Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب الوديعة
وإن خَلَطَها المودَعُ بمالِه، حتى لا تتميَّزُ: ضَمِنَها، ثم لا سبيلَ
للمودعٍ عليها عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : إذا خَلَطَها بجنسها : شَرِكَه إن شاء.
قال: (وإن خَلَطَها المودَعُ بمالِه، حتى لا تتميّزُ: ضَمِنَها، ثم لا سبيلَ
للمودِعِ عليها عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: إذا خَلَطَها بجنسها: شَرِكَه(١) إن شاء)، مثلَ أن يَخلِطَ الدراهمَ
البِيْضَ بالبِيض، والسُّودَ بالسُّودِ، والحنطةَ بالحنطةِ، والشعيرَ بالشعير.
لهما: أنه لا يُمكِّنُه الوصولُ إلى عَيْنِ حَقُّه صورةً، وأمكنه معنىً
بالقسمة، فكان استهلاكاً من وجهٍ، دون وجهٍ، فيميلُ إلى أيِّهما شاء.
وله: أنه استهلاكٌ من كل وجهٍ؛ لأنه فِعْلٌ يَتَعذَّرُ معه الوصولُ إلى عَيْن
حَقِّه، ولا معتبرَ بالقسمة؛ لأنها من موجبات الشركة، فلا تصلُحُ موجبَةً لها.
ولو أبرأ الخالِطَ (٢): لا سبيلَ له على المخلوط عند أبي حنيفة رحمه
الله؛ لأنه لا حَقَّ له إلا في الدَّين، وقد سقط.
وعندهما: بالإبراء تسقطُ خِيرةُ الضمان، فتتعيَّن الشركةُ في المخلوط.
س
وخَلْطُ الخَلِّ بالزيت، وكلّ مائع بغير جنسه: يوجِبُ انقطاعَ حَقِّ
المالك إلى الضمان، وهذا بالإجماع؛ لأنه استهلاكٌ صورةً، وكذا معنىً؛
التعذُّر القسمةِ باعتبار اختلافِ الجنس.
(١) أي شَرِكَ المودِعُ المودَعَ.
(٢) بفتح الطاء، أي أبرأ المالكُ المودَعَ الخالِطَ عن الضمان. البناية ١٢ /٤٤١.

٤٦٢
كتاب الوديعة
وإن اختلطتْ بمالِه من غيرِ فِعلِه : فهو شريكٌ لصاحبها.
فإن أنفق المودَعُ بعضَها، ثم ردَّ مثلَه، فخَلَطَه بالباقي: ضَمِنَ الجميعَ.
وإذا تعدَّى المودَعُ في الوديعة، بأن كانت دابةً فركِبَها، أو ثوباً .....
ومن هذا القَبَيْل: خَلْطُ الحنطةِ بالشعير، في الصحيح؛ لأن أحدَهما لا
يخلو عن حبَّاتِ الآخَر، فتعذَّر التمييزُ والقسمة.
ولو خُلَطَ المائعُّ بجنسه: فعند أبي حنيفة رحمه الله: ينقطعُ حَقُّ المالكِ
إلى الضمان؛ لأنه استهلاكٌ؛ لِمَا ذكرنا.
وعند أبي يوسف رحمه الله: يُجعَلُ الأقلُّ تابعاً للأكثر؛ اعتباراً للغالب
أجزاء.
وعند محمدٍ رحمه الله: شَركَه بكلِّ حال؛ لأن الجنسَ لا يَغْلِبُ الجنسَ
عنده، على ما مَرَّ في الرضاع.
ونظيرُه: خَلْطُ الدراهمِ بمثلها إذابةً؛ لأنه يصيرُ مائعاً بالإذابة.
قال: (وإن اختلطتْ بمالِه من غيرِ فِعلِه: فهو شريكٌ لصاحبها)؛ كما إذا
انشقَّ الكِيْسان، فاختلطا؛ لأنه لا يضمنُها؛ لعدم الصُّنْع منه، فيشتركان،
وهذا بالاتفاق.
قال: (فإن أنفق المودَعُ بعضَها، ثم ردَّ مثلَه، فخَلَطَه بالباقي: ضَمِنَ
الجميعَ)؛ لأنه خَلَطَ مالَ غيرِه بماله، فيكونُ استهلاكاً على الوجه الذي تقدَّم.
قال: (وإذا تعدَّى المودَعُ في الوديعة، بأن كانت دابةً فركِبَها، أو ثوباً

٤٦٣
كتاب الوديعة
فَلَبِسَه، أو عبداً فاستخدَمَه، أو أودَعَها عند غيره، ثم أزال التعدَّيَ، فردَّها
إلى يده : زال الضمانُ.
فإن طَلَبَها صاحبُها، فجَحَدَها : ضَمِنَها.
فإن عاد إلى الاعتراف : لم يبرأ عن الضمان.
فَلَبِسَه، أو عبداً فاستخدَمَه، أو أودَعَها عند غيره، ثم أزال التعدَّيَ، فردَّها
إلى يده: زال الضمانُ).
وقال الشافعي(١) رحمه الله: لا يبرأُ عن الضمان؛ لأن عقدَ الوديعةِ ارتفع
حين صار ضامناً؛ للمنافاة بين الموجبَيْن، فلا يبرأ إلا بالردِّ على المالك.
ولنا: أن الأمرَ باقٍ؛ لإطلاقه، وارتفاعُ حُكْمِ العقدِ ضرورةَ ثبوتِ
نقيضه، فإذا ارتفع النقيضُ: عاد حُكمُ العقد، كما إذا استأجره للحفظ
شهراً، فتَرَكَ الحفظَ في بعضِهِ، ثم حَفِظَ في الباقي، فحَصَلَ الردُّ إلى يدِ
نائب المالك.
قال: (فإِن طَلَبَها صاحبُها، فجَحَدَها: ضَمِنَها)؛ لأنه لَمَّا طالَبَه بالردِّ:
فقد عَزَلَه عن الحفظ، فبعدَ ذلك هو بالإمساك غاصبٌ مانعٌ، فيضمنُها.
قال: (فإن عاد إلى الاعتراف: لم يبرأ عن الضمان)؛ لارتفاع العقدِ،
إذِ المطالبةُ بالرد: رَفْعٌ من جهته، والجحودُ فَسْخٌ من جهة المودَع،
كجحود الوكيل الوكالةَ، وجحودِ أحدِ المتعاقدين البيعَ، فَتَمَّ الرفعُ.
(١) الحاوي الكبير ١٢٤/٧.

٤٦٤
كتاب الوديعة
وللمودَعِ أن يُسافِرَ بالوديعة وإن كان لها حَمْلٌ ومُؤنةٌ عند أبي حنيفة
رحمه الله، وقالا : ليس له ذلك إذا كان لها حَمْلٌ ومؤنةٌ .
أو لأن المودَعَ ينفردُ بعزل نفسِهِ بمَحضَرٍ من المستودعِ، كالوكيل
يملكُ عَزْلَ نفسِهِ بحضرة الموكِّل، وإذا ارتفع: لا يعودُ إلا بالتجديد، فلم
يوجَدِ الردُّ إلى نائب المالك، بخلاف الخِلاف(١)، ثم العودُ إلى الوفاق.
ولو جَحَدَها عند غير صاحبها: لا يَضمَنُها عند أبي يوسف رحمه الله،
خلافاً لزفر رحمه الله؛ لأن الجحودَ عند غيره من باب الحفظ؛ لأن فيه
قَطْعَ طَمَعِ الطامِعِين معنىً.
ولأنه لا يملكُ عَزْلَ نفسِه بغير مَحضَرِ منه، أو طَلَبه، فبقِيَ الأمرُ،
بخلاف ما إذا كان بحضرته.
قال: (وللمودَع أن يُسافِرَ بالوديعة(٢) وإن كان لها حَمْلٌ ومُؤنةٌ عند أبي
حنيفة رحمه الله، وقالا: ليس له ذلك إذا كان لها حَمْلٌ ومؤنةٌ).
وقال الشافعي(٣) رحمه الله: ليس له ذلك في الوجهين.
لأبي حنيفة رحمه الله: إطلاقُ الأمر(٤).
(١) أراد بالخلاف الأول: الخلافَ في الحكم، وبالخلاف الثاني: خلافَ المودَع
بالفعل. البناية ١٢ /٤٤٨.
(٢) وفي نُسخ: بمال الوديعة وإن كان له حملٌ ومؤنة. بالتذكير.
(٣) نهاية المطلب ٣٧٦/١١.
(٤) أي إطلاق أمر الآمر.

٤٦٥
كتاب الوديعة
وإذا نَهَاه المودِعُ أن يَخرُجَ بالوديعة، فخَرَجَ بها : ضَمِنَ.
وإذا أَودَعَ رجلان عند رجلٍ وديعةً، فحَضَرَ أحدُهما يَطلُبُ نصيبَه: لم
يَدفعْ إليه نصيبَه حتى يَحضُرَ الآخَرُ عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : يدفعُ إليه نصيبه.
والمَفازةُ: مَحَلَّ للحفظِ إذا كان الطريقُ آمِناً، ولهذا يملكُهُ(١) الأبُ
والوصيُّ في مال الصبي.
ولهما: أنه تلزمُه مؤنةُ الردِّ فيما له حَمْلٌ ومؤنةٌ، والظاهرُ أنه لا يرضىُ
به، فیتقيّد.
والشافعيُّ رحمه الله يُقيِّدُه بالحفظ المتعارف، وهو الحفظُ في الأمصار،
وصار کالاستحفاظ بأجرٍ.
قلنا: مؤنةُ الردِّ تلزمُه في مِلكِهِ ضرورةَ امتثال أمرِهِ، فلا يُبالَى به،
والمعتادُ كونُهم في المصر، لا حفظُهم في المصر، ومَنَ يكونُ في المَفَازة
يحفظُ مالَه فيها، بخلاف الاستحفاظ بأجرٍ؛ لأنه عقد معاوضةٍ، فيقتضي
التسليمَ في مكانِ العقد.
قال: (وإذا نَهَاه المودِعُ أن يَخرُجَ بالوديعة، فخَرَجَ بها: ضَمِنَ)؛ لأن
التقييدَ مفيدٌ، إذِ الحفظُ في المصر أبلغُ، فكان صحيحاً.
قال: (وإذا أَودَعَ رجلان عند رجلٍ وديعةً، فحَضَرَ أحدُهما يَطلُبُ
نصيبَه: لم يَدفعْ إليه نصيبَه حتى يَحضُرَ الآخَرُ عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: يدفعُ إليه نصيبه).
(١) أي يملك الأب والوصي السفر بمال الصغير في المفازة بشرط الأمن.

٤٦٦
كتاب الوديعة
وفي ((الجامع الصغير(١)): ثلاثةٌ استودعوا رجلاً ألفاً، فغاب اثنان:
فليس للحاضر أن يأخذَ نصيبَه عنده، وقالا: له ذلك.
والخلافُ في المَكيل والموزون(٢)، وهو المرادُ بالمذكور في ((المختصر(٣).
لهما: أنه طالَبَه بدفع نصيبِه: فيُؤْمَرُ بالدفع إليه، كما في الدَّيْن
المشترك، وهذا لأنه يطالبُه بتسليم ما سَلَّمَ إليه، وهو النصفُ، ولهذا كان
له أن يأخذَه، فکذا یُؤْمَرُ هو بالدفع إلیه.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه طالَبَه بدفع نصيب الغائب؛ لأنه يطالبُه
بالمُفرَز، وحقّه في المُشاع، والمُفرَزُ المعيَّنُ يشتملُ على الحقَّيْن، ولا
وُ
يتميَّزُ حقّه إلا بالقسمة، وليس للمودَعِ ولايةَ القسمة، ولهذا لا يقعُ دفعُه
قسمةً، بالإجماع.
بخلاف الدَّيْن المشترك؛ لأنه يطالبُه بتسليم حقُّه؛ لأن الديون تُقضى
بأمثالها.
وقولُه(٤): له أن يأخذَه.
قلنا: ليس من ضرورته أن يُجَبَرَ المودَعُ على الدفع، كما إذا كان له(6)
(١) ص٢١٣.
(٢) احترازاً عن غير ذوات الأمثال.
(٣) أي مختصر القدوري.
(٤) يرجع الضمير إلى القائل المعهود في الذهن، أي قول القائل نصرةً لقولهما
كذا وكذا. البناية ١٢ / ٤٥٦.
(٥) أي المودع.

٤٦٧
كتاب الوديعة
وإن أَوْدَعَ رجلٌ عند رجلَيْن شيئاً مما يُقْسَمُ: لم يَجُزْ أن يدفعَه أحدُهما
إلى الآخَر، ولكنهما يقتسمانه، فَيَحفظُ كلّ واحدٍ منهما نصفَه.
وإن كان مما لا يُقْسَمُ: جاز أن يَحفظَه أحدُهما بإذن الآخَر.
ألفُ درهم وديعةً عند إنسانٍ، وعليه ألفٌ لغيره: فلغريمِه(١) أن يأخذَه إذا
ظَفِرَ به (٢)، وليس للمودَعِ أن يدفعَه إليه(٣).
قال: (وإن أَوْدَعَ رجلٌ عند رجلَيْن شيئاً مما يُقْسَمُ: لم يَجُزْ أن يدفعَه
أحدُهما إلىُ الآخَر، ولكنهما يقتسمانه، فيَحفظُ كلّ واحدٍ منهما نصفَه.
وإن كان مما لا يُقْسَمُ: جاز أن يَحفظَه أحدُهما بإذن الآخَر)، وهذا
عند أبي حنيفة رحمه الله.
وكذلك الجوابُ عنده في المرتَهنَيْن والوكيلَيْن بالشراء إذا سَلَّم
أحدُهما إلى الآخَر.
وقالا: لأحدهما أن يَحفظَ بإذن الآخَر في الوجهَيْن.
لهما: أنه رضيَ بأمانتهما، فكان لكلِّ واحدٍ منهما أن يُسلِّمَ إلى الآخَر
من غير رضا المالك(٤)، ولا يَضْمَنُه، كما فيما لا يُقْسَم.
وله: أنه رضيَ بحفظهما، ولم يَرْضَ بحفظ أحدِهما كلَّه؛ لأن الفعلَ
(١) أي لغريم المودع.
(٢) أي أن يأخذ الألف إن كان من جنس حقه. البناية ١٢ /٤٥٦.
(٣) أي إلى إلى الغريم.
(٤) قوله: من غير رضا المالك: مثبتٌ في نسخة ٧٣٨هـ، وغيرها.

٤٦٨
کتاب الوديعة
وإذا قال صاحبُ الوديعة للمودَع: لا تسلُّمْها إلى زوجتك، فسلَّمَها
إليها : لا يَضمنُ.
وفي ((الجامع الصغير)) : إذا نهاه أن يدفعَها إلى أحدٍ من عِيَاله، فدَفَعَها
إلىْ مَن لا بُدَّ له منه: لم يَضمن، وإن كان له منه بُدُّ: ضَمِنَ.
متى أُضيف إلى ما يَقبلُ الوصفَ بالتجزُّى تناولَ البعضَ، دونَ الكلِّ،
فوقع التسليمُ إلى الآخَر من غيرِ رضا المالكِ، فَيَضمنُ الدافعُ، ولا يضمنُ
القابضُ؛ لأن مودَعَ المودَعِ عنده لا يَضمنُ.
وهذا بخلاف ما لا يُقْسَم؛ لأنه لَمَّا أودعهما، ولا يُمكنُهما الاجتماعُ
عليه آناءَ الليلِ والنهار، وأمكنَهما المُهايأة: كان المالكُ راضياً بدفع الكلّ
إلى أحدِهما في بعضِ الأحوال.
قال: (وإذا قال صاحبُ الوديعةِ للمودَع: لا تسلُّمْها إلى زوجتك،
فسلَّمَها إليها: لا يَضمنُ.
وفي ((الجامع الصغير(١)): إذا نهاه أن يدفعَها إلى أحدٍ من عِيَاله،
فدَفَعَها إلى مَن لا بُدَّ له منه: لم يَضمن).
كما إذا كانت الوديعةُ دابةً، فنهاه عن الدفع إلى غلامه.
وكما إذا كانت شيئاً يُحفَظُ على يدِ النساء، فنهاه عن الدفع إلى
امرأته، وهو مَحْمِلُ الأول؛ لأنه لا يُمكِنُ إقامةُ العملِ مع مراعاة هذا
الشرطِ وإن كان مفيداً، فيلغو.
(وإن كان له منه بُدُّ: ضَمِنَ)؛ لأن الشرطَ مفيدٌ؛ لأن من العيال مَن لا
(١) ص ٢١٣.

٤٦٩
كتاب الوديعة
وإن قال : احفَظْها في هذا البيت، فحَفِظَها في بيتٍ آخَرَ من الدار: لم
يَضمَنْ.
وإن قال : احفَظْها في هذه الدار، فحَفِظَها في دارِ أخرى : ضَمِنَ.
ومَن أَودع رجلاً وديعةً، فأودعها آخَرَ، فَهَلَكَتْ: فله أن يُضمِّنَ
الأولَ، وليس له أن يُضمِّنَ الآخِرَ، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله .
يُؤْتمَنُ على المال، وقد أمكن العملُ به مع مراعاةٍ هذا الشرط، فاعتُبر.
قال: (وإن قال: احفَظْها في هذا البيت، فحَفِظَها في بيتٍ آخَرَ من
الدار: لم يَضمَنْ)؛ لأن الشرطَ غيرُ مفيدٍ، فإن البيتَيْن في دارٍ واحدةٍ: لا
يتفاوتان في الحرز.
قال: (وإن قال: احفَظْها في هذه الدار، فحَفِظَها(١) في دارِ أخرى:
ضَمِنَ)؛ لأن الدارَيْن تتفاوتان في الحِرْز، فكان مفيداً، فصحَّ التقييد.
ولو كان التفاوتُ بين البيتَيْن ظاهراً، بأن كانتِ الدارُ التي فيها البيتان
عظيمةً، والبيتُ الذي نهاه عن الحفظ فيه عورةٌ ظاهرةً: صحَّ الشرط.
قال: (ومَن أَودع رجلاً وديعةً، فأودعها آخَرَ، فهَلَكَتْ: فله أن يُضمِّنَ
الأولَ، وليس له أن يُضمِّنَ(٢) الآخِرَ (٣)، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
(١) كما أثبتُّ: وإن قال: احفظها في هذه الدار ....: مثبتٌ في النسخة النفيسة
٧٩٧هـ، وجاءت مختصرةً في نُسخ أخرى هكذا: وإن حفظها في دار أخرى: ضمن.
(٢) وفي نُسخ: يأخذ.
(٣) هكذا ضُبطت بكسر الخاء في النسخ الخطية.

٤٧٠
كتاب الوديعة
وقالا: له أن يُضمِّنَ أيَّهما شاء، فإن ضمَّنَ الاولَ: لم يرجع على
الآخِرَ، وإن ضمَّن الآخِرَ : رَجَعَ على الأول.
ومَن كان في يدِهِ ألفٌ، فادَّعاها رجلان، كلٌّ واحدٍ منهما أنها له،
أودعها إياه، وأبى أن يَحلِفَ لهما: فالألفُ بينهما، وعليه ألفٌ أخرى
بينهما .
وقالا: له أن يُضمِّنَ أيَّهما شاء، فإن ضمَّن الأولَ: لم يرجع على
الآخِرِ، وإن ضمَّنَ الآخِرَ: رَجَعَ على الأول).
لهما: أنه قَبَضَ المالَ من يدِ ضَمِينٍ، فيضمَنُه، كمودَع الغاصب،
وهذا لأن المالكَ لم يرضَ بأمانة غيره، فيكون الأولُ متعدِّياً بالتسليم،
والثاني بالقبض، فيُخيَّرُ بينهما.
غيرَ أنه إن ضمَّن الأولَ: لم يرجعْ على الثاني بشيءٍ؛ لأنه مَلَكَه
بالضمان، فَظَهَرَ أنه أَوْدَعَ مِلْكَ نفسه، وإن ضمَّن الثاني: رَجَعَ على الأول؛
لأنه عاملٌ له، فيَرجعُ عليه بما لَحِقَه من العهدة.
وله: أنه قَبَضَ المالَ من يدِ أمينٍ؛ لأنه بالدفع لا يَضمنُ ما لم يُقارِقْه؛
لحضور رأيه، فلا تعدِّيَ منهما، فإذا فارَقَه: فقد تَرَكَ الحفظَ الملتَزَمَ،
فيُضمّنُه بذلك، وأما الثاني فمستَمِرٌّ على الحالة الأُولى، ولم يوجد منه
صُنْعٌ، فلا يُضمّنُه، كالرِّيح إذا ألقتْ في حِجْرِه ثوبَ غيرِهِ.
ءِ
قال: (ومَن كان في يدِهِ ألفٌ، فادَّعاها رجلان، كلّ واحدٍ منهما أنها
له، أودعها إياه، وأبى أن يَحلِفَ لهما: فالألفُ بينهما، وعليه ألفٌ أخرى
بینھما).

٤٧١
كتاب الوديعة
وشَرْحُ ذلك: أن دعوىُ كلِّ واحدٍ صحيحةٌ؛ لاحتمالها الصدقَ،
فَيَستَحِقُّ الحَلِفَ على المُنْكِرِ، بالحديثِ(١)، ويُحَلَّفُ لكلِّ واحدٍ منهما
على الانفراد؛ لتغايُرِ الحقّيْن.
وبأيِّهما بدأ القاضي: جاز؛ لتعذُّر الجمع بينهما، وعدمِ الأولوية.
ولو تشاحًّا: أَقْرَعَ بينهما؛ تطبيباً لقلبهما، ونفياً لتهمة المَيْل.
ثم إن حَلَفَ لأحدهما: يُحلَّفُ للثاني.
فإن حَلَفَ: فلا شيءَ لهما؛ لعدم الحجة.
وإن نَكَلَ، أعني للثاني: يُقضى له بالنكول، لوجود الحجة.
وإن نَكَلَ للأول: يُحلَّفُ للثاني، ولا يُقضى بالنكول.
بخلاف ما إذا أقرَّ لأحدِهما؛ لأن الإقرارَ حُجَّةٌ موجبةٌ بنفسه، فيُقضى به.
أما النكول فإنما يصيرُ حجةً عند قضاء القاضي(٢)، فجاز أن يؤخِّرَه؛
ليحلف للثاني، فيَنكشفَ وجهُ القضاء.
ولو نَكَلَ للثاني أيضاً: يقضي بينهما نصفَيْن، على ما ذَكَرَ في
((الكتاب))؛ لاستوائهما في الحجة.
(١) أي بقوله صلى الله عليه وسلم: ((البينة على المدعي، واليمين على مَن
أنكر))، وقد تقدم تخريجه.
(٢) وفي نُسخ: عند اتصال القضاء به.

٤٧٢
كتاب الوديعة
ولا معتبرَ بالسَّبْق لاتحادِ زمانٍ صيرورتهما حجةَ، فصار كما إذا أقاما
البينة.
ويَغرَمُ ألفاً أخرى بينهما: لأنه أوجب الحقَّ لكلِّ واحدٍ منهما ببذله، أو
بإقراره، وذلك حجةٌ في حَقِّه، وبالصرف إليهما: صار قاضياً نصفَ حَقِّ
كلَّ واحدٍ منهما بنصف حَقِّ الْآخَرَ، فَيَغرَمُه.
ولو قضى القاضي للأول حين نَكَلَ: ذَكَرَ الإمامُ عليٌّ البَزْدَوِيُّ رحمه
الله في ((شرح الجامع الصغير (١)): أنه يُحلَّفُ للثاني.
وإذا نَكَلَ: يُقضَىُ بينهما؛ لأن القضاءَ للأول لا يُبطِلُ حَقَّ الثاني؛
لأنه(٢) يُقدِّمُه إما بنفسه(٣)، أو بالقُرعة، وكلَّ ذلك لا يُبطِلُ حقَّ الثاني.
وذَكَرَ الخَصَّافُ(٤) رحمه الله أنه ينفُذُ قضاؤه للأول، ووَضَعَ (٥) المسألةَ
في العبد(٦).
وإنما نَفَذَ: لمصادفته مَحَلِّ الاجتهاد؛ لأن من العلماء مَن قال: يُقضى
(١) للإمام الشهير فخر الإسلام علي بن محمد، ت٤٨٢ هـ، مخطوط.
(٢) أي القاضي.
(٣) أي باختيار القاضي نفسه، لا لدليل أوجب ذلك، أو بالقرعة لتعذر الجمع
بينهما. البناية ١٢ / ٤٦٣.
(٤) الإمام الشهير أحمد بن عمر، المتوفى سنة ٢٦١ هـ.
(٥) أي الخصاف رحمه الله. البناية ١٢ / ٤٦٣.
(٦) بأن كان في يده عبدٌ، فادَّعاه رجلان، كلّ واحدٍ أنه له، وأودعه إياه.

٤٧٣
كتاب الوديعة
للأول، ولا يُنتظرُ؛ لكونه(١) إقراراً دلالةً، فينفذُ قضاؤه، ودَفْعٌ للأول(٢).
ثم لا يُحلَّف للثاني: ما هذا العبدُ لي؛ لأن نكولَه لا يفيدُ بعد ما صار للأول.
وهل يُحلِّفُه: بالله ما لهذا عليكَ هذا العبدُ ولا قيمتُه، وهو كذا وكذا،
ولا أقلَّ منه؟
قال الخصَّاف رحمه الله: ينبغي أن يُحلِّفَه عند محمدٍ رحمه الله، خلافاً
لأبي يوسف رحمه الله، بناءً على أن المودَعَ إذا أقرَّ بالوديعة، ودَفَعَ
بالقضاء إلى غيره: يَضمَنُه عند محمد رحمه الله، خلافاً له(٣).
وهذه(٤) فُرَيْعةُ تلكَ المسألة(٥)، وقد وَقَعَ فيه (٦) بعضُ الإطنابُ، والله
تعالى أعلم.
(١) أي النكول.
(٢) قوله: فينفذ قضاؤه، ودَفْعٌ للأول: مثبتٌ في نسخة ٧٣٨هـ.
(٣) أي خلافاً لأبي يوسف رحمه الله.
(٤) أي هذه المسألة التي ذكرناها من تحليف القاضي المودَع للثاني بعد قضائه للأول:
ما لهذا عليك هذا العبد ولا قيمته: من تفريعات تلك المسألة التي اختلف أبو يوسف ومحمد
فيها في الضمان وعدمه. نقلاً عن الإتقاني، كما هو في حواشي عدة نُسخٍ مما لدي.
(٥) أي مسألة العبد.
(٦) أي في كفاية المنتهي، كما حاشية نسخة ٧٣٨هــ، وأما العيني في البناية
٤٦٤/١٢ فقال: فيه: أي في الأصل، في باب إقرار الرجل بالمال، وفي نسخة
٧٩٧هـ كتب: أي في كتاب أدب القاضي. اهـ.

٤٧٤
كتاب العارية
كتاب العارية
العاريَّةُ: جائزةٌ، وهي تمليكُ المنافعِ بغير عِوَضٍ.
كتاب العارية
قال: (العاريَّةُ: جائزةٌ)؛ لأنها نوعُ إحسانٍ.
وقد استعار النبيُّ عليه الصلاة والسلام دُرُوعاً من صفوانَ بن أُميَّةَ(١)
رضي الله عنه (٢).
قال: (وهي تمليكُ المنافعِ بغير عِوَضٍ).
وكان الكَرْخِيُّ رحمه الله يقولُ: هي إباحةُ الانتفاعِ بملك الغير؛ لأنها
تنعقد بلفظة: الإباحة.
ولا يُشترَطُ فيها ضَرْبُ المدة.
ومع الجهالة: لا يصحُّ التمليكُ(٣)، ولذلك يَعملُ فيها النهيُ عن الدفع
إلى غيره.
(١) قبل إسلامه، فإنه حضر حُنيناً وهو كافر، ثم أسلم وحَسُن إسلامه.
(٢) يومَ حُنَيْن، كما في سنن أبي داود (٣٥٦٢)، المستدرك للحاكم (٢٣٠٠)،
مسند أحمد (١٥٣٠٢)، وينظر نصب الراية ١١٦/٤، والتلخيص الحبير ٥٢/٣، قال ابن
حجر بعد أن ذكر طُرُقَه وشواهدَه: ((وأعلَّ ابنُ حزم وابنُ القطان طرقَ هذا الحديث)). اهـ.
قلت: لكن قوَّاه بشواهده البيهقي في السنن ٩٠/٦، وكذلك ابن الملقن في تحفة
المحتاج ٢٧٧/٢.
(٣) أي أن التمليك يقتضي أن تكون المنافعُ معلومة، وإلا: فلا تصح. البناية ٤٦٨/١٢.

٤٧٥
كتاب العارية
وتصحُّ بقوله: أعرتُكَ، وأطعمتُكَ هذه الأرضَ، ومَنَحتُكَ هذا
الثوبَ، وحَمَلتُكَ على هذه الدابةِ إذا لم يُرِدْ به الهبةَ.
ولا يَملِكُ(١) الإجارةَ من غيره.
ونحن نقول: إنه يُنبىءُ عن التمليك بغير عوض، فإن العاريةَ من: العَريَّة،
وهي: العطيةَ، ولهذا تنعقدُ بلفظ: التمليك، والمنافعُ قابلةٌ للملك، كالأعيان.
والتمليكُ نوعان: بعوضٍ، وبغير عوض.
ثم الأعيان تقبلُ النوعَيْن، فكذا المنافعُ، والجامعُ: دَفْعُ الحاجة.
ولفظةُ: الإباحة: استُعِيرَتْ للتمليك، كما في الإجارة، فإنها تنعقِدُ
بلفظة: الإباحة، وهي تمليكٌ.
والجهالةُ لا تُفضي إلى المنازعة: لعدم اللزوم، فلا تكونُ ضائرةً(٢).
ولأن المِلْكَ يثبتُ بالقبض، وهو الانتفاعُ، وعند ذلك لا جهالةَ.
والنهيُ مَنْعٌ عن التحصيل(٣)، فلا تتحصَّلُ المنافعُ على مِلكِهِ.
ولا يَملكُ الإجارةَ: لدفع زيادة الضرر، على ما نذكرُه إن شاء الله تعالى.
قال: (وتصحُّ بقوله: أعرتُكَ)؛ لأنه صريحٌ فيه (٤).
(وأطعمتُكَ هذه الأرضَ)؛ لأنه مستعمَلٌ فيه.
(ومَنَحتُكَ هذا الثوبَ، وحَمَلتُكَ على هذه الدابةِ إذا لم يُرِدْ به الهبةَ)؛
(١) أي المستعير.
(٢) أي مُضِرَّة.
(٣) هذا جوابٌ عن قول الكرخي: وكذلك يَعمل فيه النهي. البناية ١٢ /٤٧١.
(٤) أي في عقد العارية.

٤٧٦
كتاب العارية
وأَخدمتُكَ هذا العبدَ، وداري لكَ سُكنىّ، وداري لكَ عُمْرىّ سُكنىَّ.
وللمُعير أن يَرجِعَ في العارية متى شاء .
لأنهما (١) لتمليك العَيْن.
وعند عدمٍ إرادته الهبةَ: تُحمَلُ على تمليكِ المنافعِ تجوُّزاً.
(وأَخدمتُكَ هذا العبدَ)؛ لأنه إذْنٌ له في استخدامه.
(وداري لكَ سُكنى)؛ لأن معناه: سكناها لك.
(وداري لكَ عُمْرىّ سُكنىْ)؛ لأنه جَعَلَ سُكناها له مدةَ عُمُره.
وجعل قولَه: سكنى: تفسيراً لقوله: لك؛ لأنه يَحتملُ تمليكَ المنافعِ،
فحُمِلَ عليه بدلالة آخِرِهِ.
قال: (وللمُعير أن يَرجِعَ في العارية متى شاء).
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((المِنحةُ(٢): مردودةٌ، والعاريَّةُ: مؤدَّاةٌ)(٣).
ولأن المنافعَ تُملَكُ شيئاً فشيئاً، على حَسَبِ حدوثِها، فالتمليكُ فيما
لم يوجَد: لم يتصلْ به القبضُ، فيصحُّ الرجوعُ عنه.
(١) أي لفظ: منحتُك، وحملتُك.
(٢) المِنْحة: هي الناقة أو الشاةُ يعطيها الرجلُ الرجلَ؛ ليشرب لبنها، ثم يردها.
البناية ١٢ / ٤٧٢.
(٣) سنن أبي داود (٣٥٦٢)، سنن الترمذي (١٢٦٥)، وقال: حديث حسن
غريب، وقد روي من غير هذا الوجه، وصححه ابن حبان (٥٠٩٤)، شرح السنة
للبغوي ٢٢٥/٨، وقال: حديث حسن، ينظر نصب الراية ١١٨/٤.

٤٧٧
كتاب العارية
والعارِيَّةُ أمانةٌ، إن هَلَكَتْ من غير تَعَدٍّ: لم يَضمَنْ.
وليس للمستعير أن يؤاجِرَ ما استعاره؛ فإن آجَرَه، فَعَطِبَ: ضَمِنَ.
قال: (والعارِيَّةُ أمانةٌ، إن هَلَكَتْ من غير تَعَدُّ: لم يَضمَنْ(١)).
وقال الشافعي(٢) رحمه الله: يَضمنُ(٣)؛ لأنه قَبَضَ مالَ غيرِه لنفسه لا
عن استحقاق، فيضمنُه، والإذنُ ثبت ضرورةَ الانتفاع، فلا يَظهرُ فيما
وراءَه، ولهذا كان واجبَ الردِّ، وصار كالمقبوض على سَوْمِ الشراء.
ولنا: أن اللفظَ لا يُنبىءُ عن التزام الضمان؛ لأنه لتمليك المنافع بغير
عِوَضٍ، أو لإباحتها، والقبضُ لم يقع تعدِّيّاً؛ لكونه مأذوناً فيه.
والإذنُ وإن ثبت لأجل الانتفاع: فهو ما قَبَضَه إلا للانتفاع، فلم يقعْ
تعدياً.
وإنما وَجَبَ الردُّ مؤنةً(٤)، كنفقة المستعار، فإنها على المستعير، لا
لنقض القبض.
والمقبوضُ على سَوْم الشراء: مضمونٌ بالعقد؛ لأن الأخذَ في العقد:
له حکمُ العقد، على ما عُرِفَ في موضعه.
قال: (وليس للمستعير أن يؤاجرَ ما استعاره؛ فإن آجَرَه، فعَطِبَ:
ضَمِنَ)؛ لأن الإعارةَ، دون الإجارة، والشيء لا يتضمَّنُ ما هو فوقَه.
(١) وفي نُسخ: لم تُضمَن.
(٢) ٢٦٧/٢.
(٣) وفي نُسخ: تُضمَن.
(٤) هذا جوابٌ عن قوله: ولهذا كان واجب الرد.

٤٧٨
كتاب العارية
وله أن يُعيرَه إذا كان ممَّا لا يَختَلِفُ باختلاف المستعمِل.
ولأنّا لو صحَّحْناه: لا يصحُّ إلا لازماً؛ لأنه حينئذٍ يكونُ بتسليطٍ من
المعير، وفي وقوعه لازماً: زيادةُ ضررٍ بالمعير؛ لسَدِّ بابِ الاسترداد إلى
انقضاء مدةِ الإجارة، فأبطلناه.
فإن آجَرَها: ضَمَّنَه(١) حين سَلَّمَه(٢)؛ لأنه إذا لم تتناوله العاريةُ: كان
غصباً.
وإن شاء المعيرُ ضمَّنَ المستأجرَ؛ لأنه قَبَضَه بغير إذنِ المالكِ لنفسه.
ثم إن ضَمَّنَ المستعيرَ: لا يرجعُ على المستأجر؛ لأنه ظَهَرَ أنه آجَرَ
ملك نفسه، ويتصدَّقُ بالأجر.
وإن ضمَّنَ المستأجِرَ: يرجعُ على المؤاجِرِ إذا لم يَعلم أنه كان عارِيَّةً
في يده؛ دفعاً لضرر الغرورِ عليه، بخلاف ما إذا عَلِمَ.
قال: (وله أن يُعيرَه إذا كان ممَّا لا يَخْتَلِفُ باختلاف المستعمِل).
وقال الشافعي(٣) رحمه الله: ليس له أن يُعيرَه؛ لأنه إباحةُ المنافع،
على ما بيَّنَّا من قبلُ، والمباحُ له: لا يَملِكُ الإباحةَ، وهذا لأن المنافعَ غيرُ
قابلةٍ للملك؛ لكونها معدومةً، وإنما جعلناها موجودةً حُكماً كما في
الإجارة للضرورة، وقد اندفعت بالإباحة ها هنا.
(١) أي المستعير.
(٢) أي المستأجر.
(٣) نهاية المطلب ١٤٤/٧.

٤٧٩
كتاب العارية
ونحن نقول: هو تمليكُ المنافع، على ما ذكرنا، فَيَملكُ الإعارةَ،
كالموصى له بالخدمة، والمنافعُ اعتُبرتْ قابلةً للملك في الإجارة، فتُجعَلُ
كذلك في الإعارة؛ دفعاً للحاجة.
وإنما لا تجوز فيما يختلِفُ باختلاف المستعمِل: دفعاً لمزيد الضرر
عن المُعير؛ لأنه رضيَ باستعماله، لا باستعمال غيره.
قال رضي الله عنه: وهذا إذا صَدَرَتِ الإعارةُ مطلَقَةً، وهي على
أربعة أوجه:
أحدُها: أن تكونَ مطلقةً في الوقت والانتفاع، وللمستعير فيه(١) أن
يَنْتَفعَ به (٢) في (٣) أيِّ نوعٍ شاء، وفي أيِّ وقتٍ شاء؛ عملاً بالإطلاق.
والثاني: أن تكون مقيّدةً فيهما، وليس له أن يجاوزَ فيه ما سمّاه؛ عملاً
بالتقييد، إلا إذا كان خلافاً إلى مثل ذلك، أو إلى خيرٍ منه.
والحنطةُ مثلُ الحنطة، والشعيرُ خيرٌ من الحنطة إذا كان مثلُها كيلاً.
والثالثُ: أن تكونَ مقيَّدةً في حَقِّ الوقت، مطلقةً في حَقِّ الانتفاع.
والرابعُ: عكسُهُ، وليس له أن يتعدى ما سمَّه، فلو استعار دابةً، ولم
يُسَمِّ شيئاً: له أن يحملَ ويُعيرَ غيرَه للحَمْل؛ لأن الحَمَلَ لا يَتَفاوَت.
(١) أي في المستعار.
(٢) أي بالمستعار.
(٣) لفظ: في: سقط من نُسخ كثيرة، ويستدعيه المعنى، وينظر اللباب للميداني
٥٠١/٣، فقد نقل لفظ الهداية وفيه لفظ: في.

٤٨٠
كتاب العارية
وعاريةُ الدراهمِ والدنانيرِ، والمكيلِ والموزونِ والمعدودِ : قَرْضٌ.
وإذا استعار أرضاً ليَبنيَ فيها، أو لَيَغرِسَ فيها: جاز، وللمعير أن
يَرجِعَ فيها، ويُكلَّفَهِ قَلْعَ البناءِ والغَرْسِ.
وله أن يَرَكبَ، ويُرْكِبَ غيرَه وإن كان الركوبُ مختلِفاً؛ لأنه لَمَّا أطلق:
فله أن يعيِّن، حتى لو ركبَ بنفسه: ليس له أن يُركِبَ غيرَه؛ لأنه تعيَّن رکوبُه.
ولو أركب غيرَه: ليس له أن يَرْكَبَه بنفسه، حتى لو فَعَلَه: ضَمِنَه؛ لأنه
تعيَّن الإركاب.
قال: (وعاريةُ الدراهمِ والدنانيرِ، والمكيلِ والموزونِ والمعدودِ:
قَرْضٌ)؛ لأن الإعارةَ تمليكُ المنافع، ولا يُمكنُ الانتفاعُ بها إلا باستهلاك
عينها، فاقتضى تمليكَ العينِ ضرورةً، وذلك بالهبة أو بالقرض، والقرضُ
أدناهما، فيَثبتُ.
أو لأنَّ مِن قضية الإعارة: الانتفاعَ، وردَّ العين، فأُقيمَ ردُّ المِثل مقامَه.
قالوا(١): هذا إذا أطلق الإعارةَ، أما إذا عيَّن الجهةَ، بأن استعار دراهمَ
ليُعاير (٢) بها ميزاناً، أو يُزيِّنَ بها دكاناً: لم تكن قرضاً، ولا تكونُ له إلا المنفعةُ
المسمَّةُ، وصار كما إذا استعار آنيةً يَتَجمَّلُ بها، أو سيفاً محلَّىَ يتقلَّدُه(٣).
قال: (وإذا استعار أرضاً لَيَبنيَ فيها، أو ليَغرِسَ فيها: جاز، وللمعير أن
يَرجِعَ فيها، ويُكلِّفَه قَلْعَ البناءِ والغَرْس).
(١) أي المشايخ رحمهم الله.
(٢) وفي نُسخ: ليعيِّر. وفي المصباح المنير: لا يُقال: عَيَّرت المكيال والميزان.
(٣) وفي نُسخ: يتقلَّدها. قلت: السيف: مذكّرٌ.