Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ كتاب الأَشْرِبَة لهم في إثبات الحُرْمة: قوله عليه الصلاة والسلام: ((كلّ مسكر خمرٌ))(١). ءِ وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((ما أسكر كثيرُهُ: فقليلُه حرامٌ))(٢). ويُروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((ما أسكر الجَرَّةُ منه: فالجُرْعةُ منه حرامٌ)) (٣). ولأنَّ المُسكِرَ يُفسِدُ العقلَ، فيكون حراماً قليلُه و کثیرُه، كالخمر. ولهما(٤): قولُه عليه الصلاة والسلام: ((حُرِّمتِ الخمرُ لعَيْنِها))(٥). ويُروىُ: ((بعَيْنِها، قليلُها وكثيرُها سواءٌ، والسُّكْرُ من كلَ شرابٍ)). خَصَّ السُّكْرَ بالتحريم في غير الخمر؛ إذِ العطفُ للمغايرة. ولأن المُفْسِدَ هو القَدَحُ المُسكِرُ، وهو حرامٌ عندنا. وإنما يَحرُمُ القليل منه؛ لأنه يدعو لرقَّته ولَطَافِتِهِ إلى الكثير، فَأُعطِيَ حُكمُه. (١) صحيح مسلم (٢٠٠٣). (٢) سنن أبي داود (٣٦٨١)، سنن الترمذي (١٨٦٥)، وقال: حسن غريب، وصححه ابن حبان (٥٣٨٢). (٣) الجَرَّة: معروفة، قال في الدراية ٢٥٠/٢: لم أجده بهذا اللفظ، وفي أبي داود (٣٦٨٧): فمِلْءْ الكَفِّ منه حرامٌ، وفي الترمذي (١٨٦٦): فالحسْوة. (٤) وفي بعض النُّسَخ: ولنا. البناية ١٥/ ١٢١. (٥) المعجم الأوسط (٢٧٣٤)، سنن البيهقي (٢٠٩٤٧)، وينظر الدراية ٢٥١/٢، وفيه كلامٌ، وله طرق وألفاظ متقاربة، ويروى: لعينها، و: بعينها، منية الألمعي ص ٤٠٧. ٢٢ كتاب الأَشْرِبَة والمُثَلَّثُ: لغِلَظه لا يدعو، وهو في نفسِه غذاء، فبقيَ على الإباحة. والحديثُ الأولُ(١): غيرُ ثابتٍ، علىُ ما بيَّنَاه. ثم هو محمولٌ علىُ القَدَحِ الأخير، إذ (٢) هو المُسكِرُ حقيقةً. والذي يُصَبُّ عليه الماءَ بعد ما ذَهَبَ ثلثاه بالطبخ، حتى يَرِقَّ، ثم يُطبَخُ طبخةً: حُكْمُهُ حُكْمُ المثلّث؛ لأن صَبَّ الماءِ لا يزيدُه إلا ضَّعْفاً. بخلاف ما إذا صُبَّ الماءَ على العصير، ثم يُطبَخُ حتى يَذهبَ ثلثا الكلّ(٣)؛ لأن الماءَ يذهبُ أوَّلاً؛ للَطَافَتِهِ، أو يذهبُ منهما، فلا يكون الذاهبُ ثلثي ماءِ العنب. ولو طُبخَ العنبُ كما هو، ثم يُعصَرُ: يُكتَفَى بأدنى طبخةٍ، في روايةٍ عن أبي حنيفة رحمه الله. وُ وفي روايةٍ عنه: أنه لا يَحِلّ ما لم يذهبْ ثلثاه بالطبخ، وهو الأصحُّ؛ لأن العصيرَ قائمٌ فيه من غير تغيُّرٍ، فصار كما بعد العصر. ولو جُمِعَ في الطبخ بين العِنَبِ والتمر، أو بين التمر والزبيب: لا يَحِلُ (١) أي حديث: كل مسكر خمر، وسبق قريباً أنه طعن فيه يحيى بن معين، وينظر البناية ١٥ / ٨٧. (٢) وفي نُسخ: لأنه. (٣) حيث لا يَحِلَّ. البناية ١٢٧/١٥. ٢٣ كتاب الأَشْرِبَة ولا بأس بالانتباذِ في الدُّبَّاءِ، والحَنْتَمِ، والمُزَفَّتِ، والنَّقِير. حتى يذهب ثلثاه؛ لأن التمرَ إن كان يُكتَفَى فيه بأدنىُ طَبْخةٍ، فعصيرُ العنب لا بدَّ أن يَذهبَ ثلثاه، فيُعتبرُ جانبُ العنب؛ احتياطاً. وكذا إذا جُمِعَ بين عصيرِ العنبِ ونقيعِ التمر؛ لِمَا قلنا. ولو طُبِخَ نقيعُ التمرِ ونقيعُ الزبيبِ أدنىُ طَبْخَةٍ، ثم أُنْقِعَ فيه تمرٌ أو زبيبٌ: إن كان ما أُنْقِع فيه شيئاً يسيراً لا يُتَّخذُ النبيذُ من مثله: لا بأس به. وإن كان يُتَّخذُ النبيذُ من مثله: لم يَحِلَّ، كما إذا صُبَّ في المطبوخ قَدَحٌ من نقیعِ. والمعنى فيه: تغليبُ جهةِ الحُرمة. ولا حَدَّ في شُرْبِهِ؛ لأن التحريمَ للاحتياط، وهو في الحَدِّ في دَرْثِه. ولو طُبخَ الخمرُ أو غيرُهُ بعدَ الاشتدادِ حتى يَذهبَ ثلثاه: لم يَحِلّ؛ لأَنَّ الحرمةَ قد تَقرَّرت، فلا ترتفعُ بالطبخ. قال: (ولا بأس بالانتباذِ في الدُّبَّاءِ(١)، والحَنْتَمِ، والمُزَفَّتِ، والنَّقِير). لقوله عليه الصلاة والسلام في حديثٍ فيه طُوْلٌ بعد ذِكْر هذه الأوعية: ((فاشربوا في كلِّ ظَرْفٍ، فإنَّ الظرفَ لا يُحِلَّ شيئاً، ولا يُحرِّمُه، ولا تشربوا المسكِرَ))(٢). (١) الدباء: أي القرع، والحنتم: جرارٌ خضر أو حُمْر، والمزفّت: المطلي بالزفت، والنقير: الخشبة المنقورة. البناية ١٦ /١٣٠. (٢) صحيح مسلم (١٩٩٩). ٢٤ كتاب الأَشْرِبَة وإذا تخلَّلَتِ الخمرُ: حَلَّتْ، سواءٌ صارت خلاّ بنفسها، أو بشيءٍ طُرِحُ فيها، ولا يكره تخليُها . وقال ذلك بعد ما أخبر عليه الصلاة والسلام عن النهي عنه (١)، فكان ناسخاً له. وإنما يُنْتَبَذُ فيه بعد تطهيره. فإن كان الوعاءَ عَتِيقاً: يُغسَلُ ثلاثاً، فيَطهُرُ، وإن كان جديداً: لا يَطهُرُ عند محمدٍ رحمه الله؛ لتشرُّب الخمرِ فيه، بخلاف العتيق. وعند أبي يوسف رحمه الله: أنه يُغسَلُ ثلاثاً، ويُجفَّفُ في كلِّ مرةٍ، وهي مسألةُ: ما لا يَنعصرُ بالعصر(٢). وقيل: عند أبي يوسف رحمه الله: يُملأَ ماءَ مرةً بعدَ أخرى، حتى إذا خَرَجَ الماءُ صافياً غيرَ متغيِّرِ : يُحكَمُ بطهارته. قال: (وإذا تخلَّلَتِ الخمرُ: حَلَّتْ، سواءٌ صارت خلاّ بنفسها، أو بشيءٍ طُرِحُ فيها، ولا يكره تخليلُها). (١) أي النهي عن الانتباذ في المزفت، والدباء، والحنتم، والنقير، كما في صحيح البخاري (٥٣)، صحيح مسلم (١٩٩٢). (٢) والخلاف فيها مشهورٌ، فإنه عند محمد رحمه الله: إذا تنجَّس ما لا ينعصر بالعصر: لا يطهر أبداً، وعند أبي يوسف رحمه الله: يطهر بالغسل ثلاثَ مراتٍ، مع تجفيفه فى كل مرة. اهـ البناية ١٥/ ١٣٣. ٢٥ كتاب الأَشْرِبَة ٩ وقال الشافعي(١) رحمه الله: يُكره التخليلُ، ولا يَحِلّ الخَلّ الحاصل به إن كان التخليلُ بإلقاءِ شيءٍ فيه، قولاً واحداً. وإن كان بغير إلقاءِ شيءٍ فيه: فله في الخَلَّ الحاصلِ به قولان(٢). له (٣): أن في التخليلِ اقتراباً من الخمر على وجه التموُّل، والأمرُ بالاجتناب ینافیه. ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((نَعْمَ الإدامُ: الخَلّ)) (٤)، من غير فَصْلِ(٥). وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((خيرُ خَلَّكُم: خَلُّ خَمْرِكُم))(٦). ولأن بالتخليلِ يزولُ الوصفُ المفسِدُ، وتثبتُ صفةُ الصلاح، من حيث تسكينُ الصفراءِ، وكَسْرُ الشهوة. (١) تقدم عنه تحريم التخليل. نهاية المطلب ١٥٦/٦. (٢) في قول: يحلّ، كقولنا، وهو المعتمد عنده، وفي قول: لا يحل. (٣) أي للإمام الشافعي رحمه الله. (٤) صحيح مسلم (١٦٦). (٥) قوله: من غير فصلٍ ... إلى نهاية الحديث القادم: خَلَّ خمركم: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة. (٦) سنن البيهقي (١١٢٠٣)، معرفة السنن والآثار (١١٧٢٣)، وقال: وهو مما تفرد به المغيرة، وهو ليس بالقوي، الدراية ٢/ ٢٥٢. ٢٦ كتاب الأَشْرِبَة ويكره شُرْبُ دُرْدِيِّ الخمر، والامتشاطُ به. والتغذِّي به، والإصلاحُ: مباحٌ. وكذا الصالح: للمَصالِحِ؛ اعتباراً بالمتخلِّل بنفسه، وبالدباغ. والاقترابُ(١): لانعدام الفساد، فأشبه الإراقةَ. والتخليلُ: أَوْلِئُ؛ لِمَا فيه من إحراز مالٍ يصيرُ حلالاً في الثاني(٢)، فيختارُهُ مَن ابتُلِيَ به. وإذا صار الخمرُ خلاً: يَطهرُ ما يُوازيها من الإناء. فأما أعلاه، وهو الذي نَقَصَ منه الخمر: قيل: يطهرُ تبعاً، وقيل: لا يطهرُ؛ لأنه خمرٌ يابسٌ، إلا إذا غُسِلَ بالخَلِّ، فيتخلَّلُ من ساعته، فيطهرُ. وكذا إذا صُبَّ منه الخمرُ، ثم مُلِىءَ خلاً: يطهرُ في الحال، على ما قالوا. 13 قال: (ويكره شُرْبُ دُرْدِيٌّ(٣) الخمر، والامتشاطُ به)؛ لأن فيه أجزاءً الخمرِ، والانتفاعُ بالمُحرَّم: حرامٌ. ولهذا لا يجوزُ أن يُداوِيَ به جُرْحاً، أو دَبَرَةَ دابةٍ (٤)، ولا أن يَسقيَ ذمياً، ولا أن يَسقِيَ صبياً للتداوي، والوبالُ(٥) على مَن سَقَاه. (١) جوابٌ عن قول الإمام الشافعي رحمه الله: إن في التخليل اقتراباً من الخمر. (٢) أي في الزمن الثاني. (٣) ما يبقىُ ويَرَسُبُ في أسفل الخمر. (٤) الدَّبَرَة: بفتحتين: جرح الدابة. البناية ١٣٩/١٥. (٥) أي الإثم والخطيئة. ٢٧ كتاب الأَشْرِبَة ولا يُحَدُّ شاربُه إن لم يَسْكَرْ. ويكره الاحتقانُ بالخمر، وإقطارُها في الإحليل. وكذا لا يَسقيها الدوابَّ. وقيل: لا تُحمَلُ الخمرُ إليها، أما إذا قِيْدتْ(١) إلى الخمر: فلا بأس به، كما في الكلب، والميتة(٢). ولو أُلقيَ الدُّرْدِيُّ في الخلِّ: لا بأس به؛ لأنه يصيرُ خلاَّ، لكنْ يباحُ حَمْلُ الخلِّ إليه(٣)، لا عكسُه؛ لِمَا قلنا. قال: (ولا يُحَدُّ شاربُه)، أي شارِبُ الدُّرْدِيِّ (إن لم يَسْكَرْ). وقال الشافعي(٤) رحمه الله: يُحَدُّ؛ لأنه شَرِبَ جزءاً من الخمر. ولنا: أن قليلَه لا يدعو إلى كثيرِهِ؛ لِمَا أنَّ في الطِّبَاعِ من النّبْوةِ عنه، فكان ناقصاً، فأشبه غير الخمر من الأشربة، ولا حَدَّ فیھا إلا بالسُّكْر. ولأن الغالبَ عليه الثُّفْلُ، فصار كما إذا غَلَبَ عليه الماءُ بالامتزاج. قال: (ويكره الاحتقانُ بالخمر، وإقطارُها في الإحليل)؛ لأنه انتفاعٌ بالمُحرَّم. (١) أي الدابة. (٢) أي لا تُحمل الميتة إلى الكلب، ولو قِيْدَ إليها: لا بأس به. (٣) أي إلى الدردي. (٤) مغني المحتاج ٥١٧/٥. ٢٨ كتاب الأَشْرِبَة ولا يجبُ الحَدُّ، لعدم الشرب، وهو السبب. ولو جُعِلَ الخمرُ في مَرَقَةٍ: لا تؤكُلُ؛ لتنجُّسِها بها. ولا حَدَّ عليه ما لم يَسكَرْ منه؛ لأنه أصابه الطبخُ. ويكره أَكْلُ خُبزِ عُجِنَ عجينُه بالخمر؛ لقيام أجزاءِ الخمر فيه، والله تعالى أعلم. ٢٩ فصل فصل في طَبْخِ العصير . فصل في طَبْخِ العصير(١) الأصلُ: أنَّ ما ذَهَبَ بغَلَيَانِهِ(٢) بالنار، وقَذْفِهِ بالزَّبَد: يُجعَلُ كأنْ لم يكن، ويُعتبرُ ذهابُ ثُلُثي ما بقيَ؛ لَيَحِلَّ الثلثُ الباقي. بيانُهُ: عشرةُ دَوَارِقَ من عصيرٍ طُبِخَ، فَذَهَبَ دَوْرِقٌ بالزَّبَدِ: يُطَبَخُ الباقي حتى يَذْهبَ ستةُ دوارقَ، ويَبقىُ الثلاثُ: فَيَحِلَّ؛ لأن الذي يذهبُ زَبَداً: هو العصيرُ، أو ما يُمازِجُه. وأيَّاً ما كان: جُعِلَ كأنَّ العصيرَ تسعةُ دوارقَ، فيكون ثُلُها: ثلاثةُ دوارق. وأصلٌ آخَرُ: أنَّ العصيرَ إذا صُبَّ عليه ماءٌ قبلَ الطبخ، ثم طُبِخَ بمائه: إن كان الماءُ أسرعَ ذهاباً لرِقَّته ولَطَافته: يُطَبَخُ الباقي بعد ما ذهب (١) قال في البناية ١١٤/١٥: ما في هذا الفصل ليس بمذكورٍ في الجامع الصغير، ولا في مختصر القدوري، وإنما هو مذكورٌ في المباسيط. (٢) أي ما ذهب من القِدْر من غاية الغليان، وقذفه بالزبد: لا يعتبر. البناية ١٤١/١٥، وفي حاشية نسخة ٧٣٨هـ: أي ما ذهب زَبَدُه بواسطة الغليان، لا أن ينتقصَ بالغليان. ٣٠ في طَبْخِ العصير مقدارُ ما صُبَّ فيه من الماء، حتى يذهبَ ثلثاه؛ لأن الذاهبَ الأولَ: هو الماءَ، والثاني: هو العصيرُ، فلا بدَّ من ذهاب ثلثي العصير. و ووو وإن كانا يذهبان معاً: تُغلَىُ الجملةُ حتى يَذهبَ ثلثاها، ويبقى ثلثها: فَيَحِلَّ؛ لأنه ذَهَبَ الثلثان ماءً وعصيراً، والثلثُ الباقي: ماءً وعصيرٌ، فصار كما إذا صُبَّ الماءُ فيه بعد ما ذَهَبَ من العصير بالغَلْي ثلثاه. بيانُه: عشرةُ دوارقَ من عصيرٍ، وعشرون دورقاً من ماءٍ، ففي الوجه الأول: يُطَبَخُ حتى يَبقىُ تُسْعُ الجملة؛ لأنه ثُلُثُ العصير. وفي الوجه الثاني: حتى يذهبَ ثلثا الجملة؛ لِمَا قلنا. والغَلْيُ بدَفْعةٍ(١) ودَفَعَاتٍ: سواءٌ، إذا حَصَلَ قبلَ أن يصيرَ مُحَرَّماً. ولو قُطِعَ عنه النارُ، فغَلَى حتى ذَهَبَ الثلثان: يَحِلَّ؛ لأنه أثرُ النار. وأصلٌ آخَرُ: أن العصيرَ إذا طُبِخَ، فَذَهَبَ بعضُه، ثم أُهرِيْقَ بعضُه: كم تُطبَخُ البقيةُ حتى يذهبَ الثلثان؟ فالسبيلُ فيه: أن تَأخذَ ثُلُثَ الجميع، فَتَضرِبَه في الباقي بعد المُنْصَبِّ، ثم تقسِمَهَ على ما بقِيَ بعد ذهابٍ ما ذَهَبَ بالطبخ قبلَ أن يَنصَبَّ منه شيء، فما يَخرجُ بالقسمة: فهو حلال. بيانُه: عشرةُ أرطال عصير، طُبِخَ حتى ذَهَبَ رِطْلٌ، ثم أُهريقَ منه ثلاثةُ أرطال: تأخذُ ثُلُثَ العصير كلُّه، وهو ثلاثةٌ وثلثٌ، وتَضربُه فيما بقي بعد (١) أي واحدةٍ. ٣١ في طَبْخِ العصير المُنْصَبِّ، وهو ستةٌ: فيكونُ عشرين. ثم تَقسِمُ العشرين على ما بقيَ بعد ما ذَهَبَ بالطبخ منه قبلَ أن يَنْصَبَّ منه شيء، وذلك تِسعةٌ، فَيَخرجُ لكلِّ جزءٍ من ذلك اثنان وتُسْعان، فعَرَفْتَ أن الحلالَ فيما بقيَ منه: رِطلان وتُسْعان. وعلى هذا تُخرَّجُ المسائل. ولها طريقٌ آخَرُ، وفيما اكتفينا به كفايةٌ وهدايةً إلى تخريج غيرِها من المسائل، والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٢ کتاب الصَّيْد كتاب الصَّيْد كتاب الصَّْد قال رضي الله عنه: الصيدُ: الاصطيادُ، ويُطلَقُ على ما يُصادُ. والفعلُ(١): مباحٌ لغير المُحْرِمِ في غيرِ الحَرَمِ؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ ﴾. المائدة/ ٢. ولقولِه عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اْلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾. المائدة/٩٦. ولقوله عليه الصلاة والسلام لعَدِيِّ بن حاتم الطائِيِّ رضي الله عنه: ((إذا. أرسلتَ كلبَكَ المعلّمَ، وذَكَرْتَ اسمَ اللهِ تعالى عليه: فَكُلْ، وإن أَكَلَ منه: فلا تأكُّلْ؛ لأنه إنما أمسَكَ على نفسِهِ. وإن شارَكَ كلَبَكَ كلبٌ آخَرُ: فلا تأكل، فإنكَ إنما سمَّيَتَ على كلبِكِ، ولم تُسَمِّ على كلبِ غيرِك))(٢). وعلى إباحته انعقد الإجماعُ. ولأنه نوعُ اكتسابٍ، وانتفاعٌ بما هو مخلوقٌ لذلك. (١) أي فعل الاصطياد. (٢) صحيح البخاري (٧٣٩٧)، صحيح مسلم (١٩٢٩). ٣٣ كتاب الصَّيْد وفيه استبقاءَ المكلّفِ(١)، وتمكّنُه من إقامة التكاليف، فكان مباحاً، بمنزلة الاحتطاب. ثم جملةُ ما يحويه الكتاب(٢) فصلان: أحدُهما: في الصيد بالجوارح، والثاني: في الاصطياد بالرَّمي. (١) لأنه لو لم ينتفع بما فيه نفعه: يَهلك. البناية ١٤٨/١٥. (٢) أي كتاب الصيد. ٣٤ فصلٌ في الجوارح فصلٌ في الجوارح ويجوز الاصطيادُ بالكلب المعلِّم، والفهدِ، والبازِيْ، وسائرِ الجوارحِ المعلَّمة. وفي ((الجامع الصغير)): وكلُّ شيءٍ علَّمْتَه من ذِي نابٍ من السباع، وذي مِخلَبِ من الطيور: فلا بأسَ بصيدِهِ، ولا خيرَ فيما سوى ذلك إلا أن تُدرِكَ ذکاتَه. فصل في الجوارح قال: (ويجوز الاصطيادُ بالكلب المعلّم، والفهدِ، والبازِيْ، وسائرِ الجوارحِ المعلَّمة. وفي ((الجامع الصغير(١)): وكلَّ شيءٍ علَّمْتُه من ذِي نابٍ من السباع، وذي مِخلَب من الطيور(٢): فلا بأسَ بصيدِه، ولا خير (٣) فيما سوى ذلك إلا أن تُدرِكَ ذكاتَه). والأصلُ فيه: قولُه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِ مُكِينَ﴾. المائدة/ ٤. (١) ص ٢٦٣. (٢) وفي نُسخ: الطير. (٣) أى لا يجوز. البناية ١٤٩/١٥. ٣٥ فصلٌ في الجوارح والجوارحُ: الكواسِبُ(١)، في تأويلٍ(٢). والمكلِِّيْن: المُسَلِّطين(٣)، فيتناولُ الكلَّ بعمومه. دلَّ عليه(٤): ما روينا من حديث عَدِيٌّ بن حاتم رضي الله عنه. واسمُ الكلبِ: في اللغة: يقعُ على كلِّ سَبْعٍ، حتى الأسدِ. وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه استثنى من ذلك الأسدَ، والدُّبَّ؛ لأنهما لا يَعمَلان لغيرهما، أما الأسدُ: لعُلُوِّ هِمَّتَه، والدُّبُّ: لخَسَاسِتِهِ. وأَلْحَقَ بهما بعضُهم: الحِدَأَةَ؛ لخساستها(٥). والخنزيرُ: مستثنىَّ؛ لأنه نَجسُ العين، لا (٦) يجوز الانتفاعُ به. ثم لا بدَّ من التعليم؛ لأن ما تلَوْنا من النص ينطِقُ باشتراط التعليم، والحديثِ: به، وبالإرسال(٧). (١) من سباع البهائم والطير، كالكلب والفهد والنمر والصقر والبازي، سمِّيت: كواسب: لأنها كواسبُ بنفسها، يقال: جَرَحَ: إذا كَسِبَ، ومنه قوله سبحانه: ﴿ وَيَعْلَمُ مَاجَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. الأنعام/ ٦٠، أي ما كسبتم في الأيام. البناية ١٤٩/١٥. (٢) قيَّد به؛ لأنه في تأويلٍ آخر: هي التي تجرح. (٣) أي المسلِّطين الجوارِحَ على الصيد. (٤) أي على العموم. (٥) وفي نُسخ: لخساسته. (٦) وفي نُسخ: ولا. (٧) أي وينطق الحديثُ باشتراط التعليم، وينطق باشتراط الإرسال. ٣٦ فصلٌ في الجوارح وتعليمُ الكلب : أن يَتَرُكَ الأكلَ ثلاثَ مرَّاتٍ، وتعليمُ البازي: أن يرجعَ، ويُجيبَ إذا دَعوتَه. ولأنه إنما يَصيرُ آلةً: بالتعليم؛ ليكونَ عامِلاً له، فيترسَّلُ بإرساله، ويُمسكُه علیه. قال: (وتعليمُ الكلب: أن يَترُكَ الأكلَ ثلاثَ مرَّاتٍ، وتعليمُ البازي: أن يرجعَ، ويُجيبَ إذا دَعوتَه). وهو مأثورٌ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما(١). ولأن بَدَنَ البازيْ: لا يحتملُ الضربَ، وبَدَنَ الكلبِ: يحتملُه، فيُضِرَبُ ليتركَ الأكلَ. ولأنَّ آيةَ التعليم(٢): تَرْكُ ما هو مألوفُه عادةً، والبازيْ متوحِّشٌ متنفِّرٌ، فكانتِ الإجابةُ آيَةَ تعليمه. أما الكلبُ فهو أَلُوفٌ، يعتادُ الانتهابَ، فكان آيةُ تعليمِهِ: تَرْكَ مألوفِهِ، وهو الأكلُ والاستلابُ. ثم شُرِطَ تَرْكُ الأكلِ ثلاثاً، وهذا عندهما، وهو روايةٌ عن أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن فيما دونَه مزيدَ الاحتمال، فلعله تَركَه مرةً أو مرتين شِبَعاً، (١) قال في نصب الراية ٣١٤/٤: غريب، وفي الدراية ٢٥٤/٢: لم أجده، وتعقبهما العلامة قاسم في منية الألمعي ص ٤٠٧، التعريف والإخبار ١٠/٤، فقال: رواه محمد في الآثار، والأصل. (٢) وفي نُسخ: التعلّم. ٣٧ فصلٌ في الجوارح فإذا تَركَه ثلاثاً: دلَّ على أنه صار عادةً له. وهذا لأنَّ الثلاثَ: مدةٌ ضُرِبتْ للاختبار، وإيلاءِ الأعذار، كما في مدة الخِيَارِ(١)، وفي بعض قصص الأخيار(٢). ولأن الكثيرَ: هو الذي يقعُ أمارةَ على العلم، دون القليل، والجَمْعُ: هو الكثيرُ، وأدناه: الثلاثُ، فقُدِّرَ بها. وعند أبي حنيفة رحمه الله، على ما ذَكَرَ في ((الأصل)): لا يثبتُ التعليمُ ما لم يَغْلِبْ على ظنِّ الصائدِ أنه معلَّمٌ، ولا يُقدَّرُ بالثلاث؛ لأن المقاديرَ لا تُعرَفُ اجتهاداً، بل نصَّاً وسماعاً، ولا سَمْعَ، فيُفوَّضُ إلى رأي المبتلَىُ به، كما هو أصلُهُ(٣) في جنسِها. وعلى الروايةِ الأُولىُ عنده: يَحِلُّ ما اصطاده ثالثاً. وعندهما: لا يَحِلُّ؛ لأنه إنما يصيرُ معلَّماً بعد تمامِ الثلاث، وقبلَ التعليم: غيرُ معلَّمٍ، فكان الثالثُ صيدَ كلبٍ جاهلٍ، وصار كالتصرُّفِ (١) أي خيار البيع والشراء؛ لأنها ثلاثة أيام. (٢) أراد قصة موسى والخَضِر عليهما الصلاة والسلام، حيث قال موسى للخضر في المرة الثالثة: ﴿ إِن سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِتْنِى﴾. الكهف/٧٦، وأمثال ذلك كثيرة. (٣) أي أصل الإمام أبي حنيفة رحمه الله في جنس المقادير، نحو حَبْس الغريم، وحدِّ التقادم، وتقدير ما غَلَبَ في نَزْح ماءِ البئر المَعِينة. الكفاية ٤٧/٩، البناية ١٥٤/١٥. ٣٨ فصلٌ في الجوارح وإذا أرسل كلبَه المعلّمَ أو بازِيَه، وذَكَرَ اسمَ الله تعالى عند إرساله، فَأَخَذَ الصيدَ، وجَرَحَه، فمات : حَلَّ أكلُه. المباشر في سكوت المولىُ(١). وله: أنه آيةُ تعليمِهِ عنده، فكان هذا صيدَ جارحةٍ معلَّمةٍ. بخلاف تلك المسألة؛ لأن الإذنَ إعلامٌ، ولا يتحقّقُ دونَ علمِ العبد، وذلك بعد المباشرة. قال: (وإذا أرسل كلبَه المعلَّمَ أو بازِيَه، وذَكَرَ اسمَ الله تعالى عند إرساله، فَأَخَذَ الصيدَ، وجَرَحَه، فمات: حَلَّ أكلُه)؛ لِمَا روينا من حديث عَدِيٍ(٢) رضي الله عنه. ولأنَّ الكلبَ أو البازيَ آلةٌ، والذبحُ لا يحصلُ بمجرد الآلةِ، إلا بالاستعمال، وذلك فيهما بالإرسال، فتُزِّلَ منزلةَ الرمي، وإمرارِ السكّيْن، فلا بدَّ من التسمية عنده. ولو تَرَكَه ناسياً: حَلَّ أيضاً، على ما بيَّنَاه، وحُرمةَ متروكِ التسمية عامداً في الذبائح(٣). (١) يعني إذا رأى المولىُ العبدَ يتصرَّفُ، فسكت: يكون إذناً له فيما بعد، والتصرفُ الذي يباشرُه: غيرُ صحيحٍ، بالاتفاق. البناية ١٥ / ١٥٤. (٢) تقدم في أول الصيد. (٣) أي بيَّن المسألتين، وهما: ما لو تركه ناسياً، وبيَّن حرمةَ متروك التسمية عمداً في كتاب الذبائح، وينظر ما نقلتُه في حِلُّه عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. ٣٩ فصلٌ في الجوارح فإن أَكَلَ منه الكلبُ أو الفهدُ: لم يُؤْكَلْ، وإن أَكَلَ منه البازِي: أُكِلَ. ولا بدَّ من الجَرحِ، في ظاهر الرواية؛ لتتحقَّقَ الذكاةُ الاضطراريةُ، وهي الجَرْحُ في أيِّ موضعٍ كان من البَدَن، بانتساب ما وُجدَ من الآلة إليه بالاستعمال(١). وفي ظاهر قولِه تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُم ◌ِنَ الْجَوَارِجِ﴾. المائدة / ٤: ما يُشيرُ إلى اشتراطِ الجَرْحِ، إذ هو من الجَرْحِ: بمعنى الجراحة، في تأويلٍ (٢)، فيُحمَلُ على الجارحِ الكاسبِ بنابِهِ ومِخلَبِهِ، ولا تنافيَ، وفيه أَخْذٌ باليقين. وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه لا يُشترطُ؛ رجوعاً إلى التأويل الأول. و جوابُه: ما قلناه. قال: (فإن أَكَلَ منه الكلبُ أو الفهدُ: لم يُؤْكَلْ، وإن أَكَلَ منه البازِي: أُكِلَ)، والفرقُ ما بيَّنَّاه في دلالة التعليم. وهو مؤيّدٌ بما رويناه من حديث عَدِيِّ رضي الله عنه. وهو حُجَّةٌ على مالكٍ(٣)، وعلىُ الشافعيّ(٤) رحمهما الله في قولِه القديم، في إباحة ما أَكَلَ الكلبُ منه. (١) أي إلى الصائد. البناية ١٥٧/١٥. (٢) لا بمعنى الجرح الذي هو الكسب، على أحد التأويلين. (٣) التلقين ص٧٩. (٤) كفاية النبيه ١٨٠/٨. ٤٠ فصلٌ في الجوارح ولو أنه صاد صُوداً، ولم يَأكلْ منها، ثم أَكَلَ من صيدٍ : لا يُؤْكلُ هذا الصیدُ. قال: (ولو أنه صاد(١) صُيُوداً، ولم يَأكلْ منها، ثم أَكَلَ من صيدٍ: لا يُؤكلُ هذا الصيدُ)؛ لأنه علامةُ الجهل، ولا ما يصيدُه بعدَه حتى يصيرَ معلَّماً، على اختلاف الروايات(٢)، كما بيَّنَّاها في الابتداء. وأما الصُّيُودُ التي أَخَذَها من قَبْلُ: فما أَكَلَ منها: لا تَظهرُ الحُرْمةُ فيه؛ لانعدام المَحَلِّية(٣). وما ليس بمُحْرَزِ، بأن كان في المفازةِ، بأن لم يَظفَرْ به صاحبُهُ(٤) بعدُ: تثبتُ الحُرْمةُ فيه، بالاتفاق. وما هو مُحْرَزٌ في بيته: يَحرُمُ عنده، خلافاً لهما. هما يقولان: إنَّ الأكلَ لا يدلّ على الجهل فيما تقدم؛ لأن الحِرفةَ قد ثُنسى. ولأن فيما أحرزه قد أُمضِيَ الحُكمُ فيه بالاجتهاد، فلا يُنقَضُ باجتهادٍ مثلِهِ؛ لأن المقصودَ قد حَصَلَ بالأول. بخلاف غيرِ المُحرَز؛ لأنه ما حَصَلَ المقصودُ من كل وجهٍ؛ لبقائه صيداً من وجهٍ؛ لعدم الإحراز، فحرَّمناه احتياطاً. (١) أي الكلب. (٢) فعند أبي حنيفة رحمه الله: بالاجتهاد، وعندهما: بترك الأكل ثلاثاً. (٣) لأن الحكم بالحرمة لا يُتُصوَّرُ إلا في محلٌّ قائمٍ، وقد فات المحلُّ بالأكل. (٤) قوله: بأن لم يظفر به صاحبُه: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.