Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢٠
باب الجنائز
وفي الاستحسان: لا تجزئهم؛ لأنها صلاة من وجه؛ لوجود التحريمة، فلا يجوز تركه من
غير عذرٍ؛ احتياطاً، ولا بأس بالإذن في صلاة الجنازة؛ لأن التقدُّم حق الولي، فيملك
إيطاله بتقديم غيره. وفي بعض النسخ: لا بأس بالأذان، أي الإعلام، وهو أن يُعلم
بعضُهم بعضاً؛ ليقضوا حقه، ولا يُصَلى على ميت في مسجد جماعة؛ لقول النبي
صيل الله
عليه.
وس
"من صلى على جنازة في المسجد: فلا أجر له"،*
لأنها صلاة من وجه: حتى اشترط لها ما سوى الوقت مما يشترط للصلاة، فكما أن ترك التكبير والاستقبال
يمنع الاعتداد بها كذلك ترك القيام والنزول احتياطاً، اللهم إلا أن يتعذر النزول كطين ومطر
فيجوز. [فتح القدير ٨٩/٢] ولا بأس بالإذن: قيل معناه: إذن الولي للناس في الرجوع إلى منازلهم بعد الفراغ من
الصلاة عليه؛ فإنهم إذا فرغوامنها فعليهم أن يمشواخلف الجنازة إلى أن ينتهوا إلى القبر. (الكفاية) أي لا بأس بإذن
الولي لغيره بالإمامة، إذا حسن ظنه بشخص أن في تقديمه مزيدخير وثواب وشفاعة أرجى له. [البناية ٤٩٨/٣]
وفي بعض النسخ: أي وفي بعض نسخ "الجامع الصغير": لا بأس بالأذان. وقد استحسن بعض المتأخرين
النداءَ في الأسواق للجنازة التي يرغب الناس في الصلاة عليهاو کره ذلك بعضهم .والأصح هوالأول کذافي
[شرح] "الجامع الصغير" لقاضي خان مدالله. [الكفاية ٩٠/٢] ولا يصلى: وبه قال مالك وابن أبي ذئب،
وقال الشافعي وأحمد واسحاق وأبو ثور: لا بأس بها إذا لم يخف تلويثه. [البناية ٢٦٧/٣]
في مسجد جماعة: احترز به عن المسجد الذي بني لأجلها. (البناية) إذا كانت الجنازة في المسجد
فالصلاة عليها مكروهة باتفاق أصحابنا، وإن كانت الجنازة والإمام وبعض القوم خارج المسجد والباقي
فيه لم تكره بالاتفاق، وإن كانت الجنازة وحدها خارج المسجد، ففيه اختلاف المشايخ. [العناية ٩٠/٢]
* أخرجه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله بُّه من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه. [رقم:
٣١٩١، باب الصلاة على الجنازة في المسجد] وسكت عنه ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ: فلا صلاة له،
وفي "زاد المعاد": وهذا الحديث حسن. [إعلاء السنن ٢٧٦/٨] وقال في: حاشية "اعلاء السنن": ولفظ "ابن
ماجه": فليس له شيء، وقال الخطيب: المحفوظ: فلا شيء له، وروي: فلا شيء عليه، وروي: فلا أجر له. قال
ابن عبد البر: رواية "فلا أجر له" خطأ فاحش، والصحيح "فلا شيء له" ... قلت: فالحديث سالم عن الجرح، =

٤٢١
باب الجنائز
ولأنه بُنى لأداء المكتوبات، ولأنه يُحتمل تلويث المسجد، وفيما إذا كان الميت
خارج المسجد اختلف المشايخ، ومن استهل بعد الولادة: سُمّي وغُسِّل وصُلِّي
عليه؛ لقوله ◌ٌّ: "إذا استهل المولود صُلي عليه وإن لم يستهلّ لم يصل عليه"، * ولأن
الاستهلال دلالة الحياة، فتحقق في حقه سنة الموتى، ومن لم يستهل أدرج في خرقة؛
كرامةً لبني آدم، ولم يصل عليه؛ لما روينا، ويغسل في غير الظاهر من الرواية؛ لأنه
نفس من وجه، وهو المختار.
تلويث المسجد: وقد أمرنا بتنظيفه. (البناية) اختلف المشايخ: بعضهم قالوا: يكره منهم السيد الإمام أبو
الشجاع؛ لما أن المسجد بني لأداء المكتوبات. وقال بعضهم: لا يكره؛ لأن المعنى الموجب للكراهة - وهو
احتمال تلويث المسجد- مفقود. [البناية ٢٧١/٣] ومن استهل: استهلال الصبي: أن يرفع صوته بالبكاء
عند ولادته. (الكفاية) لما روينا: إشارة إلى قوله عليه السلام: "إذا استهل المولود". (البناية)
ويغسل: وبه أخذ الطحاوي، وعن محمد لا يغسل ولا يصلى عليه وهو ظاهر الرواية، وبه أخذ
الكرخي. [البناية ٢٧٤/٣ -٢٧٥] غير الظاهر من الرواية: وهي عن أبي يوسف. (العناية)
لأنه نفس من وجه: ولا يلزم من سقوط الصلاة سقوط الغسل، كما في الكافر. (البناية)
= وأما لفظ "فلا شيء عليه" غير محفوظ كما سبق عن الخطيب، ويؤيده رواية ابن ماجه، وإن ثبت تحمل
لفظة "عليه" على معنى اللام لئلا تختلف الروايات، وفيه الاحتياط كما لا يخفى، دلالته على النهي عن صلاة
الجنازة في المسجد ظاهرة. [إعلاء السنن ٢٧٦/٨، ٢٧٧]
* روي من حديث جابر، ومن حديث علي، ومن حديث ابن عباس ◌َّه. [نصب الراية ٢٧٧/٢] أخرج
الترمذي حديث جابر عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي ◌َّ قال: "الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث
حتى يستهل". [رقم: ١٠٣٢، باب ما جاء في ترك الصلاة على الطفل حتى يستهل] وصححه ابن حبان،
والحاكم. [إعلاء السنن ٢٧٩/٨] وأخرج ابن عدي حديث ابن عباس عن عطاء عن ابن عباس عن النبي ◌ُّ قال:
" إذا استهل الصبي صلي عليه، وورث". [نصب الراية ٢٧٨/٢] وإسناده حسن. [إعلاء السنن ٢٧٩/٨]

٤٢٢
باب الجنائز
وإذا سُبي صبيٌّ مع أحد أبويه ومات: لم يصل عليه؛ لأنه تبع لهما، إلا أن يُقرَّ بالإِسلام
وهو يعقل؛ لأنه صح إسلامه استحساناً، أو يُسلم أحد أبويه؛ لأنه يتبع خير الأبوين
ديناً، وإِن لم يُسبَ معه أحد أبويه، صُّي عليه؛ لأنه ظهرت تبعية الدار، فحكم
بالإِسلام كما في اللقيط، وإذا مات الكافر وله ولي مسلم فإنه يغسله ویکفنه ویدفنه،
بذلك أمِر علي ◌ّهه في حق أبيه أبي طالب* لكن يغسل غسلَ الثوب النجس، ويُلَفُّ
في خرقة وتحفر حفيرة من غیر مراعاة سنة التکفین واللّحد ولا یوضع فيه بل يُلقى.
وإذا سبي صبي إلخ: يعني إذا سبي صبي فلا يخلو: إما أن يكون مع أحد أبويه، أو لا، فإن كان الأول
فمات لم يصل عليه؛ لأنه كافر تبعاً للأبوين؛ لقوله ( 38: "الولد يتبع خير الأبوين دينا" فإن فيه دلالة
ظاهرة على متابعة الولد للأبوين، إلا أن يقر بالإِسلام، وهو يعقل صفة الإسلام المذكورة في حديث
جبريل عليه، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وقيل: معناه يعقل
المنافع والمضار، وأن الإسلام هدى واتباعه خير، والكفر ضلالة واتباعه شر؛ لأنه صح إسلامه استحساناً،
وإن لم يصح قياساً، كما هو مذهب الشافعي، على ما عرف في الأصول. [العناية ٩٣/٣]
وإن لم يُسبَ إلخ: وبه قال بعض أصحاب الشافعي تبعاً للسابي حتى لو مات في دار الحرب بعد ما وقع
في يد مسلم، يُصَلى عليه، وقال بعضهم: هو على حكم الكفر، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وبه قال
مالك. [البناية ٢٧٦/٣] غسل الثوب النجس: بإفاضة الماء عليه وبغير وضوء، وغير البداية بالميامن، وغير
التثليث. (البناية) بل يلقى: في الحفيرة كما تلقى الجيفة، وبقولنا قال الشافعي. (البناية)
* أخرجه أبو داود عن علي: قال: قلت للنبي ◌ّ إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: "اذهب فوار أباك»
ثم لا تحدثن شيئًا حتى تأتيني"، فذهبت فواريته وجئته، فأمرني فاغتسلت ودعا لي. [رقم: ٣٢١٤، باب
الرجل يموت له قرابة مشرك] وسكت عنه هو والمنذري. [إعلاء السنن ٢٨٢/٨] وأخرج ابن أبي شيبة عن
الشعبي قال: لما مات أبو طالب جاء علي إلى النبي ◌ُّ فقال: إن عمك الشيخ الكافر قد مات فما ترى فيه
قال: " أرى أن تغسله"، وأمره بالغسل. [٣٤٨/٣ باب في الرجل يموت له القرابة المشرك يحضره أم لا]

٤٢٣
باب الجنائز
فصل في حمل الجنازة
وإذا حملوا الميت على سريره أخذوا بقوائمه الأربع؛ بذلك وردت السنة،* وفيه تكثير
الجماعة، وزيادة الإكرام والصيانة، وقال الشافعي بدله: السنة أن يحملها رجلان
يضعها السابق على أصل عُنُقه، والثاني على أعلى صدره؛ لأن جنازة سعد بن معاذ رضي اته
هكذا حُملت، ** قلنا: كان ذلك لازدحام الملائكة عليه، ويمشون به مُسرعين دون
الَخَب؛ لأنه ◌ُّحين سُئل عنه قال: "ما دون الخَب" ***
وفيه تكثير الجماعة: أي وفي الأخذ بقوائمه الأربع تكثير الجماعة حتى لو لم يتبعه أحد كان هؤلاء
جماعة. [البناية ٢٨٢/٣] هكذا: يعني بين العمودين. (البناية) لازدحام الملائكة: وكان الطريق ضيقاً حتى
روي أنه ◌ُ يمشي على رؤوس أصابعه، وصدور قدميه. (العناية) الخبب: بفتح الخاء المعجمة والباء
الموحدة: وهو ضرب من العَدْو. (البناية)
* فيه حديث أخرجه ابن ماجه عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله بن مسعود: من أتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير
كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع. [رقم: ١٤٧٨، باب ما جاء في شهود الجنائز] وفي
"الزوائد": رجال الإسناد ثقات، لكن الحديث موقوف حكمه الرفع، وأيضاً هو منقطع، فإن أبا عبيدة لم يسمع من
أبيه، قلت: قد احتج بروايته عن أبيه جماعة، وقد تقدم بسطه، فالإسناد مقارب. [إعلاء السنن ٢٨٩/٨]
** أخرجه ابن سعد في "الطبقات" في ترجمة سعد بن معاذ، عن شيوخ من بني الأشهل، أن رسول الله ◌ُ ◌ّ حمل
جنازة سعد بن معاذ من بيته بين العمودين حتى خرج به من الدار. [نصب الراية ٢٨٧/٢] وحديث ازدحام
الملائكة في جنازته أخرجه ابن سعد أيضاً عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّ في سعد بن معاذ: لقد شهده
سبعون ألف ملك، ثم لم ينزلوا إلى الأرض قبل ذلك، ولقد ضم ضمة ثم خرج عنه. [نصب الراية ٢٨٩/٨]
*** أخرجه أبو داود عن ابن مسعود، قال: سألنا نبينا ◌ّ عن المشي مع الجنازة، فقال: ما دون الخبب،
إن يكن خيراً تَعَجَّل إليه، وإن يكن غير ذلك فبعداً لأهل النار، والجنازة متبوعة ولا تتبع، ليس معها من
تقدمها. [رقم: ٣١٨٦: باب الإسراع بالجنازة] وفيه يحي بن عبد الله الجابر، ويقال المجبر وثقه الترمذي،
(الزيلعي) وقال أحمد وابن عدي: لا بأس به، "التهذيب" وشيخه أبو ماجد الحنفي مجهول، ولكن جهالة
الرواة في القرون الثلاثة لا تضرنا كما ذكرنا. [إعلاء السنن ٢٩٥/٨]

٤٢٤
باب الجنائز
وإذا بلغوا إلى قبره يُكره أن يجلسوا قبل أن يوضع عن أعناق الرجال؛ لأنه قد تقع
الحاجة إلى التعاون والقيامُ أمكن منه. قال: وكيفية الحمل أن تضع مقدم الجنازة على
يمينك، ثم مؤخرها على يمينك، ثم مقدمها على يسارك، ثم مؤخرها على يسارك؛
إيثاراً للتيامن، وهذا في حالة التناوب.
فصل في الدفن
ويُحفر القبر ويُلحد؛ لقوله وَّ: "اللحد لنا والشَّق لغيرنا" . * ويُدخل الميت مما يلي القبلة،
أن يجلسوا قبل أن يوضع إلخ: هذا في حق الماشي معها، أما القاعد على الطريق إذا مرت به، أو على القبر
إذا جيء به فلا يقوم لها، وقيل: يقوم. [فتح القدير ٩٧/٢] أن تضع مقدم الجنازة إلخ: هو حكاية خطاب
أبي حنيفة لأبي يوسف عليه. (فتح القدير) وإنما بدأ بالمقدم؛ لأن المقدم أولى، والابتداء بالأولى أولى، وإنما بدأ
بالميامن؛ لأن الله يحب التيامن، وفي "الفتاوى الصغرى": ويبدأ في حمل الجنازة بالميامن، والمراد بالميامن: يمين الميت،
لا يمين الجنازة؛ لأن يمين الميت على يسار الجنازة، ويساره على يمين الجنازة. [البناية ٢٨٦/٣-٢٨٧]
في حالة التناوب: يعني حملها على الوجه المذكور، إذا تناوب الحاملون. (البناية) ويلحد: واللحد أن يحفر
في جانب القبلة من القبر حفرة، فيوضع فيها الميت ويجعل ذلك كالبيت المسقف، وصفة الشق: أن يحفر
حفيرة في وسط القبر، فيوضع فيها الميت. [الكفاية ٩٨/٢] والشق لغيرنا: لأن الشق فعل اليهود والتشبه
بهم مكروه فيما منه بد. (الكفاية) مما يلي القبلة: يعني يوضع الجنازة في جانب القبلة من القبر، ويحمل
منه الميت، فيوضع في اللحد، وهو مذهب علي بن أبي طالب، ومحمد بن الحنفية، وإسحاق بن راهويه،
وإبراهيم التيمي، وابن حبيب. [البناية ٢٩٠/٣]
* روي من حديث ابن عباس، ومن حديث جرير، ومن حديث جابر بن عبد الله عليه. [نصب الراية ٢٩٦/٢]
أخرج أبو داود حديث ابن عباس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيّما قال: قال رسول الله صلّ:
اللحد لنا والشق لغيرنا. [رقم: ٣٢٠٨، باب في اللحد]

٤٢٥
باب الجنائز
حسـ
خلافاً للشافعي، فإن عنده يُسَل سلاً؛
خلافا للشافعيّ: أقول: اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب: الأول: مذهب الحنفية وإليه يذهب علي، والنخعي،
وإسحاق بن راهويه، ويشهد له كثير من الأخبار، فأخرج الترمذي وأبو نعيم عن ابن عباس، قال: دخل
رسول الله قبرَ عبد الله ذي البحادين ليلاً، فأخذه من قبل القبلة. والمذهب الثاني: مذهب الشافعية، وإليه
ذهب أحمد بن حنبل مستدلين بأن السَلَّ أسهل، وشهدت له بعض الأخبار أيضاً، فروى ابن ماجه عن أبي
رافع، قال: سل رسول الله ◌ُّ سعداً ورشَّ عليه ماء. والثالث: مذهب مالك، وهو التخيير بين الإدخال من
جانب القبلة، وبين السل، والتحقيق في هذا المقام أن مذهبنا أدق نظراً، وأحسن سراً؛ لأن الأخبار القولية
والفعلية فيه هذا الباب متعارضة، وكذا الأخبار الواردة في إدخال رسول الله ◌ُّ على ما مر ذكرها، فلما
تعارضت الأخبار صرنا إلى الترجيح، فوجدنا أن مذهبنا هو المرجح؛ لما ذكرنا من أن جانب القبلة معظم،
وما ذكره الشافعية من أن السل أسهل، فجوابه أن اعتبار الأمر الشرعي أولى من اعتبار السهولة، وما ذهب
إليه مالك من التخيير فإن أراد به إباحة كلا الأمرين فخارج عن محل النزاع؛ لأن النزاع إنما هو في
الاستحباب، ولا خلاف لأحد في جواز كلا الأمرين، وإن أراد به التخيير في الاستحباب، فغير مقبول؛ لما
ذكرنا هذا ما حضر عندي في ترجيح مذهب الحنفية من المذاهب الثلاثة، وقال العيني في "شرح الهداية":
أحاديث السل غير صحيحة، ولئن سلمنا، فالجواب من وجوه إلخ. قلت: العجب منه أنه مع جلالة قدره،
واستنكافه عن تبعية شراح "الهداية" الذين مضوا قبله قد تبعهم في هذا المقام: ولم ينظر ما في هذه الوجوه من
السخافة. وأما الوجه الأول: فلثبوت السل عن رسول الله ◌ُّ في رواية ابن ماجه، وأما الثاني: فلأن باب
الاحتمال وسيع يجب سده، فإن الخصم يقول: السل وهو السنة، والأخذ من جانب القبلة إنما كان فيما كان
للضرورة، وأما الثالث: فلأن رسول الله وسلّ لم يتوف ملصقاً مع الجدار، بل مستنداً إلى عائشة هما، على ما
دلت عليه أخبار الصحيحين، وهو يقتضي كونه متباعداً عن أصل الجدار، ومن المعلوم أن قبره كان لحداً،
فغاية الأمر أن يكون موضع اللحد ملصقاً إلى أصل الجدار، ومنزل القبر قبله، وليس الإدخال من جانب
القبلة إلا بوضع الجنازة على سقف اللحد، فالقول بعدم إمکان ذلك لیس کما ينبغي کما لا يخفى.
يسل سلاً: وصفة ذلك: أن توضع الجنازة في مؤخر القبر، حتى يكون رأس الميت بإزاء موضع قدميه من
القبر، ثم يدخل الرجل الآخذ القبر، فيأخذ برأس الميت، ويدخله القبر أولاً، ويسل كذلك، كذا في "مبسوط
شيخ الإسلام سية"، و"فتاوى قاضي خان"، و"الخلاصة الغزالية"، وقال شمس الأئمة الحلواني بحثه: صورة
السل: أن توضع الجنازة في مقدم القبر، حتى يكون رجلا الميت بإزاء موضع رأسه من القبر ثم يدخل الآخذ
القبر فيأخذ برجلي الميت ويدخلهما القبر أولاً ويسل كذا في "المحيط" و"شرح الطحاوي". [الكفاية ٩٨/٢]

٤٢٦
باب الجنائز
لما روي أنه ہے
سل سلا .* ولنا: أن جانب القبلة معَظم فيستحب الإدخال منه،
صلى الله
فإذا وضع في لحده يقول واضعه: بسم الله
صلى الله
واضطربت الروايات في إدخال النبى *،
وعلى ملة رسول الله، كذا قاله رسول الله (3ّ حين وضع أبا دجانة ظه في القبر.
**
صلى الله
ويُوجّه إلى القبلة؛ بذلك أمر رسول الله وَّ ◌َه *** وتُحَل العقدة؛ لوقوع الأمن من
الانتشار. ويُسوى اللَّبْنُ على اللحد؛
الإدخال: الخطأ الفاحش ما صدر عن العيني في "منحة السلوك شرح تحفة الملوك" عند قول الماتن،
ويدخل من جانب القبلة؛ لأنه ® أخذ أبا دجانة من قبل القبلة انتهى، فإن أبا دجانة قتل في زمن أبي بكر
الصديق اليه، والصحيح: ذو البجادين. واضطربت الروايات: ووجه الاضطراب: ما روي أنه سُلّ
سلاًّ، وما روي أنه أُدخل من قبل القبلة، فلما تعارضت الروايات لا يكون المحتمل حجة للخصم على
أنا نقول: أحاديث السل غير صحيحة، ولئن سلمنا، فالجواب عنها من وجوه، الأول: أن ما رواه الخصم
إما فعل بعض الصحابة، أو قوله، وما رويناه فعل رسول الله تَّلّ وليس لأحد كلام معه.
الثاني: أنه يحتمل أن ما رواه فعل خوفاً من انهيارها الرخاوة الأرض. الثالث: لم يكن من جهة القبلة ما يسع
فيه وضع الجنازة لقرب الحائط. [البناية ٢٩٢/٣] أبا دجانة: والذي وضعه النبي ◌ُّ في قبره هو ذو البجادين
واسمه عبد الله. (البناية) تُحل العقدة: يعني عقدة الكفن مخافة الانتشار؛ لوقوع الأمن منه. (العناية)
* أخرجه الشافعي في مسنده عن ابن عباس قال: "سل رسول الله (صّ من قبل رأسه". [نصب الراية ٢٩٨/٢]
** أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر قال: كان النبي ◌ُّ إذا أدخل الميت القبر، قال: بسم الله وعلى ملة
رسول الله. وقال أبو خالد مرة: إذا وضع الميت في لحده قال: بسم الله وعلى سنة رسول الله. [رقم: ١٥٥٠،
باب ما جاء في إدخال الميت القبر]
*
ورود الأمر بذلك من رسول الله لرَّ لم يثبت، ولكن يستأنس له بحديث أخرجه أبو داود عن عبيد
بن عمير عن أبيه أنه حدثه وكان له صحبة، أن رجلاً سأله، فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: هن تسع،
فذكر معناه، زاد: وعقوق الوالدين المسلمَين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتاً. [رقم: ٢٨٧٥،
باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم]

٤٢٧
باب الجنائز
لأنه ◌َّ جُعل على قبره اللّن،" ويُسَجَّى قبرُ المرأة بثوب، حتى يجعل اللبن على
اللحد، ولا يُسَجَّى قبر الرجل؛ لأن مبنى حالهن على الستر، ومبنى حال الرجال
على الانكشاف، ويكره الآجُرّ والخشب؛ لأنهما لإِحكام البناء والقبر موضع البلى،
ثم بالآجر أثر النار، فيكره تفاؤلاً، ولا بأس بالقصب. وفي "الجامع الصغير":
ويستحب اللَِّنِ والقَصَب؛ لأنه ◌ُّ جُعل على قبره ◌ُنُّ من قصَب . ** ثم يُهال
التراب ويُسَّم القبر ولا يُسَطَّحُ، أي: لا يربع؛
ويُسَجَّى: التسجية التغطية. (الكفاية) ولا يسجى قبر الرجل: وبه قال مالك وأحمد، والمشهور من مذهب
الشافعي أن يسجى قبر الرجل والمرأة آكد. [البناية ٢٩٧/٣] الآجُرّ: بضم الجيم وتشديد الراء. (البناية)
البلى: من بلي الثوب يبلي. (البناية) ثم بالآجر إلخ: وهذا إشارة إلى أن بعضهم قد فرق بعضهم بين الآجر
والخشب في التعليل، فکره الآجر لمناسبة النار دون الخشب.(البناية) فیکره تفاؤلاً: قال الجزلي: هذا ليس
بشيء؛ لأنه يكفن في ثوب قَصَرَه القَصّارُ، وإن كان به أثر النار، وكذا يُغلى الماء. [الكفاية ١٠٠/٢]
وفي "الجامع الصغير": إنما صرح بلفظ "الجامع الصغير"؛ لمخالفة روايته لرواية القدوري؛ لأن رواية
القدوري لا تدل على الاستحباب بل على نفي الشدة لا غير، ورواية "الجامع الصغير" تدل عليه، ولأن
رواية القدوري لا تدل على جواز الجمع بينهما، ورواية "الجامع الصغير" تدل. [العناية ١٠٠/٢]
طُنَّ: وفي "المغرب": الطن بالضم الحزمة من القصب. (البناية)
* أخرجه ابن حبان في صحيحه عن جابر أن النبي ◌ُّ ألحد، ونصب عليه اللبن نصباً، رفع قبره من الأرض
نحو شبراً،[إعلاء السنن ٣٠٨/٨-٣٠٩] وأخرج مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أن سعد بن أبي وقاص
قال في مرضه الذي هلك فيه: ألحدوا لي لحداً، وأنصبوا عليَّ اللَّبن نصباً، كما صُنع برسول الله مَنّ.
[رقم: ٢٢٤٠، باب في اللحد ونصب اللبن على الميت]
** أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن الشعبي أن النبي ◌ُّ جعل على لحده طن قصب. [٣٣٣/٣، باب ما
قالوا في القصب يوضع على اللحد]

٤٢٨
باب الجنائز
صلادته
**
لأنه ( نهى عن تربيع القبور،" ومن شاهد قبره عليها أخبر أنه مُسَنَّم.
صلى الله
* أخرجه الإمام محمد بن الحسن بحله في "كتاب الآثار" عن أبي حنيفة محلّه قال: حدثنا شيخ لنا يرفعه إلى النبي
أنه نهى عن تربيع القبور، وتخصيصها. [رقم: ٢٥٧، باب تسنيم القبور وتخصيصها] وفيه مجهول كما ترى،
فهو منقطع إلا أنه من مراسيل القرن الثاني أو الثالث، فهو حجة عند الأصحاب. [إعلاء السنن ٣٢٣/٨]
** فيه أحاديث. [نصب الراية ٣٠٤/٢] منها: ما أخرجه البخاري عن سفيان التمار، أنه حدثه أنه رأى قبر
البِ تُّ مستَّماً. [رقم: ١٣٩٠، باب ما جاء في قبر النبي ◌ُّ وأبي بكر وعمر ◌ُما] ومنها: ما أخرجه الإمام
محمد بن الحسن ملكه في "كتاب الآثار" عن إبراهيم قال: أخبرني من رأي قبر النبي ◌ُّ، وقبر أبي بكر ضُه، وقبر
عمر اليه: مسنمة ناشزة من الأرض، عليها فَلْقٌ من مَدَر أبيض. [رقم: ٢٥٥، باب تسنيم القبور وتخصيصها]
وهو فيه مجهول كما ترى، ورجاله ثقات، ومراسيل إبراهيم صحاح. [إعلاء السنن ٣٢٣/٨]

٤٢٩
باب الشهيد
باب الشهيد
الشهيد من قَتله المشركون، أو وُجد في المعركة وبه أثر، أو قتله المسلمون ظلماً،
ولم يجب بقتله دية. فُكفِّن ويُصلَّى عليه، ولا يُغَسَّل؛ لأنه في معنى شهداء أحد،
وقال ◌َّ فيهم: "زَمِّلوهم بكُلومهم ودمائهم ولا تُغَسِّلُوهم* فكلُّ من قُل بالحديدة
ظلماً، وهو طاهر بالغ، ولم يجب به عوض مالِيٍّ،
باب الشهيد: وإنما أفرد هذا الباب عما قبله، وإن كان الكل في حكم الموتى؛ لأن حكم الشهيد يخالف
حكم غيره من الموتى في حق التكفين والغسل. [البناية ٣٠٧/٣] من قتله: يعني بأية آلة كانت. (العناية)
المشركون: وفي معناهم أهل البغي وقطاع الطريق للخروج عن طاعة الإمام. (العناية) وبه أثر: أي جراحة ظاهرة
أو باطنة كخروج الدم من العين أونحوها. (العناية) ظلماً: احتراز عما قتله المسلمون رجماً، أو قصاصاً. (العناية)
ولم يجب: لا يرد عليه الأب إذا قتل ابنه عمداً بآلة جارحة؛ لأنه لم يجب بهذا القتل دية، وإنما وجب
القصاص، لكن سقط لحرمة الأبوة، ووجبت الدية، فيكون شهيداً. [الكفاية ١٠٣/٢]
بقتله دية: واحترز به عن شبه العمد والخطأ. (البناية) ويصلى عليه: عندنا خلافاً للشافعي. (العناية)
زملوهم: أي لفوهم فيها، يقال: تزمل بثوبه إذا التف فيه أيضاً. (البناية) طاهر بالغ: كان ينبغي أن يشترط
العقل أيضاً كما اشترط البلوغ والطهارة؛ إذ الثلاثة شرط عند أبي حنيفة بحالته. [الكفاية ١٠٣/٢-١٠٤]
* أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده عن عبد الله بن ثعلبة أن النبي ◌َّ أشرف على قتلي أحد، فقال: إني
أشهد على هؤلاء زملوهم بكلومهم ودمائهم. [رقم: ٢٣٦٥٩، ٦٤/٣٩] وفي الحاشية إسناده صحيح،
رجاله ثقات رجال الصحيح. [مسند أحمد ٦٤/٣٩] وفي ترك غسل الشهداء أحاديث، منها: ما أخرجه
البخاري عن جابر بن عبد الله عنه أن رسول الله ◌ُّ كان يجمع بين الرجلين من قتلي أحد في ثوب
واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قَدَّمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على
هؤلاء، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلهم. [رقم: ١٣٤٧، باب من يقوم في اللحد]

٤٣٠
باب الشهید
فهو في معناهم فيلحق بهم، والمراد بالأثر: الجراحة؛ لأنهما دلالة القتل، وكذا خروج
الدم من موضع غير معتاد كالعين ونحوها. والشافعي باله يخالفنا في الصلاة، ويقول:
السيف مَحَّاء للذنوب، فأغنى عن الشفاعة، ونحن نقول: الصلاة على الميت
لإظهار كرامته، والشهيد أولى بها، والطاهر عن الذنوب لا يستغني عن الدعاء
كالنبي والصبي. ومن قتله أهل الحرب أو أهل البغي أو قُطّاع الطريق، فبأي شيء
قتلوه لم يُغسَّل؛ لأن شهداء أحد ما كان كُلُّهم قتيل السيف والسلاح.
فهو في معناهم: وهاهنا قيود: الأول: أن يكون القتل ظلما؛ احترازاً عن القتل بحق، على ما ذكرناه،
والثاني: التقتيل بالحديدة، وإنما يشترط هذا القيد إذا كان القتل بين المسلمين، وأما من أهل الحرب والبغي
وقطاع الطريق، فليس بشرط، فبقتلهم شهيد بأي شيء قتل. والثالث: أن يكون ظاهرا، فلا يكون جنباً
وحائضاً، الرابع: أن يكون بالغاً، ولا يكون صبياً، وفي هذين خلاف بين أبي حنيفة محلّه وصاحبيه، والقيد
الخامس: أن لا يجب بقتله عوض مالي. [البناية ٣١٠/٣-٣١١] ونحوها: مثل الأذن والسرة. (البناية)
محاء: على وزن فعال، مبالغة ماحي من محا يمحو محوا، ومحي يمحيه محيا. (البناية)
فأغنى عن الشفاعة: تقريره: إذا كان السيف محاء للذنوب لا يبقى للشهيد ذنب، فيستغني عن الشفاعة التي
كانت الصلاة لأجلها. (البناية) لإظهار كرامته: لا يخفى أن المقصود الأصلي من الصلاة نفسها الاستغفار
له، والشفاعة والتكريم يستفاد إرادته من إيجاب ذلك على الناس، فنقول: إذا أوجب الصلاة على الميت على
المكلفين تكريماً له، فلأن يوجبها عليهم على الشهيد أولى؛ لأن استحقاقه للكرامة أظهر. (فتح القدير)
عن الذنوب: هذا جواب عن قول الشافعي بدلته: السيف محاء للذنوب. (البناية) كالنبي والصبي: لو اقتصر على
النبي كان أولى، فإن الدعاء في الصلاة على الصبي لأبويه. [فتح القدير ١٠٥/٢]
لأن شهداء أحد إلخ: ولا حاجة إليه في ثبوت ذلك الحكم، إذ يكفي فيه ثبوت بذله نفسه ابتغاء مرضاة
الله، إذ هو المناط في قتيل المشركين. [فتح القدير ١٠٥/٢] ما كان كلهم قتيل السيف: الله أعلم
بذلك.(فتح القدير) والسلاح: كان فيهم من دمغ رأسه بالحجر، وفيهم من قتل بالعصا. (الكفاية)

٤٣١
باب الشهيد
وإذا استُشهد الجنب: غُسِّل عند أبي حنيفة مدلّه. وقالا: لا يغسل؛ لأن ما وجب
بالجنابة سقط بالموت، والثاني لم يجب للشهادة؛ ولأبي حنيفة بحالته: أن الشهادة عرفت
مانعة، غير رافعة، فلا ترفع الجنابة، وقد صح أن حنظلة ثقله لمّا استُشهد جُنُباً غَسَلْه
الملائكة،* وعلى هذا الخلاف الحائض والنفساء إذا طهرتا، وكذا قبل الانقطاع في
الصحيح من الرواية، وعلى هذا الخلاف الصبي. لهما: أن الصبي أحق بهذه الكرامة،
غسل: وبه قال أحمد. (البناية) لا يغسل: وبه قال الشافعي. (البناية) سقط بالموت: أي الغسل بسبب الموت؛
لأنه خرج عن كونه مكلفا بالغسل عن الجنابة. (العناية) غير رافعة: ألا ترى أنه لو كان في ثوب الشهيد نجاسة
يغسل تلك النجاسة، ولا يغسل الدم عنه. [الكفاية ١٠٦/٢] وقد صح إلخ: والحق أن الدفع ليس إلا بالنص،
وهو حديث حنظلة؛ لأن لهم أن يدفعوا هذا بأن الوجوب قبل الموت كان متعلقا به، وبعده بغيره، فهو غيره أو
لا ينتقل إلى غيره إلا بدليل، فنرجع في إيجادهم ذلك الدليل إلى حديث حنظلة. [فتح القدير ١٠٦/٢]
الصحيح من الرواية: فإنه عن أبي حنيفة بالكه فيه روايتان: في رواية: لا يغسلان؛ لأن الاغتسال ما كان
واجبا عليهما قبل الانقطاع، وفي رواية: وهو الصحيح يغسلان؛ لأن الانقطاع حصل بالموت، والدم السائل
يوجب الاغتسال عند الانقطاع. (العناية) الصبي: وكذلك المجنون. أحق بهذه الكرامة: أي بسقوط الغسل،
فان سقوط الغسل عن الشهيد لابقاء أثر مظلوميته في القتل فكان اكراماله، والمظلومية في حق الصبى أشد
فكان أولى بهذه الكرامة. [العناية ١٠٧/٢]
* روي من حديث ابن الزبير، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث محمود بن لبيد. [نصب الراية ٣١٥/٢ - ٣١٦]
أخرج الحاكم حديث ابن الزبير في "المستدرك" عن يحيى بن عباد بن عبد الله عن أبيه عن جده ، قال:
سمعت رسول الله ◌ّ يقول عند قتل حنظلة بن أبي عامر بعد أن التقى هو وأبو سفيان بن الحارث حين علاه
شداد بن الأسود بالسيف فقتله، فقال رسول الله (صّ: إن صاحبكم تغسله الملائكة فسألوا صاحبته فقالت:
إنه خرّج لما سمع الهائعة وهو جنب، فقال رسول الله (®: لذلك غسلته الملائكة. وقال: هذا حديث صحيح
على شرط مسلم، ولم يخرجاه. [٢٠٤/٣، باب ذكر شهادة حنظلة بن عبد الله جنباً وغسل الملائكة له]

٤٣٢
باب الشهید
وله: أن السيف كفى عن الغسل في حقِّ شهداء أحد بوصف كونه طُهْرَة، ولا ذنب
علی الصبيّ فلم یکن في معناهم. ولا يُغسل عن الشهید دمه، ولا يُنزع عنه ثيابه؛
لما روينا، ويُنزع عنه الفَرْو وَالحَشْرُ والقلنسوة والسّلاح والخُفُّ؛ لأنها ليست من
جنس الكفن، ويزيدون وينقصون ما شاءوا؛ إِتماماً للكفن. ومن ارتُثَّ: غُسِّل، وهو
من صار خلَقاً في حكم الشهادة؛ لنيل مرافق الحياة؛ لأن بذلك يَخِفُّ أثر الظلم فلم
يكن في معنى شهداء أحد، والارتثاث: أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يداوى أو يُنقل
من المعركة حياً؛ لأنه نال بعض مرافق الحياة، وشهداء أحد ماتوا عُطاشاً،* والكأس
تُدار عليهم، فلم يقبلوا خوفاً من نقصان الشهادة إلا إذا حُمل من مصرعه؛ كيلا تَطَأَهُ
و لم يشربوا
الخيُولُ؛ لأنه ما نال شيئًا من الراحة،
والحشو: أراد بالحشو: الثوب المحشو بالقطن، وهو بحسب اصطلاح الناس لا بحسب اللغة. [البناية ٣٢٠/٣]
ويزيدون: إذا كان ناقصا عن عدد المسنون. (البناية) ومن ارتث: على صيغة المجهول، بالتاء المثناة من
فوق المضمومة ثم الثاء المثلثة، وهو من قولهم: ثوب رث، أي خلق. [البناية ٣٢١/٣] خلقا: بفتح اللام أي
بلي. (البناية) لأن بذلك: أي بذلك النيل. (البناية) أن يأكل: وفي البدائع: أو باع أو ابتاع، أو تكلم
بكلام طويل. (البناية) والكأس: قال الجوهري: الكأس كل إناء فيه شراب. (البناية)
* كون هذا وقع لشهداء أحد. الله أعلم به. [فتح القدير ١٠٨/٢] وروى البيهقي في "شعب الإيمان" في الباب
الثاني والعشرين منه بسنده عن أبي جهم بن حذيفة العدوي قال: انطلقت يوم يرموك أطلب ابن عمي، ومعي شنة
من ماء أو إناء، فقلت: إن كان به رمق سقيته من الماء أو مسحت به وجهه، فإذا أنابه ينشع، فقلت: أسقيك
فأشار أي نعم، فإذا رجل يقول: آه أشار ابن عمي أن أنطلق به إليه فإذا هو هشام بن العاص، أخو عمرو فأتيته
فقلت: أسقيك فسمع آخر، فقال: آه فأشار هشام أن أنطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام
فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي، فإذا هو قد مات. [٢٦٠/٣ رقم: ٣٤٨٣، فصل ما جاء في الايثار]

٤٣٣
باب الشهید
ولو آواه فسطاطٌ أو خيمة، كان مُرْبًا؛ لما بينا. ولو بقي حياً حتى مضى وقت صلاة
وهو يعقل: فهو مُرْتَثَّ؛ لأن تلك الصلاة صارت ديناً في ذمته، وهو من أحكام الأحياء.
قال: وهذا مروي عن أبي يوسف مثله. ولو أوصى بشيء من أمور الآخرة كان ارتثاثاً
عند أبي يوسف بحاله؛ لأنه ارتفاق. وعند محمد رحلته: لايكون؛ لأنه من أحكام الأموات.
ومن وُجد قتيلاً في المصر: غُسِّل؛ لأن الواجب فيه القسامة والدية، فَخَفَّ أَثْرُ الظلم،
إلا إذا عُلم أنه قُتل بحديدة ظلماً؛ لأن الواجب فيه القصاصُ وهو عُقُوبة، والقاتل
لا يتخلص عنها ظاهراً إما في الدنيا، وإما في العُقى، وعند أبي يوسف ومحمد دعمًا:
المصنف
آواه: بالمد أي لو ضمه. (البناية) فسطاط: وهي الخيمة الكبيرة. (البناية) وهو يعقل: احترز به إذا بقي
مغمى عليه؛ لأنه لايكون مرتثا، كذا روي عن أبي يوسف ملكه. (البناية)
من أمور الآخرة: اختلف المتأخرون في ذلك منهم من قال: الاختلاف فيما إذا أوصى بشيء من أمور
الآخرة، فأما إذا أوصى بشيء من أمور الدنيا يغسل بالإتفاق، وقيل: إذا أوصى بأمور الآخرة لا يغسل
اتفاقا، والخلاف فيما إذا أوصى بأمور الدنيا. [الكفاية ١٠٨/٢-١٠٩]
ومن وجد قتيلاً إلخ: في [شرح الوقاية ٢٦٣/١] أقول: هذه الرواية مخالفة لما ذكر في "الذخيرة"؛ لأن رواية
الهداية فيما إذا لم يعلم قاتله؛ لأنه علل بوجوب القسامة، ولا قسامة إلا إذا لم يعلم القاتل، ففي صورة عدم
العلم بالقاتل إذا علم أن القتل بالحديدة، ففي رواية الهداية لا يغسل؛ لأن نفس هذا القتل أوجب القصاص،
وأما وجوب الدية والقسامة: فلعارض العجز عن إقامة القصاص، فلا يخرجه هذا العارض عن أن يكون
شهيدا، وأما على رواية "الذخيرة" فيغسل، انتهى. أقول :- وبالله التوفيق- إن محشي هذا الكتاب قد قيدوا
قوله: إلا إذا علم أنه قتل بحديدة ظلما بقولهم: ويعلم قاتله عينا، وقد صرح في "العناية" أنه إن قتل ظلما
بحديدة، ولا يعلم قاتله يغسل، لأن الواجب هناك الدية والقسامة، ولفظ الكتاب يشير إلى ذلك حيث قال:
بوجوب القصاص، ولا قصاص إلا على القاتل المعلوم، فما قال شارح الوقاية لا يسمع، والله أعلم.
عُلم: قيل: هذا إذا علم قاتله عينا، وأما إذا علم أنه قتل بحديدة ظلما ولكن لم يعلم قاتله يغسل. (العناية)
إما في الدنيا: إن وجد وإما في الآخرة إن لم يوجد. (البناية)

٤٣٤
باب الشهید
ما لا يلبث بمنزلة السيف، ويُعرف في الجنايات إن شاء الله تعالى، ومن قتل في حد
أو قصاص: غُسل وصُّلِّي عليه؛ لأنه باذَل نفسَه لإِيفاء حق مستحَق عليه، وشهداء
وُ
أحد بذلوا أنفسهم لابتغاء مرضات الله تعالى، فلا يُلحق بهم، ومن قتل من البغاة أو
قُطّاع الطريقِ: لم يُصَلّ عليه؛ لأن علياً ضَّه لم يُصلّ على البغاة .*
ما لا يلبث بمنزلة السيف: يعني لا يشترط في قتيل وجد في المصر، أن يقتل بحديدة عندهما، بل المثقل من الحجر
والخشب مثل السيف عندهما، حتى لا يغسل القتيل ظلما في المصر، إذا عرف قاتله، وعلم أنه قتله بالمثقل لوجوب
القصاص عندهما، وعند أبي حنيفة رسله: لا يجب القصاص في القتل بالمثقل، ويعرف في الجنايات. [العناية ١٠٩/٢]
غسل وصلي عليه: هذا بالإجماع إلا أن مالكا يقول: لم يصل الإمام على المرجوم، والمقتول قصاصاً، وصلى
عليه غيره؛ لأنه رُ ثلم يصل على عاص، وصلى عليه غيره، وقال الزهري: لا يصلى على المرجوم أصلاً. (البناية)
من البغاة: بضم الباء الموحدة جمع باغ، وهو الذي يخرج عن طاعة الإمام. [البناية ٣٢٧/٣]
* قلت: غريب، وذكر ابن سعد في "الطبقات" قصة أهل النهروان وليس فيها ذكر الصلاة، ولفظه: قال لما :
كان بين علي ومعاوية أنّما ما وقع بصفين في سفر سنة سبع وثلاثين ورجع علي لُه إلى الكوفة خرجت
عليه الخوارج من أصحابه وعسكروا بحروراء فلذلك سموا الحرورية، فأرسل إليهم عبد الله بن عباس
فخاصمهم، وحاجهم، فرجع منهم كثير، وثبت آخرون على رأيهم، ثم ساروا إلى النهروان، فعرضوا للسبيل
وقتلوا عبد الله بن خباب الأرت، فسار إليهم علي ته فقلتهم بالنهروان، وقتل منهم ذا الثدية، وذلك سنة
ثمان وثلاثين، ثم رجعوا إلى الكوفة فلم يزالوا يخافون عليه من الخوارج حتى قتل ضُه. (نصب الراية) قلت:
وأما أهل الجمل والصفين، فالظاهر من الآثار أن عليا له صلى على قتلى الطائفتين، قال ابن تيمية في منهاج
السنة: وقد تواتر عن علي يوم الجمل لما قاتلهم أنه لم يتبع مدبرهم، ولم يجهز على جريحهم، ولم يغنم لهم
مالا، ولم يسب لهم ذرية، وأمر مناديه ينادي في عسكره بذلك كله، وكان يقول في أصحاب الجمل:
إخواننا بغوا علينا ظهرهم السيف، وقد نقل عنه له أنه صلى على قتلى الطائفتين. [إعلاء السنن ٣٧٤/٨]

٤٣٥
باب الصلاة في الكعبة
باب الصلاة فى الكعبة
الصلاة في الكعبة جائزة فرضها ونفلها، خلافاً للشافعي بحلته فيهما، ولمالك في
الفرض؛ لأنه (﴿ّ صلَّى في جوف الكعبة يوم الفتح،* ولأنها صلاة استجمعت
شرائطها؛ لوجود استقبال القبلة؛ لأن استيعابها ليس بشرط، فإن صلى الإِمام بجماعة
فيها، فجعل بعضهم ظهره إلى ظهر الإِمام: جاز؛ لأنه متوجِّه إلى القبلة، ولا يعتقد
إمامَه على الخطأ، بخلاف مسألة التحرِّي، ومن جعل منهم ظهره إلى وجه الإِمام:
لم تجز صلانه؛ لتقدمه على إمامه، وإذا صلى الإِمام في المسجد الحرام فتَحَلق الناس
حول الكعبة وصلوا بصلاة الإِمام، فمن كان منهم أقرب إلى الكعبة من الإِمام: جازت
صلاته إذا لم يكن في جانب الإِمام؛ لأن التقدُّم والتأخُّر إنما يظهر عنه اتحاد الجانب.
باب: قد تقدم في أول باب صلاة الجنازة وجه تأخير هذا الباب فلا نعيده. (العناية) الكعبة: سمي البيت الحرام
بذلك؛ لتربعه من قولهم: برد مكعب إذا كان فيه شيء مربع. (البناية) خلافا للشافعي: قال العلامة صاحب
"النهاية": ولم يورد أحد من علمائنا هذا الخلاف فيما عندي من الكتب "كالمبسوطين" و"الأسرار"
و"الإيضاح" و"المحيط" وشروح "الجامع الصغير". (الكفاية) لأن استيعابها: استقبال الكل ليس بممكن. (البناية)
بخلاف مسألة التحري: يعني إذا صلوا في ليلة مظلمة، فجعل بعضهم ظهره إلى ظهر الإمام، وقد علم
حال إمامه لا تجوز صلاته؛ لأنه اعتقد إمامه على الخطأ. [البناية ٣٣٥/٣]
ومن جعل منهم ظهره: قيد به؛ لأنه إذا كان وجهه إلى وجه الإمام جازت صلاته كما ذكرنا، وفي
"الإيضاح": ينبغي لمن يواجه الإمام أن يجعل بينه وبين الإمام سترة؛ احترازاً بالتشبيه بعابد الصورة. (البناية)
فمن كان منهم إلخ: جزاء إذا صلى الإمام. (العناية) في جانب الإمام: فصار كمن صلى خلفه. (البناية)
* أخرجه البخاري عن سالم عن أبيه أنه قال: دخل رسول الله ◌ُ ◌ّ البيت وهو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان
بن طلحة فأغلقوا عليهم، فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالاً فسألته: هل صلى فيه رسول الله صل﴿ ؟
قال: نعم، بين العمودين اليمانيين. [رقم: ١٥٩٨، باب إغلاق البيت ويصلي في أي نواحي البيت شاء]

٤٣٦
باب الصلاة في الكعبة
ومن صلى على ظهر الكعبة: جازت صلاته خلافاً للشافعي؛ لأن الكعبة: هي
العَرْضَةُ والهواء إلى عنان السماء عندنا، دون البناء؛ لأنه يُنقل، ألا ترى أنه لو صلّى
على جبل أبي قُبيس: جاز، ولا بناء بين يديه، إلا أنه يُكرَه؛ لما فيه من ترك التعظيم،
*
صلى الله
عليه
وسلم.
وقد ورد النهي عنه عن النبي
جبل أبي قُبيس: وكذا لو صلى على غيره من المواضع العالية. (البناية)
* أخرجه الترمذي عن ابن عمر أن النبي ◌ُّ نهى أن يصلي في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة،
وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله. [رقم: ٣٤٦، باب ما جاء في كراهية
ما يصلي إليه وفيه]

٤٣٧
فهرس المجلد الأول
المجلد الأول
الموضوع
الصفحة
الموضوع
باب الأذان
١٧١
باب شروط الصلاة التي تتقدمها.
باب صفة الصلاة
١٨١
فصل في القراءة
٢١٩
باب الإمامة
٢٣٣
باب الحدث في الصلاة
٢٤٩
باب ما يفسد الصلاة وما يكره.
٢٦٢
فصل ويكره للمصلي إلخ.
٢٧٤
فصل ويكره استقبال القبله.
٢٨٥
.
باب صلاة الوتر
٢٨٧
باب النوافل
٢٩٥
فصل في القراءة
٢٩٨
فصل في قيام شهر رمضان
٣٠٩
باب إدراك الفريضة
٣١٣
باب قضاء الفوائت
٣٢٣
باب سجود السهو
٣٢٩
باب صلاة المريض
٣٤٥
باب المواقيت .
٣٥٢
باب سجود التلاوة
١٤١
فصل ويستحب الإسفار بالفجر.
١٤٨
فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة . ١٥٣
الصفحة
مقدمة
١٥٨
١٧
ديباجة الکتاب
٢١
کتاب الطهارات
فصل في نواقض الوضوء
٣٣
فصل في الغسل
٤٣
باب الماء الذي يجوز به الوضوء.
٥٠
فصل في البئر
٦٥
فصل في الآسار وغيرها
٧٤
٨٤
باب التیمم .
باب المسح على الخفين .
٩٩
باب الحيض والاستحاضة
١١٠
فصل في الاستحاضة
١١٩
فصل في النفاس.
١٢٢
باب الأنجاس وتطهيرها
١٢٥
فصل في الاستنجاء
١٣٧
كتاب الصلاة
١٤١
٣٦٠
باب صلاة المسافر.
٣٧١
باب صلاة الجمعة
٥.٠٠٠٠

٤٣٨
فهرس المجلد الأول
الموضوع
الصفحة
الموضوع
الصفحة
فصل في التکفین
٣٨٥
باب صلاة العيدين.
٤١١
٣٩٤
فصل في تكبيرات التشريق
٤١٥
فصل في الصلاة على الميت.
٣٩٧
باب صلاة الكسوف.
٤٢٣
فصل في حمل الجنازة
فصل في الدفن.
٤٢٤
باب الشهید .
٤٢٩
باب الصلاة في الكعبة
٤٣٥
فصل في الغسل
٤٠٨
باب الاستسقاء .
٤٠١
باب صلاة الخوف
٤٠٤
باب الجنائز.
٤٠٧

ISBN : 978-605-5323-26-4
9 786055
323257