Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢٠
ديباجة الكتاب
ومن أعجَلَه الوقتُ عنه يقتصر على الأقصر والأصغر، وللناس فيما يعشقون مذاهب.
(الهداية)
والفن خيرٌ كله، ثم سألني بعضُ إخواني أن أمليَ عليهم المجموعَ الثاني، فافتحتُه مستعينًا
(أقوله)
بالله تعالى في تحرير ما أقاوله، متضرعا إليه في التيسير لما أحاوله، إنه الميسر لكل عسير،
(أطلبه)
وهو على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
عنه: أى الوقوف على مضامين الأكبر. وللناس فيما يعشقون مذاهب: أي طرق مختلفة. مقتبس من
قول الشاعر أبي فراس, وقبله:
عليّ الربع العامرية وقفة »« ليملي عليّ الشوقُ والدمع كاتب
ومن عادتي حبُّ الديار لأهلها »« وللناس فيما يعشقون مذاهب
والفن: اللام للعهد، أي هذا الفن خير كله قليله وكثيره, أو الفن مطلقاً خير كله فإن العلم مطلقاً خير من الجهل.
المجموع الثاني: الظاهر أنّ المراد منه الهداية؛ لأن الكلام مسوق لأجله، لا الدفتر الثاني منها؛ لعدم دلالة
السابق عليها، فيكون قوله "صرفت وشرعت" محمولين على العزم.

٢١
كتاب الطهارات
كتاب الطهارات
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾
الآية، ففرض الطهارة غَسْل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس بهذا النص.
كتاب: هو في الأصل: مصدر سمي به المكتوب تسمية المفعول بالمصدر على التوسع الشائع، واصطلاحاً:
طائفة من المسائل اعتبرت مستقلة، سواء كانت مستقلة في نفسها ككتاب اللقطة، أو تابعة لما بعدها
ككتاب الطهارة، أو مستتبعة لما قبلها ككتاب الصلاة أو نوعاً واحدة ككتاب اللقطة, وأنواعاً منها ککتاب
الطهارة. واختار لفظ الكتاب دون الباب؛ لأن اشتقاق الكتاب يدل على الجميع بخلاف الباب، والغرض
جميع أنواع الطهارة لا نوع منها. [مجمع الأنهر ١٧/١]
الطهارات: المشروعات أربعة بالإستقراء: حقوق الله تعالى، وحقوق العباد، وما اجتمع فيه الحقان، وحق الله
تعالى، أو حق العبد فيه غالب، وقدم المصنف في البيان حقوق الله تعالى لعظمها، ثم قدمت الصلاة ؛ لأنها
أقوى أركان الإسلام بعد الإيمان، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ الآية، وقال النبي ◌ُّ: "الصلاة
عماد الدين"، وهي من أعلى معالم الدين ما خلت شريعة عنها. الطهارات: لما كانت الطهارة شرطًا لا
تسقط بخلاف الشروط الباقية للصلاة، قدَّمَها على الشروط الباقية.
الطهارات: في الإتيان بالجمع إشارة إلى أن الطهارة أنواع، فإن رفع النجاسة طهارة, ورفع الخبث أيضاً طهارة
وهما نوعان مختلفان. الطهارات: الطهارة بالضم اسم لما يتطهّر به من الماء وقيل: هو فضل ما يتطهر به،
وبالكسر آلة النظافة، وبالفتح مصدر بمعنى النظافة لغة. وفي الاصطلاح عبارة عن صفة تحصل لمزيل الحدث
أو الخبث عما تتعلق به الصلاة. الطهارات: وشرط وجوبها الحدث أو الخبث، وسببها وجوب الصلاة لا
وجودها؛ لأن وجودها مشروط بها فكان متأخراً عنها والمتأخر لايكون سبباً للمتقدم، وحكمها إباحة الصلاة
أو ما يضاهيها لمن قامت به. (العناية)
إذا قمتم: ظاهر الآية يقتضي وجوب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وهو مذهب أهل الظاهر،
محدثاً كان أو غيره. والجمهور على خلافه, قالوا: معناه، إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون. (العناية)
نكتة: وإنما جاء بإذا وهي تستعمل في الأمور الكائنة لامحالة دون إن وهي في الأمور المترددة ؛ لأن القيام إلى
الصلاة من الأمور الكائنة لامحالة, نظراً إلى الإيمان. (الكفاية)

٢٢
كتاب الطهارات
٠
والغَسْلُ: هو الإِسالة، والمسحُّ: هو الإصابة. وحَدُّ الوجهٍ من قُصَاص الشَّعرِ إلى أسفل
الذَّقَن وإلى شَحْمَتَي الأذنين؛ لأن المواجهة تقع بهذه الجملة وهو مشتق منها. والمِرْفَقَانِ
أي من المواجهة
والكَعْبَانِ يَدْخُلان في الغَسْل عندنا خلافًا لزفر، هو يقول: إن الغايةَ لاتدخل تحت المِغَيّا
كالليل في باب الصوم. ولنا: أن هذه الغاية لإسقاط ما وراءها؛ إذ لولاها لاستوعبت
الوظيفة الكلّ، وفي باب الصوم لمَدِّ الحكمِ إليها؛ إذ الاسمُ يُطلَق على الإمساك ساعة.
(غسل اليد)
والغَسْل: إنما فسّر الغَسْلَ والمسحَ مع ظهور معناهما، إشارةً إلى دفع ما ذهب إليه الشافعي من تكرار مسح الرأس
على ما سيجيء، وإلى أنّ البلل بالماء في المغسولات لا يسقط الفرض، كما روي عن أبي يوسف ماته. (العناية)
الشعر: اللام عوض عن المضاف إليه، والمراد منه شَعْرٌ ينبت على جانب مقابل لجانب القفا.
الذَّقَن: مجتمع اللحيين من أسفلهما. (القاموس المحيط) شَحْمَتَيْ: شحمة الأذن: ما لان من أسفلها, وهو
مُعَلَّقُ القُرْط. (المغرب) والمرفقان: المرْفَق بكسر الأول على وزن المنبر ملتقى عظم العضد والذراع.
هو يقول إلخ: هذا الذي ذكره المصنف لزفر يخالف ما ذُكر له في نُسخ الأصول، فإنّ المذكور له أنَّ فيها
تعارض الأشباه، وهو أنَّ من الغايات ما يدخل كقوله: قرأت القرآن من أوله إلى آخره، ومنها ما لايدخل
كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِّمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللّيْلِ﴾ وهذه الغاية
أعني المرافق تشبه كلاً منهما، فلا تدخل بالشك. وتأويل كلام المصنف أنّ هذه الغاية أعني المرافق
لا
تدخل بتعارض الأشباه كما لم تدخل في قوله إلى الليل. (العناية)
ولنا: يعني أن الغاية على نوعين: نوع يكون لمدِّ الحكم إليها، ونوع يكون لإسقاط ما وراءها، والفاصل بينهما حال
صدر الكلام فإن كان متناولاً لما وراءها كانت للثاني وإلا فللأول. وما نحن فيه من الثاني؛ لأن ذكر اليد يتناول
الآباط, بدليل أن الصحابة عليه - وهم أهل اللسان - فهموا ذلك من آية التيمم فتبقى المرافق داخلة بخلاف ذكر
الصوم, فإنه يتناول الإمساك ساعةً فكانت لمدّ الحكم إليها فيبقى الليل خارجاً. (العناية)
إذ لولاها إلخ: قد ذكر صاحب "الكافي" في كتاب السرقة أن اليد ذات مقاطع ثلث: من الرسغ, والمرفق,
والإبط، وكل ذلك يحتمل حنيئذ.

٢٣
كتاب الطهارات
والكعب: هو العظم الناتئ هو الصحيح، ومنه الكاعب. قال: والمفروض في مسح
١ (البارز)
الرأس مقدارُ الناصية، وهو رُبْعُ الرأس؛ لما روى المغيرةُ بن شعبة "أن النبي ◌ُّ أتى
سُبَاطَةَ قومٍ فبال، وتَوَضَّأْ ومَسح على ناصيته وخفيه"، والكتاب مُجْمَلٌ فالتحق بيانًا
به. وهو حجة على الشافعي ماله في التقدير بثلاث شعرات، وعلى مالك في اشتراط
الاستيعاب. وفي بعض الروايات قدَّره بعض أصحابنا بثلاث أصابع من أصابع اليد؛
هو الصحيح: احتراز عما روى هشام عن محمد بدراله، أنه الذي في وسط الرجل عند معقد الشراك فإنّ مراد
محمد باله بذلك الكعب الذي يقطع المحرم أسفله من الخف إذا لم يجد نعلين. [فتح القدير ١٥/١]
الكاعب: هي الجارية التي يبدو ثديها للنهود. (العناية) والمفروض: أي المقدر على جهة الفرضية.
ربع الرأس: وهو كما ترى يشير إلى أنه يجوز من أي جانب كان. (العناية) سُبَاطَةَ قوم: هي المزبلة والكناسة
تكون بفناء الدُوَر مُرفقاً لأهلها, وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل, وإضافتها إلى القوم
إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة. [فتح الباري ٣٩٢/١]
والكتاب مُجْمَلٌ إلخ: جواب عمّا یقال: حديث المغيرة خبر واحد لایزاد به علی الکتاب, ووجهه أنه ليس
من باب الزيادة على الكتاب بل الكتاب مجمل, فالتحق الخبر بياناً به, ويجوز أن يقع خبر الواحد بياناً لمجمل
الكتاب, وفيه بحث. (العناية) وهو حجة على الشافعي بحالته: مسألة مسح الرأس في المقدار مخمسّة: قولان
من أصحابنا، وقول الشافعي بحثه، وقول مالك بعثه، وقول الحسن البصري. قال الحسن: المفروض أكثر
الرأس، استدلّ مالك بفعل النبي ◌ّ فإنه مسح بيديه كلتيهما، أقبل بهما وأدبر، وبه استدلّ الحسن إلا أنه
قال: الأكثر يقوم مقام الكل، ولكنا نقول: إن فعل الرسول ® لا يدل على الركنية؛ لإفضائه إلى زيادة على
النص، وإنما كان ذلك لإكمال الفضيلة، ولا يجوز اعتبار الممسوح بالمغسول؛ لأن المسح بني على التخفيف،
وفي كتاب الله تعالى ما يدلّ على التبعيض في المسح لاتصال الفعل إلى محل المسح بحرف الباء، وعن هذا قال
الشافعي به: يتأدّى بأدنى ما يطلق عليه اسم الرأس، قيل: هو ثلاث شعرات؛ لأنه المتيقن، لكنا نقول: من
مسح برأسه ثلاث شعرات لا يقال: إنه مسح برأسه عادةً. (النهاية)
وفي بعض الروايات: هي رواية النوادر وهي غير ظاهر الرواية. (البناية) وذكر ابن رستم بحاله في نوادره: أنه
إذا وضع ثلاث أصابع ولم يمدّها، جاز في قول محمد في الرأس والخف جميعًا. (الكفاية)

٢٤
كتاب الطهارات
لأنها أكثر ما هو الأصل في آلة المسح. قال: وسنن الطهارة: غَسْلُ اليدين قبل
(الوضوء)
إدخالهما الإناء إذا استيقظ المتوضئ من نومه؛ لقوله عليها: إذا استيقظ أحدكم من
منامه فلا يَغْمِسَنَّ يدَه في الإِناءِ حتى يغسلَها ثلاثًا؛* فإنه لا يدري أين بَاتَتْ يدُه.
ولأنَّ اليدَ آلَهُ التطهير، فتُسَنُّ البدايةُ بتنظيفها، وهذا الغَسْلُ إلى الرُّسْغ لوقوع الكفاية
به في التنظيف.
مع تركه أحياناً.(فتح القدير) غَسل اليدين: الظاهر أن المذكور في
وسنن الطهارة: السنة ما واظب عليه 23
الکتاب بیان ما هو السنة في حق المستيقظ الشاك الذي یرید أن يغترف من الإناء، لا بیان سنة غسل الیدین
قبل غسل الأعضاء الذي هو سنة للمستيقظ وغيره، سواء أراد الاغتراف أو لا، وإلا فلا وجه للتقييد بقوله:
قبل إدخالهما الإناء، وبقوله: إذا استيقظ إلخ. قبل إدخالهما الإناء: ذكر الإناء ههنا وقع على عادتهم،
فإنهم كانوا يتوضئون من الإناء. (النهاية)
إذا استيقظ: تعليقه بالاستيقاظ, فمنهم من أطلق فيه، ومنهم من قيّده بما إذا نام مستنجيًا بالأحجار
أو متنجسَ البدن، أما لو نام متيقِّناً طهارتهما مستنجياً بالماء، فلا يسن له. وقيل: بأنه سنة مطلقاً للمستيقظ
وغيره في ابتداء الوضوء وهو الأولى. [فتح القدير ١/ ١٨] فلا يغمسن: ظاهر النهي يدلّ على الحرمة،
ويؤكده نون التأكيد، لكنه خبر واحد، فلو جعلنا الغسل فرضًا، يلزم الزيادة على الكتاب به، وذا لا يجوز
عندهم، فلا بدّ من أن يحمل على الوجوب أو السنة، لكن الأول لا يجوز؛ لأن الواجب لا يكون في الطهارة، فلا
بدّ من أن ينزل من الوجوب بقدر الضرورة، فحملناه على السنة.
ولأنّ اليد: مبناه أيضاً على أنّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لكنه ترك، لأن طهارة العضو حقيقةً
وحكمًا تدلّ على عدم الوجوب. (العناية) إلى الرسغ: منتهى الكف عند المفصل. (العناية)
* أخرجه الأئمة الستة في كتبهم [نصب الراية ٢/١] أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة فيه أن النبي فه%
قال: "إذا استيقظ أحدُكم من نومه فلا يَغْمِسْ يدَه في الإناء حتى يغسلَها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتَتْ
يدُه. [رقم: ٦٤٣، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثا]

٢٥
كتاب الطهارات
قال: وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء؛ لقوله عليها: "لا وُضوء لمن لم يسمّ الله"
والمراد به نفي الفضيلة، والأصح أنها مستحبّة وإن سمّها في الكتاب سنةً، ويُسَمِّي
قبل الاستنجاء وبعده هو الصحيح. قال: والسواك؛ لأنه عليًا "كان يواظب
عليه *** وعند فَقْدِه يعالج بالإصبَعِ؛
تسمية الله تعالى: قال الطحاوي: هو أن يقول: بسم الله العظيم، والحمد لله على دين الإسلام، هو المنقول
عن السلف، وقيل: إنه مرفوع إلى النبي (، واستدل بقوله :﴿. "لا وضوء لمن لم يسمّ الله"، ووجه ذلك: أنّ
لا لنفي الجنس، فحقيقته يقتضي أن لا يكون وضوء إلا بتسمية، وإليه ذهب أصحاب الظواهر وأحمد،
وجعلوا التسمية من شروط الوضوء، لكنا قلنا: المراد به نفي الفضيلة؛ لئلا يلزم نسخ آية الوضوء به. (العناية)
والأصح: وكونها سنة مختار الطحاوي والقدوري. (العناية)
هو الصحيح: احتراز عما قيل: قبله فقط، وما قيل: بعده فقط؛ لأن ما قبله حال الانكشاف, والأصح
قبله أيضاً لا حال الانكشاف ولا في محل النجاسة. [فتح القدير ٢١/١] والسواك: أي استعماله, حذف
المضاف لأمن الإلباس، والسواك اسم لخشبة معينة للاستياك. وينبغي أن يكون من الأشجار المرة؛ لأنه يطيب
لا طولاً
النكهة ويشد الأسنان ويقوي المعدة, ويكون في غلظ الخنصر، وطول الشبر، ويستاك عرضًا
عند المضمضة. (العناية)
يواظب عليه: أي مع تركه أحيانًا، بدليل أنه ع ** علّم الأعرابي الوضوء، ولم ينقل فيه تعليم
السواك. (الكفاية) عند فَقْده: "في الكافي": ولا يقوم الإصبَع مقامَ الخشبة عند وجودها، فهو بظاهره يدلّ
على أن لو عالج بالإصبع مع وجود الخشبة وحضورها، لا يكون عاملاً بالسنة. وفي بعض الحواشي: وأما عند
وجودها فالأولى استعمالها؛ لأنها قوي على إزالة ما على الأسنان من الدَّرَن لخشونتها من الإصبع، فهو يدل
على أنه يقع سنة.
* أخرجه أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلُّ: "لا صلاة لِمَنْ لا وُضوءٌ له، ولا
وضوءً لمن لم يذكر الله عليه".[رقم: ١٠٣، باب في التسمية على الوضوء]
** فيه أحاديث: منها ما أخرجه البخاري عن حذيفة، قال: كان النبي ◌ُّ إذا قام من الليل يَشْوْصُّ فاه
بالسواك.[١٤٧/١]

٢٦
كتاب الطهارات
لأنه عليك "فعل كذلك* قال: والمضمضة والاستنشاق؛ لأنه عليه "فعلهما على
المواظبة" . ** وكيفيته: أن يُضْمِضَ ثلاثً، يأخذ لكل مرة ماءً جديدًا ثم يستنشق، كذلك
هو المحکِئُّ من وضوئه ێّ
وكيفيته: إنما تعرّض لكيفيتهما نفيًا لقول الشافعي، فإنّ عنده الأفضل أن یتمضمض ويستنشق بكف بماء
واحد. (العناية) لكل مرة: لأنه أبلغ في الطهارة.
* كما ورد في حديث أبي مطر قال: بينما نحن جلوس مع أمير المؤمنين علي في المسجد على باب الرحبة،
جاء رجل فقال: أرِني وضوء رسول الله ◌ُّ؟. وهو عند الزوال. فدعا قنبرا فقال: ائتني بكوز من ماء فغسل
کفیه ووجهه ثلاثًا، وتمضمض ثلاثًا، فأدخل بعض أصابعه في فيه، واستنشق ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا،
ومسح رأسه واحدةً، فقال: داخلهما من الوجه، وخارجهما من الرأس، ورجليه إلى الكعبين ثلاثًا، ولحيته
تَهْطِلُ على صدره، ثم حسا حسوةً بعد الوضوء ثم قال: أين السائل عن وضوء رسول ®®ّ؟ كذا كان وضوء
نبي الله ﴾. [رقم: ١٣٥٦، المسند للإمام أحمد بن حنبل]
** الذين رووا صفة وضوء النبي ◌ُّ من الصحابة عشرون نفراً: عبد الله بن زيد بن عاصم، وعثمان بن عفان،
وابن عباس، والمغيرة بن شعبة، وعلي بن أبي طالب، والمقدام بن معد يكرب، والربيع بنت معوذ، وأبو مالك
الأشعري، وأبو هريرة، وأبو بكرة، ووائل بن حجر، ونفير أبوجبير الكندي، وأبو أمامة، وعائشة، وأنس، وکعب
بن عمرو اليمامي، وأبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن أبي أوفى، والبراء بن عازب، وأبو كاهل، وكلهم حكوا فيه
المضمضة والاستنشاق. أما حديث عبد الله بن زيد: فرواه الأئمة الستة في كتبهم. [نصب الراية ١٠/١] أخرج
البخاري عن عمر بن یحی، عن أبيه، قال: شَهِدْتُ عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي
﴿*، فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم، فكفأ على يديه فغسلهما ثلاثًا ثم أدخل يده في الإناء، فمضمض واستنشق
واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء، ثم أدخل في الإناء يده فغسل وجهه ثلاثًا، ثم أدخل يده في الإناء فغسل
يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده فمسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر بها، ثم أدخل في الإناء يده فغسل
رجليه. [١٥٤/١ رقم: ١٨٤، باب مسح الرأس مرة]
*** قوله: هو المحكي من وضوئه ول®، أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن
جده كعب بن عمرو اليامي أن رسول الله 3/3 توضأ فمضمض ثلثا واستنشق ثلثا، يأخذ لكل واحدة ماء
جديدًا، الحديث. [١٨٠/١٩-١٨١] رجاله ثقات. [حاشية إعلاء السنن ٨٢/١]

٢٧
كتاب الطهارات
ومسح الأذنين، وهو سنة بماء الرأس عندنا، خلافاً للشافعي؛ لقوله عليها: "الأذنان من
الرأس"، * والمراد: بيان الحكم دون الخلقة. قال: وتخليل اللِّحْيَةِ؛ لأن النبي عليَلا أمره
*
جبريلُ علتڵ بذلك.
ومسح الأذنين: عن الحلواني وشيخ الإسلام يدخل الخنصر في أذنيه ويحرّكهما، كذا فعل نَّ انتهى، والذي
في ابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عباس هما: أنه * مسح أذنيه فأدخلهما السبابتين، وخالف إبهاميه إلى
ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما، وقول من قال: يعزل السبابتين في مسح الرأس من مشايخنا يدل على
أنّ السنة عنده إدخالهما وهو الأولى. [فتح القدير ٢٤/١]
خلافا للشافعي لته: فإنّه يقول: هو سنة بماء جديد. (العناية) والمراد إلخ: ووجه التمسك، أنّ المراد بقوله:
"الأذنان من الرأس" إما أن يكون لبيان الحقيقة، وهو عليا غير مبعوث لذلك، على أنه مشاهدٌ لايحتاج إلى بيان،
لا يو
أو بيان أنهما ممسوحان كالرأس، لا بماء الرأس، ولا سبيل إليه؛ لأنّ الاشتراك بين الشيئين في أمر
كون أحدهما من الآخر, كالرجل من الوجه لاشتراكهما في الغسل, والخف من الرأس لاشتراكهما في المسح. وإما
لبيان أنهما ممسوحان بماء الرأس وذلك يناسب الذكر عند مسح الأذنين بماء واحد ؛ فإنه إذا كان من أبعاض الرأس
حقيقة وحكماً جاز أن يمسح بماء واحد, فكذا إذا حكم الشرع بذلك. [العناية ٢٤/١]
أمَرَه: وجه التمسك أنّ الأمر للوجوب، إلا أناً تركناه لئلا يعارض الكتاب، وفيه نظر؛ لأنه إنما يلزم ذلك أن لو أفاد
الفرضية ولم يقل به أحد، وأما إذا أفاد الوجوب فلا مانع كخبر الفاتحة، والحق أن الوجوب يثبت بالمواظبة من غير
ترك، ولم يثبت ذلك، فإنه روي عن أبي حنيفة أنه قال: ما روي أن النبي ◌ّ أخذ كفاً من ماء فخلّل به لحيته، وقال:
"بهذا أمرني ربي" لم يثبت إلا مرة واحدة، وعن هذا نقل عنه أنه قال: مسح اللحية جائز، ليس بسنة. ومعنى قوله:
"جائز" أن صاحبه لا ينسب إلى البدعة وهو المنقول عن محمد بدله، كما ذكر في الكتاب. (العناية)
* روي من حديث أبي أمامة، وعبد الله بن زيد، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي موسى، وأنس، وابن عمر،
وعائشة فيه. [نصب الراية ١٨/١] وأخرج أبو داود في سننه عن أبي أمامة قال: كان رسول الله صلُ الثّ يمسح
المأقين. قال: وقال: الأذنان من الرأس. [٢٠٩/١، رقم: ١٣٥]
** هذا الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أنس أن النبي ◌ّ قال: أتاني جبرئيل فقال: إذا توضأت
فخلل لحيتك.[١٣/١، باب في تخليل اللحية في الوضوء]

٢٨
كتاب الطهارات
وقيل: هو سنة عند أبي يوسف بله جائز عند أبي حنيفة ومحمد مهما؛ لأن السنة إكمالُ
الفرض في محلّه، والداخل ليس بمحل الفرض. قال: وتخليل الأصابع؛ لقوله عليها: "خلِّوا
أصابِعَكم كي لا تَتَخَلَّهَا نَارُ جَهْتّمَ " .* ولأنه إكمال الفرض في محله. قال: وتكرار الغَسْل
هو سنة: يستحب أن يمسح ثُلْثَ اللحية أو رُبْعَها، وفي بعض الروايات تمسح كلها، وهو الأصح. ويغسل
الموضع المنكشف بين العذار والأذن في قول محمد، وهو رواية عن الإمام. (النهاية) جائز: أي لو فعل
لا
ينسب إلى البدعة كما يبدع ماسح الحلقوم. [الكفاية ٢٥/١] تنبيه: الفتوى على قول أبي يوسف مثله والأدلة
ترجح قوله وقد رجحه صاحب المبسوط. [رد المحتار ٣٩١/١] ملحوظة: عن "الظهيرية" أن تخليل الأصابع إنما
يكون بعد التثليث؛ لأنه سنة التثليث. [رد المحتار ٣٩٢/١] لأن السنة إلخ: أي السنة في أركان الوضوء هو
إكمال فرض الطهارة في محله كالتثليث، واستيعاب الرأس، وتخليل الأصابع، وكل ذلك سنة لمعنى الإكمال في
الطهارة، ولا يوجد هذا المعنى في تخليل اللحية، فلا يكون سنة، وبهذا يسقط ما يقال: لا يلزم أن يكون
السنة من إكمال الفرض، فكثير من السنن كالختان لم يشرع لإكمال الفرض في محله، وكذا يسقط ما يروى:
أنّ النية والترتیب سنتان في الوضوء، ولیسا لإکمال الفرض في محله.
والداخل: أي داخل اللحية. (العناية) ليس بمحل الفرض: لعدم وجوب إيصال الماء إليه بالاتفاق. واعترض
بأن المضمضة والاستنشاق سنتتان وداخل الفم ليس محل الفرض في الوضوء. وأجيب بأن الفم والأنف من
الوجه من وجه؛ إذ لهما حكم الخارج من وجه والوجه محل الفرض. (العناية) وتخليل الأصابع: صفته في
الرجلين: أن يخلّل بخنصر يده اليسري خنصر رِجْله اليمني، ويختم بخنصر رجله اليسري, في القنية كذا ورد, والله
أعلم. ومثله فيما يظهر أمر اتفاقي لا سنة مقصودة. [فتح القدير ٢٦/١] في محله: أي في محل الفرض وقد
قلنا: إن غسل اليدين والرجلين فرض وتخليل أصابعهما إكمال الفرض فيكون سنة. (البناية)
وتكرار الغَسْل: قيد به لإفادة أنه لا يسن التكرار في المسح, ثم قيل: الأول فريضة، والثاني سنة، والثالث
إكمال. وقيل: الثاني والثالث سنة, وقيل: الثاني سنة والثالث نفل. والظاهر أنه معنى الأول وقيل: على
عكسه. [فتح القدير ٢٧/١]
* لا يوجد بهذا اللفظ. وقال الزيلعي: أحاديث تخليل اللحية أمثلها حديث لقيط بن صبرة رواه أصحاب
السنن الأربعة من حديث عاصم بن لقيط بن صبرة قال: قال رسول الله /®: إذا توضأت فأسبغ الوضوء
وخَّل بين الأصابع. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [نصب الراية ٧١/١]

٢٩
كتاب الطهارات
إلى الثلاث؛ "لأن النبي عليها توضأ مرةً مرةً، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاةَ
إلاّ به، وتوضأ مرتين مرتين، وقال: هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين، وتوضأ
ثلاثًا ثلاثً، وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، فمن زاد على هذا أونقص
فقد تعدَّى وظلم* والوعيد لعدم رؤيته سنةً.
توضأ مرةً مرةً: أي غَسَل كل عضو مرة. (العناية) لا يَقْبَل: المراد بالقبول الجواز. (العناية)
فمن زاد: أي على التثليث, وعبارة أخرى أو زاد على الثلاث معتقداً أن كمال السنة لا يحصل بالثلاث أو
نقص عنه معتقداً أن السنة هذا. فأما لو زاد لطمأنينة القلب عند الشك أو لنية وضوء آخر فلا بأس به؛ لأنه
أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه, كذا في المبسوط. [الكفاية ٢٧/١] فقد تعدّى: يرجع إلى الزيادة؛ لأنه مجاوزة
عن الحد؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدِّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَّفْسَهُ﴾. والظلم يرجع إلى النقصان، قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ
تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ أي: لم تنقص. [الكفاية ٢٧/١]
وظلم: يرد ههنا أنّ في صورة الزيادة يستحق الوعيد؛ لفعل الإسراف والله لا يحب المسرفين. وأما في صورة
النقصان فلا وجه للوعيد؛ إذ غاية الأمر ترك السنّة، وبه لا يستحق التارك الوعيد. والجواب عنه: أنّ الوعيد
لعدم رؤيته سنة، يعني معنى الحديث، فمن زاد على العدد أو نقص عنه معتقدًا عدمَ سُنِّيَتِه فقد تعدّى وظلم
على نفسه، وهذا هو حاصل قول المصنف "والوعيد إلخ".
لعدم رؤيته سنة: هذا جواب عن سؤال مقدر, تقديره: أن يقال: إن الشارع رتب على الزيادة والنقصان
وعيداً فمقتضاه الإطلاق. وتقرير الجواب: بأن الوعيد بعدم رؤيته الثلاث سنة, والحديث ليس على ظاهره
وأشار بذلك إلى أنه اختار من تأويلات هذا الحديث التأويل الذي قيل: إنه إذا زاد على الثلاث معتقداً أن
كمال السنة لا يحصل بالثلاث, وأما إذا أراد طمأنينة القلب عند الشك أو بنية وضوء آخر فلا بأس به
ولا يدخل تحت الوعيد. [البناية ١٧٢/١-١٧٣]
* أخرج أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن رجلاً أتى النبي ◌ُّ فقال: يا رسول الله كيف
الطهور؟ فدعا بماء في إناء, فَسَل كفَّيْه ثلاثً، ثم غسل وجهه ثلاثً، ثم غَسَل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه، وأدخل
إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطنَ أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلانً، ثم
قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أونقص فقد أساء وظلم - أو: ظلم وأساء -. [٢١٠/١]

٣٠
كتاب الطهارات
قال: ويُسْتَحَبُّ للمتوضئ أن ينوي الطهارة، فالنية في الوضوء سنةً عندنا، وعند الشافعي
رحِّ فرضٌ؛ لأنه عبادةٌ فلا يصح بدون النية كالتيمم. ولنا: أنه لا يقع قربةً إلا بالنية.
ويستحب: والمستحب ما يُثابُ على فعله، ولا يُلامُ على تركه. أن ينوي: قيل: أن ينوي إزالةَ الحدث أو استباحةً
الصلاة. [البناية ١١٧/١] سنة: فإن قلت: قال المصنف: ويستحب النية في الوضوء, ثم قال: فالنية في الوضوء سنة
عندنا, وهذا ما وجهه؟ قلت: قال الأتراري . وتبعه الأكمل .: إنما قال "سنة" بعد أن قال "ويستحب"؛ لأن
الاستحباب على ما اختاره القدوري، فأورده بلفظه, ثم ذكر ما هو المختار عنده. قلت: له وجه آخر عندي، وهو أنه
ذكر استحباب النية في الطهارة، والطهارة أعم من الوضوء, فالمتوضئ إذا أراد أن يطهر ثوبه أو بدنه أو المكان الذي
يصلي فيه من النجاسة يستحب له أن ينوي؛ لعموم قوله عليها: الأعمال بالنيات، وهذا عمل أيضاً مطلوب
مرغوب فيه. فإذا نوى تطهير هذه الأشياء يحصل له الثواب فيكون مستحباً, وإذا لم ينو لا يضره ذلك؛ لأن تارك
المستحب لا يلام. وأما ذكره بلفظ النية في الوضوء فلنصب الخلاف بيننا وبين الشافعي بأن النية عنده وجماعة آخرين
فرض, فأقل الأمر أن يذكر في مقابلة لفظ السنة. [البناية ١١٧/١]
لأنه عبادة: لأنَّ العبادة فعل يؤتى بها تعظيمًا لله تعالى، بأمره ويثاب عليه وهو موجود في الوضوء قال عليها:
"الوضوء على الوضوء نور على نور يوم القيامة". فكان عبادة, والنية شرط صحة العبادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا
أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾, جعل الإخلاص وهو النية حالاً للعابدين, والأحوال شروط, وما لم
ينو فما أخلصه عن الاستعمال للتبرد والتعليم أو العادة. [الكفاية ٢٨/١]
لا يقع إلخ: هذا قول بموجب العلة حيث التزم ما ألزمه الشافعي بالشّه, يعني أن الوضوء لا يقع قربةً إلا
بالنية, هذا مسلَّم إلا أن الكلام فيما وراءه، وهو أن استعمال الماء في أعضاء الوضوء، هل يوجب الطهارة
بدون النية أم لا؟ قلنا: بأنه يوجب, وذلك لأن أعضاء الوضوء محكومة بالنحاسة في حق الصلاة، حيث أمرنا
بالتطهير لحقها، وهو لا يتحقق بدون النجاسة، إذ تطهير الطاهر محال, والماء طهور بطبعه، فإذا لاقى النجس
طهره، قصد المستعمل الطهارة أو لا، كالماء للإرواء، والطعام للإشباع؛ لأن استعمال آلة التطهير في محل قابل
للتطهير يفيد الطهارة لا محالة. فإذا ثبتت الطهارة في أعضاء الوضوء بهذا الطريق كان مفتاحاً للصلاة وإن لم
ينو؛ لأن الوضوء جعل شرطاً للصلاة بوصف كونه طهارة، لا بوصف أنه قربة، بخلاف التيمم؛ لأن التراب لم
يعقل مطهراً، فلا يكون مزيلاً للحدث أصلاً، فلم يبق فيه إلا معنى التعبد، وذلك لا يحصل بدون
النية. [الكفاية ٢٨/١]

٣١
كتاب الطهارات
ولكنه يقع مفتاحًا للصلاة؛ لوقوعه طهارةً باستعمال المطهِّر، بخلاف التيمم؛ لأن التراب
غير مُطِّرٍ إلا في حال إرادة الصلاة، أو هو يُنبئ عن القصد. ويستوعب رأسَه بالمسح،
وهو سنةٌ، وقال الشافعى بحالته: السنة هو التثليث بمياه مختلفة؛ اعتبارًا بالمغسول. ولنا: أن
أنسًّا ظِرُه توضأ ثلاثً ثلاثً، ومسح برأسه مرةً واحدةً، وقال: هذا وضوءُ رسولِ الله وَُّ
ولكنه يقع: معنى هذا الاستدراك، أنه ليس كلامنا في أن الوضوء لا يكون عبادة إلا بالنية، وإنما كلامنا في
استعمال الماء المطهر في أعضاء الوضوء هل يوجب الطهارة بدون النية حتى يكون مفتاحاً للصلاة أو لا. ولا
مدخل لكونه عبادة في ذلك، ويفيد ذلك بدونها. [البناية ١١٨/١] المطهر: وهو الماء الذي قال الله تعالى
فيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾. (البناية) بخلاف التيمم: لأن التراب لم يعتبر شرعاً مطهراً إلا للصلاة
لا في نفسه فكان التطهير به تعبدًا محضًا، وفيه يحتاج إلى النية أو هو أي التيمم ينبئ لغةً عن القصد فلا
يتحقق دونه بخلاف الوضوء, ففسد قياسه على التيمم. [فتح القدير ٢٨/١-٢٩]
ويستوعب: وكيفية الاستيعاب: أن يبل كفه وأصابع يديه ويضع بطون ثلاث من كل كف على مقدم الرأس
ويعزل السبابتين والإبهامين ويجافي الكفين ويمدهما إلى مؤخر الرأس، ثم يمسح الفودين بالكفين ويمدهما إلى
مقدم الرأس ويمسح ظاهر الأذنين بباطن الإبهامين وباطن الأذنين بباطن السبابتين ويمسح رقبته بظاهر اليدين
حتى يصير ماسحاً ببلل لم يصر مستعملاً هكذا روت عائشة ثها مسح رسول الله ﴿﴿، وهكذا المنقول عن
السلف، وعن أبي حنيفة ومحمد مثا أنه يبدأ من أعلى رأسه إلى جنبيه ثم إلى قفاه عكسه، كذا في مبسوط
شيخ الإسلام. [البناية ١٧٧/١]
بالمسح: أي يستحب أن يستوعب رأسه بالمسح على ما اختاره القدوري وهو سنة يعني على اختياره. [العناية ٢٩/١]
التثليث: لأنه رکن في الوضوء, فكان التثليث فيه سنة كغسل الوجه واليدين والرجلين. (العناية)
* هذا الحديث الذي نسبه إلى أنس غريب، والعجب من المصنف ذكر هذا ولم يذكر ما روي في الصحيحين
من رواية عبد الله بن زيد أنه مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة. [البناية ١٨٠/١] أخرجه البخاري
في صحيحه. [رقم: ١٩٢، باب مسح الرأس مرة] وأخرج أبو داود في سننه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:
رأيت عليا ﴿ توضأ فغَسَل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه واحدة، ثم قال: هكذا توضأ
رسول الله ﴿ّ. [رقم: ١١٥، باب صفة وضوء النبي ]

٣٢
کتاب الطهارات
والذي يُروَی من التثليث محمول عليه بماء واحد، وهو مشروع على ما روي عن أبي
حنيفة حاله، ولأن المفروض هو المسح، وبالتكرار يصير غسلاً فلا يكون مسنونًا، فصار
كمسح الخُف بخلاف الغَسْل؛ لأنه لا يضرُّه التكرار. قال: ويرتب الوضوء فيبدأ بما
بدأ الله تعالى بذكره وبالمياهن، فالترتيب في الوضوء سنة عندنا، وعند الشافعي مدالله
فرض؛ لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية، والفاء للتعقيب.
والذي يروى: بالتمريض يشعر بضعفه, وقد روي عن عثمان من حديث عامر بن شقيق وفيه ذلك المقال
المتقدم. قال أبو داود: ورواه وكيع عن اسرائيل، فقال: توضأ ثلاثاً ثلاثاً فقط. قال: وأحاديث عثمان
الصحاح كلها تدل على أن المسح مرة واحدة, فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، وقالوا: " ومسح برأسه" لم
يذكروا عدداً. [فتح القدير ٢٩/١] وهو مشروع: روى الحسن عن أبي حنيفة في المجرد: إذا مسح ثلاثًا بماء
واحد كان مسنوناً، وما سوى ذلك من تقرير الكتاب غني عن البيان. (فتح القدير)
ولأنّ إلخ: دليل آخر وتقريره: المفروض هو المسح، والمسح يصير بالتكرار غسلا، فالمفروض هو الغسل، وهو
خلاف الكتاب والسنة والإجماع، فلا يكون التكرار مسنونًا؛ لأنّ السنة في الوضوء إكمال الفرض في محله لا
نقله من کونه مسحًا إلى كونه غسلاً. كمسح الخف: تقريره: مسح الرأس مسح في الوضوء، وكل ما هو
مسح في الوضوء لا یسنّ تثليثه كمسح الخف. (العناية)
بخلاف الغسل: معناه: أنّ المسح يفسده التكرار، بخلاف الغسل فإنه لا يفسده، فكان قياس الشافعي
الممسوح على المغسول فاسدًا. [العناية ٣٠/١] وبالمياهن: قد يقال: إن كانت البداية بالميامن من جملة
الترتيب لم يستقم نصب الخلاف على الوجه المذكور، إذ البداية بالميامن ليست بسنة عندنا، ولا فريضة عند
الشافعي بل هي فضيلة، وإن لم يكن من جملته لم يستقم عطفه على قوله: بما بدأ الله تعالى.
في الوضوء: الكلام في كونه مستحباً، أو سنة كما تقدم. (العناية)
والقاء للتعقيب: أي الفاء في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوْا﴾. ووجه الاستدلال: أن الفاء للتعقيب، والتعقيب
يدل على الترتيب، فيفيد ترتيب غسل الوجه على القيام إلى الصلاة، وإذا ثبت الترتيب فيه ثبت في غيره؛ لأنه
معطوف على المرتب، والمعطوف على المرتب مرتب. [البناية ١٢٤/١]

٣٣
كتاب الطهارات
ولنا: أن المذكور فيها حرف الواو، وهي لمطلق الجمع بإجماع أهل اللغة، فتقتضي
إعقابَ غَسْل جملة الأعضاء. والبداءة بالميامن فضيلة؛ لقوله عليها: "إن الله تعالى يحبُّ
التيامُنَ في كلِّ شيءٍ حتى التنعُّلِ والترجُّل"
فصل في نواقض الوضوء
﴿أُوْ جَاءَ أُحَدٌ مِنْكُمْ
المعاني الناقضة للوضوء: كل ما يخرُج من السَّبيلين؛ لقوله تعالى:
وِّ: ما الحدَثُ؟ قال: "ما يخرج من السبيلين"*
مِنَ الغَائِطِ﴾ الآية، وقيل لرسول الله
بإجماع أهل اللغة: فإن قيل: كيف ادّعى المصنف إجماع أهل اللغة ومنهم من يقول: إنه يفيد الترتيب،
ومنهم من يقول: إنه يفيد القران. يجاب: بأنّ أبا علي الفارسي ذكر أنّ النحاة أجمعوا على أنّ الواو للجمع
المطلق، ذكره سيبويه في سبعة عشر موضعًا في كتابه، فاعتمد المصنف على ذلك، وبأن خلاف القليل لا يمنع
الإجماع اللغوي. [العناية ٣٠/١-٣١] كل ما يخرج: أي خروج كل ما يخرج من السبيلين. (العناية)
من السَّبيلين: المراد من السبيلين، سبيل الحي، حتى إذا خرج من الميت بعد الغسل لا يعاد الغسل. فإن
قلت: هذه الكلية منتقضة بالريح الخارج من الذكر وقبل المرأة، فإن الوضوء لا ينتقض به في أصح الروايتين.
قلت: الذي يخرج منهما اختلاج وليس بريح. وأيضاً الفرج محل الوطء لا النجاسة، فلا يجاوز الريح النجاسة.
والريح طاهر في نفسه وهو اختيار المصنف. [البناية ١٣٢/١]
* هذا الحديث بهذا اللفظ لم يخرجه أحد، ولكن الأئمة الستة أخرجوه قريباً منه في كتبهم من حديث
مسروق. [البناية ١٨٧/١] أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة ما قالت: كان النبي ◌ُّ تُحِبُّ التيمْنَ
ما استطاع في شأنه كلّه في طهوره وتَرَجُلِه وتنقُلِهِ. [رقم: ٤٢٦]
** هذا الحديث بهذه العبارة لا يعرف أصلاً، ولكن روى مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر طھما قال:
قال رسول الله ®: لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من قُبل أو دُبر. أخرجه الدار قطني في غرائب مالك،
وقال: في إسناده أحمد بن اللجلاج وهو ضعيف. [البناية ١٣٣/١]

٣٤
كتاب الطهارات
وكلمة "ما" عامّة فتناول المعتاد وغيره. والدُم والقَّيْحُ إذا خرجا من البدن فتجاوزا إلى موضع
يَلْحَقُه حُكمُ التطهير، والقيء ملءَ الفَمِ. وقال الشافعي بحلّ: الخارج من غير السبيلين لا ينقُضُ
الوضوء؛ لِمَا رُوِي "أنه عليَّ قاء فلم يتوضأ"، * ولأن غَسْل غير موضع الإصابة أَمْرٌ تَعَبّديّ
المعتادَ وغيره: أجمع العلماء على أن الخارج المعتاد من أحد السبيلين، كالغائط والريح من الدبر والبول
والمذي من القبل ناقض للوضوء. واختلفوا في غير المعتاد، كالدود والحصاة يخرج من الدبر، فعندنا ينقض،
وهو قول عطاء, والحسن البصري, وحماد بن أبي سليمان, والحكم, وسفيان الثوري, والأوزاعي, وابن المبارك,
والشافعي, وأحمد, وإسحاق, وأبي ثور. وقال مالك وقتادة: لا ينقض. [البناية ١٣٢/١]
فتجاوزا: شرط الخروج؛ لأن نفس النجاسة غير ناقض مالم توصف بالخروج, إذ لو كان نفسها ناقضاً لما حصلت
الطهارة لشخص ما. (الكفاية) إلى موضع إلخ: احتراز عما يبدو ولم يخرج ولم يتجاوز، فإنه لا يسمى خارجاً
فكان تفسيراً للخروج, ورداً لما ظن زفر أن البادي خارج. يلحقُه حكمُ التطهير: أي يلحقه حكم هو التطهير,
والمراد: أن يجب تطهيره في الجملة كما في الجنابة، حتى لو سال الدم من الرأس إلى قصبة الأنف انتقض الوضوء،
بخلاف البول إذا نزل إلى قصبة الذكر ولم يظهر؛ لأن النجاسة هناك لم تصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير وفي
الأنف وصلت إلى ذلك إذ الاستنشاق؛ في الجنابة فرض. [العناية ٣٣/١-٣٤]
وقال الشافعي إلخ: ذكر الزاهدي في "المجتبى" أن الخارج من بدن الآدمي نوعان: طاهر، كالعرق والمخاط، وإنه
ليس بحدث بالإجماع. ونجس، وإنه أربعة أنواع: خارج من السبيلين معتاد كالبول والغائط، وخارج منهما غير معتاد
كدم المستحاضة، وخارج من غير السبيلين كثير وخارج منه قليل. فالأول حدث بالإجماع. والثاني حدث عند
الكل إلا عند مالك. وأما الثالث فهو حدث عندنا خلافاً للشافعي. ومذهبنا مذهب العبادلة والعشرة المبشرة. وأما
الرابع فهو حدث عند زفر خلافاً للباقيين، انتهى ملخصاً. [السعاية ٢٠٥/١]
أمرٌ تعبّديٌّ: هذا دليل الشافعي من جهة العقل. قوله: تعبدي أي أمر تعبدنا به أي كلَّفنا الله به من غير معنى يعقل؛ إذ
العقل إنما يقتضي وجوب غسل موضع إصابة النجاسة، فيقتصر على مورد الشرع، وهو المخرج المعتاد. ويجوز أن يكون
معناه أمر تعبدي، أن القياس يقتضي وجوب غسل كل الأعضاء، كما في المني بل بطريق أولى؛ لأن الغائط أنجس من
المني؛ للاختلاف في نجاسته دون الغائط. فالاقتصار على الأعضاء الأربعة أمر تعبدي. [البناية ١٣٦/١]
* هذا الحديث غريب, لا ذكر له في كتب الحديث. واستدل الشافعي ومن تبعه فيما ذهب إليه بأحاديث:
منها ما رُوي عن النبي ◌ُّ: أنه قاء فغسل فمه فقيل له: ألا تتوضأ وضوء ك للصلاة, فقال: هكذا الوضوء
من القيء. والجواب عن هذا الحديث: أنه غريب فلا يعارض المشهورَ. [البناية ١٣٥/١]

٣٥
كتاب الطهارات
فَيُقْتَصَرُ على مَوْرِدِ الشرع، وهو المخرج المعتاد. ولنا: قوله عليها: "الوضوء من كلِّ دم
سائل"،* وقوله عليه: "من قاء أو رَعَفَ في صلاته، فلينصرف وليتوضأُ ولِيَبنِ على صلاته
من الصلاة
ما لم يتكلّم" ** ولأن خروجَ النَّجَاسَة مؤثِّر في زوال الطهارة، وهذا القدر في الأصل
معقول، والاقتصار على الأعضاء الأربعة غير معقول، لكنه يتعدَّى ضرورةً تعدِّيَ الأَوَّلِ،
رعف: الرُّعاف: الدم يخرج من الأنف. (مختار الصحاح) ولأن خروج النَّجَاسَة: هذا جواب لقول الشافعي،
حيث قال: غسل غير موضع الإصابة تعبدي ليس بمعقول، وفيه إثبات لصفة النجاسة لما يخرج من غير
السبيلين بطريق القياس. ومعنى قوله: "مؤثر في زوال الطهارة" ظاهر؛ لأن النجاسة إذا وجدت في محل تنفي
الطهارة عن ذلك المحل، وإذا زالت عنه توجد الطهارة فيه؛ لأن بينهما منافاة. وقال تاج الشريعة: النجاسة
معنى إذا اختص بمكان، يوجب الإخلال بالتقرب إلى المعبود، ويمنع كمال التعظيم في العبادة والطهارة
معنى إذا اختصت بمحل يوجب كمال التقرب به إلى المعبود، وتمام التعظيم في العبادة. والنجاسة ضد
الطهارة، ومن ضرورة تحقق أحد الضدين انتفاء الضد الآخر. (وهذا القدر) أي كون النجاسة يؤثر في زوال
الطهارة، (في الأصل) وهو الخارج من السبيلين. (معقول) يعني يدركه العقل فيقاس عليه غيره، وهو الخارج من
غير السبيلين. [البناية ١٣٩/١ -١٤٠]
والاقتصار: أي العقل يقتضي أن يغسل بعضاً مّا، وذلك البعض في الواقع هو المحل الذي خرج منه
النَّجَاسةُ، لكن الشارعَ اكتفى من المطلق بالأعضاء الأربعة، وذلك غير معقول المعنى.
* أخرجه الدار قطني في سننه من حديث عمر بن عبد العزيز عن تميم الداري قال: قال رسول الله : الوضوء من
كلِّ دمٍ سائل. [١٥٧/١، باب في الوضوء من الخارج من البدن كالرعاف والقيء والحجامة ونحوه ١٥٧/١]
** أخرجه ابن ماجه في سننه عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: قال رسول الله 28ُ: من أصابه قيء أو
رُعافٌ أو قَلْسٌ أومَذِيٌّ فلينصرف فليتوضأ ثم ليَبْنِ على صلاتِه وهو في ذلك لا يتكلّم. [رقم: ١٢٢١] وروى
الترمذي في جامعه عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن رسول الله وَظَّ قاء فأفطر فتوضأ، فَلَقِيْتُ
ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال: صدق أنا صبَيْتُ له وضوءَه. وقال: حديث حسين أصح
شيء في هذا الباب. [رقم: ٨٧، باب ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف]

٣٦
کتاب الطهارات
غير أن الخروجَ إنما يتحقَّق بالسََّلانِ إلى موضع يلحقُه حكمُ التطهير وبمِلء الفم في القيء؟
لأن بزوال القِشْرَة تظهر النَّجَاسَةُ في محلُّها، فتكون باديةً لا خارجةً، بخلاف السبيلين؛ لأن
ذاك الموضع ليس بموضع النجاسة، فيُسْتَدَلُّ بالظهور على الانتقال والخروج. وملءُ الفم.
أن يكون بحالٍ لا يُمكن ضبطُه إلا بتكلّفٍ ◌ٍ؛ لأنه يخرج ظاهرًا فاعتبر خارجًا. وقال زفر
بح اله: قليل القيء وكثيره سواءً، وكذا لا يُشترط السَّيَلاَنُ اعتباراً بالمخرج المعتاد، ولإطلاق قوله
"القَلْسُ حَدَثٌ" . * ولنا: قوله عليها: "ليس في القَطْرَةِ والقطرتين
٥
السلام.
غير أن إلخ: جواب السؤال مقدر وهو أن يقال: شرط صحة القياس أن لا يتغير حكم الأصل ولم يوجد؛ إذ في
الأصل وهو الخارج من السبيلين استوى القليل والكثير وفي الفرع لا, قلنا: مناط الحكم في الأصل والفرع هو
الخروج، والخروج إنما يتحقق بالانتقال عن موضع النجاسة، وفي الأصل يحصل بمجرد الظهور، ولأن ذلك الموضع
ليس موضع النجاسة فإذا ظهرت علم أنها انتقلت إلى موضع آخر، وفي الفرع لا يتحقق الخروج إلا بالسيلان؛ لأن
تحت كل جلدة رطوبة فإذا زالت كانت بادية لا خارجة كالبيت إذا انهدم كان الساكن ظاهراً لا منتقلاً عن
موضعه. (الكفاية) وبملء الفم: معطوف على قوله: بالسيلان وهو أن يكون بحيث لو لم يتكلف خرج، وقيل:
أن يمنعه من الكلام، وقيل: أن يزيد على نصف الفم كذا في "النهاية". [الكفاية ٣٨/١-٣٩]
ليس بموضع النجاسة: أي لأن موضع الطهر ليس محل النجاسة وهو الإحليل وموضع النجاسة المثانة فبالظهور
يعلم أنه قد انتقل عن محله إلى محل آخر. [البناية ١٤١/١] لأنه يخرج ظاهرًا: حاصله أن له شِبْهَين: شبه
بالظاهر إذا فتح الفم، وشبه بالباطن إذا ضم، فالمناسب أن يعتبر في حق الملء الأول؛ لأن الغالب الخروج،
وفي غير الملء يعتبر الثاني؛ لأن الظاهر عدم الخروج. القلس: أي القيء، لكن قال في "المغرب": القَلْس:
القيء ملء الفم، فعلى هذا لا يصح الاستدلال به. القطرة والقطرتين: أراد به القلة، وسماها قطرة؛ لأنه
على عرضية التقاطر، ويدل عليه، قوله: "إلا أن يكون سائلاً". [الكفاية ٣٩/١]
* هذا الحديث أخرجه الدار قطني في سننه قال: حدثنا سوار بن مصعب عن زيد بن علي عن أبيه عن جده
قال: قال رسول الله مُ لّ: "القَلْسُ حَدَثٌ" [١٥٥/١، باب في الوضوء من الخارج من البدن كالرعاف والقيء
والحجامة ونحوه]

٣٧
کتاب الطهارات
من الدم وضوءٌ إلا أن يكون سائلاً" . * وقولُ على ظه حين عَدّ الأحداثَ جملةً: "أو دَسْعَةً
تملأ الفمّ". وإذا تعارضت الأخبار يُحمل ما رواه الشافعي باله على القليل، وما رواه زفر محدثه
على الكثير، والفرق بين المسلكين ما قدمناه. ولو قاء متفرّقًا بحيث لو جُمِعَ يملأً الفمَ، فعند
أبي يوسف رسالته يُعتبر اتحاد المجلس، وعند محمد رسالته يعتبر اتحاد السبب، وهو الغَنّيَانُ.
وقول علي: فلم يعرف، وروى البيهقي في "الخلافيات" عنه مثّ: "يعاد الوضوء من سبع: من إقطار البول،
والدم السائل، والقيء، ومن دَسْعَة تملأ الفم، ونوم المضطجع، وقهقهة الرجل في الصلاة، وخروج الدم". [فتح
القدير ٣٨/١] المسلكين: يعني السبيلين وغيرهما. [فتح القدير ٣٩/١-٤٠] ما قدمناه: أي الفرق بين المخرج
المعتاد وغيره هو جواب لزفر عن اعتباره غير المعتاد بالمعتاد، وقال صاحب "الدراية": أراد بالمسلكين السبيلين
وغيرهما أو الفم والسبيل. وقال السغناقي: والفرق بين المسلكين أي بين الفم والسبيلين، ويروى: والفرق بين
المسألتين، قوله: ما قدمناه يعني في مسألة الدم من كون القليل ناقضاً في السبيلين غير ناقض في غير
السبيلين أو عند قوله "غير أن الخروج" إلى آخره. [البناية ١٤٦/١]
يعتبر اتحاد المجلس: لأن لاتحاد المجلس أثراً في جمع المتفرقات ولهذا تتحد الأقوال المتفرقة في النكاح والبيع وسائر
العقود باتحاد المجلس وكذلك التلاوات المتعددة لآية السجدة تتعدد بتعدد المجلس وتتحد باتحاده، وعند محمد مدلله
اتحاد السبب وهو الغثيان أي إذا قاء ثانياً قبل سكون نفسه من الهيجان والغثيان كان السبب متحداً. وإن كان قاء
بعده كان السبب مختلفاً؛ لأن لاتحاد السبب أثراً أيضاً في اتحاد الحكم ولهذا لو جرح إنساناً جراحات ومات منها قبل
تخلل البرء یتحد الموجب ومتی تخلل البرء يختلف الموجب، وكذا لو مرض العبد في يد البائع فبرئ فباعه فمرض في يد
المشتري إن كان هذا المرض بالسبب الذي في يد البائع يتمكن من الرد وإلا فلا. وكذلك البول في الفراش والسرقة
والإباق. وذكر في "الكافي": والأصح قول محمد محله؛ لأن الأصل إضافة الأحكام إلى الأسباب، وإنما ترك في بعض
الصور للضرورة كما في سجدة التلاوة؛ إذ لو اعتبر السبب لا يبقى التداخل؛ لأن كل تلاوة سبب. وفي الأقارير اعتبر
المجلس للعرف، وفي الإيجاب والقبول لدفع الضرر. [الكفاية ٤٠/١]
* رواه الدار قطني في سننه عن أبي هريرة عن النبي قال: ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن
يكون دمًا سائلاً، خالفه حجاج بن نصير. ورواه أيضاً عن ميمون بن مهران عن أبي هريرة عن رسول الله
** قال: ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء حتى يكون دمًا سائلاً.[١٥٧/١، باب في الوضوء من
الخارج من البدن كالرعاف والقيء والحجامة ونحوه]

٣٨
كتاب الطهارات
ثم ما لا يكون حدثًا لا يكون نجسًا، يُروى ذلك عن أبي يوسف بدله وهو الصحيح؛ لأنه
ليس بنجس حكمًا، حيث لم ينتقض به الطهارة. وهذا إذا قاء مِرَّةً، أو طعامًا، أو ماءً، فإن قاء
بلغمًا فغيرُ ناقض عند أبي حنيفة ومحمد رحمها، وقال أبو يوسف بحالته: ناقض إذا كان ملءَ الفم،
والخلاف في المرتَقِي من الجوف، أما النازل من الرأس فغير ناقض بالاتفاق؛ لأن الرأس ليس
بموضع النجاسة. لأبي يوسف بله: أنه نجس بالمجاورة. ولهما: أنه لزجٌ لا تتخلُّه
النجاسة، وما يتصل به قليل، والقليل في القيء غير ناقض. ولو قاء دمًا وهو عَلَقٌ
وهو الصحيح: احتراز عن قول محمد بدله: إنه نجس، وكان الاسكاف والهندواني يُفتيان بقوله، وجماعة اعتبروا قول
أبي يوسف رفقًا بأصحاب القروح، حتى لو أصاب ثوبَ أحدهم أكثرَ من قدر الدرهم لا تمتنع الصلاة فيه مع أن
الوجه يساعده؛ لأنه ثبت أن الخارج بوصف النجاسة حدث وأن هذا الوصف قبل الخروج لا يثبت شرعاً، وإلا لم
يحصل لإنسان طهارة فلزم أن ما ليس حدثاً لم يعتبر خارجاً شرعاً وما لم يعتبر خارجاً لم يعتبر نجساً فلو أخذ من
الدم البادي في محله بقطنة وألقي في الماء لم يتنحس. [فتح القدير ٤٠/١-٤١]
حكمًا: إشارة إلى أن النجس هو ما يحكم الشرع بنجاسته، والشرع لم يحكم بنجاسته؛ لأن حكمه بالنجاسة
يستلزم كونه حدثاً وليس بحدث لما دل عليه من الدليل فلا يكون نجساً. [العناية ٤٠/١]
وهذا: أي الذي ذكرنا من انتقاض الطهارة بملء الفم. (العناية) مرة: بكسر الميم وتشديد الراء. قال الجوهري: المرة
إحدى الطبائع الأربع، وقال: المرارة التي فيها المرة، والمرة القوة أيضاً, وهي إحدى الطبائع. [البناية ١٤٧/١]
بالمجاورة: أي بمجاورة ما في المعدة من النَّجَاسة، وقد خرج إلى موضع يلحقه حكم التطهير فيكون ناقضاً كالطعام
والصفراء. [العناية ٤١/١] أنه لزجُ: لَزِجَ الشيء إذا كان يتمدد ولا ينقطع، وعن الحلواني: البلغم لزج دسم لا
يمازجه نجاسة. (المغرب) لا تتخلله النجاسة: أي لا يتداخله النجاسة ولا يدخل في أجزائه. [البناية ١٤٨/١]
وهو عَلَق: ذكر شمس الأئمة السرخسي بسطله في "الجامع الصغير": فأما إذا كان الدم منحمداً كالعلق لم
ينقض الوضوء حتى يملأ الفم؛ لأن ذلك ليس بدم، وإنما هي مِرّة سوداء, وبهذا يُعلم أن موصوف السوداء
"المرة" في قوله: "لأنه سوداء محترقة", ثم السوداء المحترقة تخرج من المعدة، وما يخرج من المعدة لا يكون حدثاً ما
لم يكن ملءَ الفم. [الكفاية ٤١/١-٤٢] علق: الدم الجامد الغليظ لتعلق بعضه ببعض، والقطعة منه: علقة،
ومنه قول بعضهم: "دم منجمد منعلق"، وهو قياس لا سماع. (المغرب)

٣٩
كتاب الطهارات
يعتبر فيه ملء الفم؛ لأنه سوداء محترقة، وإن كان مائعًا فكذلك عند محمد رحلته؛ اعتبارًا
بسائر أنواعه، وعندهما: إن سال بقوة نفسه يُنتقض الوضوء وإن كان قليلاً؛ لأنَ المعدة
ليست بمحلّ الدم، فيكون من قُرحَة في الجوف. ولو نزل من الرأس إلى ما لان من
الأنف، نقض الوضوء بالاتفاق؛ لوصوله إلى موضع يلحقه حكم التطهير فيتحقق
الخروج. والنومُ مضطجعًا، أو متَّكًا، أومستندًا إلى شىء لو أزيل عنه لَسَقَطَ؛ لأن
الاضطجاع سبب لاسترخاء المفاصل فلا يَعْرَى عن خروج شيء عادةً،
فكذلك: أي فكان الحكم المذكور يعتبر فيه ملء الفم. (البناية) بسائر أنواعه: وأنواع القيء خمسة: الطعام،
والماء، والمرّة، والصفراء، والسوداء. (الكفاية) فيكون من قُرْحَة: فيعتبر بالخارج من القرحة الظاهرة، والمعتبر هناك
السَّيَلاَن، فكذلك ههنا. ذكر في "مبسوط شيخ الإسلام خواهر زاده": أن قول أبي يوسف في هذه المسألة مضطرب,
منهم من جعله مع محمد بحثه، ومنهم من جعله مع أبي حنيفة بطلبه، واختاره المصنف. (العناية)
من الأنف: أي (الموضع) الذي لان من الأنف يعني المارن. فإن قيل: حكم هذه المسئلة قد علم من قوله
في أول الفصل: "والدم والقيح إذا خرجا من البدن فتجاوزا إلى موضع يلحقه حكم التطهير", فكان ذكره
تكراراً. أجيب: بأن ذكره ههنا ليس لبيان حكمه؛ لكونه معلوماً من ذلك إذا وصل الدم إلى قصبة الأنف،
وإنما ذكره ههنا بياناً لاتفاق أصحابنا, لأن عند زفر لا ينقض بوصوله إلى قصبة الأنف, وإنما ينقض إذا وصل
إلى ما لان، وإليه أشار بقوله: "بالاتفاق", وقوله: "لوصوله إلى موضع يلحقه حكم التطهير", يعني بالاتفاق؛
لعدم الظهور قبل ذلك عند زفر مدله. [العناية ٤٢/١]
مضطجعًا: لأن الاضطجاع سبب لاسترخاء المفاصل، فلا يخلو عن خروج ريح عادةً، والثابت عادةً كالمتيقن
به. (العناية) مستنداً: ولو نام مستنداً إلى شيء لو أزيل لسقط لا ينقض في ظاهر المذهب. وعن الطحاوي
له: أنه ينقض، فإن نام قاعداً فسقط، روي عن أبي حنيفة طه أنه قال: إن انتبه قبل أن يصل جنبه إلى
الأرض لم ينقض وضوؤه؛ لأنه لم يوجد شيء من النوم مضطجعاً وهو الحدث بخلاف ما إذا انتبه بعد
السقوط؛ لأنه وجد شيء من النوم حال الاضطجاع. [الكفاية ٤٢/١-٤٣]