Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦٠
باب الظهار
إذ لا يَفْسُدُ به الصومُ، وهو الشرط، وإن كان تقديُمه على المسيس شرطا، ففيما ذَهَبْنا
إليه تقديمُ البعض، وفيما قلتم تأخيرُ الكلِّ عنه. ولهما: أن الشرط في الصوم أن يكون قبل
على المسيس يعني الاستئناف
المسيس، وأن يكون خالياً عنه ضرورةً بالنص، وهذا الشرطُ ينعدم به فيستأنف. وإن
أفطر منها يوماً بعُذْر، أو بغير عذر: استأنف لفوات التابع، وهو قادر عليه عادةً. وإن
ظاهر العبدُ: لم يجز في الكفارة إلا الصوم؛ لأنه لا مِلْكَ له، فلم يكن من أهل التكفير
بالمال. وإن أعتق المولى، أو أَطْعَمَ عنه: لم يُخْزِه؛ لأنه ليس من أهل الملك، فلا يصير مالكاً
بتمليكه. وإذا لم يستطع المظاهرُ الصيامَ: أطعم ستين مسكيناً؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ
يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِينَ مِسْكِينَ﴾. ويُطعم كلَّ مسكين نصف صاع من بُرِّ، أو صاعاً من
تمر، أو شعير، أو قيمة ذلك؛ لقوله عليه في حدیث أوس بن الصامت وسهل بن صخر:
لا يفسد به [أي بهذا الجماع] الصوم: والجواب أن عدم الفساد في النسيان ثبت بالنص على خلاف القياس،
فلا يتعدى إلى قطع التتابع، وفي العمد لعدم القائل بالفصل. [العناية ١٠٢/٤] وهو الشرط: أي التتابع هو
الشرط للصوم كفارة وقد وجد. (البناية) تأخير الكل: وتأخير البعض أهون من تأخير الكل. (البناية)
ضرورة بالنص: معناه: أن النص يقتضي شرطين: كون الصوم قبل المسيس، وكون الصوم خاليا عن المسيس.
والشرط الثاني من ضرورة الأول؛ لأن تقديمه على المسيس يستلزم خلو الصوم عنه، وهذا الشرط أي الشرط
الثاني، وهو الخلو عنه ينعدم به أي بالمسيس، فينعدم المشروط، ويجب الاستئناف؛ لأنه إن عجز عن الإتيان قبل
المسيس، فهو قادر على الإتيان به خالياً عن المسيس. [العناية ١٠٢/٤]
بعذر: كسفر أو مريض. (العناية) وهو قادر إلخ: وهذا احتراز عما إذا أفطرت المرأة في كفارة القتل،
والإفطار بعذر الحيض، فإنها لا تستأنف؛ لأنها معذورة عادة؛ إذ لا تجد شهرين متتابعين لا حيض
فيهما. [العناية ١٠٣/٤] الصوم: أي دون الإعتاق والإطعام. لقوله علا: تعليل لقوله: أو يطعم كل مسكين
نصف صاع" إلى قوله: "أو شعير" ، وليس بتعليل لقوله: أو قيمة ذلك. [البناية ٢٢٢/٧-٢٢٣]
٢٦١
باب الظهار
"لكل مسكين نصف صاع من بُرَّ"، * ولأن المعتبرَ دفعُ حاجة اليوم لكلِّ مسكين،
فُيُعْتبر بصدقة الفطر، وقوله: "أو قيمة ذلك" مذهبنا، وقد ذكرناه في الزكاة. فإِن
أعطى مَنَّ مِن برّ ومَنَوَيْن من تمر، أو شعير: جاز؛ لحصول المقصود؛ إذ الجنس مُتَّحد،
کتاب الزكاة
ربع صاع
وإن أمر غَيْرَه أن يُطْعِمَ عنه من ظهاره، ففعل: أجزأه؛ لأنه استقراضٍ معنىٍّ، والفقير
من المأمور
قابض له أولاً، ثم لنفسه، فتحقق تملُكُه، ثم تمليكِهِ،
بصدقة الفطر: يعني في المقدار، ولكن بينهما فرق من وجه آخر، وهو أن التفريق ههنا بأن يعطى فقيراً
منَّا من حنطة، ومنَّا آخر فقيراً آخر لا يجوز؛ لأن الواجب إطعام ستين مسكيناً، فكان العدد معتبراً
كالمقدار، ومتى فرق لم يوجد الإطعام المعتاد للمساكين. وأما في صدقة الفطر: فالمعتبر فيها القدر دون
العدد؛ لكونه مسكوتا عنه، فيكون التفريق جائزاً. (العناية)
وقوله: أي قول القدوري؛ لأن المسألة مذكورة في القدوري هكذا. (البناية) الجنس متحد: يعني من حيث
الإطعام، وسد الجوعة؛ لأن المقصود من البُر والتمر والشعير الإطعام، فيجوز تكميل أحدهما بالآخر. وأما
إذا اختلف الجنس كما إذا أطعم خمسة مساكين في كفارة اليمين بطريق الإباحة، وكسا خمسة مساكين،
والكسوة أرخص من الطعام، لم يجزه؛ لما أن المقصود بالكسوة غير المقصود بالإطعام، ألا ترى أن الإباحة
في كفارة اليمين بطريق الإباحة في أحدهما يجوز دون الآخر. [العناية ١٠٤/٤]
هكذا وقع في "الهداية"، وصوابه: وسلمة بن صخر، والحديث غريب. [نصب الراية ٢٤٧/٣] روى
*
أبوداود في "سننة" عن ابن اسحاق عن معمر بن عبدالله بن حنظلة عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن
خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر منيّ زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله (3® أشكوه إليه،
وهو يجادلني فيه ويقول: اتقي الله فإنه ابن عمك فما برحت حتى نزل القرآن ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي
تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآية، فقال عليَلا يعتق رقبة، قالت: لا يجد قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: إنه
شيخ كبير ما به من صيام قال: فليطعم ستين مسكيناً، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فأتي
ساعتئذٍ بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله فإني أعينه بعرق آخر، قال: أحسنت اذهبي فأطعمي بها عنه
ستين مسكيناً وارجعي إلى ابن عمك، قال: والعرق ستون صاعاً. [رقم: ٢٢١٤، باب الظهار]
٢٦٢
باب الظهار
فإن غدَّهم وعشَّاهم: جاز، قليلاً كان ما أكلوا أو كثيراً. وقال الشافعي بدله:
لا يجزئه إلا التمليكُ اعتباراً بالزكاة وصدقة الفطر؛ وهذا لأن التمليك أدفع للحاجة،
لا الإباحة
التغدية والتعشية
فلا ينوب منابهَ الإِباحة. ولنا: أن المنصوص عليه هو الإِطعامُ، وهو حقيقة في التمكين
من الطُّعْم وفي الإباحة ذلك، كما في التمليك. أما الواجب في الزكاة: الإيتاء،
و
وفي صدقة الفطر: الأداء، وهما للتمليك حقيقة. ولو كان فيمن عشَّاهم صبيٌّ فَطِيم:
لا يجزئه؛ لأنه لا يَسْتُوفي كاملاً ولابد من الإِدام في خُبْز الشعير؛ ليمكنه الاستيفاءُ إلى
الشّبْع، وفي خبز الحنطة لا يُشترط الإِدام. وإن أعطى مسكيناً واحدً ستين يوماً: أجزأه، وإن
أعطاه في يوم واحد: لم يجزه إلا عن يومه؛ لأن المقصود سدُّ خَلَّةٍ المحتاج، والحاجةُ تتحدَّد
حاجة المحتاجّ
في کل یوم، فالدَّفْع إليه في اليوم الثاني کالدفع إلى غيره، وهذا في الإباحة من غیر خلاف،
مسکین واحد
غداهم وعشاهم: الرواية بالواو، لا بأو، فإن التغدية الواحدة دون التعشية، والتعشية من غير التغدية لا يجوز،
ذكره في "المبسوط"، وعن أبي حنيفة سلك لو غدى ستين مسكيناً، وعشى آخرين لا يجوز. [البناية ٢٢٦/٧]
جاز: يعني أن المعتبر هو الشبع، لا المقدار. (العناية) وهذا: أي وجه اعتبارها بالزكاة وصدقة الفطر. (البناية)
وهو حقيقة: لأنه جعل الغير طاعماً. (العناية) الإباحة ذلك: أي التمكين، كما في التمليك، فيتأدى الواجب
بكل واحد منهما، أما بالتمكين فلمراعاة عين النص، وأما بالتمليك: فلاشتماله على المنصوص عليه؛ لأنه إذا ملك
منه فإما أن يطعمه أو يصرفه إلى حاجة أخرى، فلذلك يقام التمليك مقام المنصوص عليه. [العناية ١٠٦/٤]
الإيتاء: أي لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَةَ﴾. (العناية) الأداء: لقوله عليها: "أدوا عمن تمونون". (العناية)
لا يستوفي: لأن تعشيته وتغديته ناقصة فلا تجزئ عن الكامل. (البناية) وهذا: إشارة إلى قوله: لم يجزه إلا
عن یومه، يعني إذا دفع لمسكين واحد في يوم واحد ستين مرة بطريق الإباحة، فلا خلاف لأحد في عدم
جوازه، وأما إذا كان بطريق التمليك، فقد اختلف المشايخ فيه. فقال بعضهم: لا يجوز؛ لأن المقصود سد
الخلة، ولهذا لا يجوز الصرف إلى الغني، وبعد ما استوفى وظيفة اليوم، لا حاجة له إلى سد الخلة بصرف
وظيفة أخرى إليه، بخلاف كفارة أخرى؛ لأن المستوفي في حكم تلك الكفارة كالمعدوم، ولا يمكن أن
يجعل مثله في هذه الكفارة. [العناية ١٠٧/٤]
٢٦٣
باب الظهار
وأما التمليكُ من مسکین واحدٍ في يوم واحد بدفعاتٍ، فقد قيل: لا يجزئه، وقد قيل:
يجزئه؛ لأن الحاجة إلى التمليك تتجدَّده في يوم واحد، بخلاف ما إذا دفع بدفعةٍ
مسکین واحد
واحدة؛ لأن التفريق واجب بالنص. وإن قَرِبَ التي ظاهر منها في خلال الإطعام:
لم يَسْتأنف؛ لأنه تعالى ما شرط في الإطعام أن يكون قبل المسيس، إلا أنه يُمْنَعُ من
المظاهر
المسيس قبله؛ لأنه ربما يَقْدِرُ على الإعتاق أو الصوم، فيقعان بعد المسيس، والمنعُ لمعنى
في غيره لا بعدم المشروعية في نفسه. وإذا أُطعم عن ظهارَين ستين مسكيناً، لكل
مسكين صاعاً من بُر: لم يُجْزِه إلا عن واحد منها عند أبي حنيفة وأبي يوسف محمدًا.
وقال محمد بحلته: يجزئه عنهما، وإن أطعم ذلك عن إفطار وظهار: أجزأه عنهما. له
محمد
بالاتفاق
المظاهر
أن بالمودَّى وفاءً بهما، والمصروفُ إليه محلٌّ لهما، فيقع عنهما كما لو اختلف
السببُ، أو فَرَّقَ في الدفع. ولهما: أن النية في الجنس الواحد لَغْو،
تتجدده إلخ: فإذا فرق بدفعاتٍ في يوم واحد جاز، كما في الأيام، بخلاف حاجة الإباحة بالإِطعام، فإنه
إذا استوفى حاجته منها في يوم تنتهي حاجته إلى الطعام، ولا تتحدد إلا بتحدد الأيام. [العناية ١٠٧/٤]
واجب بالنص: وهو قوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِيناً﴾، ولم يوجد لا حقيقةً، ولا تقديراً، فلا يجوز، كالحاج
إذا رمى الحصيات السبع دفعة واحدة. [العناية ١٠٧/٤] في غيره: يعني توهم القدرة على الإعتاق. (العناية)
في نفسه: كالبيع وقت النداء، والصلاة في الأوقات المكروهة. (العناية)
وفاءًّ بهما [أي بالظهارين]: إذ الواجب عن كل ظهار لكل مسكين نصف صاع من بر، ففي الصاع وفاء
بهما لا محالة. [العناية ١٠٨/٤] محل لهما: لأن الفقير لا يخرج بأخذ أحد الحقين عن كونه مصرفاً لبقاء الخلة،
والنية متعينة. (العناية) اختلف السبب: يعني أطعم ذلك عن إفطار وظهار. (العناية) في الدفع: بأن أعطى
مسكيناً نصف الصاع عن إحدى الكفارتين، ثم أعطى النصف الآخر إياه عن الكفارة الأخرى جاز
بالاتفاق. [البناية ٢٢٩/٧] لغو: لأن النية للتمييز بين الأجناس المختلفة، والفرض عدمها، فلغت النية. (العناية)
٢٦٤
باب الظهار
وفي الجنسين معتبرة، وإذا لَغَتِ النيةُ والمؤدَّى، يصلح كفارةً واحدة؛ لأن نصفَ الصاع
أدنى المقادير، فيمنع النقصانَ دون الزیادة، فيقع عنها، كما إذا نوى أصلَ الكفارة، بخلاف
- المؤدى الكفارة الواحدة
ما إذا فرَّق في الدفع؛ لأنه في الدفعة الثانية في حكم مسكين آخر. ومن وجبت عليه
كفارتا ظهار، فأعتق رَقّبتيْن، لا ينوي عن إحداهما بعينها: جاز عنهما، وكذا إذا صام
أربعةَ أَشْهُرِ، أو أطعم مائة وعشرين مسكيناً: جاز؛ لأن الجنس متحد، فلا حاجة إلى نية
معينة. وإن أعتق عنهما رقبة واحدة، أو صام شهرين: كان له أن يجعل ذلك عن أيهما
شاء، وإن أعتق عن ظهار وقتل: لم يَجُزْ عن واحد منهما. وقال زفر بأنه: لا يجزئه عن
رقبة واحدة
أحدهما في الفصلين، وقال الشافعي بطله: له أن يجعل ذلك عن أحدهما في الفصلين؛ لأن
الكفارات كلّها باعتبار اتحادِ المقصود جنسٌ واحد. وجه قول زفر بالله: أنه أَعْتَقَ عن
وهو الستر
كل ظهارِ نصفَ العبد، وليس له أن يَجْعلَ عن أحدهما بعد ما أعتق عنهما؛ لخروج الأمر
من يده. ولنا: أن نية التعيين في الجنس المتحد غيرُ مفيد، فتلغو، وفي الجنس المختلف مفيدٌ،
معتبرة: ألا تری من کان عليه قضاء أيام من رمضان، فنوى صوم القضاء جاز، ولا يجب فيه نية التعيين، وفي قضاء
رمضان، وصوم النذر يفتقر إلى تعيين النية لاختلاف جنسهما. [البناية ٢٢٩/٧] كما إذا نوى: فإنه يقع عن
إحداهما بالاتفاق. (البناية) كان له إلخ: جواب الاستحسان، والقياس: أن لا يجوز، وهو قول زفر؛ لخروج الأمر من
يده. (العناية) في الفصلین: یعني في متحد الجنس ومختلفه. (العناية) جنس واحد: والنية في الجنس الواحد غير مفيد،
فبقي نية أصل الكفارة، ولو نوى أصل الكفارة، كان له أن يجعل ذلك عن أيهما شاء فكذا هذا. [العناية ١٠٩/٤]
عن كل ظهار: وكذا عن الظهار والقتل. فتلغو: قيل: معناه: نوى التوزيع في الجنس الواحد، وكان لغواً،
وإذا لغت صار كأنه أعتق رقبة عن الظهارين، ولم ينو عنهما، وذلك جائز، وله أن يصرفها إلى أيهما شاء،
فكذلك ههنا بخلاف ما إذا كانت الكفارتان من جنسين مختلفين؛ لأنه نوى التوزيع في الجنس المختلف،
وكانت معتبرة، فلا يكون عن واحد منهما. [العناية ١٠٩/٤]
٢٦٥
باب الظهار
واختلاف الجنس في الحكم - وهو الكفارة ههنا - باختلاف السبب، نظيرُ الأول:
الجنس المتحد
إذا صام يوماً في قضاء رمضان عن يومَيْن، يجزئه عن قضاء يوم واحد، ونظير الثاني: إذا
الجنس المختلف
كان عليه صومُ القضاء والنذر، فإنه لأُبُدَّ فيه من التمييز، والله أعلم.
يجزئه إلخ: بناء على ما ذكرنا من إلغاء نية التوزيع، وبقاء أصل النية؛ إذ الجنس متحد. (العناية)
من التمييز: فإن نوى من الليل أن يصوم غداً عنها كانت النية معتبرة، فلا يصير صائماً؛ إذ الجنس
مختلف، وتعيين النية لا بد منه، وإلا لا يقع عن واحد منهما. [العناية ١١٠/٤]
٢٦٦
باب اللعان
باب اللعان
قال: إذا قذف الرجلُ امرأته بالزنا، وهما من أهل الشهادة، والمرأة مِمَّن يُحَدُّ قاذفُها،
القدوري
أو نفى نسبَ ولدها، وطالبَتْه بموجب القَذْف: فعليه اللعان. والأصل: أن اللعان عندنا
شهادات مؤكِّدات بالأيمان، مقرونة باللّعْن، قائمة مقام حدِّ القذف في حقه، ومقامَ حدٍّ الزنا
الزوج
في حقّها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾، والاستثناء إنما يكون من
الزوجة
الجنس، وقال الله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾، نص على الشهادة واليمين،
فقلنا: الر کنُ هو الشهادةُ المؤ كدةُ بالیمین، ثم قَرَنَ الر كن في جانبه باللعن لو كان كاذباً،
الزوج
باب اللعان: قد تقدم وجه المناسبة في أول الظهار، واللعان في اللغة: الطرد والإبعاد، وفي الشريعة:
شهادات تجري بين الزوجين مقرونة باللعن والغضب، ثم لقب الباب باللعان دون الغضب، وإن كان فيه
الغضب أيضاً؛ لأن اللعن من جانب الرجل، وهو مقدم. (العناية) أهل الشهادة: أي من أهل أدائهما،
ولهذا لا يجري بين المملوكين. (العناية) يحد قاذفها [أي تكون محصنة]: حتى لو لم تكن من ذلك بأن تزوجت
بنكاح فاسد ودخل بها، أو كان لها ولد مجهول النسب لا يجري بينهما. [العناية ١١١/٤]
نسب ولدها: بأن قال: هذا الولد من الزنا، أو قال: ليس من قبل الإقرار بالولد، وقبل مضي التهنئة التي هي
قائمة مقام الإقرار. [البناية ٢٣٤/٧] وطالبته: طالبت المرأة زوجها. (البناية) والأصل إلخ: اعلم أن موجب
قذف الرجل زوجته كان حد القذف في الابتداء، كما في الأجنبية؛ لعموم قوله: ﴿وَالّذِينَ يَرْمُونَ
الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية، ثم انتسخ ذلك باللعان، فنظرنا في آية اللعان، فوجدناها دالة على أن الأصل في اللعان
أن يكون شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن إلخ. [العناية ١١٢/٤]
عندنا: إنما قال: عندنا؛ لأن عند الشافعي بحثه أيمان مؤكدات بلفظ الشهادة، حتى أن عندنا أهل اللعان
من كان أهلاً للشهادة، وعنده من كان أهلاً لليمين. [البناية ٢٣٤/٤] والاستثناء إلخ: يعني أن الله تعالى
قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾، ووجه الاستدلال: أن الله تعالى استثنى
الأزواج من الشهداء. والأصل في الاستثناء أن يكون من الجنس، ولا شهداء إلا بالشهادة، ولا شهادة فيما
نحن فيه إلا كلمات اللعان، فدل أنها شهادات أكدت بالأيمان نفياً للتهمة. [العناية ١١٢/٤]
٢٦٧
باب اللعان
وهو قائم مقامَ حدِّ القذف، وفي جانبها بالغضب، وهو قائم مقامَ حد الزنا. إذا ثبت
في حقها
في حقه
هذا، نقول لا بد أن يكونا من أهل الشهادة؛ لأن الركن فيه الشهادة، ولابد أن
الزوج والزوجة
اللعان
تكون هي ممن يحدُّ قاذفها؛ لأنه قائم في حقه مقامَ حدِّ القذف، فلابد من إحصائها.
المرأة
المرأة
اللعان
ويجب بنفي الولد؛ لأنه لما نفى ولدها صار قاذفاً لها ظاهراً، ولا يُعتبر احتمالُ أن يكون
الولدُ من غيره بالوطءٍ من شبهة، كما إذا نفى أجنبيٌّ نسبه عن أبيه المعروف؛ وهذا لأن
الزوج
الأصل في النسب الفراش الصحيحُ، والفاسد ملحَق به، فنفيه عن الفراش الصحيح
الزوجة
النسب
قذف حتى يَظْهَرَ الملحَقُ بِهِ، ويُشْترط طلبُها؛ لأنه حقها، فلابد من طلبها، كسائر
اللعان
الحقوق، فإن امتنع منه: حَسَهُ الحاكمُ حتى يلاعِنَ، أَوْ يُكَذِّبَ نفسَه؛ لأنه حق مستحَق
الفاسد
الزوج
علیه، وهو قادر على إيفائه، فيحبسُ به حتى يأتي بما هو عليه، أو يكذب نفسه؛ ليرتفع
الزوج
السببُ. ولو لاعن: وجب عليها اللعانُ؛ لما تلوناً من النص، إلا أنه يُنْتَدُأُ بالزوج؛
وفي جانبها إلخ: لأنهمن يستعملن اللعن في كلامهن كثيراً على ما ورد به الحديث: "أهن يكثرن اللعن
ويكفرن العشير"، وسقطت حرمة اللعن عن أعينهن، فعساهن يجترئن على الإقدام؛ لكثرة جري اللعن على
ألسنتهن، وسقوط وقعته عن قلوبهن، فقرن الركن في جانبها بالغضب؛ ودعا لهن عن الإقدام. [العناية ١١٣/٤]
إذا ثبت هذا: يعني إذا ثبت أن الأصل أن اللعان عندنا شهادات مؤكدات بالأيمان. (العناية)
نفى أجنبي إلخ: أي كما إذا نفى أجنبي نسب ولد عن أبيه المعروف، فإنه يكون قذفاً للمرأة، فكذلك هذا.
[البناية ٢٣٦/٧ -٢٣٧] وهذا: إشارة إلى قوله: ولا يعتبر. (البناية) ويشترط طلبها: بموجب القذف؛ لأنه
حقها؛ لأنه باللعان يندفع عار الزنا عنها. (العناية) يكذب نفسه: فيجب عليه الحد.
على إيفائه: احتراز عن المديون المفلس، فإن الدين حق مستحق عليه، لكنه غير قادر على إيفائه
فلا يحبس. [العناية ١٥٥/٤] ليرتفع السبب: أي سبب اللعان أي علته، وهو التكاذب؛ لأن اللعان إنما
يجب إذا أكذب كل واحد منهما الآخر بما يدعيه بعد قذف الزوج امرأته بالزنا، وأما إذا أكذب نفسه،
فلم يبق التكاذب، بل وافق المرأة في أنها لم تزن، ولا يجري اللعان بعد ذلك. [العناية ١١٥/٤]
من النص: وهو قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾.
٢٦٨
باب اللعان
لأنه هو المدَّعي، فإن امتنعت: حبسها الحاكمُ، حتى تلاعِنَ، أو تصدِّقَهُ؛ لأنه حق
مستحق عليها، وهي قادرة على إيفائه، فتحبس فيه. وإذا كان الزوجُ عبدً، أو كافراً،
أو محدوداً في قذف، فقذف امرأته: فعليه الحدُّ؛ لأنه تعذّر اللعانُ لمعنى من جهته، فيصار إلى
الموجب الأصلي، وهو الثابتُ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية، واللعان
خَلَفٌ عنه. وإن كان من أهل الشهادة، وهي أمة، أو كافرة، أو محدودة في قذف، أو كانت
ممن لا يُحَدُّ قاذفُها، بأن كانت صبيةً، أو مجنونة، أو زانية، فلا حدَّ عليه، ولا لعانَ؟
لانعدام أهلية الشهادة، وعدم الإحصان في جانبها، وامتناع اللعان لمعنى من جهتها،
الزوجة
فيسقط الحدُّ، كما إذا صَلَّقته. والأصل في ذلك قوله عليها: "أربعة لا لعان بينهم وبين
الدليل
فلا لعان ولا حد .
أزواجهم: اليهودية والنصرانية تحت المسلم، والمملوكة تحت الحر، والحرة تحت المملوك"،*
هو المدعي: بناء على أن اللعان شهادات، والمطالب بها هو المدعي.(العناية) أو كافراً: بأن كانا كافرين،
فأسلمت المرأة، وقذفها الزوج قبل أن يعرض عليه الإسلام. (العناية) لمعنى: لأنه ليس من أهل
الشهادة. (العناية) الموجب الأصلي [وهو حد القذف]: فإنه كان هو المشروع أولاً، ثم صار اللعان خلفاً
عنه في قذف الزوج عند وجود الشرط، فإذا عدمت صير إلى الأصل. [العناية ١١٦/٤]
* أخرجه ابن ماجه في "سنته" عن ابن عطاء عن أبيه عطاء الخراساني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده أن رسول الله رَّ قال: أربعة من النساء لا ملاعنة بينهم: النصراينة تحت المسلم، واليهودية تحت
المسلم، والمملوكة تحت الحر، والحرة تحت المملوك. [رقم: ٢٠٧١، باب اللعان] قال البيهقي: وعطاء
الخراساني معروف بكثرة الغلط. [نصب الراية ٢٤٨/٣]
عطاء هذا وثقه ابن معین وأبو حاتم وغيرهما، واحتج به مسلم في "صحيحه"، وابنه عثمان ذكره ابن أبي حاتم
في كتابه، وقال: سألت عنه أبي فقال: يكتب حديثه، ثم ذكر عن أبيه سألت رحيماً عنه فقال: لا بأس به، فقلت:
أن أصحابه يضعفونه، فقال: وأي شيء حديث عثمان في الحديث، واستحسن حديثه. [البناية ٣٧٢/٥]
وسنده محتج به. [إعلاء السنن ٢٢٨/١١]
٢٦٩
باب اللعان
ولو كانا محدودين في قذف، فعليه الحد. وصفة اللعان: أن يبتدىء القاضي بالزوج،
٠
فَيَشْهَدُ أربعَ مرات، يقول في كل مرة: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رَمَيتُها به من
الزنا، ويقول في الخامسة: لعنة الله علیه إن کان من الکاذیین فیما رماها به من الزنا، يشير
إليها في جميع ذلك، ثم تشهد المرأة أربعَ مرات، تقول في كل مرة: أشهد بالله إنه لمن
الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: غضبُ الله عليها إن كان من
الصادقین فیما رماني به من الزنا، والأصل فيه ما تلوناه من النص، وروى الحسن عن
أبي حنيفة بداله أنه يأتي بلفظة المواجهة يقول: فيما رَمَيّتُك به من الزنا؛ لأنه أقطعُ للاحتمال،
الدلیل
المخاطبة
وجهُ ما ذَكَرَ في الكتاب: أن لفظةَ المغايرة إذا انضمت إليها الإِشارةُ، انقطع الاحتمال.
القدوري
قال: وإذا التعنا: لا تقع الفرقةُ حتى يُفَرِّقَ القاضي بينهما، وقال زفر سه: تقع بتلاعنهما؛
الفرقة
لأنه تثبت الحرمةُ المؤَّدة بالحديث. ولنا: أن ثبوتَ الحرمة بفوت الإمساك بالمعروف،
فیلزمه التسريحُ بالإِحسان، فإذا امتنع ناب القاضي منابه؛ دفعاً للظلم، دلّ عليه قول ذلك
الزوج
فعليه الحد: لأن امتناع اللعان لمعنى من جهته، وهو كونه ليس من أهل الشهادة ..... والقذف في نفسه
موجب الحد فيحد، بخلاف ما إذا وجد الأهلية من جانبه، فإنه ينعقد قذفه مقتضياً له، فإذا ظهر عدم
أهليتها بكونها محدودة في قذفه بطل المقتضي، فلا يجب الحد، لأنه لم ينعقد له، بل انعقد اللعان، ولا لعان
لبطلانه بالمانع. [العناية ١١٧/٤] فيشهد: من الإشهاد بنصب الدال. بلفظة: لا بلفظ الغيبوبة.
انقطع الاحتمال: لأنه يجتمع أداتا تعريف، فهو أولى. (البناية) حتى يفرق إلخ: يفيد أنه لو مات أحدهما
بعد الفراغ عن التلاعن قبل تفريق الحاكم توارثا. [العناية ١١٨/٤] دلّ عليه: أي على أن لا تقع الفرقة
حتى يفرق القاضي، ولو قال: دل عليه أيضاً، كان أولى، فتأمل. (العناية) قول ذلك: وجه الاستدلال أنه
قال: كذبت عليها عند النبي ◌ُ ◌ّ إلى آخره، ولم ينكر عليه النبي ل37ُ، ولو وقعت الفرقة بينهما بمجرد
التلاعن لأنکر رسول الله څ.
٢٧٠
باب اللعان
الملاعِنَ عند النبي عليًَّا: كَذَبْتُ عليها يا رسول الله! فقال له: أمْسكْها، فقال: إن
عويمر العجلاني
أمسكتُها، فهي طالق ثلاثاً،* قاله بعد اللعان، وتكون الفرقة تطليقةً بائنةً عند أبي حنيفة
بعد اللعان
ومحمد دعمًا؛ لأن فعلَ القاضي انتسب إليه كما في العِنِين، وهو خاطب إذا أكذب نفسه
** 11
لنيابته عنه
الزوج
لنيابته عنه
عندهما، وقال أبو يوسف بحاله: هو تحريم مؤبد؛ لقوله عليه: "المتلاعنان لا يَجْتمعان أبداً
الثابت باللعان
كما في العنين: حيث يؤجله القاضي سنة، فإن وصل إليها، وإلا فرق القاضي بينهما إذا طلبت المرأة الفرقة،
والفرقة بالطلاق لا تتأبد، غير أنها بائنة؛ لأن المقصود دفع الظلم عنها، فلا يحصل ذلك إلا بالبائن. (البناية)
وهو خاطب إلخ: هذه مسألة مبتدأة، أي هذا الرجل بعد الإكذاب صار خاطباً من الخطاب، أي يجوز له
أن يتزوجها كما لغيره يجوز أن يتزوجها، فعليه الحد بإكذاب نفسه. [البناية ٢٤٦/٧]
* رواه البخاري ومسلم من حديث ابن شهاب. [نصب الراية ٢٤٩/٣] أخرجه البخاري في "صحيحه"
عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري،
فقال له: يا عاصم أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم عن
ذلك رسول الله ◌ُّ فكره رسول الله ◌ُّ المسائل وعابها حتى كَبُرَ على عاصم ما سمع من رسول الله ◌ُّ،
فلما رجع عاصم إلى أهله جاء عويمر، فقال: يا عاصم ماذا قال رسول الله (ّ فقال عاصم: لم تأتني بخير
قد كره رسول الله وَّ التي سألته عنها، قال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى
رسول الله ◌ُّ وسط الناس فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم
كيف يفعل؟ فقال رسول الله وسلّ. "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها"، قال سهل: فتلاعنا
وأنا مع الناس عند رسول الله ◌َّ، فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله! فقال له: أمسكها،
فقال: إن أمسكتُها فهي طالق ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله وُّ، قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة
المتلاعنين. [رقم: ٥٢٥٩، باب من جوّز الطلاق بالثلاث]
** رواه أبو داود في "سننه": حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ثنا ابن وهب عن عياض بن عبد الله الفهري
وغيره عن ابن شهاب عن سهل بن سعد في هذا الخبر قال: فطلقها ثلاث تطليقات، فأنفذه رسول اللّه ◌ُ﴾
قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله (ّ فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان
أبداً. [رقم: ٢٢٥٠، باب اللعان]
٢٧١
باب اللعان
نصَّ على التأبيد. ولهما: أن الإكذاب رجوع، والشهادةُ بعد الرجوع لا حُكْمَ لها،
ولا يجتمعان ما داما متلاعنَيْن، ولم يبق التلاعنُ ولا حكمُه بعد الإِكذاب، فيجتمعان.
ولو كان القذف بنفي الولد: نفى القاضي نسبته وألحقه بأمه، وصورة اللعان: أن يأمُرَ
الحاكمُ الرجلَ، فيقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتُك به من نفي الولد،
من الأب
وكذا في جانب المرأة. ولو قذفها بالزنا ونَفْي الولد: ذَكَرَ في اللعان الأمرَيْن، ثم ينفي
القاضي نسبَ الولد، ويُلْحِقُه بأمه؛ لما روي أن النبي ◌ّ نفى ولدَ امرأةٍ هلال بن أمية
عن الأب
عن هلال، وألحقه بها،" ولأن المقصود من هذا اللعان نفي الولد، فيوفر عليه مقصوده،
التأبيد: وهو ينافي عوده خاطباً. (العناية) الإكذاب رجوع [أي الإقرار بالكذب]: رجوع أي عن
الشهادة، والرجوع عنها يبطل حكمها، ولا منافاة بين نص التأبيد والعود خاطباً؛ لأن معناه لا يجتمعان
ما داما متلاعنين؛ لأنهما يكونان متلاعنين، إما حقيقةً بمباشرتهما اللعان، أو مجازاً باعتبار بقاء حكمه،
ولم يبق شيء بعد الإكذاب، أما حقيقة: فظاهر، وأما حكماً: فلأنه لما أكذب نفسه وجب عليه الحد،
فبطلت أهلية اللعان، وإذا بطلت الأهلية ارتفع حكمه، فيجتمعان. [العناية ١٢٠/٤-١٢١]
وصورة اللعان: أي في نفي الولد. (البناية) جانب المرأة: أي تقول: من نفي الولد. (البناية)
الأمرين: أراد بهما الزنا، ونفي الولد. (البناية) نفي الولد: حيث كان القذف به. (العناية)
* أخرجه أبوداود عن عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة
الذين تاب الله عليهم، فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم بهجه حتى
أصبح، ثم غدا على رسول الله (ّ فقال: يا رسول اللّه ◌ُ ** إني جئت إلى أهلي عشاء، فرأيت بعيني وسمعت
بأذني، فبعث عليًّا، فأتى بامرأته، فوعظهما وذكرهما ثم لاعن بينهما. إلى أن قال: ففرق رسول الله ◌ُّ بينهما
وقضى أن لا يُدعى ولدها لأب ولا ترمي ولا يُرمي ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى أن
لا بيت لها عليه، ولا قوة من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا مُتُوفى عنها، قال عكرمة: فكان ولدها بعد
ذلك أميراً على مصر ولا يُدعى لأب. مختصر. [رقم: ٢٢٥٦، باب اللعان] ورواه أحمد في "مسنده" وهو
معلول بعباد بن منصور. [نصب الراية ٢٥١/٣] وقال في "التنقيح": وثقه يحيى القطان. [البناية ٣٨٠/٥]
٢٧٢
باب اللعان
فيتضمنه القضاء بالتفريق، وعن أبي يوسف بالله أن القاضي يُفَرِّقُ، ويقول: قد ألزمته
أمَّه، وأخرجتُه من نسب الأب؛ لأنه ينفكُ عنه، فلابد من ذكره. فإن عاد الزوجُ وأُكذَب
13
نفسه: حدَّه القاضى؛ لإقراره بوجوب الحد عليه، وحل له أن يتزوجها، وهذا عندهما؛
الزوج
الزوج
بعد اللعان
لأنه لما حُدَّ: لم يبق أهلَ اللعان، فارتفع حكمُه المنوط به، وهو التحريم، وكذلك إن
في القذف
قذف غَيْرَها، فحُدَّ به؛ لما بينا، وكذا إذا زنت، فحُدَّت؛ لانتفاء أهلية اللعان من جانبها.
غير امرأته
وإذا قذف امرأتُه، وهي صغيرة، أو مجنونة: فلا لعانَ بينهما؛ لأنه لا يُحَدُّ قاذفُها لو كان
أجنبيًّا، فكذا لا يلاعن الزوجَ؛ لقيامه مقامه، وكذا إذا كان الزوج صغيراً، أو مجنوناً؛ لعدم
أهلية الشهادة، وقذف الأخرس لا يتعلق به اللعانُ؛ لأنه يتعلَّق بالصريح كحدِّ القذف،
دون الإشارة
اللعان
فيتضمنه: أي يتضمن نفي الولد قضاء القاضي بالتفريق يعني إذا قال: فرقت بنيهما يكفي. (البناية)، فلا يحتاج
إلى أن ينفي القاضي نسبه، ويلحقه بأمه. [العناية ١٢٣/٤] ويقول إلخ: حتى لولم يقل ذلك، لم ينتف
النسب عنه. (العناية) ألزمته: أي ألزمت الولد أمه. (البناية) لأنه: أي نفي الولد ينفك عنه أي عن التفريق؛
إذ ليس من ضرورة التفريق باللعان نفي الولد، كما لومات الولد، فإنه يفرق بينهما باللعان، ولا ينتفى
النسب عنه، فلابد أن يصرح القاضي بنفي النسب عنه. (العناية)
وحل له: تكرار لقوله: وهو خاطب إذا أكذب نفسه عندهما، ويجوز أن يقال: ذكر هناك تفريعاً، ونقل
ههنا لفظ القدوري. [العناية ١٢٣/٤] عندهما: عند أبي حنيفة ومحمد همها. (البناية) أهل اللعان: أي فإنه
لم يبق من أهل الشهادة. وكذلك: له أن يتزوجها. (العناية) قذف: أي بعد تفريق القاضي. (البناية)
لما بينا: يريد به قوله: لأنه لما حد لم يبق أهلا للعان، فارتفع بحكمه المنوط به. (البناية) فحُدت: له أن
يتزوجها. [العناية ١٢٣/٤] لا يحد قاذفها إلخ: لعدم إحصائهما؛ لأن من شرطه البلوغ والعقل. (العناية)
أهلية الشهادة: لكونه غير مخاطب. (العناية) لأنه يتعلق إلخ: أي لأنه قائم مقام حد القذف، وحد القذف
لا يثبت إلا بالصريح، فكذلك اللعان، وفيه خلاف الشافعي، هو يقول: إشارة الأخرس كعبارة الناطق. ولنا: أن
الإشارة لا تعرى عن الشبهة؛ لكونها محتملة، والحدود تندرئ بالشبهات، واللعان في معنى الحد. [العناية ١٢٤/٤]
٢٧٣
باب اللعان
وفيه خلاف الشافعي بحدّه؛ وهذا لأنه لا يَعْرَى عن الشبهة، والحدودُ تندرئ بها. وإذا قال
الزوج: ليس حَمْلُك مني، فلا لعان. وهذا قول أبي حنيفة وزفر دعمها؛ لأنه لا يتيقن بقيام
الحمل، فلم يَصِرْ قاذفاً، وقال أبويوسف ومحمد منها: اللعانُ يجب بنفي الحمل إذا جاءت
به لأقلّ من ستة أشهر، وهو معنى ما ذكر في الأصل؛ لأنا تيقنا بقيام الحمل عنديه،
فيتحقق القذفُ. قلنا: إذا لم يكن قذفاً في الحال يصير كالمُعَلَّق بالشرط، فيصير كأنه قال:
إن كان بك حمل فليس مني، والقذفُ لا يصح تعليقه بالشرط. فإن قال لها: زَنَّيْت،
وهذا الحبل من الزنا، تلاعنا؛ لوجود القذف حيث ذكر الزنا صريحاً، ولم يَتْفِ القاضي
الحمل. وقال الشافعي بالته: ينفيه؛ لأنه عليّ نفى الولدَ عن هلال، وقد قذفها حاملاً.
امرأته
إذا جاءت به إلخ: وإنما قيد بقوله: إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر؛ لأنه إذا جاءت به لأكثر من ستة أشهر
لا يجب اللعان؛ لأنه لا يتيقن بوجود الحمل عند القذف. [البناية ٢٥١/٧] ستة أشهر: أي من وقت القذف.
وهو معنى إلخ: أي قيده بمجيء الولد لأقل من ستة أشهر ما ذكره محمد ماله في "الأصل". (البناية)
قذفاً في الحال: [لعدم التيقن بقيام الحمل] هذا جواب من جهة أبي حنيفة بطله: يعني إذا لم يكن قوله:
ليس حملك مني قذفاً في الحال بالاحتمال. [البناية ٢٥٢/٧] لا يصح تعليقه إلخ: لأن القذف مما لا يحلف
به؛ لإفضائه إلى ابقائه إلى زمان وجود الشرط في ذمة الحالف، وفي ذلك احتيال لإثبات ما يندرئ
بالشبهات. [العناية ١٢٥/٤]
*رواه من طرق متعددة. [نصب الراية ٢٥٢/٣ و٢٥٣] رواه البيهقي في "سنته": ثنا عكرمة عن ابن عباس
قال: لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ - إلى أن قال -: فجاء هلال بن أمية إلى رسول الله وَ﴿ّ فقال:
يا رسول الله رأيت بعيني وسمعت بأذني، فبعث رسول الله ◌ّ فأتى بامرأته فوعظهما وذكرهما ثم لاعن
بينهما، - إلى أن قال -: ثم قضى رسول الله ﴿ أن يفرق بينهما وليس لها عليه قوت ولا سكنى ولا نفقة
ولا ميراث بينهما، فكانت حاملاً من غير طلاق، ولا متوفى عنها زوجها، وأمر أن لا يدعي ولدها للأب،
ولا يرمى ولدها، فمن رماها أو رمى ولدها جلد الحد، قال عباد بن منصور: فحدثني عكرمة أنه رأى هذا
الغلام أمير مصر من الأمصار يخطب على منبرها لا يعرف أبوه. مختصر. [٣٩٤/٧، باب اللعان]
٢٧٤
باب اللعان
ولنا: أن الأحكامَ لا تترتب عليه إلا بعد الولادة؛ لتمكن الاحتمال قبله، والحديث
حدیث هلال
محمول على أنه عَرَفَ قيام الحَل بطريق الوحي. وإذا نفى الرجلُ ولد امرأته عقيب
الولادة، أو في الحالة التي تُقْبَلُ التهنئةُ، وتُبتاع آلهُ الولادة: صحَّ ◌َفُيُّه، ولاعن به، وإن نفاه
لا یثبت النسب
حین ولدته
بعد ذلك: لاعن ويثبت النسب، هذا عند أبي حنيفة ظله، وقال أبو يوسف ومحمد بحمثلا:
يصح نفيُّه في مدة النفاس؛ لأن النفي يصح في مدة قصيرة، ولا يصح في مدة طويلة،
ففصلنا بينهما بمدة النفاس؛ لأنه أثر الولادة. وله: أنه لا معنى للتقدير؛ لأن الزمان
للتأمل، وأحوالُ الناس فيه مختلفة، فاعتبرنا ما يدلّ عليه، وهو قبوله التهنئة، أو سكوته
عدم النفي
عند التهنئة، أو ابتياعُه متاع الولادة، أو مضيَّ ذلك الوقت، فهو ممتنع عن النفي،
ولو كانٍ غائباً، ولم يَعْلم بالولادة، ثم قَدِمَ تُعْتَبَرُ المدة التي ذكرناها على الأصلين.
أن الأحكام: يعني أن نفي الولد حكم من أحكامه. (البناية) على أنه عرف: [أي رسول الله {35] إلخ:
بدليل ما روينا أنه عليها قال: إن جاءت به كذا، كان كذا، ومثل ذلك لا يعرف إلا بطريق
الوحي. (العناية) تقبل التهنئة: قال في "النهاية": على بناء المفعول، لا الفاعل؛ لأنه لو قبل الأب التهنئة، ثم
نفي لا يصح نفيه. [العناية ١٢٥/٤] وتبتاع: أي يشتري آلة الولادة مثل الشد والقماط، والشيء الذي
يفرش تحت الولد حين يوضع، والأشياء التي يلف فيها الولد حين تضعه أمه. [البناية ٢٥٣/٧]
يصح نفيه: يعني إذا كان حاضراً. (العناية) بمدة النفاس: أي فهي مدة قصيرة. للتأمل: لئلا يقع في نفي الولد
مجازفاً. (العناية) قبوله التهنئة إلخ: فإن ذلك إقرار منه أن الولد له، وكذلك ابتاعه ما يحتاج إليه لإصلاح الولد
عادة. [العناية ١٢٦/٤] مضيّ ذلك إلخ: وإذا وجد منه دليل القبول لا يصح النفي بعده. (العناية)
تعتبر إلخ: فيجعل كأنها ولدته الآن، فله النفي عند أبي حنيفة في مقدار ما يقبل فيه التهنئة، وعندهما في
مقدار مدة النفاس بعد القدوم؛ لأن النسب لا يلزم إلا بعد العلم به، فصارت حال القدوم كحال
الولادة. [العناية ١٢٦/٤] على الأصلين: أي أصل أبي حنيفة ملكه وأصل أبي يوسف ومحمد حماًا. (البناية)
٢٧٥
باب اللعان
قال: وإذا ولدت وَلَدَيْنِ في بطن واحد، فنفى الأولَ، واعترف بالثاني يثبت نسبُهما؛
لأنهما توأمان خُلِقًا عن ماء واحد، وحُدَّ الزوج؛ لأنه أكذب نفسَه بدعوى الثاني. وإن
اعترف بالأول ونفى الثاني: يثبت نسبُهما؛ لما ذكرنا، ولاعن؛ لأنه قاذف بنفي الثاني،
ولم يرجع عنه، والإقرار بالعفة سابق على القذف، فصار كما إذا قال: إنها عفيفة، ثم
قال: هي زانية، وفي ذلك التلاعن، كذا هذا.
لما ذكرنا: أي من أنهما توأمان خلقا من ماء واحد. والإقرار بالعفة إلخ: جواب سؤال تقديره: ينبغي أن
يجب عليه الحد؛ لأنه أكذب نفسه بعد القذف؛ لأن الإقرار الأول بثبوت النسب باق بعد نفي الولد، يعتبر
قيام الإقرار بعد القذف بابتداء الإقرار، ولو وجد الإقرار بعد النفي ثبت الإكذاب، ووجب الحد، فكذا
ههنا، وتقرير الجواب: أن الإقرار بالعفة سابق على القذف حقيقة، والاعتبار بالحقيقة. [العناية ١٢٧/٤]
وفي ذلك إلخ: ولا يكون ذلك إكذابا. (العناية)
٢٧٦
باب العنين وغيره
باب العنين وغيره
وإذا كان الزوج عِنِّينًا أُجَّله الحاكمُ سنة، فإن وصل إليها فيها، وإلا فرَّق بينهما
الحاكم
إذا طلبت المرأةُ ذلك، هكذا روي عن عمر، وعلي وابن مسعود هيه،* ولأن الحقَّ
ثابت لها في الوطء، ويَحْتمل أن يكون الامتناعُ لعلَّةٍ معترضة، ويحتمل لآفةٍ أصليةٍ، فلابد
من مدة مُعَرِّفة لذلك، وقدَّرناها بالسنة؛ لاشتمالها على الفصول الأربعة، فإذا مضت
المدةُ ولم يَصِلْ إليها تبيَّن أن العَجْزَ بآفة أصلية، ففات الإمساكُ بالمعروف، ووجب
عليه التسريحُ بالإِحسان، فإذا امتنع: ناب القاضي منابه، ففرَّق بينهما، ولابد من طلبها؛
التفريق
لأن التفريقَ حقُّها. وتلك الفرقةُ تطليقة بائنة؛ لأن فعل القاضي أضيف إلى فعل الزوج،
باب العنين إلخ: لما فرغ من وجوه أحكام الأصحاء المتعلقة بالنكاح والطلاق، ذكر في هذا الباب أحكام
من به نوع مرض لها تعلق بالنكاح والطلاق؛ لأن حكم من به العوارض بعد ذكر حكم الأصحاء.
العنين: هو الذي لا يقدر على إتيان النساء، ولا فرق بين أن تقوم آلته، أو لم تقم، وبين أن يصل إلى الثيب
دون البكر، أو إلى بعض النساء دون بعض، وبين أن يكون لمرض به، أو لضعف في خلقه، أو لكبر سنه، أو لسحر،
أو لغير ذلك، فإنه عنين في حق من لا يصل إليها لفوات المقصود في حقها. [العناية ١٢٧/٤]
سنة: ابتداؤها من وقت الخصومة. (العناية) الامتناع: أي امتناع الزوج عن إيفاء الحق.
لعلة معترضة: من حرارة أو برودة، فيداوي بما يضاده، أو رطوبة، أو يبوسة، فكذلك. [البناية ٢٦٠/٧]
لآفة أصلية: يعني في أصل الخلقة. (البناية) لاشتمالها إلخ: لأن العجز قد يكون لفرط رطوبة، فيتداوى بما
يضاده من البيوسة، أو بالعكس من ذلك، وكذلك بقية الطبائع. (العناية)
* أما الرواية عن عمر فلها طرق، وأما حديث علي وحديث ابن مسعود فرواه ابن أبي شيبة. [نصب الراية ٢٥٤/٣]
أخرج عبدالرزاق في "مصنفه" أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: قضى عمر بن الخطاب في
العنين أن يؤجل سنة، قال معمر: وبلغني أن التأجيل من يوم تخاصمه. [٢٥٣/٦، رقم: ١٠٧٢، باب أجل العنين]
٢٧٧
باب العنین وغیرہ
فكأنه طلقها بنفسه، وقال الشافعي بالله: هو فسخ، لكن النكاح لا يَقْبَلُ الفسخ عندنا،
وإنما يقع بائنةً؛ لأن المقصود - وهو دفع الظلم عنها - لا يحصل إلا بها؛ لأنها لو لم تكن
٥
بائنة تعود مُعَلقة بالمراجعة، ولها كمال مهرها إن كان خلا بها، فإن حلوة العنین صحيحة،
ويجب العدةُ؛ لما بينا من قبل، هذا إذا أقر الزوج أنه لم يَصِل إليها. ولو اختلف الزوج
والمرأة في الوصول إليها، فإن كانت ثيباً: فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه ينكر استحقاق
حقِّ الفرقة، والأصل هو السلامةُ في الجبلَّة. ثم إن حلف: بطل حقُّها، وإن نَكَلَ: يؤجّل
سنة، وإن كانت بكراً: نَظَرَ إليها النساء، فإن قُلْنَ: هي بكر أُجِّل سنة؛ لظهور كذبه.
وإن قلن: هي ثَّيِّب، يُحَلّفُ الزوج، فإن حلف: لا حق لها، وإن نكل: يؤجّل سنة،
هو: أي تفريق القاضي بينهما. (البناية) فسخ: لأنه فرقة من جهتها. (العناية) لا يقبل الفسخ: يعني بعد تمام
العقد، أما قبل تمام العقد، فيقبل ذلك، كما في خيار البلوغ، وخيار العتاقة؛ لأن ذلك امتناع من تمام
العقد. [البناية ٢٦١/٧] تعود معلقة: وهي التي لا تكون ذات زوج ولا مطلقة، أما الأولى: فلفوات
المقصود، وهو الوطء. وأما الثاني: فلأنها تحت زوج، فلا يحصل لها دفع الظلم. [العناية ١٣٠/٤]
صحيحة: لأن المرأة قد سلمت المبدل مع وجود الآلة، فيجب عليه البدل. (العناية) ويجب العدة: أي لتوهم
الشغل احتياطاً استحساناً. (العناية) لما بينا: يعني في باب المهر. (العناية) هذا: أي تأجيل العنين سنة، والتفريق
بعد سنة. (البناية) اختلف الزوج إلخ: فقال الزوج: وصلت، وقالت المرأة: لم يصل إليّ. (البناية)
لأنه ينكر إلخ: حقيقةً، وإن كان مدعياً للوصول صورةً، والأصل في الجبلة السلامة، وكان الظاهر
شاهداً له، والقول قول من يشهد له الظاهر، فكان كالمودع إذا ادعى رد الوديعة، القول قوله؛ لأنه منكر
معنىّ، وإن كان مدعياً صورةً. [العناية ١٣٠/٤] في الجبلة: أي سلامة الآلة في أصل الخلقة. (البناية)
إن حلف: أي بالله تعالى لقد أصبتها. (العناية) يحلف الزوج: لإمكان أن بكارتها زالت بوجه آخر،
فيشترط اليمين مع شهادتهن؛ ليكون حجة. (العناية)
٢٧٨
باب العنين وغيره
وإن كانٍ مَجْبُوباً فُرِّقَ بينهما في الحال، إن طلبت؛ لأنه لا فائدةَ في التأجيل،
والخَصِىُّ يُؤَجَّلُ كما يؤجل العِنِّينُ؛ لأن وَطَّأَه مرجوٍّ. وإذا أُجِّلَ العنينُ سنة، وقال:
و
قد جامعتها، وأنكرت: نظر إليها النساء، فإن قلن: هي بكر خُيِّرَتْ؛ لأن شهادتهن
تَأَيَّدَتْ بمؤيِّد وهي البَكَارة. وإن قلن: هي ثيب، حُلُّفَ الزوج، فإن نكل خُيِّرَتْ؛
في السنة
لتأيدها بالنكول. وإن حلف: لا تُخَيَّرُ، وإن كانت ثيباً في الأصل: فالقول قوله مع
لبطلان حقها
يمينه، وقد ذكرناه. فإن اختارت زوجها: لم يكن لها بعد ذلك خيار؛ لأنها رضيت
و
ببطلان حقها، وفي التأجيل تعتبر السنة القمرية، هو الصحيح، ويُحْتسب بأيام
الحيض وبشهر رمضان لوجود ذلك في السنة، ولا يُحْتسب بمرضه ومرضها؛ لأن
السنة قد تخلو عنه. وإذا كان بالزوجة عيب: فلا خيارَ للزوج، وقال الشافعي مداليه:
مجبوباً: وهو الذي استوصل ذكره وخصيتاه، من الجب، وهو القطع. (البناية) خيرت: أي فلو اختارت
الفرقة، فرق القاضي بينهما. (البناية) وهي البكارة: أي المؤيدة لشهادتهمن وهي البكارة، إذ البكارة هي
الأصل. (البناية) حلف الزوج: حاصله: أن الإراءة للنساء مرتين: مرة قبل الأجل للتأجيل، ومرة بعد
الأجل للتخيير. (العناية) لتأيدها بالنكول: أي لتأيد دعوى المرأة أنه لم يجامعها بنكول الزوج عن
اليمين. (العناية) وقد ذكرناه: يعني قوله: فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه ينكر استحقاق حق الفرقة. (العناية)
السنة القمرية: وهي ثلاث مائة وأربعة وخمسون يوماً، وروى الحسن أنه تعتبر السنة الشمسية، وهي
ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وجزء من مائة وعشرين جزأ من اليوم. [العناية ١٣٢/٤]
هو الصحيح: أطلق محمد في "الأصل" ولم يقيده بالقمرية ولا الشمسية، والسنة تنصرف إلى القمرية
مطلقاً. [البناية ٢٦٣/٧] ويحتسب إلخ: يعني لا يعوض عن أيام الحيض، وشهر رمضان الواقعة في مدة
التأجيل أيام أخر، بل هي محسوبة من مدة التأجيل. [العناية ١٣٢/٤] تخلو عنه: أي عن المرض، فلم يكن
المرض في معنى أيام الحيض وشهر رمضان، فيعوض لذلك من أيام أخر، وعليه فتوى المشايخ. (العناية)
للزوج: في فسخ النكاح. (العناية)
٢٧٩
باب العنین وغيره
تُرَدُّ بالعيوب الخمسة: وهي: الُذَاهُ، وَالْبَرَص، والجنون، والرَّق، والقَرْن؛ لأنها تمنع الاستيفاءَ
النكاح
حسًّا وطبعاً، والطبع مؤيّد بالشرع؛ قال عليًّا: "فِرّ من المجذوم فرارك من الأسد(* ولنا: أن
فَوْتَ الاستيفاءِ أصلاً بالموت لا يُؤْجِب الفسخَ، فاختلاله بهذه العيوب أولى؛ وهذا لأن
الاستيفاء من الثمرات، والمستحَقُّ هو التمكُّن، وهو حاصل. وإذا كان بالزوج جنون،
أو بَرَص، أو جُدام: فلا خيار لها عند أبي حنيفة وأبي يوسف دعمًا، وقال محمد رحلته: لها الخيارُ؟
وهي الجذام: وهو علة رديئة تحدث من انتشار المرّة السوداء، والبرص - وهو بياض يظهر في البدن- ويكون
في بعض الأعضاء دون البعض، وربما یکون في سائر الأعضاء، حتی یکون ظاهر البدن کله أبیض، وسببه
سوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم، والجنون- وهو زوال العقل- والرتق، وهو مصدر من قولك:
امرأة رتقاء بينة الرتق لا يستطاع جماعها بأن لا يكون لها نقب سوى المبال. والقرن، بسكون الراء، وهو
مانع يمنع من سلوك الذكر في الفرج من عَظْم أو غيره. [البناية ٢٦٥/٤]
حسّا وطبعاً: أما حسًّا: ففي الرتق والقرن، وأما طبعاً: ففي الجذام والبرص والجنون؛ لأن الطباع السليمة
تنفر عن جماع هؤلاء، وربما يسري إلى الأولاد. [العناية ١٣٣/٤] فر: بكسر الفاء وتشديد الراء المفتوحة،
ويجوز كسرها، والمجذوم الذي أصابه الجذام، وقوله: فرارك منصوب بنزع الخافض أي مثل فرارك،
وهذا الحديث من قبيل سد الذرائع. لا يوجب الفسخ: حتى لا يسقط شيء من مهرها، فاختلاله بهذه
العيوب أولى، قيل: فيه ضعف؛ لأن النكاح موقت بحياتهما. [العناية ١٣٤/٤]
وهذا: أي كون هذه العيوب لا يوجب الفسخ. (البناية) من الثمرات: وفوت الثمرة لا يؤثر في العقد،
ألا ترى أنه لو لم يستوف لبخر أو ذفر، أو قروح فاحشة، لم يكن حق الفسخ. (العناية) وهو حاصل: أما في الجذام
والبرص والجنون فظاهر، وأما في الباقيين فبالشق أو الفتق، وقوله عليها: "فر من المجذوم"، الحديث محمول
على الفرار بالطلاق. (العناية) لها الخيار: لأنه تعذر عليها الوصول إلى حقها لمعنى فيه، فكان بمنزلة الجب
والعنة فتخير؛ دفعاً للضرر حيث لا طريق لها سواه. [العناية ١٣٤/٤]
* أخرجه البخاري تعليقاً عن سعيد بن ميناء عن أبي هريرة ﴾، قال: قال رسول ◌ُّ: "لا عدوى ولا طيرة
ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم فرارك من الأسد". [رقم: ٥٧٠٧، باب الجذام]