Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦٠ باب المستأمن باب المستأمن وإذا دخل المسلمُ دارَ الحرب تاجراً: فلا يحل له أن يتعرض بشيء من أموالمجم، ولا من دمائهم؛ لأنه ضَمِنَ أن لا يتعرض لهم بالاستئمان، فالتعرض بعد ذلك يكون غدراً، والغَدر حرام، إلا إذا غدر بهم مَلِكُهم، فأخذ أموالهم، أو حبسهم، أو فعل ملك الكفار غيرُه بعلم الملِكِ، ولم يمنعه؛ لأنهم هم الذين نقضوا العهدَ، بخلاف الأسير؛ لأنه غيرُ مستأمن، فيباح له التعرض وإن أطلقوه طوعاً. فإن غدر بهم، أعني التاجر، فأخذ شيئاً، وخرج به: ملكه ملكاً محظوراً؛ لورود الاستيلاء على مال مباح إلا أنه حصل بسبب الغدر، فأوجب ذلك خبثاً فيه، فيُؤْمَرُ بالتصدق به؛ غير الملك باب المستأمن: أخره عن الاستيلاء؛ لأنه بالقهر والاستئمان بعد القهر. وإذا دخل: وقدم استثمان المسلم تعظيماً له. (العناية) بعد ذلك: أي بعد شرط عدم التعرض. (البناية) إذا غدر بهم: يعني حينئذٍ لا يكون تعرض المستأمن غدراً. بخلاف الأسير: يعني أن الغدر ليس بحرام عليه، فإن الأسراء إذا تمكنوا من قتل قوم من أهل الحرب غيلة، وأخذ أموالهم، وفعلوا ذلك، وخرجوا إلى دار الإسلام، ولا منعة لهم، فكل من أخذ شيئاً، فهو له خاصة. [العناية ٢٦٦/٥] غير مستأمن: حتى يحرم له الغدر. وإن أطلقوه: وتركوه في دارهم طوعاً أو أعتقوه؛ لأنه لم يستأمن، وعتقهم لا عبرة به؛ لأنهم لم يملكوه، فله أن يقتل من قدر عليه سيده، أو غيره، ويأخذ ماله ويملكه ملكاً لاخبث فيه. [فتح القدير ٢٦٦/٥-٢٦٧] محظوراً: مفعول من الحظر بمعنى المنع. خبثاً فيه: كملك المغصوب عند الضمان. [فتح القدير ٢٦٧/٥] فيؤمر بالتصدق: ولو كان المأخوذ غدراً جارية لا يحل له وطؤها، ولا للمشتري منه، بخلاف المشتراة شراء فاسداً، فإن حرمة وطئها على المشتري خاصة، ويحل للمشتري منه؛ لأن المنع فيه لثبوت حق البائع في الاسترداد ويبيع المشتري انقطع حقه ذلك؛ لأنه باع بيعاً صحيحاً، فلم يثبت له حق الاسترداد وهنا الكراهة للغدر، والمشتري الثاني كالأول فيه. (فتح القدير) ٢٦١ باب المستأمن وهذا لأن الحظر لغيره لا يمنع انعقادَ السبب على ما بيناه. وإذا دخل المسلم دارَ الحرب بأمان، فأدَانَه حربي، أو أدان هو حربياً، أو غصب أحدُهما صاحبه، ثم خرج المسلم- إلينا، واستأمن الحربيُّ: لم يُقْضَ لواحد منهما على صاحبه بشيءٍ. أما الإدانة: فلأن القضاءَ يَعْتمد الولاية، ولا ولايةَ وقتَ الإدانة أصلاً، ولا وقت القضاء على ولاية القاضي المستأمن؛ لأنه ما التزم حكم الإسلام فيما مضى من أفعاله، وإنما التزم ذلك في المغصوب المستقبل، وأما الغصب: فلأنه صار مِلْكاً للذي غصبه، واستولى عليه لمصادفته مالاً المغصوب الحظر لغيره: كما في البيع الفاسد. (فتح القدير) على ما بيناه: إشارة إلى قوله في أوائل باب استيلاء الكفار: والمحظور بغيره إذا صلح لكرامة تفوق الملك إلخ. (فتح القدير) فأدانه: الإدانة البيع بالدين، والاستدانة الابتياع بالدين، وقولهم: ادّان بتشديد الدال من باب الافتعال أي قبل الدين، والدين غير القرض؛ إذ ذاك اسم لما يقرض فيقبض، وهذا اسم لما يصير في الذمة بالعقد. [الكفاية ٢٦٧/٥] وقت الإدانة: لكون المسلم والحربي في دار الحرب. أصلاً: أي على الحربي، ولا على المسلم. ولا وقت القضاء: [وإن وجدت الولاية على المسلم في هذا الوقت] ولما لم يقض على الحربي لم يقض على المسلم أيضاً، لا لانعدام التزامه حكم الشرع، بل لوجوب التسوية بين الخصمين، كذا في "الكافي"، وفيه نظر؛ إذ المساواة بين الخصمين بهذا الوجه غير لازم. ألا يرى أنه يقضي بالقصاص للأب على الابن، ولا يقضي به للابن عليه، وكذا يقضى بشهادة الأب، أو شهادة الابن على الرجل لغيره، ولا يقضى له على الغير إلا أن يقال: انعدام التسوية بين الخصمين بهذا الوجه إنما يمنع إذا كان لقصور ولاية القاضي على أحد الخصمين، كما في مسألة المستأمن مع المسلم، وأما إذا كان المعنى في أحد الخصمين مع كمال ولاية القاضي، كما في المسائل المذكورة، فلا يمنع ذلك. ما التزم إلخ: ولكن يفتى بأنه يجب عليه فيما بينه وبين الله تعالى القضاء، وهذا قاصر كما ترى لا يشمل وجه عدم القضاء على المسلم، ولذا قال أبويوسف: يقضى على المسلم، وعموم عدم القضاء كما في "الهداية" قول أبي حنيفة ومحمد E. [فتح القدير ٢٦٧/٥] غصبه: ولا يحكم بالرد لثبوت الملك. (البناية) لمصادفته: لأن دار الحرب دار القهر والغلبة. (البناية) ٢٦٢ باب المستأمن غيرَ معصوم علی ما بیناه، وكذلك لو کانا حربیین فعلا ذلك، ثم خرجا مستأمنين؛ لما قلنا. ولو خرجا مسلمَيْن: قُضِيَ بالدين بينهما، ولم يُقْضَ بالغصب، أما المداينة: الدین فلأنها وقعت صحيحةً؛ لوقوعها بالتراضي، والولايةُ ثابتة حالةَ القضاء لالتزامهما الأحكام بالإِسلام، وأما الغصب: فلما بينا أنه ملكه، ولا خبث في ملك الحربي حتى يؤمر بالرد. وإذا دخل المسلمُ دارَ الحرب بأمانٍ، فغصب حربّاً، ثم خرجا مسلمَين: أُمِرَ بردِّ الغصِب، ولم يُقْضَ عليه، أما عدمُ القضاء: فلما بينا أنه ملكه، وأما الأمر دیانة بالرد- ومراده الفتوى به -: فلأنه فسد الملكُ؛ لما يقارنه من المُحَرَّمِ، وهو نقضُ العهد. وإذا دخل مسلمان دارَ الحرب بأمان، فقتل أحدُهما صاحبه عمداً أو خطأً: على ما بيناه: وذلك؛ لأن غصب مال الحربي استيلاء عليه، والاستيلاء على مال الحربي يوجب الملك لمن استولى عليه، مسلماً كان المستولي أو حربياً، فإن الروم إذا غلبوا على الترك، وأخذوا أموالهم ملكوا. وكذلك: أي وكذلك لا يقضى بشيء. (البناية) لما قلنا: إشارة إلى قوله من قبل أن القضاء يعتمد الولاية إلى آخره. [البناية ٢٦٤/٥] والولاية ثابتة: ولا ترجيح لأحدهما على الآخر؛ إذ لم يقض لأحدهما دون الآخر، بل سوينا بينهما، وعلى قول أبي يوسف مدله: لا يحتاج إلى هذه العلاوة؛ إذ يقضى للحربي على المسلم، على قوله: كما ذكرنا آنفاً. [فتح القدير ٢٦٨/٥] فلما بينا: من أنه صادف غير معصوم فيملكه. في ملك الحربي: لأن سبب الملك هو الاستيلاء، وهو على مال مباح؛ إذ لم يتضمن غدراً. فغصب حربيا: أي مال حربي فحذف المضاف إليه مقامه. (البناية) مسلمين: وهذا الجواب غير منحصر بخروجهما مسلمين، فإن الحربي إذا خرج مستأمناً مع المسلم الذي دخل دار الحرب مستأمناً وقد كان غصب المسلم في دار الحرب فالحكم كذلك. [الكفاية ٢٦٧/٥] فلما بينا: لكونه مالاً غير معصوم. الفتوى به: والظاهر أن الضمير في مراده يرجع إلى محمد ملكه. [البناية ٢٦٥/٩] فسد الملك: ولهذا يؤمر بالرد ديانة. ٢٦٣ باب المستأمن فعلى القاتل الدية في ماله، وعليه الكفارةُ في الخطأ، أما الكفارة: فلإطلاق الكتاب. والدية؛ لأن العصمة الثابتة بالإِحراز بدار الإِسلام لا تبطل بعارض الدخول بالأمان، وجوب الدیة وإنما لا يجب القصاص؛ لأنه لا يمكن استيفاؤه إلا بمنعة، ولا منعة بدون الإمام وجماعة المسلمين، ولم يوجد ذلك في دار الحرب، وإنما تجب الدية في ماله في العمد؛ لأن العَوَاقل لا تَعْقِلُ العمدَ، وفي الخطأ؛ لأنه لا قدرةَ لهم على الصيانة مع تباين الدارين، والوجوب عليهم على اعتبار تركها. فعلى القاتل إلخ: [أي القاتل دون العاقلة] يعني في العمد والخطأ، هكذا ذكره من غير خلاف في عامة النسخ، وذكر الإمام قاضي خان أن هذا الحكم قول أبي حنيفة بدله. ثم قال: وقال أبو يوسف ومحمد: عليه القصاص في العمد؛ لأنه قتل شخصاً معصوما ليس من أهل دار الحرب، فيجب بقتله ما يجب به في دار الأسلام، ولأبي حنيفة بالله أن تكثير سوادهم من كل وجه بتوطنه فيهم كان يسقط العصمة، فتكثيره من وجه یورث الشبهة، فيسقط القصاص. [العناية ٢٦٩/٥] في الخطأ: التقييد به؛ لأنه لا كفارة في العمد عندنا. فلإطلاق الكتاب: وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أطلق، ولم يقيد بدار الحرب وبدار الإسلام. [الكفاية ٢٦٩/٥ -٢٧٠] لا تبطل: لأنه لما كان على قصد الرجوع، كان كأنه في دار الإِسلام تقديراً. [العناية ٢٦٩/٥] لا يجب القصاص: يعني القياس كان وجوب القصاص في العمد، لكنه إنما لم يجب؛ لأنه لا يمكن إلخ. ولم يوجد ذلك إلخ: فلا فائدة في الوجوب كالحر. [البناية ٢٦٦/٩] في ماله: أي لا على العاقلة، كما إذا كان القتل خطأ في دار الإسلام، فإنها حينئذ تجب على العاقلة. لأن العواقل إلخ: الحاصل: أن عدم وجوب الدية على العاقلة في العمد ظاهر، فإن العواقل إنما تعقل في الخطأ، لا في العمد، كما مر في موضعه. وأما في الخطأ: فلأن وجوب الدية عليهم إنما هو باعتبار أنهم تركوا صيانة القاتل عن مثل هذا الفعل، وهذا الأمر مفقود فيما نحن فيه لتباين داري القاتل والعاقلة، فإن العاقلة في دار الإِسلام، والقاتل في دار الحرب، فلا يوجد ههنا منهم تقصير حتى يجب الدية عليهم. لا قدرة: قد يقال: هذا تعليل بمقابلة النص يعني قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأْ﴾ الآية، وجوابه ظاهر؛ لأن النص إنما يدل على وجوب الدية، ونحن نقول به، ووجوبها على العاقلة، إنما يثبت بدلائل ظنية لم توجد ههنا. ٢٦٤ باب المستأمن وإن كانا أسيرَيْن، فقتل أحدُهما صاحبه، أو قتل مسلم تاجر أسيرا، فلا شيء على القاتل إلا الكفارة في الخطأ عند أبي حنيفة بدله. وقالا في الأسيرين: الديةُ في الخطأ والعمد؛ لأن العصمة لا تبطل بعارض الأسْر، كما لا تبطل بعارض الاستئمان على ما بيناه، وامتناعُ القصاص لعدم المنعة، وتجب الدية في ماله لما قلنا. ولأبي حنيفة بالبه: أن بالأسر صار تبعاً لهم؛ لصيرورته مقهوراً في أيديهم، ولهذا يصير مقيماً بإقامتهم، ومسافراً بسفرهم، فيبطل به الإحراز أصلا، وصار كالمسلم الذي لم يهاجر إلينا، وخَصَّ الخطأ في المتن بالكفارة لأنه لا كفارة في العمد عندنا. فصل قال: وإذا دخل الحربيُّ إلينا مستأمناً: لم يُمَكَّنْ أن يقيم في دارنا سنةً، ويقول له الإِمام: إن أقمت تمام السنة، وضعت عليك الجزية. وإن كانا: أي وإن كان المسلمان. (البناية) أسيرين: أسرهم الكفار من دارنا. وقالا إلخ: وقياس ما نقله قاضي خان عنهما في المسلمين المستأمنين من وجوب القصاص في العمد أن يقولابه في الأسيرين؛ لأن الوجه يعمهما. [فتح القدير ٢٧٠/٥] على ما بيناه: إشارة إلى أن العصمة الثابتة بالإحراز بدار الإسلام لا تبطل بعارض الدخول بالأمان. [العناية ٢٧٠/٥] وامتناع القصاص: كما مر في المسألة السابقة. لما قلنا: إشارة إلى قوله: لأن العواقل إلخ. (العناية) تبعاً لهم: يعني وأهل الحرب أصول، والأصول غير معصومين، فكذلك الأتباع. [العناية ٢٧٠/٥] ولهذا: أي ولأجل كونه تبعاً لهم. (البناية) فيبطل به إلخ: ولما بطل الإحراز لم تثبت العصمة المتقومة، فلم تجب الدية؛ لأنها مبنية على ذلك العصمة، بخلاف الكفارة، فإنها تجب على العصمة المؤثمة، وهي بالإِسلام. [البناية ٢٦٧/٩] وصار كالمسلم إلخ: والجامع: كون كل واحد منهما مقهوراً في أيديهم بخلاف المستأمن؛ لأنه ممكن له الخروج من دارهم. [البناية ٢٦٩/٩] عندنا: كما يعرف في موضعه إن شاء الله تعالى، هذا والأقرب أن يجري فيهما حديث الشبهة كما تقدم.(فتح القدير) فصل: هذا فصل في بيان حكم المستأمن من أهل الحرب. [البناية ٢٦٨/٩] لم يمكن: مضارع مجهول من التمكين. ٢٦٥ باب المستأمن والأصل: أن الحربي لا يمكن من إقامةٍ دائمة في دارنا إلا بالاسترقاق، أو الجزية؛ لأنه يصير عيناً لهم، وعوناً عليها؛ فتلتحق المضرةُ بالمسلمين، ويمكن من الإقامة اليسيرة؛ لأن في منعها قطعَ المِيَرَةِ والجلَبِ، وسدَّ باب التجارة، ففصّلنا بينهما بسنة؛ لأنها مدة وُ تجب فيها الجزية، فيكون الإقامة لمصلحة الجزية، ثم إن رجع بعد مقالة الإمام قبل تمام السنة إلى وطنه: فلا سبيل عليه، وإذا مكث سنة: فهو ذمي؛ لأنه لما أقام سنة بعد تقدم الإمام إليه صار ملتزماً للجزية، فيصير ذمياً، وللإمام أن يوقّت في ذلك ما دون ے السنة كالشهر والشهرين. وإذا أقامها بعد مقالة الإِمام: يصير ذمياً؛ لما قلنا، ثم لا يُتْرَكُ أن يرجع إلى دار الحرب؛ لأن عقد الذمة لا يُنْقَضُ، عيناً: أي جاسوساً للكفار. وعونا: العون هو الظهير على الأمر، والجمع الأعوان. (البناية) قطع الميرة: هي الطعام يمتاره الإنسان من مار يمير، وقيل: بكسر الميم وسكون الياء: الطعام، والجلب: أي وقطع الجلب بفتحتين: وهو كل شيء يجلب من إبل، وخيل، وغنم وغيرها من الحيوانات، وسد باب التجارة أي وفي منع المدة اليسيرة سد باب التجارة وفيه ضرر أيضاً. (البناية) بينهما: أي بين الإقامة الدائمة والمدة اليسيرة. [البناية ٢٦٩/٩] بعد مقالة الإمام: أي بعد أن قال له الإمام: إن أقمت سنة وضعت عليك الجزية. (البناية) فلا سبيل عليه: أي لا يمنع من الرجوع. (البناية) فهو ذمي: لا يجوز رجوعه إلى دار الحرب. (البناية) تقدم الإمام إليه: يقال: تقدم إليه الأمير بكذا، أوفي كذا إذا أمره به. (العناية) وللإمام إلخ. يعني أن تقدير الحول ليس بلازم، بل لو قدر الإمام أقل من ذلك على حسب ما يراه جاز، لكن إن لم يقدر له مدة، فالمعتبر هو الحول، فإذا قام بعد ذلك في دارنا يصير ذمياً. قال الإمام قاضي خان: فإذا مضت سنة بعد مضي المدة المضروبة، كان عليه الخراج؛ لأنه إنما يصير ذمياً بمجاوزة المدة المضروبة، فيعتبر الحول بعد ما صار ذمياً، إلا أن يكون شرط عليه أنه إذا جاوز السنة يأخذ الخراج، فحينئذ يأخذ منه. [العناية ٢٧١/٩] لما قلنا: إشارة إلى قوله: لأنه لما أقام سنة بعد تقدم الإمام، صار ملتزماً للحزية. (العناية) لا ينقض: لأن عقد الذمة خلف عن الإسلام وهو لا ينقض، فكذا خلفه. [البناية ٢٧٠/٩] ٢٦٦ باب المستأمن كيف وأن فيه قطعَ الجزية وجعلَ ولده حرباً علينا، وفيه مضرة بالمسلمين. فإن دخل الحربيُّ دَارَنا بأمان، فاشترى أرضَ خراجٍ، فإذا وُضِعَ عليه الخراجُ: فهو ذمي؛ لأن خراجَ الأرض بمنزلة خراج الرأس، فإذا التزمه صار ملتزماً المقامَ في دارنا. أما بمجرد الشراء: الجزية فلا يصير ذمياً؛ لأنه قد يشتريها للتجارة، وإذا لزمه خراجُ الأرض، فبعد ذلك تلزمه الجزيةُ لسنة مستقبلة؛ لأنه يصير ذميّاً بلزوم الخراج فُعْتبر المدة من وقت وجوبه، وقوله لا للأيام الماضية في الكتاب: "فإذا وضع عليه الخراج فهو ذمي، تصريح بشرط الوضع، فيتخرج عليه أحكام جَمَّة، فلا يُغفل عنه. وإذا دخلت حربية بأمانٍ، فتزوجت ذمّا: صارت ذمية؛ حرباً علينا: بطريق التوالد والتناسل. (البناية) وضع عليه: المراد بوضعه: التزام خراج الأرض بمباشرة سببه، وهو الزراعة، أو تعطيلها عنه مع التمكن منها هو الصحيح. فهو ذمي: قال في "النهاية": وكذلك لو لزمه عشر في قياس قول محمد له بأن اشترى أرضاً عشرية؛ لأنهما جميعاً من مؤن الأرض. [العناية ٢٧١/٥] خراج الرأس: لأن كلاً منهما حكم متعلق في دارنا، فصار ذمياً ضرورة. (البناية) بمجرد الشراء إلخ: وبه صرح الكرخي بحثت في "مختصره". ومن المشايخ من قال: يصير ذمياً بمجرد الشراء، ذكره قاضي خان مدطه. [البناية ٢٧٠/٩-٢٧١] وقوله في الكتاب: أي قول محمد مشده في "الجامع الصغير". (البناية) فيتخرج: على صيغة المجهول من باب التفعيل، وقال الأتراري: فيتخرج على صيغة المبني للفاعل من باب التفعل يقال: خرجته فتخرج عليه أحكام جمة أي كثيرة، فلا يغفل: على صيغة المجهول عنه أي عن شرط الوضع؛ لأنه إنما تثبت تلك الأحكام بعد وضع الخراج لا قبله. [البناية ٢٧١/٩] أحكام جمة: من منع الخروج إلى دار الحرب، وجريان القصاص بينه وبين المسلم، وضمان المسلم قيمة خمره وخنزيره إذا أتلفه، ووجوب الدية عليه إذا قتله خطأ، ووجوب كف الأذى عنه، فتحرم غيبته كما تحرم غيبة المسلم فضلاً عما يفعله السفهاء من سفعه وشتمه في الأسواق ظلماً وعدواناً. (فتح القدير) فتزوجت ذمياً: ففي تزوجها مسلماً أولى. [فتح القدير ٢٧٢/٥] صارت ذمية: خلافاً للأئمة الثلاثة. ٢٦٧ باب المستأمن لأنها التزمت المقامَ تبعاً للزوج، وإذا دخل حربي بأمان، فتزوج ذميةً: لم يَصِرْ ذمياً؛ لأنه يمكنه أن يطلقها فيرجع إلى بلده، فلم يكن ملتزماً المقام. ولو أن حريّاً دخل دارَنا بأمان، ثم عاد إلى دار الحرب، وترك وديعةً عند مسلم، أو ذمي، أو ديناً في ذمتهم: فقد صار دمُه مباحاً بالعود؛ لأنه أبطل أمانَه، وما في دار الإسلام من ماله على خطر، فإن أُسِرَ، أو ظُهِرَ على الدار فَقُتِلَ: سقطت ديونُه، وصارت الوديعةُ فيئاً. أما الوديعة: فلأنها في يده تقديراً؛ لأن يدَ المودَع كيده، فيصير فيئا تبعاً لنفسه. وأما الدين: فلأن إثباتَ اليد عليه بواسطة المطَالبة، وقد سقطت، ويدُ مَنْ عليه أسبقُ إليه من يد العامة فَيَخْتَصُّ به فيسقط. وإِن قُتِلَ ولم يُظْهَرْ على الدار: فالقرض والوديعة لورثته، وكذلك إذا مات؛ لأن نفسَه لم تَصِرْ مغنومةً، فكذلك مالُه؛ وهذا لأن حكمَ الأمان باقٍ في ماله فُرَدُّ عليه، أو على ورثته من بعده. تبعاً للزوج: فإن في يده طلاقها، والمضي عنها بخلافها، فحين أقدمت عليه كانت ملتزمة بما يأتي منه، ومنه عدم الطلاق ومنعها من الخروج إلى دارها، فتصير ذمية فيوضع الخراج على أرضها ونحو ذلك. [فتح القدير ٢٧٢/٥] فيصير [أي الوديعة] فيئاً إلخ: فيوضع في بيت المال لعامة المسلمين في ظاهر الرواية، وعند أبي يوسف بحظه أنها يختص به المودع؛ لما ذكره المصنف في الدين. وأما الدين فيسقط عمن في ذمته؛ لأن ثبوت يده عليه منتف إذ قد صار ملكاً للمديون، وإنما هي ثابتة باعتبار ثبوت حق المطالبة، وقد سقطت باستغنامه فيسقط الدين، وإذا حققت هذا ظهر لك أن اختصاص المديون به ضروري غير محتاج إلى تعليله بأن سبقت يده إليه. [فتح القدير ٢٧٣/٥] وقد سقطت: بسبب كونه مقتولاً أو مأسوراً. ويد من عليه: أي مطالبة الحربي عن المديون. يد العامة: أي يد كل واحد من الناس لسبق يده. ولم يظهر: على صيغة المجهول أيضاً أي لم يغلب عليها. (البناية) إذا مات: هذا الحربي حتى يكون قرضه وديعة لورثته. (البناية) من بعده: لأن يد المودع كيده. [البناية ٢٧٣/٩] ٢٦٨ باب المستأمن قال: وما أوجف المسلمون عليه من أموال أهل الحرب بغير قتال: يُصْرَفُ في مصالح القدوري المسلمين، كما يصرف الخراج، قالوا: هو مثل الأراضي التي أَجْلَوْ أهلَها عنها والجزية، مشايخنا ولا خمسَ في ذلك. وقال الشافعي بح اله: فيهما الخمس؛ اعتبارا بالغنمية. ولنا: ما روي أنه عليَا أخذَ الجزية، وكذا عمر ومعاذ ثُما، ووضع في بيت المال ولم يخمس،* ولأنه مال مأخوذ بقوة المسلمين من غير قتال، بخلاف الغنيمة؛ لأنه مملوك بمباشرة الغانمين، وبقوة المسلمين فاستحق الخمس بمعنىٍّ، واستحقه الغانمون بمعنىًّ، وفي هذا السبب واحد، وما أوجف المسلمون: وجف البعير وجفاً، ووجيفاً وهو ضرب من مشي الإِبل وربما استعمل في الخيل، وأو جفت البعير إذا حملته على الوجيف، والمعنى الذي أوجف عليه المسلمون أي اعملوا أخيالهم وركائبهم. [البناية ٢٧٣/٩ -٣٧٤] في مصالح المسلمين: كعمارة الرباطات والقناطير والجسور وسد الثغور، وكرى الأنهار العظام التي لا ملك لأحد فيها كجيحون والفرات ودجلة، ومن مصالح المسلمين الصرف ألى أرزاق القضاة والولاة والمحتسبين، والمعلمين وأرزاق المقاتلة. [البناية ٢٧٤/٩] أَجْلَوْ أهلها: يقال : أجلى السلطان القوم وجلاهم، يتعدى بلا همزة أي أخرجهم. [فتح القدير ٢٧٣/٥] أخذ الجزية: يعني من مجوس هجر. (البناية) وكذا عمر: أي من أهل السواد. (البناية) ومعاذ: يعني أهل اليمين. (البناية) لأنه: أي لأن الغنيمة بتأويل المغنوم. [البناية ٢٧٦/٩] وبقوة المسلمين: من غير قتال بل بوقوع الرعب في قلوب الكفار من قوة المسلمين. [الكفاية ٢٧٤/٥] بمعنى: وهو مباشرتهم القتال. [البناية ٢٧٧/٩] وفي هذا: أي فيما أوجف المسلمون عليه السبب واحد، وهو الرعب بقوة المسلمين؛ لأنه لم يوجد السعي من الغزاة، فلم ينقض الاستحقاق، فكان بين جماعة المسلمين، وهو ما ذكرناه؛ إشارة إلى قوله: لأنه مال مأخوذ بقوة المسلمين من غير قتال، فلا معنى لإيجاب الخمس. [البناية ٢٧٧/٩] *أخرج أبوداود في كتاب الخراج عن ابنٍ لِعَدِيٍّ بن عدي الكندي، أن عمر بن عبد العزيز كتب: أن من سأل عن مواضع الفيء فهو ما حكم فيه عمر بن الخطاب مثله، فرآه المؤمنون عدلاً موافقاً لقول النبي . جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه، فرض الأعطية للمسلمين، وعقد لأهل الأديان ذمة بما فرض عليهم من الجزية لم يضرب فيها بخمس ولا مغنم. [رقم: ٢٩٦١، باب في تدوين العطاء] ٢٦٩ باب المستأمن وهو ما ذكرناه، فلا معنى الإيجاب الخمس. وإذا دخل الحربيُّ دارنا بأمان، وله امرأة في الباقى إلى دار الإسلام وهو الرعب دار الحرب، وأولاد صغار وكبار، ومالُ أودع بعضه ذمّاً، وبعضه حريّاً، وبعضَه مسلماً، فأسلم ههنا، ثم ظُهرَ على الدار: فذلك كله فيء. أما المرأة وأولاده الكبار فظاهر؛ لأنهم في دار الإسلام حريبون كبار، وليسوا بأتباع، وكذلك ما في بطنها لو كانت حاملاً؛ لما قلنا من قبل، البلوغ وأما أولاده الصغار: فلأن الصغير إنما يصير مسلماً تبعاً لإسلام أبيه، إذا كان في يده وتحت ولايته، ومع تباين الدارين لا يتحقق ذلك، وكذا أمواله لا تصير محرزةً بإحرازه نفسه لاختلاف الدارين، فبقي الكلَّ فيئاً وغنيمة. وإن أسلم في دار الحرب، ثم جاء فظُهِرَ على الدار: فأولاده الصغارُ أحرار مسلمون تبعاً لأبيهم؛ لأنهم كانوا تحت ولايته حين أسلم؛ إذ الدار واحدة. وما كان من مالٍ أودعه مسلماً، أو ذمياً: فهو له؛ لأنه في يد محترمة ويدُه كيده، وما سوى ذلك فيء، أما المرأة وأولاده الكبار؛ فلما قلنا، وأما المال الذي في يد الحربي، فلأنه لم يَصْرِ معصوماً؛ لأن يد الحربي ليست يداً محترمة. لما قلنا: إشارة إلى ما قال في باب الغنائم بقوله: ولنا أنه جزؤها فيرق برقها. (البناية) لإسلام أبيه: وههنا أولاده في دار الحرب، وهو في دار الإسلام. تباين الدارين: أي دار الإسلام ودار الحرب. (البناية) وما كان من إلخ: وإنما قيد بالإِيداع؛ لأنه إذا كان غصباً في أيديهما يكون فيئاً لعدم النيابة، وعند أبي يوسف ومحمد لهما: يجب أن لا يكون فيئاً، إلا ما كان غصباً عند حربي على قياس ما إذا أسلم الحربي في دار الحرب، فلم يخرج حتى ظهر على الدار. فالجواب فيه أن ما كان وديعة عند حربي، أو غصباً من مسلم أو ذمي، أوضائعاً فهو فيء عند أبي حنيفة بحاثه، وقال أبو يوسف ومحمد بحثًا: لا يكون فيئاً، كذا في "الجامع الصغير" لفخر الإسلام بحثه. [الكفاية ٢٧٥/٥] وما سوى ذلك: أراد به المرأة وأولاده الكبار، والمال الذي غصبه مسلم أو ذمي، وما كان مودعاً عند حربي. [البناية ٢٧٩/٩] فلما قلنا: إشارة إلى قوله: حربيون كبار وليسوا بأتباع. [العناية ٢٧٤/٥] ٢٧٠ باب المستأمن وإذا أسلم الحربي في دار الحرب، فقتله مسلم عمداً أو خطأً، وله ورثة مسلمون هنالك: فلا شيءَ عليه إلا الكفارةُ في الخطأ. وقال الشافعي بسطله: تجب الدية في الخطأ، والقصاصُ في العمد؛ لأنه أراق دما معصوماً لوجود العاصم وهو الإِسلام؛ لكونه مستحلباً للكرامة؟ وهذا لأن العصمة أصلُها المؤثمةُ لحصول أصل الزجر بها، وهي ثابتة إجماعاً، والمقومة كمال فيه لكمال الامتناع به، فيكون وصفاً فيه، فتتعلق بما علق به الأصل. ولنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوِّلَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِبُرُ رَقَةِمُؤْمِنَةٍ﴾ الآية، إلا الكفارة: وهي الرواية المشهورة عن أبي حنيفة وأبي يوسف بحثًا، وفي "الجامع الصغير وغيره، وروي عن أبي حنيفة له أنه قال: لا دية عليه، ولا كفارة من قبل أن الحكم لم يجر عليهم. [البناية ٢٧٩/٩-٢٨٠] لأنه أراق إلخ: وتحقيقه: أن العصمة تثبت نعمة وكرامة، فتعلق بماله أثر في استحقاق الكرامات، وهو الإِسلام؛ إذ به تحصل السعادة الأبدية، لا بالدار التي هي جماد لا أثر لها في استحقاق الكرامة. [العناية ٢٧٤/٥-٢٧٥] لكونه: أي لكون الإِسلام جالباً للكرامة وموجباً لها. وهذا: أي وجوب الدية في الخطأ، والقصاص في العمد، إنما كان مبنياً على وجود العاصم الذي هو الإسلام؛ لأن العصمة إلخ. (العناية) أصلها المؤثمة: فإن من علم أنه يأثم بقتل ينزجر عنه نظراً إلى الجلبة السليمة عن الميل عن الاعتدال. (العناية) إجماعاً: فإنه لا قائل بعدم الإِثم على من قتل مسلماً في أي موضع كان. [العناية ٢٧٥/٥] كمال فيه: أي في أصل العصمة: وذلك؛ لأنه لما وجب الإِثم والمال، كان ذلك أكمل من الذي وجب فيه الإِثم دون المال. فيتعلق الكمال وهو العصمة المقومة بما علق به الأصل وهو العصمة المؤثمة أي تعلقت العصمة المؤثمة بالإِسلام كما تعلقت به العصمة المؤثمة، فتحب الدية، والكفارة في قتل الحربي الذي أسلم في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا. [الكفاية ٢٧٥/٥] ولنا قوله تعالى إلخ: توضيحه: أن الله تعالى قال في سورة النساء: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأْ فَتَحْرِيرُ رَقَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية، يعني من قتل أحداً من المؤمنين خطأ غير قاصد قتله بأن رمى سهماً إلى صيد فَوَصله، ونحو ذلك، فعليه جزاؤه شيئان: أحدهما: تحرير رقبة مؤمنة، ولا يجزئ كافرة، فإن لم يستطع على تحرير رقبة كذلك، فعليه صيام شهرين متتابعين. وثانيهما: أداء دية مسلمة إلى أهل المقتول إلا أن يعفو أولياء المقتول القاتل، فحينئذ يسقط عنه الدية، فقد جعل الله تعالى في هذه الآية تحرير رقبة جميع الموجب، فلابد أن لا يجب غيره .= ٢٧١ باب المستأمن جعل التحريرَ كلّ الموجب رجوعاً إلى حرف الفاء، الله تعالى = والدليل على أنه جعل كل الموجب أمران: أحدهما: أنه تعالى قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقْبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ بحرف الفاء، والفاء للجزاء، والجزاء في اللغة بمعنى الكفاية، فيعلم أن التحرير كاف لا موجب غيره، كذا قرره جماعة من الشراح، وفيه نظر فإن الفاء ليست موضوعة لكلمة الجزاء التي بمعنى الكفاية حتى يستفاد منها كفاية ما ذكر. فالأولى أن يقرر بأن الفاء موضوع للجزاء، فكأنّ الله تعالى قال: ومن قتل مؤمنا خطأ فجزاؤه تحرير رقبة مؤمنة، فكان لفظ الجزاء مقدراً في الكلام مأخوذاً من حرف الفاء، والجزاء بمعنى الكفاية، فأفاد أنه الكافي، فإن قلت: قد يكون لشيء واحد جزاءان، أو أجزية. قلت: لا كلام في ذلك، وإنما الكلام في أنه تعالى لما جعل التحرير جزاء للقتل، ولم يذكر غيره، أفاد أن هذا الجزاء المذكور هو الكافي، ولو كان له جزاء آخر لم يصح جعله التحرير جزاء؛ لأنه حينئذ لا ايصح أن يقال للتحرير الذي هو أحد الأجزية: إنه جزاء أي كاف للقتل. ٠ وثانيهما: أنه تعالى ذكر في جزاء القتل التحرير فقط، ولم يذكر غيره، فصار كل المذكور، وأفاد أنه الجزاء لا غير: لأنه لو كان له جزاء غيره أيضاً لذكره أيضاً؛ لأن المقام مقام البيان والإيضاح، ومن المعلوم أن السكوت في معرض البيان بيان، ولعلك تتفطن من ههنا الفرق بين التقريرين، وهو أن التقرير الأول مبني على لفظ الفاء. والثاني مبنى على كونه مذكوراً دون غيره مع قطع النظر عن إطلاق الجزاء عليه، والمقصود منهما واحد، وهو إثبات التحرير للقتل فقط، وإنتفاء غيره هذا. ولنا قوله تعالى إلخ: قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْ مِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّ خَطَأْ﴾ استثناء منقطع أي لكن إن وقع خطأ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي فعليه إعتاق رقبة مؤمنة وكفارة، ﴿وَدِيَةٌ مُسَلّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، أي أهل القتيل الذين يرثونه إلا أن يصدقوا أى يتصدقوا بالدية، ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوِّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أراد به إذا كان الرجل في دار الحرب منفرداً مع الكفار وهو مسلم، فقتله من لا يعلم إسلامه فلا دية عليه، وعليه الكفارة. إلى حرف الفاء: قرره صاحب "العناية" وتبعهما العيني في "البناية" بأن الفاء للجزاء، وهو اسم لما يكون كافياً يقال: جزى أي كفى، فعلم أن تحرير الرقبة كاف في كونه موجباً. وردّهم ابن الهمام ونسب هذا التقرير إلى السهو؛ لأن المراد بقول النحاة: الفاء للجزاء أنها دالة على أن ما بعدها مسبب عما قبلها، فسمي السبب جزاء اصطلاحاً، لا أن الفاء موضوع للفظ الجزاء الذي هو بمعنى الكفاية لغة، کما لا يخفى. وعندي أنه ليس المراد من قولهم: الجزاء بمعنى الكفاية أن لفظ الجزاء الموضوع له للفاء بمعنى الكفاية، فينتفي غيره حتى يرد عليه ما أورده ابن الهمام ويكون تقريرهم سهواً، بل غرضهم أن الفاء ههنا لبيان جزاء القتل، فمعنى قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةِ﴾ فجزاؤه تحرير رقبة، والجزاء بمعنى الكفاية إلخ، هذا غاية ما يقال لتصحيح الكلام، والعلم عند العزيز العلام. ٢٧٢ باب المستأمن أو إلى كونه كل المذكور فينتفى غيره، ولأن العصمة المؤثمة بالآدمية؛ لأن الآدمى خلق ـو متحملاً أعباءَ التكليف، والقيام بها بحرمة التعرض، والأموال تابعة لها. أما المقومة فالأصل فيها الأموال؛ لأن التقوم يؤذن بجبر الفائت، وذلك في الأموال دون النفوس؛ لأن من شرطه التماثل، وهو في المال دون النفس، فكانت النفوسُ تابعة، ثم العصمة المقومة في الأموال بالإِحراز بالدار؛ لأن العزة بالمنعة، فكذلك في النفوس إلا أن الشرع أو إلى كونه إلخ: لأنه لم يذكر غيره، وذلك يقتضي انتفاء غيره؛ لأن قصد الشارع في مثله إخراج العبد عن عهدة الحكم المتعلق بالحادثة، ولا يتحقق ذلك إلا ببيان كل الحكم بلا إخلال، فلو كان غيره من تتمة الحكم لذكره. [العناية ٢٧٥/٥] ولأن العصمة إلخ: دليل معقول على عدم العصمة المقومة الموجبة للدية في دار الحرب، ومشتمل على بيان أن العصمة المقومة ليست بوصف كمال في العصمة المؤثمة فتكون تابعة لها. وبيان ذلك: أن العصمة المؤثمة بالآدمية؛ لأن الآدمي خلق متحملاً أعباء التكاليف أي أثقالها، ومن خلق لشيء وجب عليه القيام به، فالآدمي وجب عليه القيام بأعباء التكاليف، والقيام بها بحرمة التعرض أي إنما يتحقق له القيام بها إذا كان حرام التعرض، فالآدمي وجب عليه أن يكون حرام التعرض مطلقاً إلا أن الله تعالى أبطل ذلك في الكافر بعارض الكفر، فإذا زال الكفر بالإِسلام، عاد إلى الأصل، والأموال تابعة لها أي للآدمية التي تثبت العصمة المؤثمة؛ لأنها خلقت في الأصل مباحة، وإنما صارت معصومة لتمكن الآدمي من الانتفاع في حاجته فكانت تابعة للآدمي. [العناية ٢٧٦/٥] بالآدمية: لا بوصف الإسلام، كما زعمه الخصم. (نهاية) أعباء: أي أثقاله جمع عبء بالكسر. تابعة لها: فوجوب الكفارات تبعا للزجر. وذلك: أي جبر الفائت في الأموال دون النفوس؛ لأنه إنما يحصل بالمثل صورة ومعنى، أو معنى فقط، ولا مماثلة بين النفوس، وما يجبر به لا صورة ولا معنى على ما عرف في الأصول، فكانت النفوس تابعة للأموال في العصمة، ومن هذا علم أن العصمة المؤثمة أصل مستقل في شيء، والعصمة المقومة أصل مستقل في شيء آخر، وليس أحدهما بكمال في الآخر، ولا وصف زائد عليه. [العناية ٢٧٦/٥] بالإحراز بالدار: لأنها عزة، والعزة بالمنعة. بالمنعة: فلا يجب القصاص والدية فيما نحن فيه أي بمنعة المسلمين؛ لأن التقويم ينبئ عن خطر المحل، وهو إنما يثبت إذا كان ممنوعاً عن الأخذ، فإن ما تصل إليه الأيدي بلا منازع لا يكون خطيراً كالماء والتراب، فعلقنا التقويم بالإحراز. إلا أن الشرع إلخ: هذا جواب من قال: المسلم الذي أسلم في دار الحرب له منعة أيضاً، وهم الكفار. [الكفاية ٢٧٦/٥-٢٧٧] ٢٧٣ باب المستأمن أسقط اعتبارَ منعة الكفرة؛ لما أنه أوجب إبطالها، والمرتد والمستأمن في دارنا من أهل دارهم حكماً لقصدهما الانتقال إليها. ومن قتل مسلماً خطأً لا وليَّ له، أو قتل حريّاً دخل إلينا بأمان، فأسلم: فالدية على علقيلته للإمام، وعليه الكفارة؛ لأنه قتل نفساً معصومة خطأً، فُيُعتبر بسائر النفوس المعصومة، ومعنى قوله: "للإمام" أن حقَّ الأخذ له؛ محمد لأنه لا وارث له. وإن كان عمداً: فإن شاء الإمام قتله، وإن شاء أخذ الدية؛ لأن النفس معصومة، والقتل عمد، والوليّ معلوم، وهو العامة، أو السلطان، قال علي: "السلطان ولي من لا ولي له" .* وقوله: "وإن شاء أخذ الدية"، معناه: بطريق الصلح؛ لأن موجب العمد، وهو القوَد عيناً؛ وهذا لأن الدية أنفع في هذه المسألة من القود، القصاص فلهذا كان له ولاية الصلح على المال، وليس لو أن يعفو؛ لأن الحقَّ للعامة، وولايْتُه الإمام نظرية، وليس من النظر إسقاطُ حقِّهم من غير عوض. لما أنه أوجب إلخ: أي أن الشرع سلطنا على إبطال منعة الكفرة، وإذا لم توجد المنعة لا يوجب الإحراز، وإذا لم يوجد الإحراز لا توجد العصمة المقومة، وإذا لم توجد العصمة المقومة لا تجب الدية. (البناية) والمرتد والمستأمن إلخ: وهذا جواب عما يقال: إن المرتد والمستأمن محرز بدار الإِسلام ذاتاً، فيجب أن يتقوما ولم يتقوما حتى لا تجب الدية بقتلهما، فأجاب بأنهما من أهل دارهم حكماً. [البناية ٢٨٦/٩] إليها: أي إلى دار الحرب. [البناية ٢٨٦/٩] على عاقلته: وفي بعض النسخ: على العاقلة للإمام، أما المسلم: فلقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ﴾ الآية، وأما المستأمن: فلأنه لما أسلم صار من أهل دارنا، فصار حكمه حكم سائر المسلمين. [البناية ٢٨٧/٩] وهذا: أي جواز أخذ الدية هنا. [البناية ٢٨٨/٩] نظرية: ولا نظر في العفو. *تقدم في أوائل النكاح. [نصب الراية ٤٣٧/٣] أخرج ابن حبان في "صحيحه" عن عائشة أن رسول الله صل قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له". [١٥٢/٣] ٢٧٤ باب العُشْر والخراج باب العُشْر والخراج قال: أرضُ العرب كُلُّها أرضُ عُشْرِ، وهي ما بين العُذَيْب إلى أقصى حَجَر باليمن القدوري بمهرة إلى حد الشام، والسواد أرض خراج، وهو ما بين العذيب إلى عقبة حُلوان، ٥ العشر والخراج: لما ذكر ما يصير به المستأمن ذمياً ذكر ما ينوبه من الوظائف المالية إذا صار ذمياً، وذلك هو الخراج في أرضه ورأسه، وفي تفاريعهما كثرة، فأوردهما في بابين، وقدم ذكر العشر؛ لأن فيه معنى العبادة، والعشر لغة: واحد من العشرة، والخراج ما يخرج من نماء الأرض، أو نماء المال، وسمي به ما يأخذه السلطان من وظيفة الأرض والرأس، وحدد الأراضي العشرية والخراجية أولاً؛ لأنه أضبط، فقال: أرض العرب كلها إلخ. [فتح القدير ٢٧٨/٥] وهي: أي أرض العرب، وفي بعض النسخ: وهو. قال الكاكي بدلته: ذكره بالنظر إلى خبره وهو ما يعني كلمة ما التي في قوله: ما بين العذيب إلى أقصى حجر باليمن بمهرة إلى حد الشام بضم العين المهملة وفتح الذال المعجمة وبالباء الموحدة وهو ماء لتميم، والحجر بفتحتين، يعني الصخر؛ لأنه وقع في أمالي أبي يوسف سله، الصخر موضع الحجر، ويظهر من ذلك أن من روى بسكون الجيم، وفسره بالجانب، فقد حرف، ومهرة بالفتح والسكون اسم رجل، وقيل: اسم قبيلة، تنسب إليها الإبل المهرية، وسمي ذلك المقام به، فيكون بمهرة بدلاً من قوله باليمن، هذا طول أرض العرب. وأما عرضها من يبرين والدهناء ورمل عالج أسماء مواضع إلى مشارف الشام أي قراها، والسواد أرض خراج أي أرض سواد العرق، أي قراها أرض خراج، وبه صرح التمرتاشي، وسمي السواد به؛ لخضرة أشجاره وزروعه، وهو أي السواد ما بين العذيب إلى عقبة حلوان بضم الحاء اسم بلد. وقال الأتراري: المراد من السواد المذكور: سواد كوفة، وهو سواد العراق وحده من العذيب إلى عقبة حلوان عرضاً، ومن العلث إلى عبادان طولاً، وأما سواد البصرة قال: الأهواز وفارس. وقال المصنف بحثه: ومن الثعلبية، ويقال: من العلث بفتح العين وسكون اللام وبالثاء المثلثة قرية موقوفة على العلوية، وهو أول العراق شرقي دجلة، وعبادان بتشديد الباء الموحدة حصن صغير على شط البحر. قال الأتراري: وما قيل من الثعلبية إلى عبادان: فغلط؛ لأن الثعلبية من منازل البادية بعد العذيب بكثير. [البناية ٢٨٩/٩-٢٩٠] ما بين العذيب: أي إلى آخر جزء من أجزاء اليمن. [فتح القدير ٢٧٨/٥] أقصى حجر باليمن: وهذا طولها، ومن يبرين والدهناء ورمل عالج أسماء مواضع إلى مشارف الشام أي قراها عرضها. [العناية ٢٧٨/٥] ٢٧٥ باب العُشْر والخراج ٥ ومن الثعلبية- ويقال: من العَلْث - إلى عَبَّادان؛ لأن النبى عليها والخلفاء الراشدين ضّما ٥٠ لم يأخذوا الخراج من أراضي العرب،* ولأنه بمنزلة الفيء، فلا يثبت في أراضيهم كما لا يثبت في رقابهم، وهذا لأن وضعَ الخراجِ من شرطه أن يُقَرَّ أهلُها على الكفر، كما في العرب سواد العراق، ومشركوا العرب لا يقبل منهم إلا الإِسلامُ أو السيف، وعمر نظريّنه، حين فتح السوادَ وَضَعَ الخراجَ عليها بمحضرٍ من الصحابة ◌ّه، ووضع على مصرَ حين افتحها عمرو بن العاص، وكذا اجتمعت الصحابة فيه، على وضع الخراج على الشام. قال: وأرض السواد مملوكة لأهلها، يجوز بيعهم لها، وتصرفُهم فيها؛ لأن الإمام إذا فتح أرضاً عُنْوةً وقهراً، له أن يقر أهلَها عليها، ويَضَعَ عليها وعلى رؤوسهم الخراج، فتبقى الأراضي مملوكةً لأهلها، وقد قدمناه من قبل. قال: وكلُّ أرضٍ أسلم أهلُها، أو فتحت عنوة، وقسمت بين الغانمين: فهي أرض عشر؛ لأن الحاجة إلى ابتداء التوظيف على المسلم، عبّادان: قرية مشهورة تحت البصرة مقصودة للزيارة، وكان قديماً من ثغور المسلمين، ويروى في فضائلها أحاديث غير ثابتة، كذا قال الحازمي في "المؤتلف والمختلف"، والعذيب منزل لحاج العراق قريب من الكوفة، وهو حد السواد. أراضي العرب: والأرض لا تخلو من أحد الحقين، يعني العشر والخراج، فدل أن الذي ذكره المصنف بدله أن أرض العرب عشرية: ولو فعله عليها: لقضت العادة بنقله، ولو بطريق ضعيف، فلما لم ينقل دل قضاء العادة على أنه لم يقع. [فتح القدير ٢٧٨/٥] وهذا: أي عدم وضعه على العرب. (البناية) أو السيف: كما ثبت في بعض الأحاديث. فتح السواد: وكان فتح سواد العراق على يد سعد بن أبي وقاص مثله. [البناية ٢٩١/٩] على الشام: هذا معروف بينهم. وقد قدمناه: أي في باب قسمة الغنائم. (البناية) "روى أبوعبيد القاسم بن سلام في " كتاب الأموال" حدثنا هشيم بن بشير أنبأ العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي قال: لما افتتح المسلمون السواد، قالوا لعمر: اقسمه بيننا؛ فإنا فتحناه عنوة، قال: فأبى، وقال: ما لمن جاء بعدكم من المسلمين، قال: فأقر أهل السواد في أرضهم وضرب على رؤسهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج. [٥٧/١] [نصب الراية ٤٣٨/٣] ٢٧٦ باب العُشْر والخراج والعشرُ أليقُ به؛ لما فيه من معنى العبادة، وكذا هو أخف حيث يتعلق بنفس الخارج. وكل أُرض فُتِحَتْ عنوةً، فأُفِرَّ أهلُها عليها: فهي أرض خراج، وكذا إذا صالحهم؛ لأن الحاجة إلى ابتداء التوظيف على الكافر، والخراج أليقُ به، ومكة مخصوصة من هذا، فإن رسول الله عليّ فتحها عنوةً، وتركها لأهلها، ولم يوظّف الخراج .* وفي "الجامع الصغير": كل أرض فُتِحَتْ عنوةً، فوصل إليها ماءُ الأنهار، فهي أرض خراج، وما لم يصل إليها ماءُ الأنهار واسْتُخرج منها عين، فهي أرض عشر؛ لأن العشر يتعلق بالأرض النامية، ونماؤها بمائها، فيعتبر السقي بماء العشر، أو بماء الخراج. معنى العبادة: ولهذا يصرف مصرف الصدقات. (البناية) حيث يتعلق: لا بالتمكن كما في الخراج. والخراج أليق: لأن فيه معنى العقوبة للتعلق بالتمكن من الزراعة، وإن لم يزرع. [فتح القدير ٢٧٩/٥] وفي الجامع الصغير: قد علم من عادة المصنف أنه إذا وقعت مخالفة بين ما في القدوري و"الجامع الصغير" أو زيادة في "الجامع": يقول بعد لفظ القدوري، وفي "الجامع الصغير" إلى آخره، وهنا المخالفة ظاهرة. [فتح القدير ٢٨٠/٥] أرض خراج: يعني سواء قسمت بين الغانمين، أو أقر أهلها عليها، وذكر لفظ "الجامع الصغير" لهذه الفائدة. [العناية ٢٨٠/٥] *فيه أحاديث استدل بها العلماء على أن مكة فتحت عنوة. [نصب الراية ٤٣٩/٣] منها: ما أخرجه مسلم عن عبدالله بن رباح عن أبي هريرة أنه ذكر فتح مكة، فقال: أقبل رسول الله (، حتى دخل مكة، فبعث الزبير على إحدي المجنبتين وبعث خالداً على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الجسر، وأخذوا بطن الوادي، ورسول الله 3ّ في كتيبة، قال: فنظر إليّ وقال: يا أبا هريرة، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: اهتف لي بالأنصار، فلا يأتيني إلا أنصاري، فهتف بهم فجاءوا، فأطافوا برسول الله ◌ُّ ووبشت قريش أوباشها، فقال لهم: ألا ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم، ثم قال بيده فضرب إحداهما على الأخرى، وقال: أحصدوهم حصداً حتى توافوني بالصفا، قال أبو هريرة: فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل من شاء منهم إلا قتله ما توجه أحد منهم إلينا شيئاً، وصعد رسول الله في الصفا، وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله صلّ: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، الحديث. [رقم: ١٧٨٠، باب فتح مكة] ٢٧٧ باب العُشْر والخراج قال: ومن أحيا أرضاً مواتاً: فهي عند أبي يوسف ملكه معتبرة بخيِّزِها، فإن كانت من القدوري حَيَّزِ أرض الخراج، ومعناه: بقربه، فهي خراجية، وإن كانت من حيز أرض العشر: فهي عُشْرِيَّة. والبصرة عنده عُشْرية بإجماع الصحابة ﴿ه؛ لأن حيز الشيء يعطى له حكمُه كفناء الدار يعطى له حكم الدار، حتى يجوز لصاحبها الانتفاع به، وكذا لا يجوزُ أخذ ما قرب من العامر، وكان القياس في البصرة: أن تكون خراجية؛ لأنها من حيز أرض الخراج، إلا أن الصحابة ﴿ه، وَظّفُوا عليها العشرَ، قُرِكَ القياسُ لإجماعهم. وقال محمد بنله: إن أحياها حفرها، أو بعين استخرجها، أو ماء دجلة والفرات، ومعناه: أي معنى قول القدوري. (البناية) عنده: أي عند أبي يوسف. بإجماع الصحابة: كما ذكره أبو عمر بن عبدالبر. [فتح القدير ٢٨١/٥] لأن: هذا دليل أبي يوسف بله على مذهبه. [البناية ٢٩٨/٩] حتى يجوز إلخ: أي يجوز لصاحب الدار الانتفاع بفناء داره، وإن لم يكن الفناء ملكاً له لاتصاله بملكه، وقد ذكر في "المبسوط": أنه لو قال المستأجر للأجراء: هذا فنائي ليس لي فيه حق الحفر، فحفروا فيه بشراً، فمات فيه إنسان، فالضمان على الأجراء قياساً، وفي الاستحسان: لا ضمان؛ لأن كونه فناء له بمنزلة كونه مملوكاً لهم لإطلاق يده في التصرف فيه من إلقاء الطين والحطب، وربط الدواب وبناء الدكان. ما قرب من العامر: وفي بعض النسخ: وكذا لا يجوز إحياء ما قرب من العامر؛ لأن لأهل العامر حق الانتفاع فيما قرب من العامر. [البناية ٢٩٨/٩] وكان القياس إلخ: [أي عند أبي يوسف] لا يظن في إعادة قوله: وكان القياس في البصرة أن تكون خراجية تكرار؛ لأن الأول رواية القدوري، والثاني ذكره شرحاً لذلك. [العناية ٢٨١/٥] ماء دجلة: هي نهر معروف بالعراق بكسر الدال وسكون الجيم، ولا يدخلها الألف واللام، قال أبو الفتح الهمداني: يجوز أن يكون مشتقة من قولهم: بعير مدجل أي مطلى بالقطران طلياً كثيراً، وبذلك سمي الدجال؛ لأنه مطلى بالكفر والعناد، ويجوز أن يكون مشتقة بمعنى الكثرة. والفرات بضم الفاء الممدودة في الخط في حالتي الوصل والوقف: وهو النهر المعروف بين الشام والجزيرة، وربما قيل: بين الشام والعراق. قال الحازمي في "المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن": مطلع الفرات من بلاد الروم، ومنقطعه في أعمار البصرة. ٢٧٨ باب العُشْر والخراج والأنهار العظام التي لا يملكها أحد: فهى عشرية، وكذا إن أحياها بماء السماء، وإن أحياها هي عشرية بماء الأنهار التي احتفرها الأعاجم مثل نهر المَلِكِ، ونهر يزدجرد، فهي خراجية؛ لما ذكرنا من اعتبار الماء؛ إذ هو السببُ للّماء، ولأنه لا يمكن توظيفُ الخراج ابتداء على المسلم كرهاً، فيعتبر في ذلك الماء؛ لأن السقيَ بماء الخراج دلالة التزامية. قال: والخراج الذي وضعه على التزام الخراج ١٤ عمر نظّته على أهل السواد، من كل جَرِيبٍ يبلغه الماء قفيز هاشمي -وهو الصاع ودرهم- بماء السماء: أي المطر النازل من السماء. مثل نهر الملك: على طريق الكوفة من بغداد [العناية ٢٨١/٥] والمراد من الملك: کسری نوشیروان بن قباد، و کان جمیع ملکه سبعاً وأربعين سنة، وسبعة أشهر، ويزدجرد هو آخر ملوك العجم، فقتل بمرو، وكان ذلك في سنة إحدى وثلاثين في خلافة عثمان نظره. [البناية ٢٩٩/٩] من اعتبار الماء: إشارة إلى قوله: لأن العشر يتعلق بالأرض النامية، ونماؤها بمائها. [العناية ٢٨١/٥] ولأنه لا يمكن إلخ: أن المراد بموضوع المسألة أعني قوله: من أحيا أرضاً مواتاً وهو مسلم، ولابد من ذلك؛ لأنه لو أحياها ذمي كانت خراجية سواء سقيت عند محمد بماء السماء أو نحوه، أو لا، وسواء كانت عند أبي يوسف من حيز أرض الخراج، أو العشر. وظهر منه أيضاً أن كون المسلم لا يبتدأ بتوظيف الخراج، كما ذكره محمد في "الزيادات": هو فيما إذا لم يكن له صنع يستدعى ذلك وهو السقي بماء الخراج. [فتح القدير ٢٨١/٥] من كل جريب: هو أرض طولها ستون ذراعاً بذراع الملك كسرى يزيد على ذراع العامة بقبضة، وهي ست قبضات وذراع الملك سبع قبضات، كذا في "المغرب"، وذكر التمرتاشي أن طول الجريب ستون ذراعاً وعرضه ستون ذراعاً. وهو الصاع: قال الأتراري بطلبه: اعلم أن القفيز الواجب في الخراج مطلق عن قيد الهاشمي، والحجاجي في أكثر نسخ الفقه، كالكافي للحاكم الشهيد، والشامل في شرح الطحاوي، وشروح "الجامع الصغير". وقال الولوالجي بحالته في "فتاواه": القفيز هو الحجاجي وهو ثمانية أرطال، وهو صاع رسول الله ﴾، وكذلك في "خلاصة الفتاوى": فإذا كان الحجاجي هو صاع رسول الله (ّ، فكيف يقيد صاحب "الهداية" طلبه بالهاشمي، وهو اثنان وثلاثون رطلاً. وقال محمد: القفيز قفيز الحجاج، وهو ربع الهاشمي، وهو مثل الصاع الذي في عهد النبي ◌َّ ثمانية أرطال، وقال الأتراري بلته: والمراد من القفيز الواجب: قفيز ما يزرع فيها، كذا في "شرح الطحاوي"، وقال الإمام ظهير الدين باله: إنه قفيز من حنطة أو شعير، والمراد من الدرهم: درهم بوزن سبعة. [البناية ٣٠٠/٩] ٢٧٩ باب العُشْر والخراج وُ ومن جريب الرطبة خمسة دراهم، ومن جريب الكرم المتصل، والنخيل المتصل عشرة دراهم، وهذا هو المنقول عن عمر ظنّه، فإنه بعث عثمان بن حنيف حتى يمسح سوادَ العراق، وجعل حذيفةَ مشرفاً عليه، فمسح فبلغ ستاً وثلاثين ألف ألف جريب،* ووضع على ذلك ما قلنا. وكان ذلك بمحضر من الصحابة قيه، من غير نكير، فكان إجماعاً منهم، ولأن المُؤَنَ متفاوتة، فالكرم أخفُّها مؤنة، والمزارعُ أكثرها مؤنة، والرِّطَابُ بينهما، والوظيفة تتفاوت بتفاوتها، فحُعِلَ الواجبُ في الكرم أعلاها، وفي الزرع أدناها، وفي الرطبة أوسطها. قال: وما سوى ذلك من الأصناف كالزعفران والبستان وغيره: صاع ودرهم الزرع والكرم خمسة دراهم القدوري الرطبة: الرطبة: بفتح الراء. قال في "المغرب" المفرد والجمع رطاب، والرطاب هو القثاء والبطيخ والباذنجان، وما يجري مجراه، انتهى. [البناية ٣٠١/٩] المتصل: فقيد الاتصال يفيد أنها لو كانت متفرقة في جوانب الأرض، ووسطها مزروعة، فلا شيء فيها، بل المعتبر وظيفة عمر ته في الزروع، وكذا لو غرس أشجاراً غير مثمرة ولو كانت الأشجار ملتفة بحيث لا يمكن زراعة أرضها فهي كرم. ذكره في "الظهيرية". (فتح القدير) ووضع على إلخ: قال شارح في قوله: ووضع على ذلك ما قلنا: إنه سهو بل يقال: ووضع ذلك على ما قلنا، أي وضع الخراج، ولا يخفى أن مرجع اسم الإشارة الست وثلاثون ألف ألف أي وضع الجربان المقادير التي ذكرناها، ولا سهو ينسب إلى قائل هذا. [فتح القدير ٢٨٢/٥] ولأن المؤن: بضم الميم وفتح الهمزة جمع مؤنة بفتح الميم وضم الهمزة، وفي المغرب: المؤونة الثقل، وقال الجوهري: المؤونة تهمز، ولا تهمز، وهي فعولة، وقال الفراء: هي مفعلة من الأين، وهو التعب والشدة، ويقال: هو مفعلة من الأون، وهو الخروج والعدل؛ لأنه ثقل على الإنسان. (البناية) فالكرم أخفها: أي الأشياء التي وضع عليها الخراج. أكثرها مؤنة: لاحتياجها إلى الزراعة، وإلقاء البذر في كل عام. [البناية ٣٠٤/٩] والرطاب بينهما: لأنها تبقى أعواماً، ولا تدوم دوام الكرم، فكانت مؤنتها فوق مؤنة للكروم ودون مؤنة المزارع. [العناية ٢٨٣/٥] الكرم أعلاها: وهو عشرة دراهم. كالزعفران: أي أرض الزعفران. (البناية) * تقدم حديث عمر قريباً، وفيه بعض تفسير، وروى أبوعبيد القاسم بن سلام في "كتاب الأموال" أن عمر بعث عثمان بن حنيف، فمسح السواد فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب. [نصب الراية ٤٤١/٣]