Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤٠
باب الغنائم وقسمتها
في حكم الجهاد. وأما الخمسُ: فيقسم على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين،
وسهم لابن السبيل، يدخل فقراءُ ذوي القربى فيهم، ويُقدَّمُون، ولا يدفع إلى أغنيائهم.
وقال الشافعي بحثه: لهم خمسُ الخمس يستوي فيه غنيهم وفقيرهم، ويقسم بينهم للذكر
مثل حظ الأنثيين، ويكون لبني هاشم وبني المطلب دون غيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلذي
الْقُرْبَى﴾ من غير فصل بين الغني والفقير. ولنا: أن الخلفاء الأربعة الراشدين عليه قسّموه
في حكم الجهاد: والحاصل أنه لا يزاد على سهم الراجل إن كان راجلاً، وسهم الفارس إن كان فارسا.
وأما الخمس: ولما فرغ عن بيان أحكام أربعة أخماس، شرع في بيان حكم الخمس. [البناية ٢٠٦/٩]
ذوي القربى: أي ذوي قربى رسول الله *. فيهم: أي في الأصناف الثلاثة، ومعنى هذا الكلام: أن أيتام
ذوي القربى يدخلون في سهم اليتامى، ويقدمون عليهم، وسبب الاستحقاق في هذه الأصناف الاحتياج
غير أن سببه مختلف في نفسه من اليتم والمسكنة، وكونه ابن السبيل ثم إنهم مصارف لا مستحقون حتى أنه
لو صرف إلى صنف واحد منهم جاز عندنا، كما في الصدقات. [العناية ٢٤٣/٥]
إلى أغنيائهم: أي أغنياء ذوي القربى. (البناية) لبني هاشم: واعلم أن رسول الله ◌ُ﴿ هو محمد بن عبد الله
بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف، وكان عبد مناف له خمسة بنين: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس
وأبو عمرو اسمه عبيد ولم يعقب، وعثمان اله: من بني عبد شمس؛ لأنه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية
بن عبد شمس بن عبد مناف، وجبير ◌ُه: هو من بني نوفل، فإنه جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد
مناف. [البناية ٢١٣/٩] دون غيرهم: [من بني عبد شمس وبني نوفل] ونحن نوافقه على أن القرابة المرادة هنا
تخص بني هاشم وبني المطلب، فالخلاف في دخول الغني من ذوي القربى وعدمه. [فتح القدير ٢٤٣/٥]
قسّموه: ثم أنه لم ينكر عليهم أحد مع علم جميع الصحابة بذلك. [فتح القدير ٢٤٤/٥] الذي يجب أن
يعول عليه أن الخلفاء الراشدين لم يعطوا ذوي القربى، فكان بيان المراد بيان أنهم مصارف حتى جاز
الاقتصار على واحد منهم بأن يعطى تمام الخمس للمساكين، أو لليتامى، أو لابن السبيل، فجاز
الراشدين أن يصرفوه إلى غيرهم خصوصاً وقد رأوهم متمولين، ونقول مع ذلك: إن الفقير منهم
مصرف، ينبغي أن يقدم على الفقراء، ويدفع قول الطحاوي: إنهم يحرمون؛ لأن فيه معنى الصدقة .=

٢٤١
باب الغنائم وقسمتها
على ثلاثة أسهم على نحو ما قلناه،* وكفى بهم قدوة، وقال عليه: "يا معشر بني هاشم إن
الله تعالى كره لكم غسالةَ الناس وأوساخَهم، وعوضكم منها بخمس الخمس") ** والعِوَض
إنما يثبت في حقٍّ من يثبت في حقُّه المُعَوَّضُ، وهم الفقراء، والتبي عليًَا أعطاهم للنصرة،
= ويدل على بطلانه ما روي أنه عليلا صرفه في حياته إليهم، فلو كان فيه معنى الصدقة لما فعل، لكن
يشكل على أن مقتضاه كون الغني من ذوي القربى أيضاً مصرفاً غير أن الخلفاء لم يعطوهم اختياراً لغيرهم
في المصرف، والمذهب خلافه؛ لأن الغني لو كان مصرفاً صح الصرف إليه، وأجزأه، وليس كذلك عندنا.
والعوض: ولفظ العوض وقع في عبارة بعض التابعين، ثم في كون العوض إنما يثبت في حق من يثبت في
حقه المعوض ممنوع، ثم هذا يقتضي أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ فقراء ذوي القربى، فيقتضي
اعتقاد استحقاق فقرائهم، أوكونهم مصارف مستمرا وينافيه اعتقاد حقية منع خلفاء الراشدين إياهم
مطلقاً، كما هو ظاهر ما روينا أنهم لم يعطوا ذوي القربى شيئاً من غير استثناء فقرائهم، وكذا ينافيه
إعطاؤه عليّلا الأغنياء منهم، كما روي أنه أعطى العباس، وكان له عشرون عبداً يتجرون.
وقول المصنف: "والنبي ◌ُّ أعطاهم للنصرة" إلخ يدفع هذا السؤال الثاني: لكن يوجب عليه المناقضة مع ما
قبله؛ لأن الحاصل حنيئذ أن القرابة المستحقة هي التي كانت نصرته، وذلك لا يخص الفقير منهم، ومن
الأغنياء من تأخر بعده عليها كالعباس، فكان يجب على الخلفاء أن يعطوهم. [فتح القدير ٢٤٥/٥]
إنما يثبت: يعني أن المعوض، وهو الزكاة لا يجوز دفعها إلى الأغنياء، فكذلك يجب أن يكون عوض
الزكاة، وهو خمس الغنائم لا يدفع إليهم؛ لأن العوض إنما يثبت في حق من فات عنه المعوض، وإلا
لا يكون عوضاً لذلك. [العناية ٢٤٤/٥]
*روى أبويوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن الخمس الذي كان يقسم على عهده عليًّا على خمسة
أسهم الله والرسول سهم، ولذي القربى واليتامى سهم، وللمسكين سهم، ولابن السبيل سهم، ثم قسم أبوبكر وعمر
وعثمان وعلي على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. [نصب الراية ٤٢٤/٣]
** غريب، وقد تقدم في الزكاة، وروى الطبراني في "معجمه" حدثنا معاذ بن المثنى ثنا مسدد ثنا معتمر بن سليمان سمعت
أبي يحدث عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس قال: بعث نوفل بن الحارث ابنيه إلى رسول الله وَ ◌ّ فقال لهما: انطلقا
إلى عمكما لعله يستعين بكما على الصدقات فأتيا النبي ◌ُّ فأخبراه بحاجتهما، فقال لهما: لا يحل لكم أهل البيت من
الصدقات شيء، ولا غسالة الأيدي، أن لكم في خمس الخمس لما يغنيكم أو يكفيكم. [نصب الراية ٤٢٥/٣]

٢٤٢
باب الغنائم وقسمتها
ألا ترى أنه * عَلَّل، فقال: "إنهم لن يزالوا معي هكذا في الجاهلية والإسلام، وشَّكَ
بين أصابعه"* دل على أن المراد من النص قربُ النصرة، لا قرب القرابة. قال: فأما
ذكر الله تعالى في الخمس، فإنه لافتاح الكلام؛ ** تبركاً باسمه، وسهم النبي عليا سقط
بموته، كما سقط الصَّفِيُّ؛ لأنه ﴿﴿ كان يستحقه برسالته، ولا رسولَ بعده. والصفيُّ
**
شيء كان عليلا يصطفيه لنفسه من الغنيمة مثل درع، أو سيف أو جارية . **
من النص: أي قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (العناية) ذكر الله: لما فرغ من بيان وجه سقوط سهم ذوي القربى بين
وجه سقوط ما سوى الثلاثة المذكورة في النص. [العناية ٢٤٦/٥] سقط بموته: لأنه «#& كان يستحقه برسالته،
ولا رسول بعده، والصفي شيء كان يصطفيه لنفسه من الغنيمة مثل درع، أو سيف، أو جارية قبل القسمة،
وإخراج الخمس كما اصطفى ذا الفقار، وهو سيف منبه بن الحجاج حين أتى به علي ◌ُه بعد أن قتل منبهاً، ثم
دفعه إليه، وكما اصطفى صفية بنت حي بن أخطب من غنيمة خيبر. [فتح القدير ٢٤٧/٥]
الصفي: بفتح الصاد وكسر الفاء وتشديد الياء. (البناية) برسالته: ولهذا لا يستحقه الخلفاء. (البناية)
*أخرجه أبوداود والنسائي وابن ماجه عن ابن اسحاق. [نصب الراية ٤٢٥/٣] أخرج أبوداود في "سنته"
عن ابن اسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم قال: لما قسم رسول الله ◌ُّ ذوي
القربى من خيبر بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول الله هؤلاء بنوهاشم
لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله به منهم أرأيت بني المطلب أعطيتهم ومنعتنا فإنما نحن وهو منك
بمنزلة، فقال رسول الله 5ّ إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، إنما بنوهاشم وبنو المطلب شيء واحد
وشبك بين أصابعه. [رقم: ٢٩٧٨، باب في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى]
** فأما ذكر الله تعالى في الخمس فإنه لافتتاح الكلام هذا روي من قول ابن عباس ومن قول الحسن
بن محمد بن الحنفية. [نصب الراية ٤٢٦/٣] روى الحاكم في "المستدرك" عن سفيان الثوري عن قيس
بن مسلم الجدلي قال: سألت الحسن بن محمد بن علي بن الحنفية عن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ
شَيْءٍ﴾ الآية، قال: هذا مفتاح كلام الله في الدنيا والآخرة. [١٢٨/٢، في أوائل كتاب قسم الفيء]
***
"وأما حديث الصفي فرواه أبوداود في "سنته" حدثنا محمد بن كثير أنبأ سفيان عن مطرف عن الشعبي
قال: كان للنى ◌ّ سهم يدعى الصفي إن شاء عبداً، وإن شاء أمة، وإن شاء فرساً يختاره قبل
الخمس. [رقم: ٢٩٩١، باب ماجاء في سهم الصفي]

٢٤٣
باب الغنائم وقسمتها
وقال الشافعي بدلته: يصرف سهم الرسول إلى الخليفة، والحجة عليه ما قدمناه، وسهم
ذوي القربى كانوا يستحقونه في زمن النبي عليها بالنصرة؛ لما روينا. قال: وبعده بالفقر.
قال العبد الضعيف عصمه الله: هذا الذي ذكره قول الكرخي، وقال الطحاوي بحثه:
القدوري
ے
سهم الفقير منهم ساقط أيضا؛ لما روينا من الإجماع، ولأن فيه معنى الصدقة؛ نظراً
إلى المصرف، فُيُحْرَمُ كما يُحْرَمُه العُمالة، وجه الأول - وقيل: هو الأصح -:
ما روي أن عمر ◌ُه أعطى الفقراء منهم، والإجماع انعقد على سقوط حق الأغنياء) *
ما قدمناه: أي من أن الخلفاء الراشدين قسموا الخمس على ثلاثة، فلو كان كما ذكر لقسموه على أربعة،
ورفعوا سهمه لأنفسهم، ولم ينقل ذلك عن أحد، وأيضاً فهو حكم علق بمشتق، وهو الرسول، فيكون
مبدأ الاشتقاق علة، وهو الرسالة. (فتح القدير) ذوي القربى: فقد تقدم ما يغني عنه. [فتح القدير ٢٤٧/٥]
لما روينا: إشارة إلى قوله: والنبي ◌ُّ أعطاهم للنصرة إلى آخرما قال. (البناية) قال: لا يقال: قوله: وسهم
ذوي القربى وقع مكرراً؛ لأنا نقول ما ذكره أولا: كان في حيز الاستدلال على القسمة على ثلاثة أسهم،
وهذا نقل لكلام صاحب القدوري قال أي القدوري. [العناية ٢٤٧/٥]
منهم: أي ذوي قربى النبي عليها. من الإجماع: يعني قوله: ولنا أن الخلفاء الراشدين إلخ ولا يظن بهم أنه خفي
عليهم النص، أو منعوا حق ذوي القربى، فكان إجماعهم دالاً على أنه لم يبق استحقاقهم لأغنيائهم. (العناية)
إلى المصرف: لأن الهاشمي الذي يصرف إليه فقيراً؛ إذا لو لم يكن فقيراً لا يجوز صرفه إليه بعد النبي 3%
باتفاق الروايات عن أصحابنا، فلما كان فيه معنى الصدقة حرم. [العناية ٢٤٧/٥-٢٤٨]
العمالة: بضم اسم لما يعطى للعامل أي إذا كان العامل هاشمياً. (الكفاية) وجه الأول: يعني قول الكرخي. (العناية)
هو الأصح: لأن صاحب "المبسوط" اختار قول أبي بكر الرازي أن الفقراء لم يكونوا مستحقين. [العناية ٢٤٨/٥]
*أخرج أبوداود في "كتاب الخراج" من "سنته" عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب حدثنا جبير
بن مطعم أن رسول الله لو لم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من الخمس شيئاً كما قسم لبني هاشم
وبني المطلب، قال: وكان أبوبكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله (375 غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول
الله ﴿ كما كان يعطيهم رسول الله ﴾، وكان عمر يعطيهم، ومن كان بعده منه. [رقم: ٢٩٧٩، باب
في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى]

٢٤٤
باب الغنائم وقسمتها
أما فقراؤهم فيدخلون في الأصناف الثلاثة. وإذا دخل الواحد، أو الاثنان
دار الحرب مُغِيرِين بغير إذن الإِمام، فأخذوا شيئاً لم يُخَمَّس؛ لأن الغنيمة هو المأخوذ
قهراً وغلبة، لا اختلاساً وسرقة، والخمس وظيفتُها، ولو دخل الواحدُ أو الاثنان
بإذن الإِمام، ففيه روايتان، والمشهور: أنه يخمس؛ لأنه لما أذن لهم الإِمامُ، فقد
التزم نصرتهم بالإمداد، فصار كالمنعة. فإن دخلت جماعة لها منعة، فأخذوا شيئاً:
القدوري
خُمِّسَ وإن لم يأذن لهم الإِمام؛ لأنه مأخوذ قهراً وغلبةً، فكان غنيمة، ولأنه يجب
على الإمام أن ينصرهم؛ إذ لو خذلهم كان فيه وهن المسلمين، بخلاف الواحد
والاثنين؛ لأنه لا يجب عليه نصرتهم.
الأصناف الثلاثة: أي في اليتامى والمساكين وابن السبيل. (البناية) دخل الواحد: أي الثلاثة كالواحد،
وأما الأربعة فيخمس. هو المأخوذ: أي وما أخذه الواحد والاثنان بغير إذن الإمام ليس كذلك.
ففيه روايتان: وجه الرواية الأخرى: أن من لا منعة له لا يقدر على مغالبة الكفار وقهرهم، فالمأخوذ
لا يكون غنيمة فلا يخمس، ولأن العدد اليسير إنما يدخلون لاكتساب المال، لا لإعزاز الدين فصاروا كتجار
العسكر. [الكفاية ٢٤٨/٥] خذلهم: أي لو ترك عونهم ونصرتهم. (البناية) وهن المسلمين: الوهن بسكون
الهاء مصدر وهن يهن من باب ضرب يضرب، وبالفتح مصدر من باب علم يعلم. [البناية ٢٢٢/٩]

٢٤٥
باب الغنائم وقسمتها
فصل في التنفيل
قال: ولا بأس بأن يُنَقِّلَ الإِمام في حال القتال، ويحرِّض على القتال، فيقول:
القدوري
من قتل قتيلاً فله سَلَبِّه، ويقول للسرية: قد جعلتُ لكم الربع بعد الخمس، معناه:
بعد ما رفع الخمس؛
في التنفيل: نوع من القسمة، فألحقه بها، وقدم تلك القسمة؛ لأنها بضابط، وهذا بلا ضابط؛ لأنه إلى رأي
الإمام بأن ينفل قليلاً وكثيراً ونحوهما. والتنفيل: إعطاء الإمام الفارس فوق سهمه، وهو من النفل، وهو
الزائد، ومنه النافلة للزائد على الفرض، ويقال: لولد الولد كذلك أيضاً، ويقال: نفله تنفيلاً، ونفله
بالتخفيف نفلاً لغتان فصيحتان. [البناية ٢٤٩/٩] ولا بأس: أي يستحب أن ينفل نص عليه في
"المبسوط"، وسيذكر المصنف أنه تحريض، وهو مندوب إليه، وبه يتأكد أن قول من قال: لفظ لا بأس إنما
يقال لما تركه أولى: ليس على عمومه. ثم اعلم أن التحريض واجب للنص المذكور لكنه لا ينحصر في
التنفيل، بل يكون لغيره أيضاً من المواعظة الحسنة والترغيب، كذا حققه ابن الهمام في "فتح القدير".
وبه يظهر سخافة ما ذكره العيني تبعاً لصاحب "العناية" من أن أمر حرض مصروف من الوجوب إلى
الاستحباب لمعارضة دليل قسمة الغنائم. وجه السخافة: أنه ليس المراد بأمر التحريض خصوص التحريض
بالتنفيل حتى يحتاج إلى صرفه من الوجوب، بل المراد به مطلق التحريض، وهو واجب البتة، فلا حاجة إلى
الصرف المذكور. وأعجب منه ما في "الكفاية" من أن في تحريض المسلم بالتنفيل تحريض بعوض الغزاة،
وتوهين للمسلم، وتوهين المسلم حرام، فلذا لم يكن التنفيل واجباً. وجه العجب: أن ما ذكره يدل على
حرمة التنفيل لا على عدم الوجوب، فافهم، فإن المقام مما تزلزلت فيه الأقدام.
حال القتال: إنما قيد به؛ لأن التنفيل إنما يجوز عندنا قبل الإصابة سواء كان بسلب المقتول، أو غيره
لا بعده، ويشكل عليه قوله عليها: "من قتل قتيلاً فله سلبه"، فإنه كان بعد فراغ الحرب في حنين.
من قتل قتيلاً: هذا من باب تسمية الشيء باعتبار ما يؤول إليه. معناه بعد ما إلخ: محل التنفيل الأربعة
الأخماس قبل الإحراز بدار الإِسلام، وبعد الإحراز لا يصلح إلا من الخمس، وبه قال أحمد، وعند مالك
والشافعي بحثًا: لا يصح إلا من الخمس. [فتح القدير ٢٤٩/٥]

٢٤٦
باب الغنائم وقسمتها
لأن التحريض مندوب إليه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَِّيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾
وهذا نوع تحريض، ثم قد يكون التفيلُ بما ذكر، وقد يكون بغيره، إلا أنه لا ينبغي
الذهب والفضة
للإمام أن ينفل بكل المأخوذ؛ لأن فيه إبطال حقِّ الكل، فإن فعله مع السرية جاز؛ لأن
كل الغزاة
التصرفَ إليه، وقد تكون المصلحة فيه، ولا ينفل بعد إحراز الغنيمة بدار الإِسلام؛
ءُ
لأن حقَّ الغير قد تأكد فيه بالإحراز. قال: إلا من الخمس؛ لأنه لا حقَّ للغانمين في
القدوري
الخمس. وإذا لم يجعل السَلَبَ للقاتل، فهو من جملة الغنيمة، والقاتلُ وغيره فى ذلك
سواء. وقال الشافعي له: السلب للقاتل إذا كان من أهل أن يُسْهَمَ له، وقد قتله مقبلاً؛
لأن التحريض إلخ: أقول: قد عرفت أن نفس التحريض واجب بظاهر الأمر، والتنفيل بخصوصه لكونه
نوعاً منه مندوب إليه، فالمراد بالتحريض: التحريض الخاص، وهو التنفيل. وتقريره: أن التحريض الذي
نحن بصدده مندوب إليه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾، فأفاد فرضية
مطلق التحريض، وهذا أي التنفيل نوع منه، فيكون مندوباً إليه، وليس المراد بالتحريض مطلقه، كما
يتوهم من ظاهره، وإلا لم يبق ربط في الكلام. بما ذكر: أي القدوري ماشيه، وهو التنفيل بالربع بعد
الخمس، أو التنفيل بالسلب. [البناية ٢٣٢/٩]
المصلحة فيه: أي في تنفيله كذلك، وذكر في "السير الكبير" إذا قال الإمام لعسكره: جميع ما أصبتم فلكم
نفلاً بالسوية بعد الخمس لا يجوز؛ لأن المقصود من التنفيل التحريض على القتال، وإنما يحصل ذلك إذا
خص البعض بالتنفيل، وكذلك إذا قال: ما أصبتم فهو لكم. (البناية) ولا ينفل: هذا لفظ القدوري محله.
بالإحراز: فلا يجوز للإمام أن يقطع حق الغير. [البناية ٢٣٣/٩] جملة الغنيمة: وبه قال مالك بحثه.
إذا كان من إلخ: وبه قال أحمد، إلا أنه قال: إذا كان من أهل السهم أو الرضخ. [فتح القدير ٢٥٠/٥]
وقد قتله: وقد كتب شيخي العلاء بث بيده: مقبلاً حال من المفعول أي حال كون الكافر مقبلاً، لا حال كونه
مدبراً بالهزيمة، وكذا قال تاج الشريعة في شرحه قوله: مقبلاً حال من المفعول؛ لأن الشرط عنده أي عند
الشافعي ماله كون القتيل مقبلاً حتى لو قتل منهزماً، أو نائماً، أو مشغولاً بشيء لم يستحق السلب. [البناية ٢٣٤/٩]

٢٤٧
باب الغنائم وقسمتها
لقوله عليه: "من قتل قتيلاً فله سَلَبه"، * والظاهر: أنه نصبُ شرع؛ لأنه بُعث له، ولأن
القاتل مقبلاً أكثرَ غناءً، فيختص بسلبه؛ إظهاراً للتفاوت بينه وبين غيره. ولنا: أنه مأخوذ
بقوة الجيش، فيكون غنيمة، فيقسم قسمة الغنائم، كما نطق به النص، وقال عليه
**
لحبيب بن أبي سلمة: "ليس لك من سلب قتيلك إلا ما طابت به نفس إمامك"،*
والظاهر: لا خلاف في أنه لا قال ذلك وإنما الكلام أن هذا منه نصب الشرع على العموم في الأوقات
والأحوال، أو كان تحريضاً بالتنفيل قاله في تلك الوقعة وغيرها يخصهما، فعنده هو نصب الشرع؛ لأنه
هو الأصل في قوله: لأنه إنما بعث لذلك، وقلنا: كونه تنفيلاً هو أيضاً من نصب الشرع. [فتح القدير ٢٥١/٥]
نصب شرع: أي رسول الله عليلا. مقبلاً: [أي كافراً مقبلاً إليه] قد شرح الأتراري هذا الموضع بناء على
قوله: إن مقبلاً حال من القاتل، وقد ذكرنا أنه سهو منه، والمبني أيضاً سهو. [البناية ٢٣٥/٩]
بينه وبين غيره: أي بين قاتل الكافر المقبل، وبين قاتل الكافر المدبر. (البناية) فيكون غنيمة: لأنها اسم لما
يؤخذ قهراً. نطق به النص: وهو قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية. [البناية ٢٣٥/٩]
*أخرجه الجماعة إلا النسائي. [نصب الراية ٤٢٨/٣] أخرج البخاري في "صحيحه" عن أبي قتادة وقال:
خرجنا مع رسول الله (ّ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلاً من المشركين علا
رجلاً من المسلمين فاستدبرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه، فأقبل عليّ
فضمّني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب، فقلت: ما
بال الناس قال: أمر الله، ثم أن الناس رجعوا وجلس النبي 315، فقال: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه.
الحديث. [رقم: ٣١٤٢، باب من لم يخمس الأسلاب ومن قتل قتيلاً فله سلبه من غير أن يخمّس]
** هكذا وقع في "الهداية" حبيب بن أبي سلمة، وصوابه حبيب بن مسلمة، والحديث رواه الطبراني في
"معجمه الكبير" و"الوسط" حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي والحسين بن اسحاق التستري وجعفر بن محمد
الفريابي قالوا: ثنا هشام بن عمار ثنا عمرو بن واقد ثنا موسى بن سيار عن مكحول عن جنادة بن أبي أمية
قال: نزلنا دابق وعلينا أبو عبيدة بن الجراح، فبلغ حبيب بن مسلمة أن ابنه صاحب قبرص خرج يريد بطريق
أذربيجان ومعه زمرد وياقوت ولؤلؤ وغيرها، فخرج إليه، فقتله وجاء بما معه فأراد أبو عبيدة أن يخمسه، فقال
له حبيب بن مسلمة: لا تحرمني رزقاً رزقنيه الله، فإن رسول الله وّ جعل السلب للقاتل، فقال معاذ:
يا حبيب إني سمعت رسول الله و يقول: إنما للمرء ما طاب به نفس إمامه. [نصب الراية ٤٣٠/٣-٤٣١]

٢٤٨
باب الغنائم وقسمتها
وما رواه يَحْتمل نصبَ الشرع، ويحتمل التنفيلَ، فنحمله على الثاني؛ لما رويناه،
وزيادةُ الغناء لا تعتبر في جنس واحد، كما ذكرناه. والسَلَبُ: ما على المقتول من
على التنفیل
ثيابه، وسلاحه، ومركبه، وكذا ما كان على مركبه من السَّرْجِ والآلة، وكذا ما معه
على الدابة من ماله في حقيبته، أو على وسطه، وما عدا ذلك، فليس بسلب، وما كان
مع غلامه على دابة أخرى، فليسٍ بسلبه، ثم حكمُ التنفيل قطعُ حقِّ الباقين. فأما الملك
فإِنما يثبت بعد الإحراز بدار الإِسلام؛ لما مر من قبل حتى لو قال الإِمام من أصاب
جاريةً، فهي له، فأصابها مسلم، واستبرأها: لم يحل له وطؤها، وكذا لا يبيعها، وهذا
عند أبي حنيفة وأبي يوسف محمدًا. وقال محمد رحلته: له أن يطأها، ويبيعها؛
وما رواه: وهو قوله عليًّا: "من قتل قتيلاً فله سلبه". (الكفاية) ويحتمل التنفيل: وهو الظاهر؛ لأن مثل
ذلك إنما يكون لنصب الشرع إذا قاله بالمدينة في مسجده، ولم ينقل أنه قال ذلك إلا يوم بدر عند القتال
للحاجة إلى التحريض، وقد كانوا أذلة ويوم حنين حين ولّوا منهزمين للحاجة إلى التحريض، وكما قال
ذلك يوم بدر، قال أيضاً: من أخذ أسيراً فهو له، ثم كان ذلك منه على وجه التنفيل، فكذلك في السلب،
كذا في "المبسوط". [الكفاية ٢٥١/٥-٢٥٢] لما رويناه: من حديث حبيب بن أبي سلمة. (العناية)
وزيادة إلخ: جواب عن قوله: لأن القاتل مقبلاً أكثر غناء. (العناية) كما ذكرناه: إشارة إلى ما ذكره: في
فصل كيفية القسمة، ولأن الكر والفر من جنس واحد. (البناية) والآلة: أي وآلة السرج نحو بشرقه
وخذامه وعبائه ولجامه. [البناية ٢٣٨/٩] ذلك: أي المذكور من هذه الأشياء. [البناية ٢٣٩/٩]
لما مر: أي في باب الغنائم من قوله: ولأن الاستيلاء إثبات اليد الحافظة والناقلة إلخ. [فتح القدير ٢٥٣/٥]
وهذا عند أبي حنيفة إلخ: ذكر الخلاف في "الزيادات"، واعتمد عليه صاحب "الأسرار" بحثه وتبعه صاحب
الهداية مالك ولم يذكر الخلاف في "السير الصغير"، واعتمد عليه الحاكم الشهيد فى "الكافي". [البناية ٢٣٩/٩-٢٤٠]
وقال محمد مالك: وهو قول الأئمة الثلاثة. (فتح القدير) أن يطأها: لأنه اختص ملكها بتنفيل الإمام فصار كالمختص
بشرائها في دار الحرب، ولهما: أن سبب الملك في النفل ليس إلا القهر، كما في الغنيمة، ولا يتم إلا بعد لإحراز بدار
الإِسلام، بخلاف المشتراة؛ لأن سبب الملك العقد والقبض بالتراضي، لا القهر، وقد تم. [فتح القدير ٢٥٣/٥]

٢٤٩
باب الغنائم وقسمتها
لأن التنفيل يثبت به الملك عنده، كما يثبت بالقسمة في دار الحرب، وبالشراء من
الحربي، ووجوبُ الضمان بالإِتلاف قد قيل: على هذا الاختلاف.
كما يثبت بالقسمة إلخ: وهو ليس بمتفق عليه؛ لأن من أصحابنا من يقول: قسمة الإمام لا تعدم المانع
من تمام القهر، وهو كونهم مقهورين داراً، وكأنه لم يعتبر ذلك الاختلاف لعدم شهرته. [العناية ٢٥٣/٥]
ووجوب الضمان إلخ: ذكره لدفع شبهة ترد على قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن محمداً ذكر في
"الزيادات" أن المتلف لسلب نفله الإمام رجلاً يضمن، ولم يذكر خلافاً، فورد عليهما أن الضمان دليل
تمام الملك، فينبغي أن يحل الوطء عند كما أيضاً. [فتح القدير ٢٥٣/٥]

٢٥٠
باب استيلاء الكفار
باب استيلاء الكفار
وإذا غَلَبَ التُّرِكُ على الرُّوم، فسَبَوْهم وأخذوا أموالهم: ملكوها؛ لأن الاستيلاء قد
جمع الرومي
تحقق في مالٍ مباح، وهو السبب على ما نبينه، إن شاء الله تعالى، فإن غلبنا على الترك:
حلّ لنا ما نجده من ذلك؛ اعتباراً بسائر أملاكهم. وإذا غلبوا على أموالنا - والعياذ بالله-
وأحرزوها بدارهم: ملكوها. وقال الشافعي بدله: لا يملكونها؛ لأن الاستيلاء محظور
ابتداءً وانتهاء، والمحظور لا ينتهض سبباً للملك على ما عرف من قاعدة الخصم.
دار الإسلام
استيلاء الكفار: [أي هذا الباب في بیان غلبة الكفار] لما فرغ من بیان حکم استیلائنا عليهم، شرع في بيان حكم
استيلاء بعضهم على بعض، وحكم استيلائهم علينا، وتقديمه الأول على الثاني ظاهر. [فتح القدير ٢٥٤/٥]
لأن الاستيلاء: كالاستيلاء على الحطب والكلاء. على ما نبينه: أي عند قوله: وإذا غلبوا على أموالنا. (البناية)
ذلك: أي ما أخذوه من الروم. (البناية) بسائر أملاكهم: لأنهم لما ملكوه صار كأموالهم الأصلية. [الكفاية ٢٥٤/٥]
وقال الشافعي: وبه قال أحمد ومالك. وانتهاء: أي بعد الإحراز بدار الحرب. (البناية)
لا ينتهض: أي لا يقوم ولا يكون سبباً له. على ما عرف: أي في علم الأصول، وهو أن الممنوع
شرعاً لا يفيد الملك؛ لأنه نعمة، وهي لا تنال بالمحظور، ولهذا لا يجوز الترخص للمسافر بسفر المعصية،
ولا تثبت المصاهرة بالزنا؛ لأن الترخص، وحرمة المصاهرة من نعم الله علينا، فلا تثبتان بأمر محظور،
وكذلك فيما نحن فيه استيلاء الكفار علينا ممنوع؛ بناء على أنهم مخاطبون بالحرمات إجماعاً، فكيف
يكون سبباً للملك، فصار كاستيلاء المسلم على المسلم. ولنا: قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ
أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ الآية، فسمى الله تعالى المهاجرين فقراء مع كونهم ذوي يسر في مكة،
وإنما ذلك باستيلاء الكفار عليهم وعلى أموالهم، فعلم أن استيلاءهم دليل للملك. وأخرج الدار قطني
عن ابن عمر مرفوعاً: "من وجد ماله في الفيء قبل أن يقسم فهو له، وما قسم فلا حق له إلا بالقيمة"،
وفي الباب أحاديث كثيرة.

٢٥١
باب استيلاء الكفار
ولنا: أن الاستيلاء ورد على مال مباح، فينعقد سبباً للملك؛ دفعاً لحاجة المكلف
كاستيلاتنا على أموالهم؛ وهذا لأن العصمة تثبت على منافاة الدليل ضرورةً تمكُّن
المالك من الانتفاع، فإذا زالت المكنةُ، عاد مباحاً كما كان، غير أن الاستيلاء لا يتحقق
باستيلاء الكفار
إلا بالإِحراز بالدار؛ لأنه عبارة عن الاقتدار على المحل حالاً ومآلا، والمحظور لغيره
الاستيلاء
إذا صلح سبباً لكرامةٍ تَفُوقُ الملكَ، وهو الثواب الآجل، فما ظُّك بالملك العاجل؟
فإن ظهر عليها المسلمون، فوجدها المالكون قبل القسمة: فهي لهم بغير شيء،
أن الاستيلاء إلخ: لأن الاستيلاء عبارة عن الاقتدار على محل مطلقاً على وجه يتمكن من الانتفاع في الحال،
ومن الادخار في المآل والاقتداء بهذه الصفة لا يكون إلا بعد الإحراز، ثم بعد إحرازهم ارتفعت العصمة، فورد
الاستيلاء حينئذ على مال مباح، لا على مال محظور. فإن قلت: لا نسلم أن المال مباح بأصل الخلقة، قلت: هو
مباح؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾. [البناية ٢٤٤/٩] وهذا: إشارة إلى أن الاستيلاء ورد
على مال مباح. (العناية) منافاة الدليل: وهو قوله تعالى: ﴿حَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ حَمِيعاً﴾. [العناية ٢٥٥/٥]
المكنة: بالضم بمعنى القدرة. عن الاقتدار: أي القدرة على الانتفاع في الحال وفي المآل.
حالاً ومآلا: والكفار ما داموا في دار الإسلام اقتدروا على المحل حالاً، وإنما يقتدرون عليه مآلاً بالإِحراز؛ لأنهم ما
داموا في دارنا، فهم مقهورون بالدار، والاسترداد بالنصرة محتمل. [العناية ٢٥٦/٥] والمحظور لغيره: جواب عن
قول الخصم: إن الاستيلاء محظور لا ينتهض سبباً للملك، تقريره: أن يقال: سلمنا أنه محظور لكنه محظور
لغيره مباح في نفسه، يعني أن المال مباح لعينه لكن الحظر فيه لحق الغير، وهو المالك، والمحظور لغيره يعني
لا بعينه، إذا صلح سبباً لكرامة تفوق الملك كالصلاة في الأرض المغصوبة، فإنها تصلح سبباً لاستحقاق
أعلى النعم، وهو الثواب في الآخرة، فلا يصلح سبباً للملك في الدنيا أولى.
وفي "الكافي" والمحظور بغيره إلخ مشكل أيضاً؛ لأن العصمة لا تخلو إما إن زالت بالإِحراز بدارهم، أو لا، فإن
زالت لا يكون الاستيلاء محظوراً؛ لما مر أنه على مال مباح، وإن لم تزل لا يصير ملكاً لهم، كما في مسألة البغاة
إلا أن يقال: العصمة المؤثمة باقية؛ لأنها بالإِسلام، وإن زالت بالمقومة؛ لأنها بالدار. [البناية ٢٤٦/٩-٢٤٧]
بغير شيء: يعني يأخذونها مجاناً. [البناية ٢٤٧/٩]

٢٥٢
باب استيلاء الكفار
وإن وجدوها بعد القسمة: أخذوها بالقيمة إن أحبُّوا؛ لقوله عليها فيه: "إِن وجدته قبل
في هذا الحكم
القسمة فهو لك بغير شيء، وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالقيمة"،* ولأن المالك
القديم زالٍ مِلِكُه بغير رضاه؛ فكان له حقُّ الأخذ نظراً له، إلا أن في الأخذ بعد القسمة
باستيلاء الكفار
ضرراً بالمأخوذ منه بإزالة ملكه الخاص، فيأخذه بالقيمة؛ ليعتدل النظر من الجانبين،
والشركة قبل القسمة عامة، فيقل الضررُ، فيأخذه بغير قيمة. وإن دخل دارَ الحرب
تاجر، فاشترى ذلك، وأخرجه إلى دار الإسلام، فمالكُه الأول بالخيار: إن شاء أخذه
بالثمن الذي اشتراه، وإن شاء تركه؛ لأنه يتضرر بالأخذ مجاناً، ألا ترى أنه قد دفع
العوَضَ بمقابلته، فكان اعتدالُ النظر فيما قلناه.
مُ
أخذوها بالقيمة: أي إن شاءوا أخذوا. في الأخذ: دفع لما يقال: لو كان كذلك لجاز أخذه بعد القسمة
أيضاً مجاناً لعدم رضاه. من الجانبين: أي جانب المالك القديم، وجانب المالك الجديد. (البناية)
عامة: والدليل على عموم الملك بين الغانمين أن واحداً من الغانمين لو استولد جارية من الغنم لم يثبت
النسب؛ لعدم الملك لعموم الشركة، بخلاف ما بعد القسمة حيث يأخذه بالقيمة. (البناية)
فاشترى ذلك: أي الذي استولى عليه الحربي. [البناية ٢٤٩/٩] بمقابلته: أي بمقابلة ذلك الشيء. (البناية)
قلناه: وهو أنه یأخذه بالقيمة إن شاء، وإلا تركه.
*أخرج الدار قطني في "سننه" عن الحسن بن عمارة عن عبدالملك عن طاؤس عن ابن عباس عن النبي ◌ُ ◌ّ
قال: فيما أحرز العدو فاستنقذه المسلمون منهم، أو أخذه صاحبه قبل أن يقسم، فهو أحق، فإن
وجده وقد قسم، فإن شاء أخذه بالثمن، قال: والحسن بن عمارة متروك. [٥٦/٤، كتاب السير] قد
مر غير مرة أنه حسن الحديث کابن إسحاق، وقال ابن عدي: وقد روي هذا الحديث عن مسعر عن
عبد الملك، وأسنده الطحاوي عن علي بن المديني عن يحيى بن سعيد أنه سأل مسعراً عن هذا الحديث،
فقال: هو من حديث عبد الملك بن ميسرة، وهذه متابعة جيدة قوية، وتابعه إسماعيل بن عياش.
[إعلاء السنن ٣١٠/١٢]

٢٥٣
باب استيلاء الكفار
ولو اشتراه بعَرَضٍ يأخذ بقيمة العرَض، ولو وهبوه لمسلم يأخذه بقيمته؛ لأنه ثبت له
ملك خاص، فلا يُزال إلا بالقيمة، ولو كانٍ مغنوماً، وهو مثلي يأخذه قبل القيمسة.
ولا يأخذه بعدها؛ لأن الأخذ بالمثل غير مفيد، وكذا إذا كان موهوباً لا يأخذه؛ لما
بينا، وكذا إذا كان مشترى بمثله قدراً ووصفاً. قال: فإن أُسَرُوا عبدا، فاشتراه رجل،
محمد
وأخرجه إلى دار الإِسلام، فَفُقِئَتْ عينه، وأخذٍ أَرْشَها، فإن المولى يأخذه بالثمن الذي
الكفار
أُخِذَ به من العدو، وأما الأخذ بالثمن؛ فلما قلنا. ولا يأخذ الأَرْشَ؛ لأن الملك فيه
مجانا
صحيح، فلو أخذه، أخذه بمثله، وهو لا يفيد، ولا يُحَطَّ شيء من الثمن؛
بقيمة العرض: [أي بمقابلة متاع] هذا ولو ترك أخذه بعد العلم بشرائه، وإخراجه من دار الحرب زماناً
طويلاً، له أن يأخذه بعد ذلك في ظاهر الرواية، وفي رواية ابن سماعة عن محمد ليس له كالشفيع إذا
لم يطلب الشفعة بعد علمه بالبيع، والظاهر هو الأول. [فتح القدير ٢٥٧/٥ -٢٥٨] ولو وهبوه: أي ولو
وهب أهل الحرب ذلك الشيء لمسلم. (البناية) ولو كان: أي ما أخذه الكفار من المسلمين مغنوماً أي
مأخوذً بالقهر والغلبة، وهو مثلي أي والحال أنه مثلي كالذهب والفضة والحنطة والشعير يأخذه أي صاحبه،
وهو المالك القديم. [البناية ٢٥٠/٩] غير مفيد: إذ لا فائدة تبديل المثل.
وكذا إذا كان إلخ: إشارة إلى قوله: لأن الأخذ بالمثل غير مفيد أي وكذا لا يأخذه المالك القديم أيضاً
إذا كان ما أخذه الكفار منا، وأحرزوه بدارهم مشترى بمثله قدراً ووصفاً؛ لأنه لا فائدة في أن يعطى
عشرة مثاقيل جياد، ويأخذ عشرة مثاقيل جياد. وإنما قيد بقوله: قدراً ووصفاً؛ احترازاً عما لو اشتراه المسلم
بأقل قدراً منه، أو بجنس آخر، أو بجنسه ولكنه أرداً منه وصفاً، فإن له أن يأخذه بمثل ما أعطاه المشتري،
ولا يكون ذلك رباً؛ لأنه إنما فدى ليستخلص ملكه، ويعيده إلى قديم ملكه لا أنه يشتريه ابتداء. (البناية)
فلما قلنا: إشارة إلى قوله: لأنه يتضرر بالأخذ مجاناً. [البناية ٢٥١/٩]
الملك فيه إلخ: احترز به عن المشتري شراء فاسداً؛ فإن الأوصاف هناك مضمونة. [الكفاية ٢٥٨/٥-٢٥٩]
صحيح: فإن الأرش حاصل في ملكه، وليس إعادة إلى قديم ملكه حتى يكون المولى أحق به كالرقبة.
بمثله: لأن الأرش دراهم أو دنانير. (البناية) من الثمن: أي بسبب فقء العين. [البناية ٢٥١/٩]

٢٥٤
باب استيلاء الكفار
لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن، بخلاف الشُّفْعة؛ لأن الصفقة لما تحولت إلى
الشفيع صار المشترَى في يد المشتري بمنزلة المشترَى شراءً فاسداً، والأوصاف تضمن
فيه كما في الغصب، أما ههنا الملك صحيح فافترقا. وإن أسَرُوا عبدا، فاشتراه رجل بألف
درهم، فأسروه ثانية، وأدخلوه دار الحرب فاشتراه رجل آخر بألف درهم: فليس
للمولى الأول أن يأخذه من الثاني بالثمن؛ لأن الأسر ما ورد على ملكه. وللمشتري
الأول أن يأخذ من الثاني بالثمن؛ لأن الأسر ورد على ملكه، ثم يأخذ المالك القديم
بألفين إن شاء؛ لأنه قام عليه بالثمنين، فيأخذه بهما، وكذا إذا كان المأسور منه الثاني غائباً:
وهو المشترى
ذلك الشيء
لا يقابلها شيء إلخ: لأنه تابع، وبفواته لا يسقط شيء من الثمن، ولهذا لو ظهر في المبيع وصف مرغوب
فيه، وقد نفياه عند العقد لم يكن للبائع أن يطلب شيئاً. واستشكل بأن الوصف إنما يقابله شيء من الثمن إذا
لم يصر مقصوداً بالتناول، وإن صار فله حظ من الثمن، كما لو اشترى عبداً، ففقئت عينه ثم باعه مرابحة،
فإنه يحط من الثمن، ولو أعورت في يده بآفة سماوية، لا يحط، بل يرابح على كل الثمن. وكذا في الشفعة إذا
كان فوات وصف المشفوع فيه بفعل قصدي قوبل ببعض الثمن، كما لو استهلك شخص بعض بناء الدار
المشفوعة. وأجيب بأن الوصف إنما يقابله بعض من الثمن عند صيرورته مقصوداً بالتناول في الملك الفاسد،
وموضع وجوب اجتناب الشبهة، كما ذكرت من مسئلة المرابحة؛ لأنها مبنية على الأمانة دون الخيانة،
وللشبهة حكم الحقيقة فيها، والملك في الشفعة للمشتري كالفاسد من حيث وجوب تحويله إليه، أما في
الشراء الصحيح الذي لا يشبه الفاسد، فالثمن يقابل العين، لا غير. [فتح القدير ٢٥٩/٥]
كما في الغصب: فإن من غصب جارية، فذهبت عينيها يضمن نصف القيمة. من الثاني: وهو الذي أسر
منه أولاً. بالثمن: اعترض عليه بأنا لو أثبتنا حق الذي اشتراه من العدو أولاً تضرر المالك؛ لأنه حينئذٍ
يأخذه بالثمنين، وأجيب بأن رعاية حق من اشتراه أولا أولى؛ لأن حقه يعود في الألف التي نقدها
بلا عوض، والمالك القديم يلحقه الضرر ولكن بعوض يقابله، وهو العبد. [العناية ٢٦٠/٥]
على ملكه: كما إذا وهب رجل آخر شيئاً، فوهبه الموهوب له من آخر فليس للواهب الأول عليه سبيل ما
لم يرجع الثاني في هبته. [الكفاية ٢٦٠/٥] بالثمنين: الألف الذي نقده أولاً، والذي أعطاه ثانياً للمشتري الثاني.

٢٥٥
باب استيلاء الكفار
ليس للأول أن يأخذه؛ اعتباراً بحال حضرته. ولا يملك علينا أهلُ الحرب بالغلبة مُدَّرِينا،
المالك القديم
وأمهاتٍ أولادنا، ومكاتبينا، وأحرارنا، ونملك عليهم جميع ذلك؛ لأن السبب إنما يفيد
الملكَ في محله، والمحل المالُ المباح، والحُرُّ معصوم بنفسه، وكذا من سواه؛ لأنه تثبت الحرية
وهو الاستيلاءُ
فيه من وجه، بخلاف رقابهم؛ لأن الشرع أسقط عصمتهم جزاءً على جنايتهم، وجَعَلَهم
أرقاءَ، ولا جناية من هؤلاء. وإذا أَبْقَ عبد مسلم لمسلم، فدخل إليهم، فأخذوه: لم يملكوه
عند أبي حنيفة لله وقالا: يملكونه؛ لأن العصمة لحقِّ المالك؛ لقيام يده، وقد زالت، ولهذا
لزوال یده
لو أخذوه من دار الإِسلام ملكوه. وله: أنه ظهرت يده على نفسه بالخروج من دارنا؛
ولا يملك إلخ: والأصل فيه ما ذكرنا في "شرح الطحاوي" أن كل ما يملك بالميراث يملك بالأسر
والاسترقاق والقهر والغلبة، وكل ما لا يملك بالميراث لا يملك بالأسر والاسترقاق والقهر والغلبة. (البناية)
معصوم بنفسه: باعتبار أن الآدمي خلق للحمل لأعباء التكاليف، ولا قدرة على التكليف إلا بواسطة العصمة،
فكان التعرض له حراماً. (البناية) من سواه: أي من سوى الحر من أم الولد والمدبر والمكاتب. [البناية ٢٥٣/٩]
من وجه: ولهذا لا يصح أن يملكهم بالعقود. [البناية ٢٥٤/٩] بخلاف رقابهم: أي رقاب الكفار من أحرارهم،
ومدبريهم، وأمهات أولادهم. [الكفاية ٢٦١/٥] أسقط عصمتهم: بسبب إنكارهم التوحيد.
من هؤلاء: أي من مدبرينا، وأمهات أولادنا، ومكاتبينا، وأحرارنا. [الكفاية ٢٦١/٥]
وإذا أبق إلخ: ذكر الإمام أبو اليسر له في "عين الفقهاء" العبد المسلم لمسلم، أو لذمي إذا أبق إلى دار
الحرب، فأخذه الكفار لا يملكونه عند أبي حنيفة بطشهم، والمرتد يملكه الكفار، وأما العبد الكافر فهو ذمي
تبعاً لمولاه، وما بطلت الذمة باللحوق بدار الحرب، فلا يملك الكفار كذا في "عين الفقهاء"، وذكر في طريقة
مجد الأئمة طلبه، العبد إذا كان ذمياً، ففيه قولان، وأما إذا كان مرتداً فأبق ولحق بدار الحرب يملكه الكفار
بالإجماع. [الكفاية ٢٦١/٥] لمسلم: قيد المسلم اتفاقي؛ لأن عبد الذمي كذلك. [العناية ٢٦١/٥]
لأن العصمة: أي الموجودة في العبد.(البناية) وقد زالت: فصار کما إذا ندت الدابة أي شردت، وكما
لو أخذوا العبد الآبق من دارنا، أو غير الآبق إذا أحرزوه حيث يملكونه. ملكوه: ولو كانت العصمة بالإِسلام
لما ملكوه. [البناية ٢٥٤/٩] من دارنا: لأن حين دخل دار الحرب فقد زالت يد المولى عنه، لا إلى من يخلفه. (البناية)

٢٥٦
باب استيلاء الكفار
لأن سقوط اعتبارها لتحقق يد المولى عليه تمكيناًله من الانتفاع، وقد زالت يدُ المولى،
فظهرت يده على نفسه، وصار معصوماً بنفسه، فلم يَبْقَ محلاً للملك، بخلاف المتردد؛
لأن يد المولى باقية؛ لقيام يدِ أهلِ الدار، فمنع ظهورَ يدِهِ، وإذا لم يثبت الملكُ لهم عند
لأهلالحرب
أبي حنيفة ماله يأخذه المالكُ القديم بغير شيء، موهوباً كان أو مشترىً، أو مغنوماً قبل
القسمة، وبعد القسمة يؤدى عوضه من بيت المال؛ لأنه لا يمكن إعادة القسمة لتفرق
الغانمين، وتعذر اجتماعهم، وليس له على المالك جُعْلُ الآبق؛ لأنه عامل لنفسه؛ إذ في
الكفار
زعمه أنه ملكه. وإن ندَّ بعير إليهم، فأخذوه: ملكوه؛ لتحقق الاستيلاء؛ إذ لا يدَ
للعجماء لتظهر عند الخروج من دارنا، بخلاف العبد على ما ذكرنا.
بخلاف المتردد: أي الآبق الذي تردد في دار الإسلام؛ لأن يد المولى باقية في حقه حكماً، ولهذا لو وهبه
لابنه الصغير صار قابضاً له، وأما الآبق إلى دار الحرب، فلا يكون في يد مولاه حكماً حتى لو وهبه لابنه
الصغير لا يجوز. [الكفاية ٢٦٢/٥] لأن يد إلخ: لأن الاقتدار على المحل قائم بالطلب، والاستعانة بأهل
الدار. (البناية) موهوباً: أي لأحد من أهل الحرب. (البناية) أو مشترى: أي أو كان العبد مشترى بأن
اشتراه أحد منهم. [البناية ٢٥٥/٩] وبعد القسمة إلخ: أي يؤدي الإمام عوضه من بيت المال للمأخوذ
منه؛ لأنه لا يمكن له إعادة القسمة، وبيت المال معد لنوائب المسلمين، وهذا أيضاً منها.
المالك: أي للغازي، أو للتأجر، أو للموهوب له. (البناية) جعل الآبق: الجعل ما يجعل للعامل على عمله،
وخص في الاستعمال بما يعطى المجاهد ليستعين به على جهاده. لأنه: أي لأن كل واحد من هؤلاء عامل
لنفسه في زعمه؛ إذ في زعمه أنه ملكه أي أن العبد ملكه، فيكون عاملاً لنفسه، لا للمولى القديم. (البناية)
وإن ند: أي ذهب على وجهه شارداً، يقال: ند يند نداً من باب ضرب يضرب. [البناية ٢٥٦/٩]
للعجماء: أي البهيمة، وإنما سميت عجماء؛ لأنها لا تتكلم، فكذلك من لم يقدر على الكلام، فهو أعجم
ومستعجم، وقال: صلاة النهار عجماء؛ لأنها لا تجهر فيها بالقراءة. [البناية ٢٥٧/٩] ما ذكرنا: إشارة إلى
قوله: إنه ظهرت يده إلخ. [البناية ٢٥٧/٩]

٢٥٧
باب استيلاء الكفار
وإن اشتراه رجل، وأدخله دار الإِسلام: فصاحبه يأخذه بالثمن إن شاء؛ لما بينا. فإن
البعير
أبق عبد إليهم، وذهب معه بفرس ومتاع، فأخذ المشركون ذلك كله، واشترى
رجل ذلك كله، وأخرجه إلى دار الإِسلام: فإن المولى يأخذ العبدَ بغير شيء،
والفرسَ والمتاع بالثمن، وهذا عند أبي حنيفة ماله. وقالا: يأخذ العَبدَ، وما معه
بالثمن إن شاء؛ اعتباراً لحالة الاجتماع بحالة الانفراد، وقد بينا الحكم في كل فرد.
وإذا دخل الحربي دارَنا بأمان، واشترى عبداً مسلماً، وأدخله دارَ الحرب: عتق عند
أبي حنيفة باته. وقالا: لا يعتق؛ لأن الإزالة كانت مستحقة بطريق معين، وهو
البيع، وقد انقطعت ولايةُ الجبر عليه، فبقي في يده عبداً.
لما بينا: من أن المشتري يتضرر بالأخذ مجاناً. (البناية) ذلك كله: أي العبد والمتاع ومانعه.
عند أبي حنيفة بحاله: لما أن عنده يثبت الملك للغازي في المال دون العبد، واعترض بأن على قول أبي أحنيفة محله
ينبغي أن يأخذ المالك المتاع أيضاً بغير شيء؛ لأنه لما ظهرت يد العبد على نفسه، ظهرت على المال أيضاً؛
لانقطاع يد المولى عن المال. وأجيب بأن يد العبد ظهرت على نفسه مع المنافي، وهو الرق، فكانت ظاهرة
من وجه دون وجه، فجعلناها ظاهرة في حق نفسه غير ظاهرة في حق المال، هكذا قاله الأكمل بدله، وفيه
تأمل؛ لأن استيلاء العبد على المال حقيقة وجد، وهو مال مباح، فينبغي أن يمنع استيلاء الكفار كما في
العبد.(البناية) اعتباراً إلخ: يعني إذا أبق العبد وحده، كان الحكم فيه كذلك، فكذا الحكم إذا أبق ومعه فرس
ومتاع. (البناية) في كل فرد: أي عند قوله: وإذا غلبوا على أموالنا إلخ. [البناية ٢٥٧/٩-٢٥٨]
عبداً مسلماً: وعلى هذا الخلاف إذا كان العبد ذمياً. (الكفاية) وهو البيع: لأن الإسلام يعلو، ولا يعلى
[الكفاية ٢٦٣/٥] فإنه إذا اشترى الكافر عبداً مسلماً يجبر على إخراجه عن ملكه بالبيع، فإن فعل، وإلا
باعه القاضي عليه، ودفع ثمنه إليه. [فتح القدير ٢٦٣/٥] وقد انقطعت: بالدخول في دار الحرب. (البناية)
فبقي في يده إلخ: فلا يعتق؛ لأنه ملكه في دار الإِسلام، وأحرزه بدراهم. [البناية ٢٥٨/٩]

٢٥٨
باب استيلاء الكفار
ولأبي حنيفة : أن تخليص المسلم عن ذل الكافر واجب، فيقام الشرطُ - وهو تباين
الدارين - مَقام العلة- وهو الإعتاق - تخليصاً له كما يقام مُضِي ثلاثِ حِيَضٍ مقامَ التفريق،
فيما إذا أسلم أحد الزوجين في دار الحرب. وإذا أسلم عبدٌ لحربي، ثم خرج إلينا، أو ظُهر
على الدار: فهو حر، وكذلك إذا خرج عبيدهم إلى عسكر المسلمين: فهم أحرار؛ لما روي
أن عبيداً من عبيد الطائف أسلموا، وخرجوا إلى رسول الله عليها، فقضى بعتقهم*
ولأبي حنيفة سل إلخ: بيان هذا أن الحربي المستأمن في دارنا يزال ملكه بالعوض بحرمة ماله بأمانه، فإذا دخل
دار الحرب انتهت الحرمة بانتهاء الأمان، وسقطت عصمة ماله، فيعتق العبد تخليصاً له، وقد عجز القاضي عن
إعتاقه عليه؛ إذ لا ينفذ قضاؤه على من في دار الحرب، فقام شرط زوال عصمة ماله، وهو دخوله دار الحرب
مقام علة الزوال، وهي إعتاق القاضي. (البناية) واجب: لقوله تعالى: ﴿لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
سَبِيلاً﴾. [البناية ٢٥٨/٩] مقام العلة: لما أنه قد يقام الشرط مقام العلة عند إمكان إضافة الحكم، كما في
حفر البئر على قارعة الطريق، فإن قيل: الإحراز بدار الحرب سبب لإثبات الملك فيما لم يكن مالكا له.
ألا ترى أنهم إذا أسروا عبداً مسلماً في دارنا، ملكوه إذا أحروزه بدارهم، فيستحيل أن يزول ملكه
بالإِحراز ؛ لأن الإحراز لما صار سبباً لإثبات الملك ابتداء، فأولى أن يبقى الملك الثابت كما كان، وإلا
يلزم أن يكون ماهو المثبت للملك مزيلاً له وهو مدفوع بمرة قلنا: ليس هذا، كما أخذوا عبداً من دارنا؟
لأنهم لا يملكونه بالأخذ، حتى يستحق عليهم الإزالة بسبب الاستيلاء، وإنما يملكونه بالإحراز، بخلاف ما
نحن فيه، فإنهم ملكوه بالشراء، فاستحق عليهم الإزالة بالبيع ما داموا في دارنا ولما أدخلوه في دارهم
استحق الإزالة أيضا بإقامة شرط الزوال مقام الإزالة على ما ذكرنا. [الكفاية ٢٦٤/٥]
كما يقام إلخ: تمثيل للمسألة في قيام الشرط مقام العلة، فإن انقضاء ثلاث حيض شرط البيئونة في الطلاق الرجعي، أقيم
مقام علة البينونة، وهي عرض القاضي الإسلام، وتفريقه بعد الإباء لعجزا القاضي عن حقيقة العلة إذا أسلم أحد الزوجين
بدار الحرب. [العناية ٢٦٤/٥] أو ظُهر: على صيغة المجهول أي غلب على الدار أي دارهم الكفار. [البناية ٢٦٤/٩]
"رواه أحمد في "مسنده" وابن أبي شيبة في "مصنفه"، والطبراني في "معجمه" من حديث الحجاج. [نصب الراية
٤٣٦/٣] رواه أحمد في "مسنده" عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: حاصر رسول الله صلاة أهل
الطائف، فخرج إليه عبدان فأعتقهما أحدهما أبو بكرة، وكان رسول الله أن يعتق العبيد إذا خرجوا إليه. [٢٤٣/١]

٢٥٩
باب استيلاء الكفار
وقال: هم عتقاءُ الله، ولأنه أحرز نفسَه بالخروج إلينا مراغماً لمولاه، أو بالالتحاق
بمنعة المسلمين، إذا ظهر على الدار، واعتبارُ يده أولى من اعتبار يد المسلمين؛ لأنها
ید العبد
بعسكرهم
ء
أسبقُ ثبوتا علی نفسه، فالحاجة في حقه إلی زیادة تو کید، وفي حقهم إلى إثبات اليد
اعتبار ید العبد
بمنعة المسلمین
العبد
ابتداءً، فكان أولى.
ولأنه أحرز: أي العبد المسلم الذي خرج. مراغماً [أي منابذً يقال: راغم فلان قومه مراغمة إذا خرج عنهم
إذا تركهم] لمولاه: وقيد بقوله: مراغماً؛ لأنه إذا خرج طائعاً لمولاه يباع، وثمنه للحربي، وعليه نصَّ الحاكم
الشهيد في "الكافي". [البناية ٢٦٠/٩] بالالتحاق: متصل بقوله: أو ظهر على الدار. [العناية ٢٦٥/٥]
أسبق ثبوتاً إلخ: توضيح هذا: أنه لما التحق بمنعة المسلمين صار كأنه خرج إلى دار الإسلام، ولا يكون
عبداً للغزاة؛ لأنهم محتاجون أن يملكوه بالإحراز، وهو محتاج إلى أن يحرز نفسه لتناول شرف الحرية،
وإحرازه أسبق من إحرازهم، فصار أولى؛ لأنه صاحب يد في نفسه لكنه يحتاج إلى ما يؤكد يده بمنعة
المسلمين وهم محتاجون إلى إثبات اليد ابتداء، فكان اعتبار يده أولى. [البناية ٢٦١/٩]