض المنفعة، فبقدر ما استوفى من المنفعة يصير الأجر ديناً في ذمته يجب،
فأما الخراج فصلة واجبة بقدر ريع الأرض، فلا يمكن إيجابه بعد ما اصطلم الزرع آفة. [الكفاية ٢٨٤/٥]
النماء التقديري: احتراز عن العشر، فإن المعتبر فيه النماء الحقيقي، فلو تمكن على الزراعة، ولم يزرع لا يجب
العشر، ويجب الخراج. كما في مال الزكاة: فإن من اشترى جارية للتجارة، فمضى عليها ستة أشهر، ثم نواها
للخدمة سقطت الزكاة؛ لأنها لم تبق نامية في جميع الحول. (العناية)
* أخرجه البخاري في "صحيحه" في كتاب فضائل الصحابة في باب البيعة لعثمان عن عمرو بن ميمون،
قال: رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يصاب بأيام، بالمدينة وقف على حذيفة و عثمان بن حنيف قال:
كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا حملتما الأرض مالا تطيق، قالا: حملناها أمراً هي له مطبقة ما فيها كبير
فضل، قال: أنظرا أن تكونا حملتماها مالا تطيق، قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل
العراق لا يحتجن إلى أحد بعدي قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب- الحدیث بطوله وهو حديث
مقتل عمر بن الخطاب وبيعة عثمان. [رقم: ٣٧٠٠، باب قصة البيعة]

٢٨٢
باب العُشْر والخراج
أو يدار الحكم على الحقيقة عند خروج الخارج. قال: وإن عطلها صاحبُها: فعليه الخراج؛
لأن التمكنَ كان ثابتاً، وهو الذي فوته. قالوا: من انتقل إلى أخسِّ الأمرين من غير عذر،
فعليه الخراج الأعلى؛ لأنه هو الذي ضيّع الزيادةَ، وهذا يعرف ولا يفتى به كيلا يتجرأ
الظلمةُ على أخذ أموال الناس. ومن أسلم من أهل الخراج: أُخِذَ منه الخراج على حاله؛ لأن
فيه معنى المؤنة، فيعتبر مؤنة في حالة البقاء، فأمكن إبقاؤه على المسلم. ويجوز أن يشتري
المسلمُ أرضَ الخراج من الذمي، ويؤخذ منه الخراجُ؛ لما قلنا، وقد صح أن الصحابة مصَّهم،
اشتروا أراضي الخراج، وكانوا يؤدون خراجها،* فدلَّ على جواز الشراء وأخذ الخراج،
أو يدار الحكم إلخ: يعني أن النماء التقديري كان قائماً مقام الحقيقي، فلما وجد الحقيقي تعلق الحكم به؛
لكونه الأصل، وقد هلك فيهلك معه الخراج. [العناية ٢٨٤/٥] وهو الذي فوته: قال التمرتاشي بدله:
هذا إذا كانت الأرض صالحة للزراعة، والمالك متمكن من الزراعة فلم يزرعها، أما إذا عجز المالك عن
الزراعة؛ لعدم قوته وأسبابه، فللإمام أن يدفعها إلى غيره مزارعة، ويأخذ الخراج من نصيب المالك ويمسك
الباقي للمالك، وإن شاء آجرها، وأخذ الخراج من الأجرة وإن شاء زرعها لمنفعة بيت المال، فإن لم يتمكن
من ذلك، ولم يوجد من يقبل ذلك باعها، وأخذ من ثمنها الخراج، وهذا بلا خلاف. [البناية ٣١٠/٩]
قالوا: أي مشايخنا شر في شروح " الجامع الصغير". (البناية) أخسّ الأمرين: كمن له أرض الزعفران
فتركها وزرع الحبوب. (البناية) الخراج الأعلى: وهو خراج الزعفران. (البناية) ضيع الزيادة: وكان التقصير
منه. [البناية ٣١٠/٩] على حاله: كما كان فيه حالة الكفر. فأمكن إبقاؤه: لأن البقاء أسهل من
الابتداء؛ لأن إبقاء ما تقرر واجباً أولى؛ لأنا إن أسقطنا ذلك احتجنا إلى إيجاب العشر، بخلاف خراج
الرأس؛ لأنا لو أسقطنا ذلك عنه بعد إسلامه لا نحتاج إلى إيجاب مؤنة أخرى. [البناية ٣١٩/٩]
لما قلنا: هو قوله: لأن فيه معنى المؤنة، والمسلم من أهل التزام المؤنة. (البناية)
*قال البيهقي في"كتاب المعرفة": قال أبويوسف: القول ما قاله أبو حنيفة أنه كان لابن مسعود وخباب بن الأرت
ولحسين بن علي، ولشريح أرض الخراج حدثنا محالد بن سعيد عن عامر عن عتبة بن فرقد السلمي أنه قال لعمر
بن الخطاب: إني اشتريت أرضاً من أرض السواد، فقال عمر: أنت فيها مثل صاحبها. [نصب الراية ٤٤١/٣]

٢٨٣
باب العُشْر والخراج
وأدائه للمسلم من غير كراهة، ولا عشر في الخارج من أرض الخراج. وقال الشافعي بداله:
يجمع بينهما؛ لأنهما حقّان مختلفان وجبا في محلين بسببين مختلفين فلا يتنافيان. ولنا:
قوله عليها: "لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم"،* ولأن أحداً من أئمة العدل
والجور لم يجمع بينهما، وكفى بإجماعهم حجة، ولأن الخراج يجب في أرض فُتِحَتْ
عنوةً وقهراً، والعشر في أرض أسلم أهلها طوعاً، والوصفان لا يجتمعان في أرض
وهما الطوع والقهر
برضا أنفسهم
واحدة، وسبب الحقين واحد، وهو الأرض النامية، إلا أنه يعتبر في العشر تحقيقا، وفي
الخراج تقديراً، ولهذا يضافان إلى الأرض، وعلى هذا الخلاف الزكاة مع أحدهما.
العشر والخراج
غير كراهة: احترز به عن قول المنقشفة، فإنهم يكرهونه. [البناية ٣٢٠/٩] ولا عشر: بل فيه الخراج فقط.
يجمع بينهما: أي بين العشر والخراج. (البناية) مختلفان: يعني من حيث الذات، فإن العشر مؤنة فيها معنى العبادة،
والخراج مؤنة فيها معنى العقوبة. (البناية) وجبا في محلين: فإن الخراج في الذمة، والعشر في الخارج. (البناية)
بسببين مختلفين: فإن سبب العشر الأرض النامية بحقيقة الخارج، وسبب الخراج الأرض النامية
بالتمكن. [البناية ٣٢٠/٩] وكفى بإجماعهم إلخ: فقد منع بنقل ابن المنذر الجمع في الأخذ عن عمر بن
عبد العزيز. [فتح القدير ٢٨٧/٥] وسبب الحقين إلخ: جواب عن قول الخصم بسببين مختلفين.
ولهذا: أي ولأجل أن السبب هو الأرض النامية. (البناية) إلى الأرض: فيقال: عشر الأرض وخراج
الأرض. (البناية) هذا الخلاف: أي المذكور بيننا وبين الشافعي. [البناية ٣٢٢/٩]
الزكاة مع أحدهما حتى لو اشترى أرض عشر أو خراج للتجارة، ففيها العشر أو الخراج دون زكاة التجارة
عندنا؛ لأن الواجب حق الله تعالى، متغلق بالأرض كالزكاة، ثم العشر والخراج صار وظيفة لهذه الأرض،
فلا يسقط مع أنه أسبق ثبوتاً من زكاة التجارة. [الكفاية ٢٨٧/٥-٢٨٨]
* رواه ابن عدي في الكامل عن يحيى بن عنبسة ثنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله
ابن مسعود قال: قال رسول الله تُله: لا يجتمع على مسلم، خراج وعشر. قال ابن عدي: يحيى بن عنبسة منكر
الحديث. [٢٧١٠/٧] [نصب الراية ٤٤٢/٣] وقع في مسند أبي حنيفة بال مثل ما رواه ابن عدي، ولكن
ابن عدي وآخرون تكلموا فيه بسبب يحيى بن عنبسة، ولما علمنا من يحيى بن عنبسة؛ لأن أصحابنا رووا هذا في
كتبهم، وهم ثقات على أن ابن شاهين رواه عن يحيى بن عسى عن أبي حنيفة بحثه. [البناية ٦٥٩/٦]

٢٨٤
باب العُشْر والخراج
لم يوظفه مكرراً،*
ولا يتكرر الخراجُ بتكرر الخارج في سنة؛ لأن عمر هجته
بخلاف العشر؛ لأنه لا يتحقق عشراً إلا بوجوبه في كل خارج.
بخلاف العشر إلخ: فالخراج له شدة من حيث تعلقه بالتمكن، وله خفة باعتبار عدم تكرره في السنة،
ولو زرع فيها مراراً، والعشر له شدة، وهو تكرره بتكرر خروج الخارج، وخفة بتعلقه بعين الخارج، فإذا
عطلها لا يؤخذ شيء. [فتح القدير ٢٨٨/٥] إلا بوجوبه: فيتكرر بتكرار الخارج. (البناية)
* تقدم ما يدل عليه في حديث وضع الخراج على السواد. [نصب الراية ٤٤٤/٣] روى ابن أبي شيبة في "مصنفه"
عن زياد بن حدير قال: استعملني عمر على المارة فكنت أعشر من أقبل وأدبر، فخرج إليه رجل، فأعلمه، فكتب
إلي أن لا تعشر إلا مرة واحدة يعني في السنة. [١٩٩/٣، باب من كان لا يرى العشور في السنة إلا مرة]

٢٨٥
باب الجزية
باب الجزية
وهي على ضَرْبَيْن: جزية توضع بالتراضي والصلح، فتتقدر بحسب ما يقع عليه
الاتفاق كما صالح رسول الله عليها أهلَ نَجْرَانَ على ألف ومائتيّ حُلّةٍ * ولأن
الموجبَ هو التراضي، فلا يجوز التعدي إلى غير ما وقع عليه الاتفاق. وجزية يبتدئ
الإِمامُ وضعها إذا غلب الإِمامُ على الكفار، وأقرَّهم على أملاكهم، فيضع على الغنيِّ
ظاهر الغنى في كل سنة ثمانيةً وأربعين درهماً، يأخذ منهم في كل شهر أربعةً دراهم،
باب الجزية: لما فرغ من ذكر خراج الأراضي، ذكر في هذا الباب خراج الرؤس، وهو الجزية إلا أنه قدم
الأول؛ لأن العشر يشاركه في سببه، وفي العشر معنى القربة، وبيان القربات مقدم، والجزية اسم لما يؤخذ
من أهل الذمة، والجمع الجزى كاللحية واللحى، وإنما سميت بها؛ لأنها تجزئ عن الذمي أي تقضي وتكفي
عن القتل، فإنه إذا قبلها سقط عنه القتل. [العناية ٢٨٨/٥] أهل نجران: بفتح النون وسكون الجيم بلاد
من اليمن، وأهلها نصارى، والحلة بضم الحاء المهملة وتشديد اللام إزار ورداء. [البناية ٣٢٤/٩-٣٢٥]
ولأن الموجب إلخ: أي الموجب لتقرير ما وقع عليه الاتفاق من المال هو التراضي، لا الموجب لوجوب
الجزية، فإن موجبه في الأصل اختيارهم البقاء على الكفر بعد أن غلبوا. [العناية ٢٨٩/٩] ظاهر الغنى: هو صاحب
المال الكثير الذي لا يحتاج إلى العمل، والمتوسط الذي له مال لا يستغني بماله عن العمل، والمعتمل الذي
یکسب أکثر من حاجته، ولا مال له. [الكفاية ٢٨٩/٥]
* أخرجه أبوداود في "كتاب الخراج" عن إسماعيل بن عبدالرحمن السدي عن ابن عباس، قال: صالح رسول الله
أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر، والبقية في رجب يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعاً،
وثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها
حتى يردّوها عليهم إن كان باليمن كيد أو غدرة على أن لا تقدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنوا عن
دينهم ما لم يحدثوا حدثاً أو يأكلوا الربا. [رقم: ٣٠٤١، باب في أخذ الجزية] [نصب الراية ٤٤٥/٣]

٢٨٦
باب الجزیة
وعلى وسط الحال أربعة وعشرين درهماً في كل شهر درهمين، وعلى الفقير المعتمل
اثني عشر درهماً، في كل شهر درهماً، وهذا عندنا. وقال الشافعي بسلك: يضع على كل
حالم ديناراً أو ما يعدل الدينار، الغني والفقير في ذلك سواء؛ لقوله عليها لمعاذ مضرته:
"خُذْ من كل حالم وحالمةٍ ديناراً أو عَدْلَهِ مَعَافِرَ* من غير فصل، ولأن الجزية إنما
بالفتح المثل بفتح الميم
أي بالغ
وجبت بدلاً عن القتل حتى لا يجب على مَنْ لا يجوز قتلُه بسبب الكفر كالذراري
والنسوان، وهذا المعنى ينتظم الفقيرَ والغني.
فیکونان سواء
الفقير المعتمل: وإنما شرط المعتمل؛ لأن الجزية عقوبة، فإنما تجب على من كان من أهل القتال حتى لا يلزم
الزمن منهم جزية، وإن كان مفرطاً في اليسار، وكان الفقيه أبو جعفر بحلته يقول: ينظر إلى عادة كل بلد؛ لأن
عادة البلدان مختلفة في الغنى. ألا ترى أن صاحب خمسين ألفاً يبلغ يعد من المكثرين، إن كان ببغداد
أو بالبصرة لا يعد من المكثرين، وفي بعض البلدان صاحب عشرة آلاف يعد من المكثرين. [البناية ٩/ ٣٧٧]
ديناراً: وتجوز الزيادة لا النقصان. لقوله عليها: أي حين بعثه إلى اليمن.
وحالمة: وكان معمر يقول: هذا غلط، فإنه ليس على النساء شيء، وفيه طرق كثيرة فيها ذكر الحالمة.
وقال أبو عبيد: وهذا - والله أعلم- فيما نرى منسوخ إذ كان في أول الإسلام نساء المشركين وولداهم
يقتلون مع رجالهم، ثم نهي عن قتلهم يوم خيبر. [فتح القدير ٢٨٩/٥] أو عدله معافر: أي وخذ مثل
دينار برداً من هذا الجنس يقال: ثوب معافري منسوب إلى معافر بن مرة، ثم صار له اسماً بغير نسبة. وذكر
في "الفوائد الظهيرية" معافر حي من همدان، ينسب إليه هذا النوع من الثياب، وعدل الشيء بفتح العين:
مثله، إذا كان من خلاف جنسه، وبالكسر مثله من جنسه. [العناية ٢٨٩/٥ -٢٩٠] غير فصل: أي بين
غنى وفقير. (فتح القدير) كالذراري: جمع الذرية أي أولادهم. الفقير والغني: لأن كلا منهما يقتل.
* أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في الزكاة عن الأعمش. [نصب الراية ٤٤٥/٣] أخرج أبوداود في
"سنته" عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ "أن النبي ◌ّ لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ
من البقر من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم ديناراً، أو عدله من المعافر"
ثیاب تکون بالیمن. [رقم: ١٥٧٦، باب في زكاة السائمة]

٢٨٧
باب الجزية
ومذهبنا منقول عن عمر وعثمان وعلي صفيه* ولم ينكر عليهم أحد من المهاجرين
والأنصار، ولأنه وجب نصرة للمقاتلة، فتجب على التفاوت بمنزلة خراج الأرض؛
وهذا لأنه وجب بدلاً عن النصرة بالنفس والمال، وذلك يتفاوت بكثرة الوفر وقلته،
المال
فكذا ما هو بدله، وما رواه محمول على أنه كان ذلك صلحاً، ولهذا أمره بالأخذ من
الجزية
الحالمة، وإن كانت لا يؤخذ منها الجزيةُ.
ومذهبنا منقول إلخ: ذكره الأصحاب في كتبهم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم أن عمر بن الخطاب ـ
عنه
وجه حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف إلى السواد، فمسحا أرضها، ووضعا عليها الخراج، وجعلا الناس ثلاث
طبقات على ما قلنا، فلما رجعا أخبراه بذلك، ثم عمل عثمان ثم عمل علي كذلك. [فتح القدير ٢٩٠/٥]
ولأنه إلخ: أي لأن الجزية ذكرت على تأويل خراج الرأس. (البناية) نصرة للمقاتلة: أي نصرة وكفاية لغزاة
المسلمين بمال يؤخذ من الذمي. [البناية ٣٣٠/٩] وهذا: إشارة إلى قوله: ولأنه وجب إلخ. [العناية ٢٩٠/٥]
عن النصرة إلخ: لأن كل من كان من أهل دار الإسلام تجب عليه النصرة للدار بالنفس والمال، لكن الكافر
لما لم يصلح لنصرتنا لميله إلى دار الحرب اعتقاداً قام الخراج المأخوذ منه المصروف إلى الغزاة مقام النصرة
بالنفس. [العناية ٢٩١/٥] وذلك يتفاوت إلخ: لأن نصرة الغني لو كان مسلماً فوق نصرة المتوسط والفقير،
فإنه كان ينصر راكباً، ويركب معه غلامه، والمتوسط راكباً فقط، والفقير راجلاً. [فتح القدير ٢٩٠/٥]
وما رواه: أي الذي رواه الشافعي معله. [البناية ٣٣١/٩] ولهذا أمره إلخ: وفيه دليل على أن ما لا يصلح
يستوي فيه الرجال والنساء، ويجبيء التصريح به في المتن من حيث قال: إنه مال وجب بالصلح، والمرأة
من أهل وجوب مثله.
* فالرواية عن عمر فروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" في الإمارة حدثنا علي بن مهر عن الشيباني عن أبي عون محمد
ابن عبيد الله الثقفي قال: وضع عمر بن الخطاب في الجزية على رؤوس الرجال على الغني ثمانية وأربعين
درهماً، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهماً، وعلى الفقير اثني عشر درهماً. [٢٤١/١٢ -٢٤٢، باب ما قالوا
في وضع الجزية والقتال عليها] [نصب الراية ٤٤٧/٣]

٢٨٨
باب الجزية
مُ
ءُ
﴿مِنَ الذِينَ أُوتُوا
قال: وتوضع الجزية على أهل الكتاب والمجوس؛ لقوله تعالى:
الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْحِزْيَةَ﴾ الآية، ووضع رسول الله لَّ الجزية على المجوس.
قال: وعبدة الأوثان من العَجَم، وفيه خلاف الشافعي بحاله، هو يقول: إن القتال
واجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ إلا أنا عرفنا جوازَ تركه في حق أهل الكتاب
القدوري
بالكتاب، وفي حق المجوس بالخبر، فبقي مَن وراءهم على الأصل. ولنا: أنه يجوز
استرقاقُهم، فيجوز ضرب الجزية عليهم؛ إذ كلّ واحد منهما يشتمل على سلب
عبد الأوثان
النفس منهم، فإنه يَكْتسب ويؤدي إلى المسلمين، ونفقتُه في كسبه.
على أهل الكتاب: سواء كانوا من العرب أو من العجم. [العناية ٢٩١/٥] واليهود يدخل فيهم السامرة،
فإنهم يدينون بشريعة موسى عليّ إلا أنهم يخالفونهم في فروع، والنصارى: يدخل فيهم الفرنج والأرمن؛
لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ
الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْحِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وأما الصائبون: فعلى الخلاف من
قال: هم من النصارى أو قال هم من اليهود: فهم من أهل الكتاب، ومن قال: يعبدون الكواكب، فليسوا
من الكتابيين بل كعبدة الأوثان. [فتح القدير ٢٩١/٥] والمجوس: ومذهب المجوس أنهم قائلون بالنور
والظلمة، يدعون أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، ولهذا يعبدون النار. [البناية ٣٤٣/٩]
وعبدة: هو بالجر عطفاً على أهل الكتاب. (البناية) وقاتلوهم: لأنه أمر بالقتال، وهو عام. [البناية ٣٤٦/٩]
بالكتاب: وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (البناية) بالخبر: وهو حديث عبد الرحمن بن عوف ضه (البناية)
الأصل: أي من النصوص العامة. [البناية ٣٤٧/٩]
* فيه أحاديث. [نصب الراية ٤٤٨/٣] منها: ما أخرجه البخاري في "صحيحه" عن بحالة سنة سبعين عام
حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة عند درج زمزم قال: كنت كاتباً لجزء بن معاوية عم الأحنف، فأتانا
كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من
المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله (33 أخذها من محوس هجر. [رقم: ٣١٥٧، باب
الجزية والموادعة من أهل الذمة والحرب]

٢٨٩
باب الجزية
وإِن ظُهِرَ عليهم قبل ذلك: فهم ونساؤهم وصبيانهم فيء؛ لجواز استرقاقهم. ولا تُوضَع
على عبدة الأوثان من العرب، ولا المرتدين؛ لأن كفرهما قد تغلظُ، أما مشركو العرب:
فلأن النبي عليًّا نشأ بين أَظْهُرِهم، والقرآنَ نزل بلغتهم، فالمعجزة في حقهم أظهر، وأما
المرتد: فلأنه كفر بربه بعد ما هُدِيَ للإسلام، وَوَقَفَ على محاسنه، فلا يقبل من الفريقين
إلا الإِسلامُ أو السيفُ؛ زيادة في العقوبة، وعند الشافعي بداله: يُسْتَرَقُّ مشركو العرب،
وجوابه ما قلنا، وإذا ظُهِرَ عليهم: فنساؤهم وصبيانهم فيء؛ لأن أبا بكر الصديق
استرقَّ نِسْوَانَ بني حنيفة، وصبيانهم لما ارتدوا،* وقسمهم بين الغانمين.
0
قبل ذلك: أي قبل وضع الجزية عليهم، فهم بأجمعهم غنيمة للمسلمين، كذا في الشرح.
ولا المرتدين: سواء كانوا من العرب أو العجم. (البناية) قد تغلظ: وكل من تغلظ كفره، لا يقبل منه إلا السيف
أو الإِسلام. [البناية ٣٤٧/٩] بين أظهرهم: قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية.
من الفريقين: أي المشركين والمرتدين. ما قلنا: وهو قوله: لأن كفرهما قد تغلظ. ظهر عليهم: أي غلب على
مشركي العرب والمرتدين. (البناية) فيء: إلا أن ذراري المرتدين ونساؤهم يجبرون على الإسلام دون ذراري عبدة
الأوثان ونسائهم. (البناية) استرق: بعد وفاة رسول الله (38، أسنده الواقدي في "كتاب الردة" له.(النهاية)
بني حنيفة: وحنيفة بطن من العرب. [البناية ٣٤٨/٩-٣٤٩]
* روى الواقدي في "كتاب الردة" له حدثني عبد العزيز بن أنس الطفري عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود
بن لبيد فذكر وقعة اليمامة وهي قصة مسيلمة الكذاب، وأصحاب بني حنيفة بطولها. وفيها: أن أبا بكر څه أرسل
إليهم خالد بن الوليد في جماعة من المسلمين فقتلهم قتل مسيلمة وانهزم الباقون، فتحصنوا في الحصون، وقتل من
المسلمين جماعة منهم أبودجانة الأنصاري، وجرح منهم خلق كثير، وكانت مقتلة عظيمة - إلى أن قال -:
وحدثني محمد عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: ثم أن خالد بن الوليد صالحهم على أن يأخذ
منهم الصفراء والبيضاء والكراع والسلاح ونصف السبي، ثم دخل حصونهم صلحاً، فأخرج السلاح والكراع
والأموال والسبي، فجمع السلاح على حدة، ثم قسم السبي قسمين، وأقرع على قسمين، فخرج سهمه على
أحدهما وفيه مكتوب لله، ثم جزا الذي صار له من السبي على خمسة أجزاء، وكتب على كل سهم منها لله، =

٢٩٠
باب الجزية
ومن لم يسلم من رجالهم قتِلَ؛ لما ذكرنا، ولا جزية على امرأة، ولا صبي؛ لأنها
مُ
وجبت بدلاً عن القتل، أو عن القتال، وهما لا يَقْتلان، ولا يقاتلان؛ لعدم
الأهلية. قال: ولا زَمِنٍ، ولا أعمى، وكذا المفلوج والشيخ الكبير؛ لما بينا. وعن
أبي يوسف عليه: أنه تجب إذا كان له مال؛ لأنه يَقتل في الجملة إذا كان له رأي،
من أمور الحرب
ولا على فقيرٍ غير معتمل، خلافاً للشافعي بحاله له إطلاق حديث معاذ
ـّته لم يوظفها على فقير غير معتمل،
رضـ
ولنا: أن عثمان
لما ذكرنا: إشارة قوله: فلا يقبل من الفريقين إلا الإسلام أو السيف. (البناية) بدلاً عن القتل: يعني في حق
المأخوذ منه. [البناية ٣٤٩/٩] عن القتال: أي عن النصرة في حقنا، كما تقدم. ولا زمن: مأخوذ من زمن
الرجل يزمن زمانة، وهو عدم بعض أعضائه، وتعطل قواه. (البناية) كذا المفلوج: والمفلوج من فلج على
صيغة المجهول إذا ذهب نصفه. (البناية) لما بينا: وهو قوله: لأنهما لا يقتلان ولا يقاتلان. [البناية ٣٥٠/٩]
غير معتمل: وهو الذي لا يقدر على العمل. (البناية) حديث معاذ ﴾: وهو قوله عليها: "خذ من كل حالم
ديناراً". (البناية) ولنا أن عثمان: المراد من عثمان هذا: عثمان بن حنيف ◌ُه، لا عثمان بن عفان ضُه، وقد
غفل عنه أكثر الشراح، وقد مضى أن عمر بن الخطاب رضيهلما بعث حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف ◌ُما
إلى سواد العراق، وظف الجزية على الفقير المعتمل. [البناية ٣٥١/٩] غير معتمل: أي الذي لا يقدر على
العمل. [فتح القدير ٣٩٤/٥]
= وجزا الكراع هكذا، ووزن الفضة والذهب فعزل الخمس من ذلك كله، فقسم على الناس أربعة أخماس، وأسهم
للفرس سهمين، ولصاحبه سهما، وعزل الخمس حتى قدم به على أبي بكر الصديق بعضه. [نصب الراية ٤٥٠/٣]
* تقدم في الحديث الثاني. [نصب الراية ٣/ ٤٥٣] أخرجه أبوداود في "سننه" عن معاذ "أن النبي % لما
وجهه إلى اليمن، أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل
حالم ديناراً أو عدله من المعافر" ثياب تكون باليمن. [رقم: ١٥٧٦، باب في زكاة السائمة]

٢٩١
باب الجزية
وذلك بمحضر من الصحابة ،* ولأن خراج الأرض لا يوظف على أرض لا طاقة لها،
فكذا هذا الخراج، والحديث محمول على المعتمل. ولا توضع على المملوك، والمكاتب،
حديث معاذ
والمدبر، وأمِّ الولد؛ لأنه بدل عن القتل في حقهم، وعن النصرة في حقنا، وعلى اعتبار الثاني:
لا تجب، فلا تجب بالشك، ولا يؤدي عنهم مواليهم؛ لأنهم تحملوا الزيادةَ بسببهم، ولا توضع
على الرهبان الذين لا يخالطون الناس، كذا ذكرههنا، وذكر محمد عن أبي حنيفة بهما: أنه
القدوري
جمع راهب
توضع عليهم إذا كانوا يقدرون على العمل، وهو قول أبي يوسف بحاله، وجه الوضع عليهم:
أن القدرة على العمل هو الذي ضيعها، فصار كتعطيل الأرض الخراجية. ووجه الوضع
عنهم: أنه لا قتلَ عليهم إذا كانوا لا يخالطون الناسَ، والجزيةُ في حقهم لإسقاط القتل،
هذا الخراج: بجامع عدم الطاقة. (فتح القدير) اعتبار الثاني إلخ: يعني أن الجزية بدل عن الأمرين كما مر
تقريره، وعلى اعتبار الأول يجب وضع الجزية؛ لأن الأصل يتحقق في حق المماليك؛ لأن المملوك الحربي
يقتل، فيتحقق البدل أيضاً، وعلى اعتبار الثاني لا يجب؛ لأن العبد لا يقدر على النصرة، فلا يجب عليه
بدله. [العناية ٣٩٤/٥ -٣٩٥] لأنهم تحملوا إلخ: أي صار مواليهم بسببهم من صنف الأغنياء أو وسط
الحال حتى وجب عليهم زيادة على مقدار الواجب على الفقير المعتمل، فلو قلنا بوجوبها على الموالي
بسببهم، لكان وجوب الجزية مرتين بسبب شيء واحد، وذلك لا يجوز. [العناية ٢٩٥/٥]
كتعطيل الأرض إلخ: مع التمكن من الانتفاع. [البناية ٣٥٣/٩] والجزية في حقهم إلخ: أي الكفار أراد
أن الجزية بدل من القتل في حقهم، ولا قتل على الذين لا يخالطون الناس، فلا تجب الجزية. (البناية)
* المراد بعثمان: عثمان بن حنيف، والذي تقدم عنه أنه وضع عليهم ثمانية وأربعين وعشرين واثني عشر،
وروى ابن زنجويه في "كتاب الأموال" حدثنا الهيثم بن عدي عن عمر بن نافع حدثني أبوبكر العبسي صلة
بن زفر قال: أبصر عمر شيخاً كبيراً من أهل الذمة يسأل، فقال له ما لك قال: ليس لي مال، وأن الجزية
تؤخذ مني، فقال له عمر: ما أنصفناكَ أكلنا شيبتك، ثم نأخذ منك الجزية، ثم كتب إلى عماله أن
لا يأخذوا الجزية من شيخ كبير. [نصب الراية ٤٥٣/٣]

٢٩٢
باب الجزية
ولابد أن يكون المعتملُ صحيحاً، ويكتفى بصحته في أكثر السنة. ومن أسلم وعليه
جزية: سقطت عنه، وكذلك إذا مات كافراً، خلافاً للشافعي مس لكه فيهما. له: أنها
وجبت بدلاً عن العصمة، أو عن السكنى، وقد وصل إليه المُعَوَّضُ، فلا يسقط عنه
العَوَضُ بهذا العارض، كما في الأجرة، والصلح عن دم العمد. ولنا: قوله عليها: "ليس
وهوَ الجزية بالإِسلام أو بالموت
على مسلم جزية"،* ولأنها وجبت عقوبة على الكفر، ولهذا تسمى جزية،
ولا بد: ذكر هذا تفريعاً لمسألة القدوري. (البناية) أن يكون المعتمل: احترازاً عن الزمن والمقعد وغيرهما. (البناية)
ويكتفى: وكذا في نصفها. (البناية) أكثر السنة: لأن الإنسان لا يخلو عن قليل مرض. [البناية ٣٥٣/٩]
سقطت: وكذا لو مات في أثناء السنة أو أسلم، وفي أصح قولي الشافعي: لا تسقط فيها أيضاً، وعلى هذا
الخلاف لو عمى، أو زمن، أو أقعد، أو صار شيخاً كبيراً لا يستطيع العمل، أو افتقر بحيث لا يقدر على شيء.
فيهما: فعنده لا تسقط عنهما. بدلاً عن العصمة إلخ: في دار الإسلام إنما ردد بينهما؛ لأن العلماء
اختلفوا في أن الجزية وجبت بدلاً عماذا، فقال بعضهم: وجبت بدلاً عن العصمة الثابتة بعقد الذمة، وبه
قال الشافعي له في قول. وقال بعضهم: وجبت بدلاً عن العقوبة التي ماتوا بإصرارهم على الكفر، وهو
الأصح، وقال بعضهم: وجبت بدلاً عن السكنى في دارنا، وبه قال الشافعي في قول آخر، ولهذا قال في
قول: تؤخذ عن الأعمى والمعتوه والمقعد؛ لأنهم يشاركون في السكنى، وعندنا لا تؤخذ كما بينا. (البناية)
المعوض: وهو العصمة والسكنى. [البناية ٣٥٤/٩]
كما في الأجرة إلخ: فإن الذمي إذا استوفى منافع الدار المستأجرة، ثم أسلم، أو مات لا تسقط عنه الأجرة؛
لأن المعوض قد وصل إليه، وهي منافع الدار، وكذا إذا قتل الذمي رجلاً عمداً، ثم صالح عن الدم على بدل
معلوم، ثم أسلم، أو مات لا يسقط عنه البدل؛ لأن المعوض - وهو نفسه - قد سلم له. [العناية ٢٩٥/٥]
* أخرجه أبوداود في الخراج، والترمذي في الزكاة، ورواه أحمد في "مسنده"، والدار قطني في "سنته".
[نصب الراية ٤٥٣/٣] أخرج أبوداود في "سنته" عن ابن عباس قال: قال رسول مُ ®: ليس على المسلم
جزية، حدثنا محمد بن كثير قال: سئل سفيان عن تفسير هذا، فقال: إذا أسلم فلا جزية عليه. [رقم: ٣٠٣٥،
باب في الذي يسلم في بعض السنة، هل عليه جزية؟]

٢٩٣
باب الجزية
وهي والجزاءُ واحد، وعقوبة الكفر تسقط بالإِسلام، ولا تقام بعد الموت، ولأن شرعَ
العقوبة في الدنيا لا يكون إلا لدفع الشر، وقد اندفع بالموت والإسلام ، ولأنها
وجبت بدلاً عن النصرة في حقنا، وقد قدر عليها بنفسه بعد الإِسلام، والعصمةُ
تثبت بكونه آدمياً، والذميُّ يسكن ملكَ نفسه، فلا معنى لإِيجاب بدل العصمة
والسكنى، وإن اجتمعت عليه الحولان تداخلت، وفي "الجامع الصغير": ومن لم يؤخذ
منه خراجُ رأسهٍ حتى مضت السنةُ، وجاءت سنة أخرى، لم يؤخذ، وهذا عند
أبي حنيفة رحلته، وقال أبويوسف ومحمد حما: يؤخذ منه، وهو قول الشافعي بدله.
والجزاء واحد: وهو يطلق على المثوبة والعقوبة بمقابلة الطاعة والمعصية، وهذه ليست بمثوبة، فتعين عقوبة،
ولهذا تستوفى بطريق المذلة والصغار. [الكفاية ٢٩٦/٥-٢٩٧] بعد الموت: ولهذا لا يضرب من سبق موته
إقامة حد. لدفع الشر: والشر الذي يتوقع بالكفر الحرابة والفتنة. وقد اندفع بالموت: إذ لا فتنة بعد
الإسلام والموت. والإسلام: ولهذا لا يضرب من سبق موته إقامة حد. عن النصرة: لا عن العصمة،
ولا عن السكنى. قدر عليها بنفسه: فسقطت لوجود الأصل.
والعصمة إلخ: هذا جواب عن قول الشافعي بسطله: إنها وجبت بدلاً عن العصمة، بيانه: أن العصمة ثابتة
للآدمي بكونه آدمياً يعني من حيث إنه آدمي خلق معصوماً محقون الدم، وإنما بطلت عصمته بعارض الكفر،
فلما أسلم عادت العصمة، فصارت العصمة به لا بقبول الجزية. [البناية ٣٥٦/٩] والذمي إلخ: جواب عن
قوله: أو السكنى، ومعناه: أن الذمي يملك موضع السكنى بالشراء أوغيره من الأسباب، فلا يجوز إيجاب البدل
بسكناه في موضع مملوك له، فلو كانت الجزية أجرة كان وجوبها بالإِجارة، ويشترط فيها التأقيت؛ لأن الإبهام
يبطلها، وحيث لم يشترط التأقيت في السكنى، دل على أن الجزية لم تكن بطريق الإجارة. [العناية ٢٩٧/٥]
اجتمعت عليه الحولان: أنث فعل الحولين لتأويله بالسنتين، ولا داعي إلى ذلك من أول الأمر، أو بتقدير
مضاف أي جزية حولين، ولفظ القدوري فيما ذكره الأقطع، وإن اجتمع عليه حولان. [فتح القدير ٢٩٧/٥]
الجامع الصغير: أتى بلفظ "الجامع الصغير" لتفصيل في اللفظ.

٢٩٤
باب الجزية
وإن مات عند تمام السنة: لم يؤخذ منه في قولهم جميعاً، وكذلك إن مات في بعض السنة.
أما مسألة الموت فقد ذكرناها، وقيل: خراج الأرض على هذا الخلاف، وقيل: لا تداخل
فيه بالاتفاق. لهما في الخلافية: أن الخراج وجب عوضاً، والأعواضُ إذا اجتمعت وأمكن
استيفاؤها تستوفى، وقد أمكن فيما نحن فيه بعد توالي السنين، بخلاف ما إذا أسلم؛ لأنه
تعذر استيفاؤه. ولأبي حنيفة له أنها وجبت عقوبة على الإصرار على الكفر على
ما بيناه، ولهذا لا تُقْبُلُ منه لو بعَث على يد نائبه في أصح الروايات، بل يكلف أن يأتي
الذمي۔
بنفسه، فُيُعطى قائماً، والقابضُ منه قاعد. وفي رواية: يأخذ بتلبيبه ويهزه هزاً، ويقول:
يحرك لببه
بما وجب عليه
أعطني الجزية يا ذمي! وقيل: عدو الله، فثبت أنه عقوبة، والعقوبات إذا اجتمعت
خراج الرأس
تداخلت كالحدود، ولأنها وجبت بدلاً عن القتل في حقهم، وعن النصرة في حقنا كما
ذكرنا، لكن في المستقبل لا في الماضي؛ لأن القتل إنما يستوفى لحراب قائم في الحال،
في قولهم: أي قول أصحابنا المذكورين والشافعي هم. (البناية) هذا الخلاف: أي يتداخل عند أبي حنيفة مسلكه
خلافاً لهما. لا تداخل فيه إلخ: يحتاج إلى بيان الفرق بينهما، والفرق أن الخراج في حالة البقاء مؤونة من غير
التفاوت إلى معنى العقوبة، ولهذا إذا اشترى المسلم أرضاً خراجية يجب عليه الخراج، فجاز أن لا يتداخل،
بخلاف الجزية، فإنها عقوبة ابتداءً وبقاءً، ولهذا لم تشرع في حق المسلم أصلاً، والعقوبات تتداخل. (العناية)
في الخلافية: أي فيما إذا اجتمع الحولان. [العناية ٢٩٧/٥] وقد أمكن: لأن الفرض أنه حي. (العناية)
تعذر استيفاؤه: لأن المسلم لا يجب إذلاله بل يجب توقيره. على ما بيناه: أراد به ما ذكره قبل هذا، بقوله: ولأنها
وجبت عقوبة على الكفر. (العناية) ولهذا: استيضاح على أنه عقوبة. في أصح الروايات: وقيل: يقبل؛ لأن النائب
كالمنيب. والقابض: وهو الإمام أو نائبه. يأخذ بتلبيبه: والتلبيب أخذ موضع اللبب من الثياب، واللبب موضع
القلادة من الصدر. (العناية) كاتدود: أي إذا كانت من جنس واحد. ولأنها وجبت إلخ: استدلال من جهة
الملزوم، وما تقدم كان من جهة اللازم. [العناية ٢٩٨/٥] في المستقبل: يعني عن القتل في المستقبل، والنصرة في
المستقبل. [فتح القدير ٢٩٨/٥] لا في الماضى: لأن الماضي وقعت الغنية عنه بانقضائه.(فتح القدير)

٢٩٥
باب الجزية
لا لحراب ماض، وكذا النصرة في المستقبل؛ لأن الماضي وقعت الغُنْيَةَ عنه. ثم قول
محمد بد له في الجزية في "الجامع الصغير": "وجاءت سنة أخرى" حمله بعض المشايخ هلك
الذي نقله سابقا
على المضي مجازاً، وقال: الوجوب بآخر السنة، فلابد من المضيِّ ليتحقق الاجتماع،
فيتداخل، وعند البعض: هو مجرى على حقيقته، والوجوب عند أبي حنيفة حاله بأول
الحول، فيتحقق الاجتماعُ بمجرد المجيء. والأصح: أن الوجوب عندنا في ابتداء الحول،
وعند الشافعي في آخره؛ اعتباراً بالزكاة. ولنا: أن ما وجب بدلاً عنه لا يتحقق إلا في
المستقبل على ما قررناه، فتعذر إيجابه بعد مضي الحول، فأوجبناها في أوله.
فصل
ولا يجوز إحداث بيعَةٍ، ولا كنيسةٍ في دار الإسلام؛ لقوله عليه:
حمله بعض المشايخ إلخ: قال الإمام فخر الإسلام في "شرح الجامع الصغير" اختلف مشايخنا في قوله:
جاءت سنة أخرى، فقال بعضهم: معناه مضت حتى يتحقق اجتماعهما؛ لأنها عند آخر الحول تجب، وهذا
ضرب من المجاز؛ لأن مجيء كل شهر بمجيء أوله. وأقول في مجوز المجاز: إن مجيء الشهر يستلزم مجيء
الآخر لامحالة، وذكر الملزوم وإرادة اللازم مجاز، وقال بعضهم: معناه دخول أولها؛ لأن الجزية تجب بأول
الحول، والتأخير إلى آخره تخفيف وتأجيل عند أبي حنيفة حدوثه.
على حقيقته: وهو أن يراد دخول أول سنة. [فتح القدير ٢٩٨/٥] اعتباراً بالزكاة: دليل لمذهب الشافعي.
ما قررناه: إشارة إلى قوله: لأن الماضي وقعت الغنية عنه. [الكفاية ٢٩٩/٥] فأوجبناها في أوله: ويحتاج إلى الجواب
عن الزكاة، وهو أن الزكاة وجبت في آخر الحول؛ لأنها تجب في المال النامي، وحولان الحول هو الممكن من
الاستنماء لاشتماله على الفصول الأربعة على ما مر، فلابد من اعتبار الحول ليتحقق شرط وجوب الأداء. (العناية)
فصل: في بيان ما يجوز لهم أن يفعلوا مما يتعلق بالسكنى. [العناية ٢٩٩/٥] إحداث بيعة إلخ: البيعة بكسر
الباء ولا كنيسة في دار الإِسلام، وهما معبد اليهود والنصارى، ثم غلبت الكنيسة لمعبد اليهود، والبيعة لمعبد
النصارى، وفي ديار مصر لا تستعمل لفظ البيعة، بل الكنيسة لمتعبد الفريقين، ولفظ الدير للنصارى
خاصة. [فتح القدير ٢٩٩/٥]

٢٩٦
باب الجزية
"لا خِصَاءَ في الإِسلام ولا كنيسة"، * والمراد: إحداثها. وإن انهدمت البَيَعُ والكنائِسُ
القديمة أعادوها؛ لأن الأبنيةَ لا تبقى دائمة، ولما أقرهم الإِمامُ فقد عهد إليهم الإعادةَ،
إلا أنهم لا يُمَكُّنُون من نقلها؛ لأنه إحداث في الحقيقة، والصَّومعة للتخلي فيها
في دار الإسلام
بمنزلة البيعة، بخلاف موضع الصلاة في البيت؛ لأنه تبع للسكنى، وهذا في الأمصار
دون القرى؛ لأن الأمصار هي التي تقام فيها الشعائر، فلا تعارض بإظهار ما يخالفها،
شعائر الإسلام
وقيل: في ديارنا يمنعون من ذلك في القرى أيضاً؛ لأن فيها بعضَ الشعائر. والمرويُّ
عن صاحب المذهب في قرى الكوفة؛ لأن أكثر أهلها أهل الذمة، وفي أرض العرب
وهو الإمام أبو حنيفة
يمنعون من ذلك في أمصارها وقراها؛
لا خصاء: بكسر الخاء المعجمة مصدر خصاه أي نزع خصيتيه، والإخصاء في معناه خطأ ذكره في "المغرب"،
والوجه في الجمع بين الخصاء والكنيسة أن الخصاء نوع ضعف في الإنسان، وكذا الكنيسة في دار الإسلام
تورث الضعف في الإسلام. قلت: الأوجه أن يقال: سئل النبي ◌ُّ، واتفق أن سائلاً آخر سأل عن
الكنيسة، فأجابهما بقوله: لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة. [البناية ٣٦١/٩] والمراد: أي من قوله ◌ُلّ:
"ولا كنيسة"، فهو نفي بمعنى النهي. البيع: بكسر الباء وفتح الياء جمع بيعة.
من نقلها: أي من موضع إلى موضع آخر في المصر. والصومعة: أي لا يمكنون من إحداث الصومعة
التي يتخلون فيها للعبادة أيضاً. قال الجوهري: فوعلة يعني وزنها يدل على أن الواو فيه زائدة، وهو بيت
مبني برأس طويل ليتعبد فيها بالانقطاع عن الناس. (البناية) بخلاف موضع إلخ: يعني إذا عين موضعاً من
البيت للصلاة فيه لا يمنع منه. (البناية) وهذا: أي عدم جواز إحداث البيعة والكنيسة. [البناية ٣٦٣/٩]
وقيل: القائل شمس الأئمة السرخسى في "شرح كتاب الإجارات"، كذا في "فتح القدير".
بعض الشعائر: من جواز إحداثها في القرى.
* أخرجه البيهقي في "سنته" عن ابن عباس، قال: قال رسول الله : "لا خصاء في الإِسلام ولا بنيان
كنيسةً. [نصب الراية ٤٥٣/٣]

٢٩٧
باب الجزية
لقوله عليها: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" . * قال: ويؤخذ أهلُ الذمة بالتمييز عن
المسلمين في زيِّهم، ومراكبهم، وسروجهم، وقلانسهم، فلا يركبون الخيل، ولا يعملون
جمع قلنسوة
سراج
بالسلاح. وفي "الجامع الصغير": ويؤخذ أهل الذمة بإظهار الكستيجات، والركوب
على السرج التي هي كهيئة الأُكُف. وإنما يؤخذون بذلك إظهاراً للصَّغار عليهم،
وصيانةً لضَعَفَةِ المسلمين، ولأن المسلم يُكْرَمُ والذميُّ يهان، ولا يُبْتَدَأُ بالسلام، ويُضَيَّقُ
عليه الطريقُ، فلو لم تكن علامة مميزة فلعله يعامل معاملة المسلمين، وذلك لا يجوز.
جزيرة العرب: قال المنذري في "مختصره": هي المدينة، وروي عنه أن الحجاز واليمن وما لم يبلغه ملك فارس
والروم، وقال الأصمعي: هي من أقصى عدن إلى العراق في الطول، والعرض من جدة إلى أطراف الشام، وإنما
سميت بالجزيرة به؛ لإِنحار الماء عن موضعها، والجزر هو القطع. زيّهم: بكسر الزاء وتشديد الياء الهيئة.
الجامع الصغير: وذكر رواية "الجامع الصغير"؛ لكونها كالتفسير لقول القدوري. [العناية ٣٠١/٥]
بإظهار الكستيجات إلخ: الكستيج بضم الكاف وسكون السين وبالجيم، كما في القهستاني فارسي
معرب، معناه: العجز والذل، كما في "النهر"، فيشمل القلنسوة والزنار والنعل؛ لوجود الذل فيها، وفي
"البحر": كستيجات النصارى قلنسوة سوداء مضربة، وزنار من الصوف، انتهى. وزنار بوزن تفاح جمعه
زنانير، وفي "البحر" عن "المغرب": أنه خيط غليظ بقدر الإصبع يشده الذمي فوق ثيابه. (الدر المختار)
كهيئة الأكف: بضمتين جمع إكاف مثل حمار، وقال الكرخى في "مختصره": هي أن يكون على قربوص
السرج كالزمانة. للصَّغار: بالفتح بمعنى الذلة، قال الله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الّذِينَ أَحْرَمُوا صَغَارٌ﴾ الآية.
علامة مميزة: وربما يموت أحدهم فجأة، فيصلى عليهم لو لم تكن علامة.
"رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده"، ورواه عبد الرزاق في "مصنفه"، ورواه ابن هشام في "السيرة"، ورواه
مالك في الموطأ. [نصب الراية ٤٥٤/٣] رواه مالك في "الموطأ" عن ابن شهاب أن رسول الله و ® قال: لا يجتمع
دينان في جزيرة العرب، قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج واليقين
أن رسول الله وَأَوقال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب". [ص ٣٦٠، باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة]

٢٩٨
باب الجزية
والعلامة تحب أن يكون خيطاً غليظاً من الصوف يشده على وسطه دون الزنار من
الإِبريسم، فإنه جفاء في حق أهل الإسلام، ويجب أن يتميز نساؤهم عن نسائنا في
الطرقات والحمامات، ويُحْعَلُ على دُورِهِم علامات؛ كيلا يقف عليها سائل يدعو لهم
جمع دار
بالمغفرة. قالوا: الأحقُّ أن لا يتركوا أن يركبوا إلا للضرورة، وإذا ركبوا للضرورة،
مشايخنا
فلينزلوا في مجامع المسلمين، فإن لزمت الضرورةُ اتخذوا سرجاً بالصِّفَة التي تقدمت،
ويُمْتَعُون من لباس يَخْتَصُّ به أهلُ العلم والزهد والشرف. ومن امتنع من الجزية، أو قَلَ
مسلماً، أو سَبَّ النبي عليها، أو زنى بمسلمة: لم يُنْتَقَض عهدُه؛ لأن الغاية التي ينتهي بها
القتال التزامُ الجزية لا أداؤها، والالتزام باق. وقال الشافعي بح ظه: سب النبي عليه يكون
نقضاً؛ لأنه لو كان مسلماً ينقض إيمانه، فكذا ينقض أمانُه؛ إذ عقدُ الذمة خلف عنه.
في الطرقات إلخ: قال في "فتح القدير": كذا تؤخذ نساؤهم بالزي في الطريق، فيجعل على ملاءة اليهودية
خرقة صفراء، وعلى النصراينة زرقاء، وكذا في الحمامات. انتهى. أي: فيجعل في أعناقهن طوق الحديد،
كما في "الاختيار"، قال في "الدر المنتقى": قلت وسيجيء أن الذمية في النظر إلى المسلمة كالرجل الأجنبي
في الأصح، فلا تنظر أصلاً إلى المسلمة، فليتنبه لذلك-انتهى- ومفاده: منعهن من دخول حمام فيه مسلمة،
وخلاف المفهوم من كلامهم ههنا. (رد المحتار) يدعو لهم بالمغفرة: لأن فيه إهانة المسلم في نفس
الأمرحيث يدعو لعدو الله تعالى. [البناية ٣٦٩/٩] إلا للضرورة: كالخروج إلى الرستاق، وذهاب
المريض إلى موضع يحتاج إليه. [الكفاية ٣٠٣/٥] سرجاً بالصفة: يعني كهيئة الأكف. (العناية)
يختص به أهل إلخ: وتجعل مكاعبهم خشنة فاسدة اللون، ولا يلبسون طيالسة كطيالسة المسلمين،
ولا أردية كأرديتهم، فكذا أمروا، واتفقت الصحابة عليه. [فتح القدير ٣٠٢/٥] سبّ النبي: أي إذا لم يعلن،
فلو أعلن بشتمه أو اعتقاده قتل ولو امرأة، وبه يفتى اليوم، كذا في "الدر المنتقى". (رد المحتار)
والالتزام: يعني التزام الجزية باق، فيكون على عهده. [البناية ٣٧٠/٩] ينقض إيمانه إلخ: يعني لو كان
مسلماً، وسب النبي ◌َّ - والعياذ بالله - نقض إيمانه، فكذا ينقض أمانه وذمته. [العناية ٣٠٣/٥]

٢٩٩٠
باب الجزية
ولنا: أن سبَّ النبي عليه كفر منه، والكفرُ المقارن لا يمنعه، فالطارئ لا يرفعه. قال:
ولا ينقض العهد إلا أن يلحق بدار الحرب، أو يغلبوا على موضع فيحاربوننا؛ لأنهم
صاروا حرباً علينا، فَيَعْرَى عقدُ الذمة عن الفائدة، وهو دفع شر الحراب. وإذا نقض
يخلو
الذميُّ العهدَ: فهو بمنزلة المرتد، معناه: في الحكم بموته باللحاق؛ لأنه التحق
بالأموات، وكذا في حكم ما حمله من ماله، إلا أنه لو أسِرَيُسترقَّ، بخلاف المرتد.
فصل
ونصارى بني تغلب يؤخذ من أموالهم ضعْفُ ما يؤخذ من المسلمين من الزكاة؛
لأن عمر ◌ُه صالحهم على ذلك بمحضر من الصحابة له. ويؤخذ من نسائهم،
كفر منه: كما هو ردة من المسلم. [فتح القدير ٣٠٣/٥] عن الفائدة: وهو دفع شر الحراب. (البناية)
معناه في الحكم إلخ: فيعمل في تركته ما يعمل في تركة المرتد، فإن خلف امرأة ذمية في دار الإسلام بانت
منه لتباين الدارين. [البناية ٣٧١/٩] وكذا في حكم إلخ: يعني أن الذمي إذا نقض العهد، ولحق بدار الحرب،
وفي يده مال، ثم ظهر على دار الحرب، يكون فيئًا كالمرتد إذا لحق بدار الحرب بماله، ثم ظهر على الدار كان
ماله فياً. (العناية) إلا: استثناء من قوله: فهو بمنزلة المرتد. (العناية) بخلاف المرتد: فإنه لا يسترق، بل
يقتل إن أصر على ارتداده. [العناية ٣٠٤/٥]
فصل: أي هذا فصل في بيان أحكام نصارى بني تغلب، وذكره في فصل على حدة؛ لأن حكمهم مخالف
لحكم سائر النصارى، وبنو تغلب بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الغين المعجمة وكسر اللام، ابن وائل
ابن فاسط بن رهيب بن أوصى بن مجي بن حذيفة بن أسد بن ربيعة تنصروا في الجاهلية، فدعاهم عمر منه إلى
الجزية، فأبوا وأنفوا وقالوا: نحن عرب، خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض الصدقات، فقال: لا آخذ من
مشرك صدقة، فلحق بعضهم بالروم، فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين! إن القوم لهم بأس شديد، وهم
عرب يأنفون الجزية، فلا تعن عدوك عليك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة، فبعث عمر معه في طلبهم،
وضعف عليهم، فأجمع الصحابة ◌ّه على ذلك. [البناية ٣٧٢/٩]