Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢٠
باب الإحرام
قال: ويكره أن يُقدِّم الرجل تَقَلَه إلى مكة ويقيم حتى يرمي؛ لما روي أن عمر (
كان يَمْنَعِ منه ويُؤدِّب عليه)) * ولأنه يُوجِب شَعْلَ قلبه، وإذا نفر إلى مكة: نزل
بالمُحَصَّب، وهو الأبطح، وهو اسم موضع قد نزل به رسول الله و 3 ** وكان نزوله
قصداً هو الأصح، حتى يكون النزول به سنةً على ما روي أنه عاليًا قال لأصحابه:
" إنا نازلونا غداً بالخَيْف خيْف بني كنانة، حيث تقاسم المشركون فيه على شركهم
*** 11
ثقله: بفتح الثاء المثلثة وفتح القاف، وهو متاع المسافر وحشمه. (البناية) نفر: أي و إذا ذهب متوجهاً. (البناية)
بالمحصب: على وزن اسم مفعول من التحصيب وهو الأبطح، وهو اسم موضع ذي حصى بين منى
ومكة. [البناية ٤ /١٥٨] وهو الأبطح: قال في "الإمام": وهو موضع بين مكة ومنى، وهو إلى من أقرب،
وهذا لا تحرير فيه، وقال غيره: هو فناء مكة حده ما بين الجبلين المتصلين بالمقابر إلى الجبال المقابلة لذلك
مصعداً في الشق الأيسر وأنت ذاهب إلى منى مرتفعاً من بطن الوادي، وليست المقبرة من المحصب، ويصلي
فيه الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ويهجع هجعة، ثم يدخل مكة. (فتح القدير) هو الأصح: يحترز به
عن قول من قال: لم يكن قصداً فلا يكون سنة؛ لما أخرج البخاري عن ابن عباس عنهما قال: ليس المحصب
بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله مح /د. [فتح القدير ٣٩٦/٢] خيف: خيف بني كنانة، وهو المحصب،
وسمي خيف بني كنانة؛ لأنهم تحالفوا مع قريش في ذلك الموضع على بني هاشم. [البناية ١٦٠/٤]
* هذا غريب. [البناية ١٥٨/٤] وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن عمارة قال: قال عمر ظله: من قدّم
ثقله ليلة بنفر فلا حج له. وفي رواية: قال: من تقدم ثقله قبل النفر فلا حج له. [٢/ ٤ /٤١ - ٤٢، باب
من کره أن يقوم ثقله من منی]
** فيه أحاديث. [نصب الراية ٨٨/٣] منها: ما أخرجه البخاري في صحيحه عن قتادة أن أنس بن مالك
حدثه أن النبي ◌ُّ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رَقَد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت
فطاف به. [رقم ١٧٥٦، باب طواف الوداع] ومنها: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عمر أن النبي ◌ُ ◌ّ
وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح. [رقم: ٣١٦٧ ، باب استحباب نزول المحصب]
*** أخرجه الجماعة. [نصب الراية ٨٩/٣] أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ه﴾ قال: قال لنا
رسول الله ونحن بمنى: نازلون غداً بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر . =

٢٢١
باب الإحرام
يشير إلى عهدهم على هُجران بني هاشم، فعرفنا أنه نزل به إراءة للمشركين لطيف
صنع الله تعالى به، فصار سنةً كالرَّمل في الطواف. قال: ثم دخل مكة وطاف
بالبيت سبعة أشواط لا يَرْمُل فيها، وهذا طواف الصدر، ويُسمَّى طواف الوداع،
وطواف آخرِ عَهْده بالبيت؛ لأنه يُودِّع البيت ويَصْدُرُ به. وهو واجب عندنا خلافا
للشافعي اله، لقوله عليه: "من حجَّ هذا البيت فَلْيَكُنْ آخر عهده بالبيت الطواف
ورخِّص للنساء الخُيَّض تركُه"،*
يشير: أي يشير النبي ◌ُ ◌ّ إلى عهد بني كنانة. (البناية) به: حيث فتح له مكة ونصره عليهم. (البناية)
كالرمل: حيث كان لإظهار الجد والقوة ليغيظ به المشركين. (البناية) الصدر: بفتحتين وهو الرجوع. (البناية)
طواف الوداع: بفتح الواو اسم للتوديع كسلام وكلام. (العناية) لأنه يُودِّع: ولهذا كان المستحب أن يجعله
آخر طوافه، وفي "الكافي" للحاكم: ولا بأس بأن يقيم بعد ذلك ما شاء، ولكن الأفضل من ذلك أن يكون
طوافه حين يخرج، وعن أبي يوسف والحسن إذا اشتغل بعده بعمل بمكة يعيده؛ لأنه للصدر. [فتح القدير ٣٩٧/٢]
ويصدر به: أي يصدر بهذا الطواف عن البيت، وفي بعض النسخ: يصدر عنه، أي يرجع عن البيت،
والأول أجود. [البناية ١٦١/٤] عندنا: وبه قال أحمد. (البناية)
خلافا للشافعي: وبه قال مالك. (البناية) فإنه عنده سنة؛ لأنه بمنزلة طواف القدوم. ألا ترى أن كل واحد
منهما يأتي به الآفاقي دون المكي، وما هو من واجبات الحج فالآفاقي والمكي فيه سواء، ولنا: قوله عليهلا: من حج
هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف، وأنه رخص للنساء الحيض، وذلك أيضاً دليل الوجوب و إلا
لم يكن لتخصيص الرخصة بالحيض فائدة. [العناية ٣٩٧/٢]
= وذلك إن قريشاً وبني كنانة حالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى
يسلموا إليهم رسول الله ﴿ يعني بذلك المحصب. [رقم: ٣١٧٥، باب استحباب نزول المحصب يوم النفر]
*أخرجه ابن سعد في "الطبقات" في باب حجة النبي ◌ُّعن عطاء أن النبي ◌ُّ لما أفاض نزع لنفسه بالدلو يعني
من زمزم، لم ينزع معه أحد، فشرب، ثم أفرغ ما بقي من الدلو في البئر ..... الحديث. [نصب الراية ٩٠/٣]
قلت: وهذا مرسل صحيح، ولا منافاة بينه وبين ما رواه جابر في حديثه الطويل. [إعلاء السنن ٢١٤/١٠] =

٢٢٢
باب الإحرام
قال: إلا على أهل مكة؛ لأنهم لا يَصْدُرُون ولا يُوَدِّعون، ولا رَمَل فيه؛ لما بَّنَا أَنه
شُرع مرةً واحدة. ويصلي ركعتي الطواف بعده؛ لما قدَّمنا. ثم يأتي زمزم ويشرب من
مائها؛ لما رُوي "أن النبي عليا استقى دلواً بنفسه فشرب منه، ثم أفرغ باقي الدلو
في البشر"،* ويُستحب أن يأتي الباب ويُقْبِّل العتبة ثم يأتي الملتزم، وهو ما بين الحجر إلى
الباب، فيضع صدره ووجهه عليه، ويتثبث بالأستار ساعةً، ثم يعود إلى أهله،
إلا على: هذا استثناء من قوله: وهو واجب. (البناية) أهل مكة: ومن كان داخل الميقات، وكذا من اتخذ
مكة داراً ثم بدا له الخروج ليس عليهم طواف صدر، وكذا فائت الحج؛ لأن العود مستحق عليه، ولأنه
صار كالمعتمر وليس على المعتمر طواف الصدر ذكره في "التحفة". [فتح القدير ٣٩٧/٢-٣٩٨]
لما بينا: أشار بقوله: لما بينا إلى قوله فيما مضى: والرمل ما شرع إلا مرة واحدة في طواف بعده سعي.
لما قدمنا: أي في أوائل هذا الباب، وهو قوله عليه: ويصلي الطائف لكل أسبوع ركعتين. [البناية ١٦٢/٤]
ويتثبث: أي يتعلق بأستار الكعبة. (البناية)
= حديث جابر: أخرجه مسلم في صحيحه وفيه: فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب
يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم
فناولوه دلوا فشرب منه. [رقم: ٢٩٥٠، باب حجة النبي ] وقد يجمع بينهما بأن ما في هذا كان يعقب
طواف الوداع وهو المراد لما أفاض، وما في حديث جابر ونحوه كان عقيب طواف الإفاضة ولفظه ظاهر فيه،
حيث قال: فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر، وطوافه للوداع كان ليلاً. [إعلاء السنن ٢١٤/١٠]
* أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله صل.
لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت. وفي رواية عن ابن عباس قال: أُمِّرَ الناسُ أن يكون آخر
عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. [رقم: ٣٢١٩ - ٣٢٢٠، باب وجوب طواف الوداع
وسقوطه عن الحائض] وأخرج الترمذي في "جامعه" عن ابن عمر هما قال: من حج البيت فليكن آخر
عهده بالبيت إلا الخُيّض، ورخص لهن رسول الله څ﴾. وقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن
صحيح. [رقم: ٩٤٤، باب ما جاء في المرأة تحيض بعد الإفاضة]

٢٢٣
باب الإحرام
هكذا روي أن النبي عليه فعل بالمُلْتزم ذلك . * قالوا: وينبغي أن يتصرف وهو يمشي
وراءه ووجهه إلى البيت، متباكياً متَحَسِّراً على فِرَاق البيت، حتى يخرجٍ من المسجد،
فهذا بيان تمام الحج.
فصل
وإذا لم يدخل المُحرِم مكة وتوجه إلى عرفات ووقف بها على ما بيًّا، سقط عنه طواف
القدوم؛ لأنه شُرع في ابتداء الحج على وجه يترتَّب عليه سائر الأفعال، فلا يكون
الإتيان به على غير ذلك الوجه سنة، ولا شيء عليه بتركه؛ لأنه سنة، وبترك السنة
لا يجب الجابر، ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يومها إلى طلوع
الفجر من يوم النحر: فقد أدرك الحج، فأول وقت الوقوف بعد الزوال عندنا؛ لما روي
"أن النبي عليه وقف بعد الزوال"* وهذا بيان أول الوقت.
فصل: لما ذكر أفعال الحج على الترتيب وأتمها، ألحق مسائل شتى من أفعال الحج في فصل على حدة.
[العناية ٤٠٠/٢] ما بينا: أي قبل هذا الفصل من أحكام الوقوف بعرفة. (البناية) سنة: وعند مالك رحلته:
طواف القدوم واجب يحتاج تاركه إلى جابر. (البناية) الوقت: لأن الكتاب مجمل، فالتحق يفعل الني ترَكَّ
بياناً به كما في الصلاة. (البناية)
* أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" عن ابن جريج قال: قال عمرو بن شعيب: طاف محمد - جده - مع أبيه
عبدالله بن عمرو فلما كان سبعهما، قال محمد لعبد الله حيث يتعوَّدون: استعذ فقال عبد الله: أعوذ بالله من الشيطان،
فلما استلم الركن تعوذ بين الركن والباب، وألصق جبهته وصدره بالبيت، ثم قال: رأيت رسول الله مُص ◌ّ
يصنع هذا. [رقم: ٩٠٤٤، باب التعوذ بالبيت] وقد جود المحقق في "الفتح" سند عبد الرزاق عن ابن جريج،
وهو سند صحيح عند من يصحح رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. [إعلاء السنن٢١٩/١٠]
** تقدم في حديث جابر أخرجه مسلم في صحيحه وفيه: ثم أذّن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى
العصر، ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول الله و®ّ حتى أتى الموقف. [رقم: ٢٩٥٠، باب حجة النبي 3]

٢٢٤
باب الإحرام
وقال عليًا:" من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة بليل فقد فاته
الحج"،* وهذا بيان آخر الوقت. ومالك بدأهه إن كان يقول: إن أول وقته بعد طلوع
الفجر - أو بعد طلوع الشمس - فهو محجوج عليه؛ بما روينا. ثم إذا وقف بعد الزوال
وأفاض من ساعته: أجزأه عندنا؛ لأنه عليَّه ذكره بكلمة "أو" فإنه قال: " الحج عرفة،
فمن وقف بعرفة ساعةً من ليل أو نهارٍ: فقد تمَّ حجُّهُ"، ** وهي كلمة التخيير. وقال
مالك مالك: لا يجزئه إلا أن يقف في اليوم وجزء من الليل، ولكن الحجة عليه ما رويناه.
إن كان يقول إلخ: نقل هذا غير صحيح عن مالك لكه، فإن مذهبه هنا مثل مذهبنا. (البناية)
بما روينا: وهو أن النبي ﴿و وقف بعد الزوال. (البناية) التخيير: لأن كل اليوم والليلة غير مشروط فيه،
فيكون الشرط وقوف ساعة من اليوم أو الليل، فيكون مجملاً، فالتحق فعل النبي ◌ُ ◌ّ بياناً له. [البناية ١٦٧/٤]
لا يجزئه: قال السروجي بدله: قوله في الكتاب قال مالك ملته إلى آخره سهو، ولم يقل به أحد، وقال
الطرطوسي في معرفة قول مالك بدله: إن من ترك الوقوف بالليل حجة عندنا، وعندهم يلزمه الدم، ولو تركه
نهاراً أو وقف ليلاً لا يلزمه شيء، فدل على أن المعتبر الوقوف بالليل دون النهار. [البناية ١٦٧/٤-١٦٨]
ما رويناه: وهو قوله عليها: "الحج عرفة، فمن وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه". (البناية)
* أخرجه الترمذي في "جامعه" عن عبد الرحمن بن يعمر أن ناساً من أهل نجد أتوا رسول الله {® وهو بعرفة،
فسألوه. فأمر منادياً من جاء ليلةَ جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين
فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه. [رقم: ٨٨٩ ، باب ما جاء في من أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج]
وأما باللفظ الذي ذكره المصنف فلم أره صريحاً إلا في مرسل عطاء بن أبي شيبة. [الدراية ٣١/٢] أخرج ابن
أبي شيبة في "مصنفه" عن عطاء أن النبي ◌ّ قال: من أدرك عرفة قبل أن يطلع فقد أدرك الحج، ومن فاتته
عرَفة فقد فاته الحج. [١/ ٤ ٢٣٥، باب من قال إذا وقف بعرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك]
** أخرجه الترمذي في "جامعه" عن عروة بن مضرس، وفيه: فقال رسول الله ﴾.ّ: من شهد صلاتنا هذه،
ووقف معنا حتى يدفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفئه، وقال: هذا
حديث حسن صحيح. [رقم: ٨٩١، باب ما جاء في من أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج]

٢٢٥
باب الإحرام
ومن اجتاز بعرفات نائما، أو مُغمَّى عليه، أو لا يعلم أنها عرفات: جاز عن الوقوف؛ لأن
أي تجاوز
ما هو الركن قد وجد، وهو الوقوف، ولا يمتنع ذلك بالإغماء والنوم كركن الصوم،
بخلاف الصلاة؛ لأنها لا تبقى مع الإغماء، والجهل يُخِلّ بالنية، وهي ليست بشرط
لكل ركن، ومن أُغمي عليه فأهلَّ عنه رفقاؤه: جاز عند أبي حنيفة مالكه وقالا: لا يجوز،
ولو أمر إنساناً بأن يُحرم عنه إذا أغمي عليه، أو نام فأحرم المأمور عنه: صح بالإجماع،
حتى إذا أفاق أو استيقظ وأتى بأفعال الحج: جاز. لهما: أنه لم يُحْرم بنفسه ولا أذن لغيره به،
وهذا؛ لأنه لم يُصَرِّح بالإذن، والدلالة تقف على العلم، وجواز الإذن به لا يعرفه كثير
من الفقهاء فكيف يعرفه العوام؟ بخلاف ما إذا أمر غيره بذلك صريحاً. وله: أنه لما
عاقدهم عَقْد الرِّفقة فقد استعان بكل واحد منهم فيما يَعْجزُ عن مباشرته بنفسه،
عرفات: وكذا من كان مجنوناً أو سكراناً. (البناية) والنوم: لأن المقصود من الوقوف حصوله من ذلك
المكان، وقد وجد. (البناية) والجهل يُخل بالنية إلخ: هذا جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: ينبغي
أن لا يجوز الوقوف بعرفات إذا اجتاز بها وهو لا يعلم لعدم النية، فأجاب وقال: سلمنا أن الجهل يخل
بالنية، وهي ليست بشرط لكل ركن فلأجل هذا جاز الوقوف وإن كان جاهلاً بالموضع. [البناية ١٦٩/٤]
رفقاؤه: الرفيق عند بعضهم وليس بقيد عند آخرين. (فتح القدير)
وقالا: وهو قول عامة الفقهاء. (البناية) بالإجماع: أراد بالإجماع عند أصحابنا، لأن عند مالك والشافعي
وأحمد مڤ لا يجوز ذلك. وقال النووي: لا يجوز عند أبي يوسف ومحمدٍ رحمه سواء كان أذن له فيه قبل
الإغماء أم لا، وهذا النقل غلط. [البناية ١٦٩/٤-١٧٠] وهذا: أي هذا الذي ذكرنا من أنه لم يحرم
بنفسه ولا أذن به لغيره لا يكون محرماً. (البناية) أنه: أي أن هذا الرجل المغمى عليه. (البناية)
فقد استعان إلخ: فالرفقاء يحرمون غنه بطريق النيابة، وهو محرمون لأنفسهم أيضاً، فصاروا محرمين عن
نفسه أصالة، ومحرمين عنه بالنيابة، لكن في إحرام النيابة كان المحرم في الحكم هو المنوب لا النائب، فصار
كالأب يحرم عن نفسه، وعن ابنه الصغير. (النهاية)

٢٢٦
باب الإحرام
والإحرام هو المقصود بهذا السفر، فكان الإذن به ثابتاً دلالةً، والعلم ثابت نظراً إلى الدليل
والحكمُ يدار عليه. قال: والمرأة في جميع ذلك كالرجل؛ لأنها مخاطبة كالرجل، غير أنها
لا تكشف رأسها؛ لأنه عورة، وتكشف وجهها؛ لقوله عليها: "إحرام المرأة في وجهها"،*
ولو سَدَلَتْ شيئًا على وجهها، وجافته عنه: جاز هكذا روي عن عائشة الجمه، ** ولأنه
بمنزلة الاستظلال بالمَحْمِل. ولا تَرْفع صوتها بالتلبية؛ لما فيه من الفتنة،
كالرجل: لأن أوامر الشرع عامة. (البناية) ولو سدلت إلخ: أي لو أرخت شيئًا، وفي "المغرب": سدل
الثوب سدلاً إذا أرسله من غير أن يضم جانبيه، وقيل: هو أن يلقيه على رأسه، ويرخيه على منكبيه
والسدل خطأ. وفي كثير من النسخ: أسدلت بالهمزة، ومعنى جافته عنه بالجيم، أي باعدت الشيء عن
وجهها، وهو من باب المفاعلة من جفى جنبه عن الفراش إذا نباً وارتفع. [البناية ١٧١/٤]
الاستظلال: فإنه يجوز، فكذلك السدل. (البناية) من الفتنة: عن عطاء وسليمان بن يسار لا ترفع المرأة
صوتها بالتلبية بل تسمع نفسها، رواه عنهما سعيد بن منصور نحله، وقال أبو عمر بن عبد البر: أجمع
العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها بالتلبية؛ لأن صوتها عورة، وعن البعض إن لم تكن عورة
فهي مشتهى، وقالت الظاهرية: ترفع صوتها كالرجل ولا تلتفت إليهم. [البناية ١٧٢/٤]
* أخرجه الدارقطني في "سنته" عن ابن عمر أن النبي ◌ُّقال: إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في
رأسه. [٢/ ٢٩٤، باب المواقيت] وفي إسناده أيوب بن محمد أبو الجمل وهو ضعيف، قال ابن عدي: تفرد
برفعه .... قلت: أيوب بن محمد مختلف فيه، قال أبو حاتم: لا بأس به، ووثقه الفسوى، وعبد الله بن رجاء
كذا في "اللسان"، فهو حسن الحديث على أصلنا الذي أصلنا في المقدمة. [إعلاء السنن ٢٢٥/١٠- ٢٢٦]
ورواه البيهقي موقوفاً على ابن عمر، وقول الصحابي عندنا حجة إذا لم يخالف وخصوصاً فيما لا يدرك
بالرأي. [فتح القدير ٣٤٧/٢] وقال الشيخ في "الفتح" في مقام آخر: ولا شك في ثبوته موقوفاً. [٤٠٥/٢]
** أخرجه أبوداود في سننه عن عائشة ﴿ما قالت: كان الركبان يمرون بنا - ونحن مع رسول الله لَظَّ محرمات
- فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. [رقم: ١٨٣٣،
باب في المحرمة تغطي وجهها]

٢٢٧
باب الإحرام
ولا تَرْمُل ولا تسعى بين الميلين؛ لأنه مُخل بسَتْر العورة، ولا تحلق ولكن تُقَصِّر؛ لما
روي أن النبي عليّ نهى النساء عن الحلق، وأَمَرَهُنَّ بالتقصير،* ولأن حلق الشعر في
حقِّها مُثْلَة كحلق اللحية في حق الرجل. وتَلْس من المخيط ما بدا لها؛ لأن في لُبْس
غير المخيط كشف العورة. قالوا: ولا تَسْتلم الحَجَرَ إذا كان هناك جَمْع؛ لأنها ممنوعة
عن مُمَاسَّة الرجال إلا أن تجد الموضع حالياً. قال: ومن قَلَّد بَدَنَّةً تطوعاً، أونذراً،
أو جزاء صيد، أو شيئًا من الأشياء، وتوجه معها يريد الحجَّ: فقد أحرم؛ لقوله عليها:
"من قَلَّد بدنةً فقد أحرم"، ** ولأن سوق الهدي في معنى التلبية في إظهار الإِجابة؟
قال: أي محمد سه في "الجامع الصغير". (البناية) أو جزاء صيد: بأن قتل المحرم صيداً حتى وجبت عليه
قيمته، فاشترى بتلك القيمة بَدَنة في سنة أخرى، وقلدها وساقها إلى مكة، كذا ذكره الإمام العتابي في
"الجامع الصغير". [الكفاية ٤٠٥/٢] شيئا: مثل دم المتعة أو القران والدماء الواجبة كالحلق وغيره. (البناية)
وتوجه معها: أفاد أنه لا بد من ثلاثة: التقليد والتوجه معها، ونية النسك، وما في "شرح الطحاوي":
لو قلّد بدنة بغير نية الإحرام، لا يصير مُحْرِماً، ولو ساقها هدياً قاصداً إلى مكة صار محرماً بالسوق، نوى
الإحرام أو لم ينو، مخالف لما في عامة الكتب، فلا يعول عليه. [فتح القدير ٤٠٥/٢]
* هذا غريب؛ لأنه مركب من حديثين، وفي نهي النبي ﴿وَّ أحاديث. [البناية ١٧٢/٤] منها: ما أخرجه
الترمذي في "جامعه" عن علي فيه قال: نهى رسول الله ﴿ّ أن تحلق المرأة رأسها. [رقم: ٩١٤، باب ما
جاء في كراهية الحلق للنساء] ورواته موثقون إلا أنه اختلف في وصله وإرساله. [إعلاء السنن ٢٣٢/١٠]
وأما حديث التقصير: فأخرجه أبو داود عن ابن عباس عنهما قال: قال رسول الله (30: ليس على النساء
الحلق إنما على النساء التقصير. [رقم: ١٩٨٥، باب الحلق والتقصير]
* هذا حديث غريب مرفوعاً. [البناية ١٧٤/٤] وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" موقوفاً عن ابن عمر
قال: من قّد فقد أحرم. وأخرج أيضاً ابن أبي شيبة في "مصنفه" موقوفاً عن ابن عباس قال: من حلل أو
قلد فقد وجب عليه الإحرام.[٨٦/٤/١ - ٨٧، باب في الرجل يقلد أو يجلل أو يشعر وهو يريد الإحرام]

٢٢٨
باب الإحرام
لأنه لا يفعله إلا من يريد الحج أو العمرة، وإظهار الإجابة قد يكون بالفعل كما
يكون بالقول، فيصير به مُحْرما؛ لاتصال النية بفعل هو من خصائص الإحرام. وصفة
التقليد: أن يَرْبِط على عُنُق بدنته قطعة نَعْلِ أو عُرْوة مَزَادةٍ أو لحِاءَ شجرةٍ. فإن قلَّدها
وبعث بها ولم يَسُقْها: لم يَصِرْ مُحْرِماً؛ لما روي عن عائشة أم أنها قالت: كنت
أَقْتُلُ قلائد هدي رسول الله عليها فبعث بها وأقام في أهله حلالاً،* فإن توجّه بعد
ذلك: لم يصر مُحْرماً حتى يَلْحَقَها؛ لأن عند التوجُّه إذا لم یکن بين يديْه هدي
يسوقُه: لم يُوجد منه إلا مجرد النية وبمجرد النية لا يصير محرماً. فإذا أدركها وساقها،
الإجابة: أي في إجابة دعاء إبراهيم عليلا. (البناية) بفعل: أراد به التقليد مع السوق. (البناية)
وصفة التقليد إلخ: والمعنى بالتقليد إفادة أنه عن قريب يصير جلدا كهذا اللحاء والنعل في اليبوسة
لإراقة دمه، وكان في الأصل يفعل ذلك، كي لا تهاج عن الورود والكلاً ولترد إذا ضلت للعلم بأنها
هدي. [فتح القدير ٤٠٦/٢] أو لحاء شجرة: هو بالمد: قشرها (فتح القدير) ذلك: أي بأن توجه
بعد ما بعث هديه. (البناية) لا يصير محرماً: وفي "المحيط": لا يصير داخلاً في الإحرام بمجرد النية ما لم يضم
إليها التلبية أوسوق الهدي. [البناية ١٧٦/٤]
فإذا أدركها إلخ: إنما ردّد بين السوق والإدراك؛ لأنه على رواية "الجامع الصغير" يشترط الإدراك، فحسب؛
لأنه قال: لم يصر محرماً حتى يلحق البدنة، وعلى رواية "الأصل" شرط الإدراك والسوق جميعاً؛ لأنه قال:
لم يصر محرماً حتى يلحق الهدي ويسوقه ويتوجه معه، والمصنف بال جمع بين الروايتين، وقال فخر الإسلام محافظه:
فذلك أمر إضافي، وإنما الشرط أن يلحقه ليصير فاعلاً، فعل المناسك على الخصوص. [البناية ١٧٦/٤]
* أخرجه الأئمة الستة في كتبهم. [نصب الراية ٩٨/٣] أخرج مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين قالت:
أنا فَتَلْتُ تلك القلائد من عهْنِ كان عندنا، فأصبح فينا رسول الله ﴿﴿وم حلالاً، يأتي ما يأتي الحلال من
أهله، أو يأتي ما يأتي الرجل من أهله. وفي رواية: قالت: فتلت قلائد بدن رسول الله (235 بيدي، ثم أشعرها
وقددها، ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له حلاً. [رقم: ٣٢٠٠ - ٣١٩٨،
باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه]

٢٢٩
باب الإحرام
أو أدركها: فقد اقترنت نيته بعمل هو من خصائص الإِحرام، فيصير مُحرماً كما لو
◌ُ
ساقها في الابتداء. قال: إلا في بدنة المتعة، فإنه محرم حین توجّه، معناه: إذا نوى الإِحرام،
وهذا استحسان، ووجه القياس فيه ما ذكرنا. ووجه الاستحسان: أن هذا الهدي
مشروع على الابتداء نُسُكاً من مناسك الحج وضعاً؛ لأنه مختصّ بمكة، ويجب شكراً
للجمع بين أداء النُّسُكين، وغيره قد يجب بالجناية وإن لم يَصِل إلى مكة، فلهذا اكْتُفِي فيه
بالتوجه، وفي غيره توقف على حقيقة الفعل. فإِن جلّل بدنةً، أو أشعرها، أو قلّد شاةً:
لم يكن محرماً؛ لأن التحليل؛ لدفع الحَرِّ والبرد والذباب، فلم يكن من خصائص الحج.
قال: أي محمد محله في "الجامع الصغير". (البناية) إلا إلخ: استثناء من قوله: لم يصر محرماً حتى يلحقها، قال
في "النهاية": ههنا قيد لابد من ذكره، وهو أنه في بدنة المتعة إنما يصير محرماً بالتقليد والتوجه إذا حصلا في
أشهر الحج، فإن حصل في غير أشهر الحج لا يصير محرماً مالم يدرك الهدي ويسر معه هكذا في الرقيات؛
لأن تقليد هدي المتعة في غير أشهر الحج لا يعتد به؛ لأنه فعل من أفعال المتعة، وأفعال المتعة قبل أشهر
الحج لا يعتد بها فيكون تطوعاً، وفي هدي التطوع مالم يدرك ويسر معه لا يصير محرماً كذا في "الجامع
الصغير" لقاضي خان. (العناية) ما ذكرنا: يريد به قوله: لم يوجد منه إلا مجرد النية إلخ. [العناية ٤٠٧/٢]
ووجه الاستحسان: حاصله: أن لهدي المتعة نوع اختصاص لبقاء الإحرام بسببه، فإن المتمتع إذا ساق
الهدي ليس له أن يتحلل، فكما أن له نوع اختصاص في بقاء الإحرام، فكذلك في الشروع في الإحرام لهدي
المتعة اختصاص، فلذلك يصير محرماً بنفس التوجه، وإن لم يدرك الهدي بخلاف هدي التطوع. (النهاية)
وضعاً: يعني من حيث الوضع الشرعي. (البناية) توقف: أصله تتوقف بالتاءين، فحذفت إحداهما للتخفيف
أي توقف الهدي. (البناية) فإن جلل: أي ألقى عليها الجل، والإشعار هو الإدماء بالجرح، وقال الأكمل:
إشعار البدنة إعلامها بشيء أنها هدر من الشعار، وهي العلامة. (البناية) والذباب: بكسر الذال المعجمة
وتشديد الباء الموحدة جمع ذبابة وهو معروف، قال الجوهري: الواحد ذبابة. [البناية ١٧٨/٤]

٢٣٠
باب الإحرام
والإِشعار مكروه عند أبي حنيفة رحلته، فلا يكون من النسك في شيء، وعندهما: إن كان
حَسَناً فقد يُفْعَل للمعالجة، بخلاف التقليد؛ لأنه يختصُّ بالهدي. وتقليد الشاة غير معتاد
وليس بسنة أيضاً. قال: والبدن: من الإبل والبقر. وقال الشافعي مثله: من الإبل خاصة؛
لقوله عليها في حديث الجمعة: "فالمتعجِّل منهم كالمُهْدى بدنة، والذي يليه كالمهدى بقرة"،*
عند أبي حنيفة سألته: وكره الإشعار، وهو شق سنامها من الأيسر، هو الأشبه أي الأشبه بالصواب، فإن
النبي ◌َّ قد طعن في جانب اليسار قصداً، وفي جانب الأيمن اتفاقاً. وأبو حنيفة إنما كره هذا الصنع؛ لأنه
مثلة، وإنما فعله النبي ◌ُّ؛ لأن المشركين كانوا لا يمتنعون عن تعرضه إلا بهذا، وقيل: إنما كره إشعار
أهل زمانه لمبالغتهم فيه حتى يخاف منه السراية وقيل: إنما كره إيثاره على التقليد. [شرح الوقايةً ٢٤٤/١]
شيء: يعني لا يُعدّ من النسك ولا يعتبر به. (البناية) التقليد: يعني لا يكره تقليد البدن بالاتفاق. (البناية)
بسنة أيضاً: وبه قال مالك، وقال الشافعي وأحمد بحمها: يقلد الغنم؛ لما روي أنه ﴿ أهدى مرة غنماً
وقلده. [البناية ١١٩/٤] قال: أي محمد محه في "الجامع الصغير". (البناية)
من الإبل والبقر: والهدي من الغنم والبقر. (البناية) هذا خلاف في مفهوم لفظ البدنة، أما في أنه هل هو في اللغة
كذلك أو لا، فقلنا: نعم، ونقلنا كلام أهل اللغة فيه، قال الخليل: البدنة ناقة أو بقرة تهدى إلى مكة، قال النووي:
هو قول أكثر أهل اللغة. [فتح القدير ٤٠٧/٢] في حديث الجمعة إلخ: فقول المصنف: والصحيح من الرواية في
الحديث كالمهدي جزوراً غير صحيح بل هي أصح؛ لأنها متفق عليها، ورواية الجزور في مسلم فقط ولفظه: أنه عليها
قال: على كل باب من أبواب المسجد ملك يكتب الأول فالأول مثل الجزور، ثم صغر إلى مثل البيضة الحديث.
بل الجواب أن التخصيص باسم خاص لا ينفي الدخول باسم عام، وغاية ما يلزم من الحديث أنه أراد بالاسم
الأعم في الأول وهو البدنة خصوص بعض ما يصلح وهو الجزور لا كل ما يصدق عليه بقرينة إعطاء البقرة لمن
راح في الساعة الثانية في مقام إظهار التفاوت في الأجر للتفاوت في المسارعة. [فتح القدير ٤٠٨/٢]
* أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال النبي ◌ُّ: إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة
على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجرِّ كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة،
ثم كبشاً، ثم دجاجةً، ثم بيضةً، فإذا خرج الإمام طووا صُحفهم ويستمعون الذكر. [رقم: ٩٢٩، باب
الاستماع إلى الخطبة يوم الجمعة]

٢٣١
باب الإحرام
فضَّل بينهما. ولنا: أن البدنة تنِّئ عن البَدَانة، وهي الضخامة، وقد اشتركا في هذا
المعنى، ولهذا يجزئ كل واحد منهما عن سبعة، والصحيح من الرواية في الحديث:
كالمهدى جَزُوراً،* والله تعالى أعلم بالصواب.
بينهما: أي بين البدنة والبقرة بواو العطف، وهو دليل المغيرة، فثبت أن البدنة غير البقرة. (البناية)
ولهذا: أي ولأجل اشتراكهما في هذا المعنى. (البناية)
* والصحيح من الرواية إلخ: هذا يوهم أن رواية البدنة ليس بصحيح، وليس كما قال بل رواية البدنة أصح
إسناداً وأكثر طرقاً. [الدراية ٢/ ٣٣] وظني أن صاحب "الهداية" لم يرد ترجيح رواية الجزور على رواية
البدنة من حيث الإسناد بل من حيث الدراية، فأراد أن ما رواه بلفظ الجزور من بين الجماعة قد ضبطه
وأدركه وفهمه بما هو أحسن فيه من غيره. [إعلاء السنن ٢٤٠/١٠] ورواية الجزور أخرجه مسلم في
صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله ◌ّ قال: على كل باب من أبواب المسجد ملك يكتب الأول
فالأول مثّل الجزور ثم نزّلهم حتى صغّر إلى مثل البيضة، فإذا جلس الإِمام طويت الصحف وحضروا الذكر.
[رقم: ١٩٨٦، باب فضل التهجير يوم الجمعة]

٢٣٢
باب القران
باب القِران
القِران أفضل من التمتّع والإفراد، وقال الشافعي بثته: الإفراد أفضل، وقال
مالك: التمتع أفضل من القران؛ لأن له ذكراً في القرآن،
باب القران: لما ذكر حكم المفرد شرع في حكم القِران. أي باب في بيان أحكام القرآن، وهو مصدر
قرنت هذا بذلك، أي جمعت بينهما. وشرعاً الجمع بين الحج والعمرة. [البناية ١٨٣/٤]
القران أفضل إلخ: المحرم إن أفرد الإحرام بالحج فمفرد بالحج، وإن أفرد بالعمرة فإما في أشهر الحج أو قبلها
إلا أنه أوقع أكثر أشواط طوافها فيها أو لا، الثاني مفرد بالعمرة، والأول أيضاً كذلك إن لم يحج من عامه أو
حج وألم بأهله بينهما إلماماً صحيحاً، وإن حج ولم يلم بأهله بينهما إلماماً صحيحاً فتمتع، وسيأتي معنى الإلمام
الصحيح إن شاء الله تعالى، وإن لم يفرد الإحرام لواحد منهما بل أحرم بهما معاً أو أدخل إحرام الحج على
إحرام العمرة قبل أن يطوف للعمرة أربعة أشواط، فقارن بلا إساءة. ويشكل عليه ما عن محمد بسوالله لو طاف
في رمضان لعمرته فهو قارن، ولكن لا دم عليه إن لم يطف لعمرته في أشهر الحج. [فتح القدير ٤٠٨/٢]
والإفراد: وهذا اللفظ محتاج إلى التأويل؛ لأن الإفراد يحتمل أن يراد به إفراد الحج فحسب أو إفراد العمرة
فحسب، أو إفراد كل واحد منهما بإحرام وإلمام صحيح بينهما على حدة. قلت: المراد هو الثالث دون
الأولين؛ استدلالاً بموضع الاحتجاج، ووضع المسائل في " المبسوط"، فإن الشافعي بحثك يستدل على مذهبه
بقوله: ولأن في الإفراد زيادة النسك والسفر والإحرام، وهذا التعليل إنما يتأتى له لو أتى بهما على حدة.
وكذلك ذكر في تعليلنا أن في القران معنى الوصل، والتتابع في الأفعال، وهو أفضل من إفراد كل واحد
منهما، فالحاصل أن المراد بالإفراد إفراد الحج والعمرة بإلمام صحيح بينهما. (النهاية)
وقال الشافعي مله إلخ: وحقيقة الخلاف ترجع إلى الخلاف في أنه عليلا كان في حجته قارناً، أو مفرداً،
أو متمتعاً. ونقول: اختلف الأمة في إحرامه عليها فذهب قائلون إلى أنه أحرم مفرداً ولم يعتمر في سفرته
تلك، وآخرون إلى أنه أفرد واعتمر فيها من التنعيم، وآخرون إلى أنه تمتع ولم يحل؛ لأنه ساق الهدي،
وآخرون إلى أنه تمتع وحل، وآخرون إلى أنه قرن فطاف طوافاً واحداً وسعى سعياً واحداً لحجته وعمرته،
وآخرون إلى أنه قرن فطاف طوافين وسعى سعيين لهما، وهذا مذهب علمائنا. [فتح القدير ٤٠٩/٢]

٢٣٣
باب القران
ولا ذكر للقران فيه، وللشافعي بحالته قوله عليه: "القران رُخْصَة"،* ولأن في الإِفراد
فو
زيادة التلبية والسفر والحلق. ولنا: قوله عليًا: "يا آل محمد، أَهلُّوا بحجة وعمرة
معاً) *** ولأن فيه جمعاً بين العبادتين، فأشبه الصوم مع الاعتكاف، والحراسة في
سبيل الله مع صلاة الليل والتلبية غير محصورة، والسفر غير مقصود، والحلق
خروج عن العبادة؛ فلا يترجَّح بما ذُكِر. والمقصود بما روي نَفْي قول أهل الجاهلية:
للقران فيه: أي في القرآن، قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ فإذا كان مذكوراً في القرآن
يكون أهم إذ لو لم يكن أهم لم يذكر في القرآن. [البناية ١٨٤/٤] وللشافعي إلخ: اعلم أنه لم يقتصر على
ذكر هذا الحديث بل استدل بما روي في "الصحيحين" أنه علي أفرد بالحج، وكذلك مالك استدل
بالأحاديث الواردة في الصحاح أنه عليا تمتع. والتحقيق أن روايات الإفراد ضعيفة، والمراد بالتمتع في
رواياته هو فرد واحد منه، وهو القران، فإن التمتع في عرف الصدر الأول أعم من القران والتمتع،
والاصطلاح وقع على ما وقع بعده، وروايات القران أقوى، فلذلك أخذنا به.
غير محصورة: هذا جواب عن قوله: ولأن في الإفراد زيادة التلبية، وتقريره: أن المفرد كما يكرر التلبية مرة
أخرى، فكذلك القارن؛ لأن له أن يأتي منها ما شاء فيجوز أن تكون تلبية القارن أكثر من تلبية المفرد.
غير مقصود: هذا جواب عن قوله: والسفر، ووجهه: أن المقصود هو الحج والسفر وسيلة إليه فلم يقع
به الترجيح. [البناية ١٨٦/٤] والحلق إلخ: حاصله: أنه ليس بعبادة بنفسه، وهو خروج عن العبادة،
بخلاف السلام، فإنه عبادة بنفسه. (البناية) والمقصود بما روي إلخ: أي بالرخصة فيما روي: "القران
رخصة" لوصح، نفي قول أهل الجاهلية: العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فكان تجويز الشرع إياها
في أشهر الحج حتى لا يحتاج إلى وقت آخر البتة رخصة إسقاط, فكان أفضل، فإن رخصة الإسقاط، هي
العزيمة في هذه الشريعة حيث كانت نسخاً للشرع المطلوب رفضه، وهو أقوى في الإذعان والقبول من
مجرد اعتقاد حقيقته وعدم فعله، وهو هذا من الخصوصيات. [فتح القدير ٤١٣/٢]
* غريب جداً. [نصب الراية ٩٩/٣] وقال الحافظ: لم أجده. [الدراية ٣٣/٢]
** أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" عن أسلم أبي عمران أنه قال: حججت مع موالي فدخلت
على أم سلمة فسمعتها تقول: سمعت رسول الله (5%ّ يقول: أهلوا يا آل محمد بعمرة في حجة. [٤٠٥/١،
باب ما كان النبي ◌ُّ به محرماً في حجة الوداع]

٢٣٤
باب القران
"إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور"، * وللقران ذكر في القرآن؛ لأن المراد من
أسوأ السيئات
قوله تعالى: ﴿وَأَيِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّ﴾: أن يُخْرِمِ بهما من دُوَيْرةَ أهله على ما روينا
من قبل، ثم فيه تعجيل الإحرام واستدامة إحرامهما من الميقات إلى أن يَفْرُغ منهما،
ولا كذلك التمتّع؛ فكان القران أولى منه، وقيل: الاختلاف بيننا وبين الشافعي مسلكه
بناء على أن القارن عندنا يطوف طوافَين، ويسعى سَعْبَيْن، وعنده طوافاً واحداً وسعياً
واحداً. قال: وصفة القران: أن يُهِلَّ بالعمرة والحج معاً من الميقات، ويقول عقيب
الصلاة: اللهم، إني أريد الحج والعمرة فَيَسِّرهما لي وتَقبَّلهما منّي؛ لأن القرآن هو الجمع
بين الحج والعمرة من قولك: قَرَنْتُ الشيء بالشيء إذا جَمَعْتَ بينهما،
وللقران: جواب عن قول مالك باك: للتمتع ذكر في القرآن ولا ذكر للقران فيه.(فتح القدير)
من قبل: يعني في فصل المواقيت. (العناية) الإِحرام: وهذا مشروع في الترجيح بعد تمام الجواب.
التمتع: لأن إحرامه بالعمرة ميقاتياً، وإحرامه بالحج مكياً فيحل إحرام الحج، والبقاء في الإحرام نسك
وعبادة. [البناية ١٨٨/٤] الاختلاف إلخ: يعني أن النزاع لفظي، وهكذا الاختلاف في كتبهم، وفي
"التحفة": حاصل الخلاف أن القارن يحرم بإحرامين، فلا يدخل إحرام العمرة في إحرام الحج، وعنده يكون
محرماً بإحرام واحد، وهو قول ابن سيرين ومالك وأحمد في رواية. [البناية ١٨٨/٤] وعنده: فلمّا كان في
الجمع بينهما نقصان أفعال بالنسبة إلى إفراد كل منهما كان إفراد كل منهما أولى من الجمع. [فتح
القدير ٤١٤/٢] الصلاة: وهي الركعتان اللتان يصليهما عند الشروع في الإحرام. (البناية)
* قوله: والمقصود بما روي إلخ كأنه يشير إلى ما أخرجاه عن ابن عباس. [الدراية ٢/ ٣٤] حديث ابن عباس أهمها:
أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ◌ّما قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر
الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صَفَراً ويقولون: إذا برأ الدَّبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن
اعتمر. قدم النبي ◌ُّ وأصحابه صبيحة رابعة مُهلّين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم
فقالوا: يا رسول الله ! أي الحل؟ قال: حلَّ كله. [رقم: ١٥٦٤، باب التمتع والقران، والإفراد]

٢٣٥
باب القران
وكذا إذا أدخل حجةً على عمرة قبل أن يَطُوف لها أربعة أشواط؛ لأن الجمع قد
تَحقّق؛ إذ الأكثر منها قائم، ومتى عزم على أدائهما يسأل التيسير فيهما، وقدَّم العمرة
الحج والعمرة
على الحج فيه، وكذلك يقول: لبيك بعمرة وحجة معاً؛ لأنه يبدأ بأفعال العمرة،
فكذلك يبدأ بذِكْرِها، وإن أَخَّر ذلك في الدعاء والتلبية لا بأس به؛ لأن الواو
للجمع. ولو نوى بقلبه ولم يَذْكُرْهما في التلبية: أجزأه؛ اعتباراً بالصلاة، فإذا دخل
مكة: ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواط يرمل في الثلاث الأُوَلِ منها، ويسعى بعدها
بين الصفا والمروة. وهذه أفعال العمرة، ثم يبدأ بأفعال الحج، فيطوف طواف القدوم
سبعة أشواط، ويسعى بعده كما بَّنا في المفرد، ويُقدِّم أفعال العمرة؛ لقوله تعالى:
﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، والقران في معنى المتعة، ولا يحلق بين العمرة والحج؛
لأن ذلك جناية على إحرام الحج، وإنما يحلق في يوم النحر كما يحلق المفرد. ويتحلَّل
بالحلق عندنا لا بالذبح كما يتحلل المفرد ثم هذا مذهبنا. وقال الشافعي بحلته: يطوف
طوافاً واحداً ويسعى سعياً واحداً؛
أدائهما: أي على أداء الحج والعمرة. (البناية) اعتباراً بالصلاة: ولكن الذكر باللسان أحوط كما في
الصلاة. (البناية) لقوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ إلخ: بيانه: أن الله تعالى جعل الحج غاية ومنتهى للتمتع، فيكون المبدأ
من العمرة لا محالة، فلما ثبت تقديم العمرة على الحج في التمتع ثبت أيضاً في القران؛ لأن القران في معناه، وهو
معنى قوله: والقران في معنى المتعة؛ لأن في كل منهما جمعاً بين النسكين في سفر. [البناية ١٩٢/٤]
بالحلق: أي يخرج من الإحرام. ثم هذا: أي إتيان القارن بأفعال الحج والعمرة جميعاً هو مذهبنا، وبه قال
جماعة من الصحابة والتابعين، وعند الشافعي بالفيه: يطوف القارن طوافاً واحداً، وسعياً واحداً، وبه قال
مالك وأحمد وهو الرواية عنه. [البناية ١٩٢/٤-١٩٣]

٢٣٦.
باب القران
لقوله عليه: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"، ولأن مبنى القران على التداخل
حتى اكتُفِي فيه بتلبية واحدة وسفر واحد، وحلق واحد فكذلك في الأركان. ولنا: أنه
لما طاف صبي بن معبد طوافين وسعى سعيين قال له عمر نظله: هُديْتَ لسنة نبيِّك، ***
ولأن القران ضمّ عبادة إلى عبادة، وذلك إنما يتحقق بأداء عمل كل واحد على الكمال،
ولأنه لا تداخُلَ في العبادات المقصودة، والسفر للتوسل والتلبية للتحريم، والحلق للتحثُّل،
فليست هذه الأشياء بمقاصد بخلاف الأركان، ألا ترى أن شَفْعَي التطوع لا يتداخلان
وبتحريمة واحدة يؤدِّيان، ومعنى ما رواه: دخل وقت العمرة في وقت الحج. قال: فإن
طاف طوافين لعمرته وحجّته، وسعى سعيين: يجزيه؛ لأنه أتى بما هو المستحقُّ عليه،
الأركان: وهو الطواف والسعي. (البناية) صبي بن معبد: بضم الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة الثعلبي
الكوفي. (البناية) الكمال: لا أن يسقط أحدهما. (البناية) الأشياء: يعني السفر والتلبية والحلق. (البناية)
بمقاصد: وإنما هي وسائل. (البناية) رواه: هذا جواب عن الحديث الذي احتج به الشافعي بحالته. (البناية)
دخل وقت العمرة إلخ: ردا لقول الجاهلية: " إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور" أي أسوأ
السيئات، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه شائع في اللغة، كما يقال: آتيك صلاة الظهر أي
وقتها. [الكفاية ٤١٧/٢] قال: أي محمد ماله في " الجامع الصغير". (البناية) وسعى سعيين: أي والى بين
الأسبوعين للحج والعمرة، وبين سعيين لهما. (فتح القدير)
* أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﴾ قال: قال رسول الله : هذه عمرة استمتعنا بها، فمن
لم يكن عنده الهدي فليحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة. [رقم: ٣٠١٤، باب
جواز العمرة في أشهر الحج]
** هذا الحديث لم يقع هكذا. [البناية ١٩٤/٤] فقد أخرجه أبوداود في سننه عن أبي وائل قال: قال الصُبيّ
بن معبد: أهللت بهما جميعاً معاً، فقال عمر: هُديتَ لسنّة نبيّك ◌ُ﴾ّ. [رقم: ١٧٩٨، باب في الإقران]

٢٣٧
باب القران
وقد أساء بتأخير سعي العمرة وتقديم طواف التحية عليه، ولا يلزمه شىء. أما
عندهما فظاهر؛ لأن التقديم والتأخير في المناسك لا يوجب الدم عندهما، وعنده:
طواف التحية سنة وتَرْكُه لا يوجب الدم، فتقديمه أولى، والسعي بتأخيره بالاشتغال
بعمل آخر لا يُوجب الدم، فكذا بالاشتغال بالطواف. قال: وإذا رمى الجَمْرة يوم
النحر: ذبح شاةً أو بقرةً أو بدنةً أو سُبع بدنة، فلهذا دم القران؛ لأنه في معنى المتعة،
والهدي منصوص عليه فيها، والهدي: من الإبل والبقر والغنم، على ما نذكره في بابه
الهدي
إن شاء الله تعالى، وأراد بالبدنة ههنا: البعير، وإن كان اسم البدنة يقع عليه وعلى
البقرة على ما ذكرنا، وكما يجوز سبع البعير يجوز سبع البقرة. فإذا لم يكن له ما
يذبح: صام ثلاثة أيام في الحج آخرُها يوم عرفة، وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله؛
وتقديم طواف التحية: ههنا مناقشات، الأولى: مع المصنف حيث قال: طواف التحية يعني طواف
القدوم؛ لأن الظاهر من كلام محمد بحالته أن المراد أحد الطوافين، طواف العمرة والآخر طواف الزيارة
لا طواف القدوم، ولهذا قال في جواب المسألة: تجزئه. [البناية ١٩٦/٤] فظاهر: يعني عدم اللزوم. (البناية)
والسعي بتأخيره إلخ: يعني أن اشتغاله بطواف التحية قبل سعي العمرة لا يكون أكثر تأثيراً من اشتغاله
بأكل أو نوم، ولو أنه بين طواف العمرة، وسعيها اشتغل بنوم أو أكل لم يلزمه دم، فكذلك إن اشتغل
بطواف التحية كذا في "المبسوط". [الكفاية ٤١٧/٢] المتعة: أي في الجمع بين النسكين. (البناية)
فيها: أي في المتعة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ﴾. (البناية) البعير: بقرينة المقابلة.
ما ذكرنا: في آخر الفصل الذي قبل هذا الباب. (البناية) البقرة: لحديث جابر ظه المذكور. (البناية)
صام ثلاثة أيام: شرط إجزائها وجود الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، وإن كان في شوال، وكلما أخرها
إلى آخر وقتها فهو أفضل لرجاء أن يدرك الهدي، ولذا كان الأفضل أن يجعل السابع من ذي الحجة ويوم
التروية ويوم عرفة، وأما صوم السبعة فلا يجوز تقديمه على الرجوع. [فتح القدير ٤١٧/٢-٤١٨]
عرفة: يصوم قبل التروية بيوم ويوم التروية. (البناية)

٢٣٨
باب القران
لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَّلاَثَّةٍ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ
كَامِلَةٌ﴾، فالنص وإن ورد في التمتع فالقران مثله؛ لأنه مرتفق بأداء التُّسُكَيْنِ، والمراد
بالحج - والله أعلم -: وقته؛ لأن نفسه لا يصلح ظرفاً، إلا أن الأفضل أن يصوم قبل يوم
التروية بيوم، ويوم التروية ويوم عرفة؛ لأن الصوم بدل عن الهدي فُسْتحب تأخيره إلى
آخر وقته؛ رجاء أن يَقْدر على الأصل. وإن صامها بمكة بعد فراغه من الحج: جاز،
الهدي
ومعناه، بعد مُضِي أيام التشريق؛ لأن الصوم فيها منهي عنه، وقال الشافعي بالله: لا يجوز؛
لأنه معلق بالرجوع، إلا أن ينوي المقام فحينئذ يجزيه؛ لتعذر الرجوع. ولنا: أن معناه:
رَجَعْتُمْ عن الحج، أي: فرغتم، إذ الفراغ سبب الرجوع إلى أهله فكان الأداء بعد السبب
فيجوز. فإن فاته الصوم حتى أتى يوم النحر: لم يَجزه إلا الدم، وقال الشافعي معدله:
يصوم بعد هذه الأيام؛ لأنه صوم موقّت، فَقْضَی کصوم رمضان،
بالحج: أي في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. (البناية) لأن نفسه إلخ: وذلك؛ لأنه عبارة عن
الأفعال المعلومة، والفعل لا يصلح أن يكون ظرفاً لفعل آخر، وهو الصوم، فتّعين الوقت. [البناية ١٩٩/٤]
صامها: أي إن صام سبعة أيام. (البناية) سبب الرجوع: هذا تعيين للعلاقة في إطلاق الرجوع على الفراغ
في الآية فذكر المسبب وأريد السبب، وبه صرح في الكافي لكن الشأن في دليل إرادة المجاز، ويمكن أن
يكون الإجماع على أنَّه لو رجع إلى مكة غير قاصد للإقامة بها حتى تحقق رجوعه إلى غير أهله ووطنه ثم
بدا له أن يتخذها وطناً كان له أن يصوم بها مع أنه لم يتحقق منه الرجوع إلى وطنه بل إلى غيره، وإنما
عرض الاستيطان بعد ذلك القدر من الرجوع، ثم لم يتحقق بعد صيرورتها وطناً رجوع ليكون رجوعاً إلى
وطنه، وعلى أنه لو لم يتخذ وطناً أصلاً ولم يكن له وطن بل مستمر على السياحة وجب عليه صومها بهذا
النص، ولا يتحقق في حقه سوى الرجوع عن الأعمال، فعلم أن المراد به الرجوع عنها، وقول المصنف
فيكون أداء بعد السبب فيجوز على هذا معناه بعد سبب الرجوع. [فتح القدير ٤١٨/٢-٤١٩]
الصوم: أي صوم هذه الأيام الثلاثة. (البناية)

٢٣٩
باب القران
وقال مالك بحظه: يصوم فيها؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَحِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَيِّ﴾
في أيام التشريق
وهذا وقته. ولنا: النهي المشهور عن الصوم في هذه الأيام،* فيتقيّد به النص، أو يَدخله
النقص فلا يتأدَّى به ما وجب كاملاً. ولا يُؤَدِّي بعدها؛ لأن الصوم بدل والأبدال
لا تنصب إلا شرعاً، والنص خصَّه بوقت الحج وجواز الدم على الأصل، وعن عمر نظا فه
أنه أمر في مثله بذبح الشاة، ** فلو لم يقدر على الهدي تحلّل، وعليه دمان: دم التمتع،
ودم التحلل قبل الهدي، فإن لم يدخل القارن مكة، وتوجه إلى عرفات،
فيتقيد إلخ: أي بالنهي المشهور عن صوم هذه الأيام، النص وهو قوله تعالى: فصيام ثلاثة أيام في الحج؛
لأن المشهور يتقيد إطلاق الكتاب به، فيتقيد وقت الحج المطلق بما لم ينه عنه. [فتح القدير ٤١٩/٢]
أو يدخله النقص: يعني لو لم يتقيد به نص الكتاب، فلا أقل من أن يورث النقص في صوم هذه الأيام،
وصوم المتعة وجب عليه كاملاً، فلا يؤَدِّي بالناقص كصوم قضاء رمضان والكفارة، ولا يؤدي بعدها؛ لأن
الهدي أصل، وقد نقل حكمه إلى خلف موصوف بصفة على خلاف القياس؛ إذ الصوم ليس بمثل له صورة
ومعنى، وقد تعذر أداؤه على الوصف المشهور، فصار هذا بدلاً، لا وجود له بحال. [الكفاية ٤٢٠/٢]
والأبدال لا تنصب إلا شرعاً: يعني البدل على خلاف القياس؛ لأنه مماثلة بين إراقة الدم والصوم،
فلا يثبت إلا بإثبات الشارع. [البناية ٢٠٢/٤] وجواز الدم إلخ: أي إنما جاز الدم على الأصل لا أن يكون
بدلاً عن الصوم، فيلزم بدل البدل. [الكفاية ٤٢٠/٢] مثله: يعني في قارن لم يجد الهدي ولم يصم حتى أتت
عليه أيام النحر. (البناية) وعليه دمان: قال تاج الشريعة: إنما يلزم ذلك؛ لوقوع التحلّل قبل أوانه. (البناية)
حديث النهي أخرجه مسلم في صحيحه عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلّ: أيام التشريق أيام
*
أكل وشرب. [رقم: ٢٦٧٧، باب تحريم صوم أيام التشريق]
** وهذا عن عمر ناه غريب. [البناية ٢٠٣/٤] وكذا ذكره السرخسي في "المبسوط" فنقل عن عمر فإن رجلاً
أتاه يوم النحر، فقال: إن تمتعت بالعمرة إلى الحج، فقال: اذبح شاة، فقال: ليس معي شيء, فقال: سل أقاربك،
فقال: ليس هنا أحد منهم. فقال لغلامه: يا مغيث أعطه قيمة شاة. [١٨١/٤، باب الجمع بين الإحرامين]