Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨٠
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
ترجيحاً للحرمة والنجاسة، والبغل من نسل الحمار، فيكون بمنزلته. فإن لم يجد
غيرهما: يتوضأ بهما ويتيمّم، ويجوز أيهما قُدِّم، وقال زفر ساله: لا يجوز إلا أن يُقَدَّم
الوضوءُ؛ لأنه ماء واجب الاستعمال، فأشبه الماء المطلق. ولنا: أن المُطَهِّر أحدهما،
فيفيد الجمع دون الترتيب. وسؤر الفرس طاهر عندهما؛ لأن لحمه مأكول،
= ولو لم یکن الضرورة ثابتة أصلاً، کما في سؤر السباع والبهائم، لوجب الحكم بنجاسة سؤره بلا إشكال، ولو
كانت الضرورة مثل ضرورة الهرة، لوجب الحكم بإسقاط النجاسة، فثبتت الضرورة من وجه دون وجه، فقد
استوى ما يوجب الطهارة والنجاسة، فتساقطا للتعارض فوجب المصير إلى ما كان ثابتاً قبل التعارض، والثابت
قبله شيئان: الطهارة في جانب الماء، والنجاسة في جانب اللعاب؛ لأن اللعاب متولد من اللحم، ولحمه نجس،
فكان اللعاب نجساً، وليس أحدهما أولى من الآخر، فبقي الأمر مشكلاً.(النهاية)
ترجيحاً للحرمة والنجاسة: واستشكل بما إذا أخبر عدل بحل طعام، وآخر بحرمته، فإنه يرجح خبر الحل، وبما إذا
أخبر عدل بطهارة الماء، وآخر بنجاسته ترجح الطهارة. وأجيب بأن تعارض الخبرين في الطعام يوجب التهاتر والعمل
بالأصل - وهو الحل - ، ولا يجوز ترجيح الحرمة بالاحتياط؛ لاستلزامه تكذيب المخبر بالحل من غير دليل، فأما أدلة
الشرع في حل الطعام وحرمته، فتوجب الترجيح بدليل، وهو تقليل النسخ الذي هو خلاف الأصل على ما عرف في
الأصول, والعمل بالاحتياط واجب عند عدم المانع. وكذا تعارض الخبرين في الماء يوجب التهاتر والعمل بالأصل؛
لوقوع الشك في اختلاط النجاسة به، والأصل عدمه، فبقي الماء على أصله، وهو الطهارة، فأما ههنا فقد اختلط
اللعاب المتولد من اللحم بالماء بيقين، وقد ترجح جهة الحرمة فيه باتفاق الروايات عن أصحابنا، وهي مبنية على
النجاسة على ما بيَّنَا فيجب ترجيح النجاسة بهذا الدليل. [العناية ١٠٢/١]
غيرهما: أي سؤر الحمار والبغل. ويجوز أيهما قُدّم: فرعان: الأول: اختلفوا في النية في الوضوء بسؤر الحمار،
والأحوط أن ينوي. الثاني: لو توضأ بسؤر الحمار وصلى الظهر، ثم تيمم وصلاها صحت الظهر. (فتح القدير) أن
المطهّر: يعني أن المِطَهِّر في الواقع، إما السؤر أو التراب، فإن كان الأول فلا فائدة في استعمال الثاني، تقدم
أو تأخر، وإن كان الثاني فلا يضر التقديم والتأخير، فوجب الضم دون الترتيب. [العناية ١٠٢/١] فيفيد
الجمع: وصورته: أن يتوضأ ویتیمم ثم يصلي، أو يتوضأ فيصلي، ويتيمم فيصلي ثانياً، أو بالعكس.
٨١
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
وكذا عنده في الصحيح؛ لأن الكراهة لإظهار شرفه. فإن لم يجد إلا نبيذ التمر، قال
أبو حنيفة له: يتوضأ به ولا يتيمم؛ لحديث ليلة الجن، فإن النبي عليه توضأ به حين لم
يجد الماء .* وقال أبويوسف بالته: يتيمم ولا يتوضأ به، وهو رواية عن أبي حنيفة محافظته،
في الصحيح: احتراز عن الروايات الباقية فإنه ذكر في "المحيط" في سؤر الفرس عن أبي حنيفة ملكه، أربع روايات:
قال في رواية: أَحبُّ إليَّ أن يتوضأ بغيره، وهو رواية البلخي عنه، وفي رواية الحسن عنه: أنه مكروه کلحمه، وفي
رواية: هو مشكوك كسؤر الحمار، وفي رواية كتاب الصلاة: هو طاهر، وهو الصحيح. (العناية) لأن الكراهة
إلخ: كراهة لحم الفرس في رواية؛ لاحترامه؛ لأنه آلة الجهاد، لا لنجاسته فلا يؤثّر في كراهة سؤره. (مجمع
الأنهر) نبيذ التمر: إنما ذكر نبيذ التمر في فصل الأسآر؛ لأن له شبهاً خاصاً بسؤر البغل والحمار على قول
محمد، فإنه يقول: بضم التيمم إلى الوضوء به؛ احتياطًا. [العناية ١٠٣/١]
* روي من حديث ابن مسعود، ومن حديث ابن عباس. [نصب الراية ١٩٢/١] أخرج الدار قطني في سننه
حديث ابن مسعود نا أبو سعيد مولى بني هاشم، نا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن
مسعود ضُه أن النبي ◌ُّ قال له ليلة الجن: أمعك ماء؟ قال: لا، قال: أمعك نبيذ؟ أحسبه قال: نعم، فتوضأ به. علي
بن زيد ضعيف، وأبو رافع لم يثبت سماعه عن ابن مسعود. [٢٠٣/١، رقم: ٢٤٣، باب الوضوء بالنبيذ] أبو سعيد
من رجال البخاري ثقة، وثقه أحمد وابن معين والطبراني والبغوي والدار قطني وابن شاهين، كذا في "التهذيب"،
وحماد بن سلمة من رجال الجماعة ثقة. [إعلاء السنن ٣٠٦/١ رقم: ٢٧٦]
وفي حاشية "إعلاء السنن": وعلي بن زيد مختلف فيه، وقد وثق (مجمع الزوائد)، وهو من رجال مسلم والأربعة،
قال يعقوب بن شيبة: ثقة، صالح الحديث، وقال الترمذي: صدوق، وقال الساجي: كان من أهل الصدق،
ويتحمل لرواية الجلة عنه، وليس يجري مجرى من أجمع على ثبته، كذا في "التهذيب"، وفي "الترغيب" للمنذري.
وقال الترمذي: صدوق، وصحح له حديثاً في السلام وحسن له غیر ماحدیث. قلت: فلا ينزل حديثه عن درجة
الحسن، وأبو رافع الصائغ اسمه نفيع، جاهلي إسلامي مشهور من علماء التابعين وكبارهم، روى عن أبي بكر
الصديق وعمر بن الخطاب وأبي هريرة له فهو ممن يمكن سماعه عن ابن مسعود بلا ريب، على أن صاحب
"الكمال" صرح بأنه سمع منه، كذا في "الجوهر النقي"، فالحديث حسن، واندفع بما ذكرنا، ما أورده الدار قطني من
جهة علي بن زيد، وسماع أبي رافع من ابن مسعود. [إعلاء السنن ٣٠٦/١]
٨٢
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
وبه قال الشافعي بدله: عملاً بآية التيمم؛ لأنها أقوى، أو هو منسوخ بها؛ لأنها مَدَنية
بآية التيمم
من الحديث
ولیلة الجن کانت مکیة. وقال محمد له: یتوضأ به ویتیمم؛ لأن في الحديث اضطرابًا
وفي التاريخ جهالةً، فوجب الجمع؛ احتياطًا. قلنا: ليلة الجن كانت غيرَ واحدة،
عملاً بآية التيمم: فإنها تنقل التطهير عند عدم الماء المطلق إلى التراب، ونبيذ التمر ماء من وجه. (العناية)
لأنها مدنية: لأن آية التيمم نزلت بالمدينة. وليلة الجن: كما ورد التصريح به في بعض الروايات. يتوضأ:
قول محمد بوجوب الجمع بين الوضوء به والتيمم رواية أيضًا عن أبي حنيفة معالله. [فتح القدير ١٠٥/١] اضطرابًا:
بالاعتبار أن بعض الأحاديث تدل على أن ابن مسعود شهد مع رسول الله ( ليلة الجن، وبعض الروايات
تدل على أنه لم يشهدها معه، وإذا وقع الاضطراب في الحديث لم يكن بذاك.
وفي التاريخ جهالة: فإنهم اختلفوا في انتساخ هذا الحديث لجهالة التاريخ. (العناية)
قلنا إلخ: [جواب عن استدلال أبي يوسف] دفع دخل مقدر، تقريره: أن آية التيمم مدنية بلاشك، كما يشهد
عليه أقوال المفسرين، وليلة الجن مكية، كما صرح به في بعض الروايات عن عبد الله بن مسعود، فما معنى جهالة
التاريخ، بل لا جرم يكون الحديث منسوخاً. غير واحدة: كلامه يوهم أن ليلة الجن كانت بالمدينة، ولم ينقل
ذلك في كتب الحديث فيما علم، لكن ذكر صاحب "آكام المرجان في أحكام الجان" أن ظاهر الأحاديث الواردة في
وفادة الجن أنها كانت ست مرات، وذكر منها مرة في بقيع الغرقد، حضرها ابن مسعود ومرتين بمكة، ومرة رابعة خارجة
المدينة حضرها الزبير بن العوام، وعلى هذا لا يقطع بالنسخ. [فتح القدير ١٠٤/١]
* أخرج مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة أمّ المؤمنين، قالت: خرجنا مع رسول الله
* في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله وظّ على التماسه،
وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى ما صنعت
عائشة؟ أقامت برسول الله (5َّ وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، قالت عائشة: فجاء أبوبكر ورسول
الله ◌ّ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسولَ الله ﴿ّ والناسَ، وليسوا على ماء، وليس معهم
ماء؟، قالت عائشة: فعاتبني أبوبكر، فقال: ما شاء الله أن يقول: وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا
يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله (* على فخذي، فنام رسول الله ◌ُّ حتى أصبح على غير
ماء، فأنزل الله تبارك وتعالى آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.
قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته. [رقم: ١٢٢، باب في التيمم]
٨٣
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
فلا يصح دعوى النسخ، والحديث مشهور عملت به الصحابة هێه، وبمثله یزاد على
الكتاب. وأما الاغتسال به فقد قيل: يجوز عنده؛ اعتبارًا بالوضوء، وقيل: لا يجوز؛ لأنه
فوقه. والنبيذ المختلف فيه: أن يكون حُلْوًا رقيقاً يسيل على الأعضاء كالماء، وما اشتدَّ
منها صار حراماً لا يجوز التوضي به وإن غيَّرَته النار، فما دام حلواً رقيقاً، فهو على
الخلاف، وإن اشتد فعند أبي حنيفة بحثه: يجوز التوضي به؛ لأنه يحل شربه عنده. وعند
محمد رحلته لا يتوضأ به؛ لحرمة شربه عنده، ولا يجوز التوضي بما سواه من الأنبِذَة جَرياً
على قضية القیاس.
دعوى النسخ: إذ يجوز أن يكون الدفعة الثانية في المدينة بعد آية التيمم. مشهور: ليس يريد به المشهور
الاصطلاحي، بل المعنى اللغوي. عملت به الصحابة: ففي "سنن الدارقطني" عن عبد الله بن محرر عن عكرمة عن
ابن عباس أنه قال: "النبيذ وضوء من لم يجد الماء"، وأخرج أيضًا عن الحارث عن علي: "أنه كان لا يرى بأساً
بالوضوء بالنبيذ، وأخرج أيضاً عن مزيدة بن جابر عن علي قال: لا بأس بالوضوء بالنبيذ. [نصب الراية ٢٠١/١]
وعن هذا قال أبو حنيفة مثل: إن اشتبه كون عبد الله مع رسول الله تَّ ليلة الجن قلنا: في الباب ما يكفي
للاعتماد عليه، وهو رواية هذه الكبار من الصحابة ◌ّه كذا في "المبسوط". [الكفاية ١٠٥/١]
على الكتاب: فيكون التقدير بحكم الزيادة: فإن لم تجدوا ماءً ولا نبيذ تمر فتيمموا.
وأما الاغتسال: اختلف مشايخنا ثر في الاغتسال بنبيذ التمر عند أبي حنيفة بحاله، فمنهم من لم يُوِّزْ؛
لأن الأثر في الوضوء خاصة، والأصح أنه يجوز؛ لأن المخصوص من القياس بالنص يلحق به ما في معناه من
كل وجه. [الكفاية ١٠٥/١] حلواً: أن يلقى تميرات في ماء حتى صار الماء حلواً رقيقاً، ولا يكون مشتداً
ومسكراً. [العناية ١٠٥/١] من الأنبذة: قال الأوزاعي له: يجوز التوضي بسائر الأنبذة بالقياس على نبيذ
التمر. [الكفاية ١٠٥/١-١٠٦]
الوضوء
٨٤
باب التيمم
باب التيمم
ومن لم يجد ماءً وهو مسافر، أو خارجَ المصر - بينه وبين المصر نحو ميل أو
اكثر - يتيمم بالصعيد؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيًِّ﴾، وقولِهِ عليها:
*11
"التراب طَهور المسلم ولو إلى عشر حِجَجٍ ما لم يجد الماء."
التيمم: قال شمس الأئمة السرخسي بعثه: التيمم في اللغة القصد، وفي الشرع عبارة عن القصد إلى الصعيد
للتطهير. [الكفاية ١٠٦/١] ماء: أي يكفي لرفع الحدث؛ لأن ما دون ذلك وجوده وعدمه سيان. (الكفاية) أو
خارج المصر: رد من قال إنه لا يجوز التيمم إلا للمسافر ذكره في "المحيط" وقال: ومن الناس من قال: لا
يجوز التيمم لمن خرج من المصر إلا إذا قصد سفراً صحيحاً، والمعنى ويجوز التيمم لمن هو خارج المصر وإن لم يكن مسافراً،
وفيه أيضاً نفي لجواز التيمم في الأمصار سوى المواضع المستثناة، وهذا موافق لما ذكره في شرح الطحاوي حيث قال:
إن التيمم في المصر لا يجوز إلا في ثلاثة أحوال، أحدها: إذا خاف فوات صلاة الجنازة إن توضأ. والثانية: عند خوف
صلاة العيد. والثالثة: عند خوف الجنب من البرد بسبب الاغتسال. [البناية ٤٨١/١]
بينه وبين المصر: متعلق بكل من المسافر وخارج المصر كما هو الأظهر، والمراد بالمصر: موضع الماء، سواء
كان مصراً أولا، کنی به عن موضع الماء؛ لأنه موضع الماء غالبًا. نحو ميل: الميل في تقدير ابن شجاع: ثلاثة
آلاف ذراع وخمسمائة إلى أربعة آلاف, وفي تفسير غيره: أربعة آلاف وهو ثُلُث الفرسخ. [فتح القدير
١٠٨/١] ملحوظة: يقدر الآن الميل الشرعي بما يساوي ١,٦٠٩ كيلو متر (واحد كيلو متر وست مائة
وتسعة أمتار). طهور: لفظ الطهارة يدل على أن التراب ليس بدلاً ضرورياً، فيجوز بتيمم واحد صلوات
متعددة. عشر حجج: جمع حِجّة بالکسر وتشديد الجیم.
* روي من حديث أبي ذر، ومن حديث أبي هريرة. [نصب الراية ٢٠٢/١] أخرج الترمذي في جامعه حديث
أبي ذر عن عمرو بن تجدان عن أبي ذر أن رسول الله ◌َّ قال: إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد
الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمُسْه بَشَرَته، فإن ذلك خير. وقال: هذا حديث حسن صحيح. [رقم:
١٢٤، باب ماجاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء]
٨٥
باب التيمم
والميل هو المختار في المقدار؛ لأنه يلحقه الحرّج بدخول المصر، والماء معدوم حقيقةً،
والمعتبر: المسافة دون خوف الفوت؛ لأن التفريط يأتي من قِبَلِه. ولو كان يجد الماء إلا أنه
مريض يخاف إن استعمل الماء اشتدَّ مرضُه: يتيمم؛ لما تلونا، ولأن الضرر في زيادة المرض
فوق الضرر في زيادة ثمن الماء، وذلك يبيح التيمم فهذا أولى، ولا فرق بين أن يشتد مرضه
بالتحرّك أو بالاستعمال. واعتبر الشافعي باله خوف التّلف، وهو مردود بظاهر النص.
کالمبطون
هو المختار: أي في مقدار بُعد الماء، وجه كونه مختاراً أن المسافة القريبة جداً مانعة من جواز التيمم،
والبعيدة مجوزة له فقدر البعد بالميل؛ لإلحاق الحرج إلى وصول الماء, وفيه احتراز عن غيره من الأقوال، وعن
محمد: شرطه أن يكون بينه وبين المصر ميلان، وعن أبي يوسف: لو ذهب إليه وتوضأ به تذهب القافلة
وتغيب عن بصره يجوز له التيمم، قال في "الذخيرة": وهذا أحسن جداً. [البناية ٣٤٥/١]
في المقدار: وروي عن زفر: إن كان بحيث يصل إلى الماء قبل خروج الوقت لا يجزئه التيمم، وإلا فيجزئه
وإن قرب الماء منه. (العناية) والماء معدوم حقيقة: تقريره: أن المنصوص عليه كون الماء معدوماً، وههنا
معدوم حقيقةً، لكن نعلم بيقين أن عدمه مع القدرة عليه بلا حرج ليس بِمُحَوِّز للتيمم، وإلا لجاز لمن سكن
بشاطئ البحر وقد عدم الماء من بيته، فجعلنا الحد الفاصل بين البعد والقرب لحُوقَ الحرج؛ لأن الطاعة
بحسب الطاقة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. [العناية ١٠٨/١]
خوف الفوت: احتراز عما ذكرنا من قول زفر آنفًا. (العناية) يأتي من قبله: بتأخير الصلاة، فليس له أن
يتيمم إذا كان الماء قريبًا منه. (النهاية) لما تلونا: أراد به قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾.(البناية)
فوق الضرر: لأن ثمن الماء مال، والمال خُلق لوقاية النفس، فكان تبعاً، ولما كان الحرج مدفوعاً عن الوقاية التي هي
تبع، فلأن يكون مدفوعاً عن الموقى الذي هو الأصل، أولى. (الكفاية) خوف التلف: أي تلف نفسه، أو
عضوه. (العناية) بظاهر النص: لأن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ بإطلاقه يبيح التيمم لكل مريض إلا أنه
خرج من لا يشتد مرضه بسياق الآية، وهو قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجِ﴾ فإن الحرج إنما
يلحق من يشتد مرضه به فيبقى الباقي على ظاهرها [العناية ١٠٩/١]
٨٦
باب التيمم
ولو خاف الجنب إن اغتسل أن يقتله البردُ أو يُرِضَه: يتيمم بالصعيد، وهذا إذا كان
خارج المصر؛ لِما بينّا، ولو كان في المصر فكذلك عند أبي حنيفة محشيه، خلافاً لهما. هما
يقولان: إن تحقّقَ هذه الحالة نادر في المصر، فلا يعتبر. وله: أنَّ العَجز ثابت حقيقة، فلا
بد من اعتباره. والتيمم ضربتان: يمسح بإحداهما وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين؛
لقوله عليها: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين"،*
ولو خاف الجنب: ولم يذكر: المحْدِث إذا خاف الهلاك من الوضوء في المصر، وقال في "الأسرار": هما
سواء. (العناية) وهذا إذا إلخ: إشارة إلى جواز التيمم للذي يريد به التيمم لأجل الخوف من استعمال الماء
من الموت أو المرض. (البناية) لما بينًا: أراد به قوله: "لأنه يلحقه الحرج بدخول المصر". (البناية)
خلافاً لهما: أي لأبي يوسف ومحمد, وذكر في "قاضي خان": الجنب الصحيح في المصر إذا خاف الهلاك من
الاغتسال يباح له التيمم عنده, والمسافر إذا خاف الهلاك من الاغتسال جاز له التيمم في قولهم جميعاً. [البناية ٣٤٨/١]
فلابد من اعتباره: ولو كان نادراً في المصر، إذ النادر إذا تحقق فلا بد أن يجب الخروج عن عهدته، ولهذا لو عدم الماء
في المصر يتيمم وإن كان نادراً كما لو عدم في البر. [البناية ٣٤٨/١] والتيمم ضربتان: قولهم: "ضربتان" يفيد أن
الضرب ركن، ومقتضاه أنه لو ضرب يديه فقبل أن يمسح أحدث لا يجوز المسح بتلك الضربة؛ لأنها رکن، فصار كما
لو أحدث في الوضوء بعد غسل بعض الأعضاء. [فتح القدير ١١٠/١]
إلى المرفقين: نفي لقول الزهري: فإنه يمسح إلى الآباط، وهو رواية عن مالك محله، ولرواية الحسن عن
أبي حنيفة معاليه: أنه إلى الرسغ، وهو رواية عن ابن عباس حمد. [العناية ١١٠/١] ضربة للوجه إلخ: وما روي من
الحديث حجة على ابن سيرين بأنه ثلاثه ضربات، وعلى الأوزاعي والشافعي بأنه إلى الرسغين، وعلى الزهري
محلّه بأنه إلى الآباط، وعلى مالك مشه بأنه إلى نصف الذراع. [الكفاية ١١١/١]
* أخرج الحاكم في" المستدرك" عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ◌ُّ قال: "التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة
لليدين إلى المرفقين". [١٨٠/١، أحكام التيمم] قوله: عن جابر ◌ُه، قال في "عمدة القاري" بعد نقل هذا
الحديث: وأخرجه البيهقي أيضاً، والحاكم أيضاً من حديث إسحاق الحربي، وقال: هذا إسناده صحيح، وقال
الذهبي أيضاً: إسناده صحيح، ولا يلتفت إلى قول من يمنع صحته. [إعلاء السنن ٣١٨/١، رقم: ٢٨٥]
٨٧
باب التيمم
وينفض يديه بقدر ما يتناثر التراب؛ كيلا يصير مُثلَةً، ولا بد من الاستيعاب في ظاهر
الرواية؛ لقيامه مقام الوضوء، ولهذا قالوا: يخلِّل الأصابع وينزع الخاتم ليتم المسح.
والحدث والجنابة فيه سواء، وكذا الحيض والنفاس؛ لما روي أن قوماً جاءوا إلى رسول
سالى الله
الله وَظّ، وقالوا: إنا قوم نسكن هذه الرّمالَ، ولا نجد الماء شهراً أو شهرين، وفينا الجنب
والحائض والنفساء،
وينفض: النفض تحريك الشيء ليسقط ما عليه من غبار أو غيره. (العناية) بقدر إلخ: إشارة إلى أنه لا يقدر
بمرة، كما روي عن محمد، بل إن احتاج إلى الثاني فعل، ولا بمرتين كما روي عن أبي يوسف، بل إذا تناثر بمرة لا
يحتاج إلى الثاني. [العناية ١١٠/١] كيلا يصير: فيه إشارة إلى أن النفض واجب. مثلة: المثلة ما يمثل به من تبديل
خلقته، وتغيير هيئته، سواء كان بقطع عضو، أو تسويد وجه، أو تغييره. (العناية) ولا بد: يعني أن الاستيعاب شرط
في التيمم حتى إذا ترك شيئاً لم يجزكما في الوضوء. (العناية) ظاهر الرواية: احتراز عن رواية الحسن عن أبي
حنيفة بحالته أنه قال: الأكثر يقوم مقام الكل. (العناية)
مقام الوضوء: والاستيعاب في الوضوء شرط، فكذا فيما قام مقامه. (العناية) والحدث والجنابة إلخ: أي في
التيمم من حيث الجواز والكيفية والآلة سواء، وهو قول أصحابنا وعليه العلماء، وهو المروي عن علي وابن عباس
وعائشة ، وقال بعض الناس: لا يتيمم الجنب والحائض والنفساء، وهو المروي عن عمر وابن مسعود وابن
عمر ◌ّه. ومنشأ الاختلاف فيما بينهم: أن قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ محمول على المس باليد أو على
الجماع، فذهب الأولون إلى الثاني والآخرون إلى الأول، وقالوا: القياس أن لا يكون التيمم طهوراً وإنما أباحه الله
تعالى للمحدث، فلا يباح للجنب؛ لأنه ليس بمعقول المعنى حتى يصح القياس وليست الملامسة في معناه لتلحق
به بل هي فوقه، وقال الأولون: الملامسة أريد بها الجماع مجازاً؛ لسياق الآية، فإن الله تعالى بيَّن حكم الحدث
والجنابة في آية الوضوء ثم نقل الحكم إلى التراب حال عدم الماء وذكر الحدث الأصغر بقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ
مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فيحمل "لامستم" على الحدث الأكبر؛ لتصير الطهارتان والحد ثان مذكورين في آية التيمم
كما في ذكر آية الوضوء، ولئلا يلزم التكرار؛ لأن الأصغر مذكور في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ
الْغَائِطِ﴾ في حق التيمم فحملُ "لامستم" عليه تكرار. [العناية ١١١/١]
٨٨
باب التيمم
فقال: "عليكم بأرضكم" .* ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد دعمًا بكلّ ما كان من
جنس الأرض، كالتراب، والرّمْل، والحجر، والجِصّ، والنُّوْرَةِ، والكحل، والزرنيخ. وقال
أبو يوسف: لا يجوز إلا بالتراب والرّمْل، وقال الشافعي بحظه: لا يجوز إلا بالتراب
المُنْبِت، وهو رواية عن أبي يوسف بطله؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ أي تراباً
منبتاً، قاله ابن عباس شُها، غير أن أبا يوسف بد له زاد عليه الرمل بالحديثِ الذي رويناه.
علیکم بأرضکم
ولهما: أن الصعيد اسم لوجه الأرض، سمي به لصعوده،
كالتراب إلخ: وكذا الياقوت والفيروزج والزمرد؛ لأنها أحجار مضيئة، ولا يجوز التيمم باللؤلؤ ولو مسحوقاً،
والزجاج المتخذ من الرمل وشيء آخر، والماء المنجمد والمعادن إلا أن يكون في محلها، أو مختلطاً بالتراب
والتراب غالب. [مجمع الأنهر ٦٠/١] وقال أبو يوسف: هذا قوله المرجوع عنه كان يقول أولاً هكذا ثم رجع
فقال: لا يجوز إلا بالتراب الخالص. (البناية) المُنْبِت: الذي له غبار. (البناية) لصعوده: أي لكونه نهاية ما
يصعد إليه من باطن الأرض. [البناية ٣٦١/١]
* الحديث رواه البيهقي في سننه عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي
هريرة له قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﴿ّ فقال: إنا نكون في الرمل، وفينا الحائض والجنب والنفساء، فيأتي
علينا أربعة أشهر لا نجد الماء، قال: عليك بالتراب يعني التيمم. (وقال): هذا حديث يعرف بالمثنى بن الصباح عن
عمرو، والمثنى غير قوي. [٢١٦/١، باب ما روي في الحائض والنفساء أيكفيهما التيمم عند انقطاع الدم إذا عدمتا
الماء] فإن قلت: هذا الحديث ضعيف فلا يتم به الاستدلال، قلت: قد ورد في ذلك حديث عمران بن
الحصين. [البناية ٥٠٤/١] أخرجه البخاري في صحيحه، وفيه: ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ، ونودي بالصلاة
فصلى بالناس، فلما انقتل (رسول الله (ّ) من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا
فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك. [رقم: ٣٤٤، باب
الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه عن الماء]
٨٩
باب التیمم
والطيب يحتمل الطاهر، فحمل عليه؛ لأنه أليق بموضع الطهارة، أوهو مراد بالإجماع.
ثم لا يُشترط أن يكون عليه غبار عند أبي حنيفة محله؛ لإطلاق ما تَلَونا، وكذا يجوز
بالغبار مع القدرة على الصعيد عند أبي حنيفة ومحمد دهڤا؛ لأنه تراب رقيق.
يحتمل الطاهر: هذا جواب عما قاله الشافعي: أن معنى طيباً في قوله تعالى: ﴿فَتَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ تراباً
منبتاً، ثم استدل على ذلك بقول ابن عباس حيث فسر الطيب بالمنبت. تقرير الجواب: أن الطيب مشترك بين
الطاهر والنظيف والحلال والمنبت، والطيب إما بمعنى الطاهر؛ فإن الطيب في اللغة خلاف الخبيث وإما بمعنى
النظيف، فقال أبو اسحق: الطيب: النظيف. وإما بمعنى الحلال، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيَِّاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ
﴾ وإما بمعنى المنبت، كفوله تعالى: ﴿وَالْبَدُ الطَّيْبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾. والأكثر على أنه بمعنى الطاهر،
وقد أريد به الطاهر بالإجماع؛ لأن الطهارة شرط فيه؛ لأن النجس لا يكون طهوراً، فإذا أريد به هذا المعنى لا
يراد غيره؛ لأن المشترك لا عموم له. [البناية ٣٦١/١-٣٦٢]
بموضع الطهارة: لأنه قال تعالى في آخر الآية: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَ كُمْ﴾، ألا ترى أنه لو كان التراب المنبت
نجساً، لم يجز التيمم به إجماعًا، فعلم أن الإنبات ليس له أثر في هذا الباب. (البناية) ثم لا يشترط: أي الغبار
الذي يلتزق باليد ليس بشرط عنده، فحينئذ لو تيمم بالحجر الأملس أو الصخرة الملساء يجوز، وقال
الولوالجي: إذا ضرب يده على صخرة لا غبار عليها، أو على أرض ندية ولم يتعلق بيديه شيء يجوز عند أبي
حنيفة وبه قال مالك، وعن محمد روايتان. [البناية ٣٦٢/١-٣٦٣]
عند أبي حنيفة مثل: ومحمد عنه في إحدى الروايتين. (العناية) لإطلاق ما تلونا: من قوله تعالى: ﴿فَمَّمُوا صَعِيداً
طِيّاً﴾، وفي رواية أخرى عنه، وهو قول الشافعي وأبي يوسف وأحمد دهما: لا يجوز بدونه؛ لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ أي من التراب، وهو كما ترى يوجب المسح بشيء من الأرض؛ لكون كلمة "من"
للتبعيض. والجواب أن الضمير يحتمل أن يعود إلى الحدث، أو يحمل "من" على ابتداء الغاية. [العناية ١١٣/١]
بالغبار: بأن نفض ثوبه أو لبده وارتفع الغبار فتيمم منه يجوز عندهما. (البناية)
مع القدرة إلخ: وأبو يوسف لم يحوّزه مع القدرة على الصعيد، لأن الغبار ليس بتراب خالص، ولكنه من
التراب من وجه، والمأمور به التيمم بالصعيد، فعند القدرة عليه لا يجوز العدول عنه, وأما عند العجز عنه
فيجوز كالإيماء عند العجز عن الركوع والسجود. [العناية ١١٣/١]
٩٠
باب التيمم
والنية فرض في التيمم، وقال زفر مثله: ليس بفرض؛ لأنه خَلَف عن الوضوء، فلا
يخالفه في وصفه. ولنا: أنه ينبئ عن القصد، فلا يتحقّق دونه، أو جُعل طهوراً في حالة
مخصوصة، والماء طهور بنفسه على مامر. ثم إذا نوى الطهارة أو استباحة الصلاة:
أجزأه، ولا يُشترط نية التيمم للحدث أو للجنابة، هو الصحيح من المذهب. فإن تيمم
نصراني يريد به الإسلام، ثم أسلم، لم يكن متيمماً عند أبي حنيفة ومحمد حما. وقال أبو
يوسف سأله: هو متيمم؛
خلف: لأن الخلف هو ما لا يجوز الإتيان به إلا عند عذرٍ وُجد في الأصل، وما نحن فيه كذلك لا محالة، والخلف لا
يخالف الأصل في وصفه أي في وصفه الذي هو الصحة فإن الوضوء بدون النية صحيح. فلو لم يصح التيمم
بدونها كان الخلف مخالفاً للأصل في وصفه، وهو لا يجوز؛ لخروجه عن الخلفية إذ ذاك. [العناية ١١٤/١] أو جعل
إلخ: دليل آخر وتقريره: جعل التراب طهوراً بشرطين، بشرط عدم الماء، وبشرط أن يكون التيمم للصلاة؟
لأن قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَحِدُوا مَاءً فَتَمَّمُوا﴾ بناء على قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوْهَكُمْ﴾،
والمراد به فاغسلوا للصلاة، فكذا قوله تعالى: ﴿فَمَّمُوْا﴾ للصلاة، فكما لا يفيد الطهارة حال وجود الماء
فكذا لا يفيدها حال عدم النية. [العناية ١١٤/١]
والماء طهور بنفسه: أي بطبعه فلا يحتاج إلى النية بخلاف التراب فإنه ملوّث بطبعه فافترقا. وقال الأكمل: قوله:
والماء طهور بنفسه جواب سؤال، تقديره: أن الماء أيضاً في الآية جعل طهوراً في حالة مخصوصة كما ذكرتم فكان
الواجب أن تكون النية فيه شرطاً وتقدير الجواب: أن الماء طهور بنفسه أي عامل بطبعه فلا يحتاج إلى النية كما في
إزالة النجاسة العينية، قلت: السؤال غير موجه؛ لأنه يقول فيه: أن الماء أيضاً في الآية جعل طهوراً في حالة
مخصوصة. وليس كذلك بل الماء مطهر في جميع الحالات وليست طهارته مقتصرة على وقت إرادة الصلاة بخلاف
التراب، فإن طهارته مقتصرة على وقت إرادة الصلاة كما ذكرنا. [البناية ٣٦٥/١]
أجزأه: لأن التيمم طهارة ولا يلزمه نية أسبابها كما في الوضوء فلا يشترط التعيين، ألا ترى أنه لو توضأ
للظهر يجوز أداء العصر به وكذا على العكس. [البناية ٣٦٦/١] من المذهب: لأن التيمم لهما بصفة واحدة
فلا يتميز, أحدهما عن الآخر إلا بالنية كصلاة الفرض عن النافلة. [العناية ١١٥/١]
٩١
باب التيمم
لأنه نوی قربة مقصودة، بخلاف التیمم لدخول المسجد، ومسّ المصحف؛ لأنه لیس
بقربة مقصودة. ولهما: أن التراب ما جُعل طهوراً إلا في حال إرادة قربة مقصودة لا
تصح بدون الطهارة، والإسلام قربة مقصودة تصح بدونها، بخلاف سجدة التلاوة؛ لأنها
قربة مقصودة لا تصح بدون الطهارة. وإن توضأ لا يريد به الإسلام، ثم أسلم فهو
متوضئ، خلافاً للشافعي محله؛ بناءً على اشتراط النية، فإن تيمم مسلم، ثم ارتد، ثم
أسلم: فهو على تيممه. وقال زفر ده: بطل تيمُّمه؛ لأن الكفر ينافيه، فيستوي فيه
قربة مقصودة: أما القربة: فلأن الإسلام أعظم القرب، وأما أنها مقصودة: فلأن المراد به ههنا ما لايكون في
ضمن شيء آخر كالمشروط، وإذا كان كذلك صح تيممه كالمسلم تيمم للصلاة. [العناية ١١٥/١] بخلاف
التيمم: فإنه لا يكون متيمِّماً. (العناية) تصح بدونها: يقتضي أنه لو تيمم للصلاة صح عندهما وليس كذلك،
فالحاصل أنهما لا يصَحِّحان منه تيمماً أصلاً؛ بناء على عدم صحة النية منه فما يفتقر إليها لا يصح منه.
وهذا؛ لأن النية تُصيِّر الفعل منتهضاً سبباً للثواب ولا فعل يقع من الكافر كذلك حال الكفر، ولذا صححوا
وضوءه؛ لعدم افتقاره إلى النية ولم يصححه الشافعي لما افتقر إليها عنده. [فتح القدير ١١٦/١]
سجدة التلاوة إلخ: المراد بالقرية المقصودة: أن لا تكون في ضمن شيء آخر بطريق التبعية كدخول
المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن حيث لا يجوز الصلاة بذلك التيمم في قول عامة العلماء، حتى لو
نوى المسلم بالتيمم سجدة التلاوة يصير متيمماً لا أن يريد به أن الكافر إذا تيمم يريد به سجدة التلاوة يصير
متيمعاً، فإن الكافر إذا تيمم للصلاة ثم أسلم لا تجوز الصلاة بذلك التيمم، نص على هذا شيخ الإسلام في
مبسوطه، فكذلك إذا تيمم لسجدة التلاوة. [الكفاية ١١٦/١]
فهو متوضئ: عندنا؛ لأن النية فيه ليست بشرط عندنا، فعدم أهليته لا يضر، وقال الشافعي بحثه: ليس
بمتوضئ؛ لأن النية شرط، وهو ليس من أهلها. [العناية ١١٦/١] بطل تيممه: لأن الشارع جعل التراب
طهور المسلم، لا طهور الكافر؛ للحديث: "التراب طهور المسلم" ولهذا لا يصح من الكافر، وبالارتداد
ارتفعت طهوريته. [الكفاية ١١٧/١] فيستوي فيه إلخ: فكما لايصح ابتداء التيمم، وهو كافر، لا يصح
بقاؤه مع الكفر.(فتح القدير)
٩٢
باب التيمم
الابتداء والبقاء كالمحرمية في النكاح. ولنا: أن الباقي بعد التيمم صفة كونه طاهراً،
فاعتراض الكفر عليه لا ينافيه، كما لو اعترض على الوضوء، وإنما لا يصح من الكافر
ابتداءً؛ لعدم النية منه. ويَنْقُضُ التيمُّمَ كلُّ شيء يَنْقُضُ الوضوءَ؛ لأنه خلف عنه فأخذ
حُكمَه، وينقضه أيضًا رؤيةُ الماء إذا قَدَر على استعماله؛ لأن القدرة هي المراد بالوجود
الذي هو غاية لطّهورية التراب، وخائف السَّبُع، والعدوٌّ، والعطش عاجز حكماً،
كالمحرمية في النكاح: كما يمنع ابتداء النكاح يمنع بقاءه، حتى لوكان الزوجان صغيرين، فأرضعتهما امرأة
ارتفع النكاح، أوكبيرين فمكّنت الزوجةُ ابنَ زوجها ارتفع بعد الثبوت، والأصل: أن كل صفة منافية لحكم
يستوي فيها الابتداء والبقاء، إلا أن يخرج شيء بالنص كبقاء الصلاة عند سبق الحدث، حتى جاز البناء. [فتح
القدير ١١٧/١] ولنا أن الباقي: حاصله تسليم الأصل المذكور، ومنع صدقه في المتنازع فيه. أي ليس
التيمم نفسه باقياً ليرتفع بورود الكفر. (فتح القدير) لعدم النية منه: أي هكذا التيمم في نفسه لاينافيه
الكفر، وإنما ينافي شرطه، وهو النية المشروطة في الابتداء وقد تحققت. [مجمع الأنهر ٦٤/١]
لأنه خلف عنه: ولا شك أن الأصل أقوى من الخلف فما كان ناقضاً للأقوى كان ناقضاً للأضعف بطريق
الأولى، فكل ما ينقض الوضوء ينقض التيمم. (العناية) رؤية الماء: إنما الناقض الحدث السابق لكن أضاف
الانتقاض إلى الرؤية مجازاً؛ لما أن عمل السبب يظهر عندها فينتهي كون التراب طهوراً عند رؤية الماء المقدور
على استعماله. [الكفاية ١١٧/١]
على استعماله: لأنه إذا قدر عليه، ولكن لم يقدر على استعماله، فوجوده كعدمه. (مجمع الأنهر) الذي
هو غاية: سماه غاية من حيث المعنى؛ إذ ليس في لفظ الكتاب العزيز ما يدل على ذلك، والمذكور في
الحديث قوله مُ لّ: "ما لم يجد الماء"، وكلمة ما للمدة أي مادام أنه غير واجد للماء ولكن معناهما يلتقيان في
أن الحكم بعد ذلك الوقت يخالف ما قبله، فسمي باسم الغاية. (العناية) والعطش: على نفسه أو دابته أو
رفيقه. وكذا إذا خاف الجوع بأن كان محتاجاً إلى الماء للعجين، أما إن احتاج إليه للمرقة، فلا يتيمم.(فتح
القدير) عاجز: لأن صيانة النفس أوجب من صيانة الطهارة بالماء، فإن لها بدلاً، ولا بدل للنفس، أو لأن
هذا في معنى المريض بجامع أنه يفضي إلى الهلاك، وجواز التيمم في حق المريض منصوص عليه، فألحق هذا
به. [الكفاية ١١٨/١]
٩٣
باب التيمم
والنائم عند أبي حنيفة له قادر تقديراً، حتى لو مرّ النائم المتيمم على الماء بطل تيممه عنده،
والمراد: ما يكفي للوضوء؛ لأنه لا معتبر بما دونه ابتداءً فكذا انتهاءً. ولا يتيمَّم إلا بصعيد
طاهر؛ لأن الطيب أريد به الطاهر في النص، ولأنه آلة التطهير فلا بد من طهارته في نفسه
كالماء. ويُستحب لعادم الماء. وهو يرجوه. أن يؤَخِّر الصلاة إلى آخر الوقت،
عند أبي حنيفة: ذكر في "فتاوى قاضي خان": متيمم مر على ماء وهو نائم، ذكر في بعض الروايات: أن على
قول أبي حنيفة به ينتقض تيممه، ثم قال: وقيل: ينبغي أن لا ينتقض عند الكل؛ لأنه لو تيمم، وبقربه ماء
لا يعلم به يجوز تيممه عند الكل ... والفرق بين النائم وخائف العدو والسبع: أن النوم في حالة السفر على
وجه لا يشعر بالماء في غاية الندرة فلم يعتبر نومه، وجعل كاليقظان حكماً. [الكفاية ١١٨/١]
تقديراهُ: واعلم أنهم فرعوا لو صلى بتيمم، فطلع عليه رجل معه ماء، فإن غلب على ظنه أنه يعطيه بطلت
قبل السؤال، وإن غلب أن لا يعطيه يمضي على صلاته. وإن أشكل عليه يمضي ثم يسأله فإن أعطاه ولو بيعاً
بثمن المثل ونحوه أعاد وإلا فهي تامةً. (فتح القدير) والمراد: من الماء يعني الماء في قوله: "وينقضه رؤية الماء".
ما یکفي، فلو وجد المتیمم ماء، فتوضأ به فنقص عن إحدى رجليه إن كان غسل كل عضو ثلاثًا، أو مرتين
انتقض تیممه، أو مرة لا ينتقض؛ لأنه في الأول وجد ما یکفیه؛ إذ لو اقتصر على أدنی ما يتأدی به الفرض
كفاه بخلاف الثاني. [فتح القدير ١١٩/١]
بصعيد طاهر: وعن هذا قلنا: إن الأرض إذا تنجست، ثم جفت لا يجوز التيمم بها، ويجوز الصلاة عليها؛
لقول النبي مُ له: "زكاة الأرض بيسها" إلا أن اشتراط الطهارة في التيمم، إنما ثبت بعبارة النص، فلا يعارضه خبر
الواحد، وأما اشتراط الطهارة في مكان الصلاة، فثبت بدلالة النص، فيعارضه خبر الواحد. (النهاية) النص: يعني
قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾. (العناية) يرجوه: وإن لم يرج يتيمم في الوقت المستحب؛ لأنه لا يفيد
التأخير. (الكفاية)
يؤخر الصلاة: والحاصل: أنه إذا رجا الماء يؤخر إلى آخر الوقت المستحب بحيث لا يقع في كراهة، وإن كان
لا يرجو الماء يصلي في الوقت المستحب، كوقت الإسفار في الفجر، والإبراد في ظهر الصيف ونحو ذلك على ما
بين في محله، لكن ذكر شراح "الهداية" وبعض شراح "المبسوط": " أنه إن كان لا يرجو الماء يصلي في أول
الوقت؛ لأن أداء الصلاة فيه أفضل، إلا إذا تضمن التأخير فضيلة لا تحصل بدونه كتكثير الجماعة، =
٩٤
باب التيمم
فإن وجد الماء توضأ، وإلا تيمم وصلى؛ ليقع الأداء بأكمل الطهارتين، فصار كالطامع
في الجماعة. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف دعمًا في غير رواية الأصول: أن التأخير
حتم؛ لأن غالب الرأي كالمتحقق. وجه الظاهر: أن العجز ثابت حقيقة، فلا يزول
حكمُه إلا بيقين مثله. ويصلي بتيممه ماشاء من الفرائض والنوافل، وعند الشافعي
سج له: يتيمم لكل فرض؛ لأنه طهارة ضرورية.
= ولا يتأتى هذا في حق من في المفازة، فكان التعجيل أولى كما في حق النساء؛ لأنهن لا يصلين بجماعة"،
وتعقبهم "الأتقاني" في "غاية البيان": "بأنه سهو منهم لتصريح أئمتنا باستحباب تأخير بعض الصلوات بلا اشتراط
جماعة"، وأجاب في "السراج" "بأن تصريحهم محمول على ما إذا تضمن التأخير فضيلة، وإلا لم يكن له فائدة، فلا
يكون مستحباً"، وانتصر في "البحر" ("الأتقاني" بما فيه نظر كما أوضحناه فيما علقنا عليه. والذي يؤيد كلام
الشراح أن ما ذكره أئمتنا من استحباب الإسفار بالفجر والإبراد بظهر الصيف معلل بأن فيه تكثير الجماعة، وتأخير
العصر؛ لاتساع وقت النوافل، وتأخير العشاء؛ لما فيه من قطع السمر المنهي عنه، وكل هذه العلل مفقودة في حق
المسافر؛ لأنه في الغالب يصلي منفرداً، ولا يتنفل بعد العصر، ويباح له بعد العشاء كما سيأتي، فكان التعجيل في
حقه أفضل، وقولهم: كتكثير الجماعة مثال للفضيلة لا حصر فيها. [رد المحتار ١٣١/١]
كالطامع في الجماعة: ليس باحتراز عن غير الطامع، بل هو إلزام على الشافعي؛ لأن مذهبه أن التأخير
مستحب إذا كان طامعاً في الجماعة. [العناية ١٢٠/١] كالمتحقق: ألا ترى أن الله تعالى سمى غالب الرأي علماً،
قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ (العناية) إلا بيقين: وكذلك جواز التيمم للمريض .... إنما كان لكون
غالب الرأي بمنزلة المتحقق. (الكفاية) تنبيه: في "المعراج" عن "المجتبى":"يتخالج في قلبي فيما إذا كان يعلم أنه إن أخر
الصلاة إلى آخر الوقت يقرب من الماء بمسافة أقلّ من ميل، لكن لا يتمكن من الصلاة بالوضوء في الوقت، الأولى
أن يصلي في أول الوقت مراعاةً لحق الوقت وتجنباً عن الخلاف". [رد المحتار ١٣١/١-١٣٢]
وعند الشافعي : والخلاف بيني تارةً على أنه رافع للحدث عندنا، مبيح عنده لا رافع، وتارةً على أنه طهارة
ضرورية عنده مطلقة عندنا، كما اقتصر عليه المصنف. [فتح القدير ١٢١/١] لكل فرض: قيد به, لأنه يجيز النوافل
المتعددة بالتيمم الواحد تبعيةً للفرض.(فتح القدير) طهارة ضرورية: والحاجة فى الفرائض تزول بفرض واحد، ولا
تتجدد حاجة أخرى إلا لمجيء وقت آخر بخلاف النوافل فإن الحاجة إلى النوافل دائمة. (الكفاية)
٩٥
باب التيمم
ولنا: أنه طَهور حال عدم الماء، فيعمل عمله ما بقي شرطه. ويتيمم الصحيح في
المصر إذا حضرت جنازة . والولي غيره . فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة؛
لأنها لا تُقضى فيتحقق العجز. وكذا من حضر العيدَ، فخاف إن اشتغل بالطهارة أن
يفوته العيدُ: يتيمم؛ لأنها لا تعاد، وقوله: "والولي غيره"، إشارة إلى أنه لا يجوز للوليّ،
وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة بحثه، هو الصحيح؛ لأن للولي حق الإعادة، فلا
فَوات في حقه. وإن أحدث الإِمام أو المقتدي في صلاة العيد: تيمم وبنى عند أبي
حنيفة رجله، وقالا: لا يتيمم؛
أنه طهور: أي التراب طهور بشرط عدم الماء بالنص، وكل ما هو طهور بشرط يعمل عمله ما بقي شرطه
كالماء، فإنه طهور بشرط كونه طاهراً، ويعمل عمَله ما دام شرطه موجوداً. (العناية)
ويتيمم الصحيح: وكذا إذا حضرت صلاة العيد، وهذا عندنا، وقال الشافعي: لايتيمم لهما؛ لأن التيمم طهور
شرعاً عند عدم الماء، ومع وجوده لا يكون طهوراً، ولا صلاة إلا بطهور، ومذهبنا مذهب ابن عباس ما قال: إذا
جاءتك جنازة فجئت على غير وضوء وتخاف أن تفوتك، تيمم وصلِّ. ونقل عن ابن عمر ◌ُما في صلاة العيد
مثله، وقد ورد أن النبي ◌ُّ رد السلام بطهارة التيمم حين خاف الفوت بمواراة المسلم عن بصره، فصار هذا
أصلاً في أن كل ما يفوت لا إلى بدل يجوز أداؤه بالتيمم مع وجود الماء، وصلاة الجنازة تفوت لا إلى بدل؛
لأنها لا تعاد عندنا، فكان الخلاف مبنياً على هذا الأصل. (النهاية)
في المصر: احتراز عن المفازة؛ لأن التيمم فيها جائز، وليًّا كان أو غيره؛ لعدم الماء فيها غالبًا. (العناية)
حضرت: لأن الوجوب إنما هو بحضورها. (العناية) فخاف: لأنه إذا لم يخف الفوت لا يجوز له التيمم. (العناية)
فيتحقق العجز: ثم لو صلى به فحضرت أخرى خاف فوتها كذلك، كان له أن يصلي بذلك التيمم عندهما خلافاً
لمحمد. [فتح القدير ١٢٢/١] وهو رواية: أي عدم جواز التيمم للولي. (العناية) هو الصحيح: احتراز عن ظاهر
الرواية أنه يجوز للولي أيضًا؛ لأن الانتظار فيها مكروه. [فتح القدير ١٢٢/١] تيمم وبنى: وفي "المحيط": لو علم
أنه لو اشتغل بالوضوء لا يفرغ الإمام عن صلاته لا يجزئه التيمم. [مجمع الأنهر ٦٤/١]
٩٦
باب التيمم
لأن اللاحق يصلي بعد فراغ الإمام، فلا يخاف الفوت. وله: أن الخوف باق؛ لأنه يوم
زَحمة، فيعتريه عارضٌ يُفسد عليه صلاتَه، والخلاف فيما إذا شرع بالوضوء، ولوشرع بالتيمم
تيمَّم وبنى بالاتفاق؛ لأنا لو أوجبنا الوضوء يكون واجداً للماء في صلاته فيفسد. ولا يتيمم
للجمعة وإن خاف الفوت لوتوضأ، فإن أدرك الجمعة صلّها وإلا صلى الظهر أربعاً؛ لأنها
تفوت إلى خَلَف - وهو الظهر - بخلاف العيد. وكذا إذا خاف فوت الوقت لو توضأ: لم
يتيمم، ويتوضأ ويقضي ما فاته؛ لأن الفوات إلى خَلَف، وهو القضاء. والمسافر إذا نسي
الماءَفي رَحلِه فتيمم وصلَّى، ثم ذكر الماء لم يُعِدها عند أبي حنيفة ومحمد مهد ◌ًّا.
اللاحق يصلي: وذلك في حكم الصلاة بالجماعة.(العناية) يوم زحمة: أي لأنه يوم ازدحام، فلا يُؤمن
اعتراض عارض يعتريه. (العناية) بالاتفاق: ذكر في "الفوائد الظهيرية": فإن كان شروعه بالتيمم، فسبقه
الحدث تيمم وبنى عند أبي حنيفة باله بلا إشكال، وأما على قولهما: فاختلف المتأخرون، قال بعضهم: تيمم
وبنى، كما هو قول أبي حنيفة بل؛ لأنه لا يمكنه التوضي للبناء؛ لما فيه من بناء القوي على الضعيف، كما
إذا وجد الماء في خلال الصلاة يستأنفها، ولا ببني عليها. وقال بعضهم: لا، بل يتوضأ ويبني، ويجوز أن يكون
ابتداء الصلاة بالتيمم، والبناء بالوضوء، كما قلنا في جُنب معه من الماء قدر ما يكفي لوضوئه: فإنه يتيمم
ويصلي، فإذا تيمم وتحرم للصلاة، ثم سبقه الحدث يتوضأ بذلك الماء ويبني. [الكفاية ١٢٢/١-١٢٣] أربعًا:
قيل: هو تأكيد وقطع لإرادة الجمعة بالظهر مجازًا؛ لكونها خلفه. (العناية)
وهو الظهر: أطلق الخلف على الظهر مع أنه ليس بخلف؛ لأن أربع ركعات لا يكون خلفاً عن اثنين، إما
لأنه خلف عند البعض، وإما لأنه يتصور بصورة الخلف حيث يصار إليه عند العجز عن أداء الجمعة.
والمسافر إلخ: وذكر الإمام الزاهدي أن المسألة على ثلاثة أوجه: إما أن وضعه بنفسه، ولم يطلبه، أو وضعه
غلامه أو أجيره، وهو لا يعلم، أو وضعه بنفسه ونسيه، ففي الأول: لا تجوز صلاته بالإجماع؛ لأن التقصير
جاء من قبله حيث لم يطلب، وفي الثاني: يجوز بالإجماع؛ لأن المرء لا يخاطب بفعل الغير، وإن وضعه بنفسه
ثم نسيه، فهو على الاختلاف. (النهاية) إذا نسي الماء: قيد بالنسيان؛ لأن في الظن لا يجوز له التيمم
بالإجماع ويعيد الصلاة. (الكفاية)
٩٧
باب التيمم
وقال أبويوسف بحله: يُعِيدها. والخلاف فيما إذا وضعه بنفسه، أو وضعه غيره بأمره.
وذِكرُه في الوقت وبعده سواء. له: أنه واجد للماء، فصار کما إذا كان في رحله ثوب
فنسيه؛ ولأن رحل المسافر معدن للماء عادةً، فيُفترض الطلب عليه. ولهما: أنه لا
قدرة بدون العلم وهو المراد بالوجود وماء الرحل مُعَدٌّ للشرب، لا للاستعمال.
ومسألة الثوب على الاختلاف، ولو كان على الاتفاق ففرض الستر يفوت لا إلى
خَلَف، والطهارة بالماء تفوت إلى خلف، وهو التيمّم. وليس على المتيمم طلب الماء
إذا لم يغلب على ظنه أنَّ بقُرْبه ماءً؛ لأن الغالب عدم الماء في الفَلَوَات ولا دليل
على الوجود، فلم يكن واحداً للماء. وإن غلب على ظنه أن هناك ماءً: لم يجز له
أن يتيمم حتى يطلبه؛ لأنه واجد للماء نظراً إلى الدليل،
وقال أبويوسف بالته: وهو قول الشافعي ﴾. معدن للماء: وكل ما هو معدن للماء عادةً يفترض على
المتيمم طلب الماء فيه. (العناية) فيفترض الطلب: ولذا وجبت الإعادة إذا صلى بثوب نجس، أو عرياناً، أو
بنجاسة حقيقية ناسياً الماء، والثوب الطاهر في رحله؛ لوجود علة اشتراط الطلب. [فتح القدير ١٢٤/١]
وماء الرحل: تقريره: أن رحل المسافر معدن الماء عادة معداً للشرب، أو الاستعمال، والأول مسلم غير
مفيد، والثاني ممنوع. (العناية) ومسألة الثوب: جواب عن المقيس عليه، وتقريره: أن الحكم فيه عندنا كالماء،
فلا ينتهض حجةً. يعني أن الفرق بينهما موجود، فلم لا يجوز أن يكون الحكم مضافاً إلى الفارق دون
المشترك، فلا يصح القياس. [العناية ١٢٤/١]
وليس إلخ: وقال الشافعي: الطلب شرط يمنةً ويسرةً لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوْا مَاءٍ فَتَيَعَّمُوْا﴾، وعدم
الوجدان لا يتحقق إلا بعد الطلب. ولنا: أن قوله تعالى: ﴿قَلَمْ تَجِدُوا﴾ يقتضي عدم الوجدان مطلقًا عن قيد
الطلب، فيعمل بإطلاقه. [العناية ١٢٥/١] إذا لم يغلب: وقال أبو يوسف: سألت أباحنيفة عن المسافر
لا يجد الماء أيطلب عن يمين الطريق وعن يساره، قال: إن طمع في ذلك فعل. (النهاية) أنَّ بقربه: ولو علم أن
بقربه ماء لم يجز له التيمم، فكذا إذا غلب على ظنه. (العناية)
٩٨
باب التيمم
ثم يطلب مقدار الغَلْوة، ولا يبلغ میلاً کیلا ينقطع عن رِفْقَته. وإن کان مع رفيقه ماء طلب
منه قبل أن يتيمم؛ لعدم المنع غالبًا، فإن منعه منه تيمّم؛ لتحقق العَجْز، ولو تيمم قبل
الطلب: أجزأه عند أبي حنيفة له؛ لأنه لا يلزمه الطلبُ من مِلك الغير، وقالا: لا
يجزئه؛ لأن الماء مبذولٌ عادةً. ولو أبى أن يُعطيه إلا بثمن المثل، وعنده ثمنه: لا يجزئه
التيمم؛ لتحقُّق القدرة، ولا يلزمه تحمُّل الغَبن الفاحش؛ لأن الضررَ مُسقِط، والله أعلم.
مقدار الغلوة: الغلوة بالفتح: مقدار رمية سهم، وقيل: ثلاث مائة ذراع إلى أربع مائة ذراع. (العناية)
عند أبي حنيفة: لم يذكر في عامة النسخ قول أبي حنيفة ماله في هذا الموضع، بل قيل: لا يجوز التيمم قبل
الطلب إذا كان في غالب ظنه أنه يعطيه مطلقًا من غير نكير بين أصحابنا الثلاثة. (النهاية) وقالا: وعن الجصاص
لا خلاف بينهم، فمراد أبي حنيفة معه إذا غلب على ظنه منعُه، ومرادهما إذا ظن عدم المنع. (فتح القدير)
ولو أبى إلخ: هذه على ثلاثة أوجه: إما أن أعطاه بمثل قيمته في أقرب موضع من المواضع التي يعز فيها الماء، أو
بالغبن اليسير، أو بالغبن الفاحش، ففي الوجه الأول والثاني: لا يجزئه التيمم؛ لتحقق القدرة على الماء، فإن القدرة
على البدل قدرة على الماء، فيمتنع جواز التيمم، كما أن القدرة على ثمن الرقبة تمنع التكفير بالصوم، وفي الوجه
الثالث: جاز له التيمم؛ لوجود الضرر، فإن حرمة مال المسلم كحرمة نفسه، والضرر في النفس مسقط، فكذا في
المال. [العناية ١٢٥/١-١٢٦] إلا بثمن: أي بقيمة يباع مثل هذا الماء في مثل هذا الموضع بعوضه.
وعنده ثمنه: فإن لم يكن معه ثمن، فهو يتيمم بالإجماع. (النهاية) ولا يلزمه: وقال الحسن البصري معاليه: يلزمه
الشراء بجميع ماله. (الكفاية) تحمل الغبن: وقول الشافعي مثل: الزيادة على ثمن المثل عذر في ترك الشراء قليلة
كانت أو كثيرة. (العناية) الفاحش: اختلف في تفسير الغبن الفاحش، ففي "النوادر": جعله في تضعيف الثمن،
وقال بعضهم: هو ما لا يدخل تحت تقويم المِقَوِّمين. (العناية)
٩٩
باب المسح على الخُفَّين
باب المسح على الخُقَّين
المسح على الخفين جائز بالسنة، والأخبار فيه مستفيضة،* حتى قيل: إن من
لم يَرَه كان مبتدِعًا، لكن من رآه ثم لم يمسح آخِذاً بالعزيمة،
جائز: يعني للرجال والنساء للإطلاق. (فتح القدير) بالسنة: نفي لما قال بعضهم: أن ثبوته بالكتاب الكريم وهو
قراءة الجر في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وقد تكلمنا في أول الكتاب في الآية الكريمة مستقصى. (البناية)
والأخبار فيه: قال أبوحنيفة: ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار، وعنه: أخاف الكفر على من
لم يرالمسح على الخفين؛ لأن الآثار التي جاءت فيه في حيز التواتر، وقال أبو يوسف مثله: خبر المسح يجوز
نسخ الكتاب به؛ لشهرته، وقال أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء. فيه أربعون حديثاً عن أصحاب رسول
الله څ ما رفعوا وما وقفوا، وروى ابن المنذر في آخرين عن الحسن البصري قال: حدثني سبعون رجلاً من أصحاب
رسول الله مُّ "أنه عليه الصلوة والسلام مسح على الخفين". [فتح القدير ١٢٦/١-١٢٧]
مستفيضة: وثمن روى المسح عنه ◌ُّ أبوبكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وسعد
والمغيرة وأبوموسى الأشعري وعمرو ابن العاص وأبوأيوب و أبو أمامة وسهل بن سعد وجابر بن عبد الله وأبوسعيد
وبلال وصفوان بن عسال وعبد الله بن الحارث بن جزء وسلمان وثوبان وعبادة بن الصامت ويعلى بن مرة
وأسامة بن زيد وعمرو بن أمية الضمري وبريدة وأبو هريرة وعائشة ﴿ه. [فتح القدير ١٢٧/١]
حتى قيل إلخ: ومما يدل على أنه مبتدع ما روي عن أبي حنيفة ملكه أنه سئل عن مذهب أهل السنة والجماعة؟
فقال: هو أن يُفَضِّل الشيخين. يعني أبابكر وعمر - على سائر الصحابة فيه، وأن يحب الختنين، - يعني عثمان
وعلياً وهجها-، وأن يرى المسح على الخفين. [العناية ١٢٧/١] لم يره: أي لم يعتقد جوازه. (العناية)
مبتدعًا: قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: لم يرو عن أحد من الصحابة إنكار المسح إلا ابن عباس وعائشة و
أبي هريرة هه، فأما ابن عباس وأبو هريرة ﴿م، فقد جاء عنهما بالأسانيد الحسان خلاف ذلك، وموافقة سائر
الصحابة، وأما عائشة لها: ففي "صحيح مسلم": أنها أحالت ذلك على علم علي، وفي رواية: قالت: وسئلت
عنه - أعني المسح - مالي بهذا علم، وما رواه محمد بن مهاجر البغدادي عنها: لأن أقطع رجلي بالموسى أحب إليّ
من أن أمسح على الخفين، حديث باطل, نص على ذلك الحفاظ. [فتح القدير ١٢٧/١-١٢٨]
* أخرج البخاري في صحيحه عن همام بن الحارث قال: رأيت جرير بن عبد الله بال، ثم توضأ، ومسح على
خفيه، ثم قام، فصلى، فسئل، فقال: رأيت النبي ◌ُّ صنع مثل هذا. قال إبراهيم: فكان يُعجبهم، لأن جريراً
كان من آخر من أسلم. [رقم: ٣٨٧، باب الصلاة في الخفاف]