Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب المُضاربة
فإن شَرَطَ زيادةَ عشرةٍ دراهمَ : فله أَجْرُ مثلِه.
قال: (فِإِن شَرَطَ زيادةَ عشرةٍ دراهمَ: فله أَجْرُ مثلِه)؛ لفساده، فلعلَّه لا
يربحُ إلا هذا القدرَ، فتنقطعُ الشركةَ في الربح.
وهذا لأنه ابتغى عن منافعه عِوَضاً، ولم يَنَل؛ لفساده، والربحُ لربِّ
المال؛ لأنه نماءَ ملكِهِ.
وهذا هو الحُكمُ في كلِّ موضعٍ لم تصحَّ فيه المضاربةُ.
ولا يُجاوَزُ بالأجر القَدْرُ المشروطُ عند أبي يوسف رحمه الله، خلافاً
لمحمدٍ رحمه الله، كما بيَّنَّا في الشركة.
ويجبُ الأجرُ وإن لم يربحْ في رواية ((الأصل))؛ لأن أجرَ الأجير يجبُ
بتسليم المنافع، أو العملِ، وقد وُجدَ.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه لا يجبُ؛ اعتباراً بالمضاربة الصحيحة،
مع أنها فوقَها، والمالُ في المضاربة الفاسدةِ غيرُ مضمونٍ بالهلاك؛ اعتباراً
بالصحیحة.
ولأنه عينٌ مستأجَرَةٌ في يده.
وكلُّ شَرْطٍ يوجِبُ جهالةً في الربح: يُقْسِدُها؛ لاختلال(١) مقصودِهِ.
وغيرُ ذلك من الشروط الفاسدة: لا يُفْسِدُها، ويَبطلُ الشرطُ، كاشتراط
الوضيعةِ على المضارب.
(١) وفي نُسخ: لاختلاف.

٤٢٢
كتاب المُضاربة
ولا بدَّ أن يكون المالُ مُسَلَّماً إلى المضارِبِ، ولا يدَ لربِّ المالِ فيه.
قال: (ولا بدَّ أن يكون المالُ مُسَلَّماً إلى المضارب، ولا يدَ لربِّ المال
فيه)؛ لأن المالَ أمانةٌ في يده، فلا بدَّ من التسليم إليه.
وهذا بخلاف الشركة؛ لأن المالَ في المضاربة من أحدِ الجانبَيْن،
والعملَ من الجانبِ الآخَر، فلا بدَّ من أن يَخْلُصَ المالُ للعامل؛ ليتمكَّن
من التصرُّف فيه.
أما العملُ في الشركة فمِن الجانبَيْن، فلو شُرِطَ خُلُوصُ اليدِ لأحدهما:
لم تنعقدِ الشركةُ.
وشَرْطُ العملِ على ربِّ المال: مفسِدٌ للعقد؛ لأنه يَمنعُ خُلُوصَ یدِ
المضارب، فلا يتمكّنُ من التصرُّفِ، فلا يتحقَّقُ المقصودُ.
وسواءٌ كان المالكُ عاقداً(١) أو غيرَ عاقدٍ، كالصغير؛ لأن يدَ المالكِ
ثابتةٌ له، وبقاءُ يدِهِ يَمنعُ من التسليم إلى المضارب.
وكذا أحدُ المتفاوِضَيْن، وأحدُ شريكي العِنَان إذا دَفَعَ المالَ مضاربةً،
وشَرَطَ عملَ صاحبِه؛ لقيام الملكِ له وإن لم يكن عاقداً.
واشتراطُ العملِ على العاقد مع المضارب، وهو غيرُ مالكٍ: يُفسِدُه إن
لم يكن من أهلِ المضاربة فيه(٢)، كالمأذون.
(١) أي بالغاً. حاشية نسخة ٧٣٨هـ، وغير العاقد كالصغير: أي كالأب والوصي.
(٢) أي في المال.

٤٢٣
كتاب المُضاربة
وإذا صحَّتِ المضاربةُ مطلقةً: جاز للمضارِبِ أن يبيعَ، ويشتريَ،
ويُوكِّلَ، ويسافرَ، ويُبضِعَ، ويُودِعَ.
بخلاف الأبِ والوصيِّ؛ لأنهما من أهل أنْ يأخذا مالَ الصغيرِ
مضاربةً بأنفسهما، فكذا اشتراطُه عليهما بجزءٍ من المال.
قال: (وإذا صحَّتِ المضاربةُ مطلقةً: جاز للمضارِبِ أن يبيعَ،
ويشتريَ، ويُوكِّلَ، ويسافرَ، ويُضِعَ، ويُودِعَ)؛ لإطلاق العقدِ، والمقصودُ
منه الاسترباحُ، ولا يتحصَّلُ إلا بالتجارة، فينتظمُ العقدُ صُنُوفَ التجارة،
وما هو من صنيعِ التجَّار، والتوكيلُ من صنيعِهم.
وكذا الإبضاعُ والإيداعُ والمسافرةُ؛ ألا ترى أن المودَعَ له أن يسافرَ
بالوديعة: فالمضاربُ أَوْلِى، كيف وأنَّ اللفظَ (١) دليلٌ عليه؛ لأنها مشتقّةٌ من
الضرب في الأرض، وهو السَّيْر.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه ليس له أن يُسافِر.
وعنه، وعن (٢) أبي حنيفة رحمهما الله: أنه إن دَفَعَ إليه في بلده(٣):
فليس له أن يسافر؛ لأنه تعريضٌ على الهلاك من غيرِ ضرورة.
وإن دَفَعَ في غيرِ بلدِهِ: فله أن يسافرَ إلى بلدِهِ؛ لأنه هو المرادُ في
الغالب.
(١) أي لفظ: المضاربة.
(٢) وفي نُسخ: وعنه عن.
(٣) أي بلد رب المال.

٤٢٤
كتاب المُضاربة
ولا يُضارِبُ إلا أن يَأْذَنَ له ربُّ المال، أو يقولَ له: اعمَلْ برأيك.
وإن خَصَّ له ربُّ المالِ التصرُّفَ في بلدٍ بعَيْنه، أو في سلعةٍ بعَيْنها :...
والظاهرُ(١) ما ذَكَرَ في ((الكتاب(٢)).
قال: (ولا يُضارِبُ إلا أن يَأَذَنَ له ربُّ المالِ، أو يقولَ له: اعمَلْ
برأيك)؛ لأن الشيءَ لا يتضمَّنُ مثلَه؛ لتساويهما في القوَّة، فلا بدَّ من
التنصيصِ عليه (٣)، أو التفويضِ المطلَقِ إليه، فكان كالتوكيل، فإن الوكيلَ
لا يملِكُ أن يُوكِّلَ غيرَه، إلا إذا قيل له: اعمَلْ برأيك.
بخلاف الإيداعِ، والإبضاعِ؛ لأنه دونَه، فيتضمّنُه.
وبخلاف الإقراضِ، حيث لا يملِكُه وإن قيل له: اعمِلْ برأيك؛ لأن
المرادَ منه التعميمُ فيما هو من صنيع التجار، وليس الإقراضُ منه، وهو
تبرُّعٌ، كالهبة والصدقة، فلا يحصُلُ به الغرضُ، وهو الربحُ؛ لأنه لا تجوز
الزيادةُ علیه.
أما الدفعُ مضاربةً: فمِن صَنِيْعِهم.
وكذا الشركةُ والخَلْطُ بمالِ نفسِهِ، فَيَدخلُ تحتَ هذا القول.
قال: (وإن خَصَّ له ربُّ المال التصرُّفَ في بلدٍ بعَيْنه، أو في سلعةٍ بعَيْنها:
(١) أي ظاهر الرواية عن أصحابنا جميعاً: ما ذَكَرَه القدوري في مختصره أنَّ له
أن يُضِعَ ويسافرَ ... إلى آخره. البناية ٣٧٦/١٢.
(٢) أي مختصر القدوري. أي له أن يسافر.
(٣) يعني يقول ربُّ المال للمضارب: أعطِ المالَ مضاربةً.

٤٢٥
كتاب المُضاربة
لم يَجُزْ له أن يتجاوَزَها.
فإن خَرَجَ إلى غيرِ تلك البلدة، فاشترى : ضَمِنَ.
لم يَجُزْ له أن يتجاوَزَها)؛ لأنه توكيلٌ، وفي التخصيص فائدةٌ، فيتخصَّصُ.
وكذا ليس له أن يدفعَه(١) بضاعةً إلى مَن يُخرجُها (٢) من تلك البلدة؛
لأنه لا يَملكُ الإخراجَ بنفسه، فلا يملكُ تفويضَه إلى غيره.
قال: (فإن خَرَجَ إلى غيرِ تلك البلدة(٣)، فاشترىُ: ضَمِنَ)؛ وكان ذلك
له(٤)، وله ربحُه؛ لأنه تصرَّفَ فيه بغير أمرِه.
وإن لم يشترِ حتى ردَّه إلى الكوفة مثلاً، وهي التي عيَّنها للتصرُّف:
بَرِىءَ من الضمان، كالمودَعِ إذا خالف في الوديعة، ثم تَرَكَ(٥)، ورَجَعَ المالُ
مضاربةً على حاله؛ لبقائه في يدِهِ مضاربةً بالعقد السابق.
وكذا إذا ردَّ بعضَه (٦)، واشترى ببعضِه في المصر(٧): كان المردودُ(٨)
والمشتَرَى في المصر على المضاربة؛ لِمَا قلنا.
(١) أي المال.
(٢) أي البضاعة.
(٣) وفي نُسخ: غير ذلك البلد. قلت: والمعنى واحدٌ.
(٤) أي وكان ذلك الذي اشتراه للمضارب.
(٥) أي ترك المخالفة، وردّها إلى مكانها.
(٦) أي ردَّ المضاربُ بعضَ المال على رب المال.
(٧) أي قبل الخروج.
(٨) على رب المال.

٤٢٦
كتاب المُضاربة
ثم شَرَطَ الشراءَ بها ها هنا(١)، وهو روايةُ ((الجامع الصغير))، وفي
كتاب المضاربة (٢): ضَمِنَه بنفس الإخراج، والصحيحُ أنّ بالشراء يتقرَّرُ
الضمانُ؛ لزوال احتمالِ الردِّ إلى المصر الذي عيَّنه.
أما الضمانُ: فوجوبُه بنفس الإخراج، وإنما شَرَطَ الشراءَ؛ للتقرُّر، لا
الأصل الوجوب(٣).
وهذا بخلاف ما إذا قال: على أن يشتريَ في سوق الكوفة، حيث لا
يصحُّ التقييدُ؛ لأن المصرَ مع تباينِ أطرافِهِ: كُبُفْعةٍ واحدةٍ، فلا يُفيدُ
التقييدُ، إلا إذا صرَّحَ بالنهي، بأن قال: اعمَلْ في السوق، ولا تعمل في
غير السوق؛ لأنه صرَّحَ بالحَجْر، والولايةُ إليه(٤).
ومعنى التخصيص: أن يقول له: على أن تعملَ كذا، أو في مكان كذا.
وكذا إذا قال: خُذْ هذا المالَ تعملُ به في الكوفة؛ لأنه تفسيرٌ له، أو
قال: فاعمَلْ به في الكوفة؛ لأن الفاء للوصل، أو قال: خُذْه بالنصف(٥)
بالكوفة؛ لأن الباءَ للإلصاق.
(١) أي في الجامع الصغير. البناية ٣٧٩/١٢، ونصُّ الجامع الصغير ص٢١١:
مضاربٌ اشترط عليه أن يبيعَ بالكوفة، فخرج إلى البصرة، فاشترى بالمال: ضَمِنَ.
(٢) من الأصل لمحمد رحمه الله.
(٣) يعني لتقرر الوجوب، لا لأصل وجوب الضمان. وينظر البناية ٣٧٩/١٢.
(٤) أي إلى رب المال.
(٥) أي نصف الرِّبح.

٤٢٧
كتاب المُضاربة
وكذلك إن وقَّتَ للمضاربة وقتاً بعَيْنه : يَبطُلُ العقدُ بمُضيِّه.
وليس للمضارِبِ أن يشتريَ مَن يَعْتِقُ علىُ ربِّ المال؛ لقرابةٍ، أو
غيرِها .
أما إذا قال: خُذْ هذا المالَ، واعمَل به بالكوفة: فله أن يعملَ فيها وفي
غيرها؛ لأن الواو للعطف، فيصيرُ بمنزلة المَشُورة.
ولو قال: على أن تشتريَ من فلانٍ، وتبيعَ منه: صحَّ التقييدُ؛ لأنه
مفيدٌ(١)؛ لزيادة الثقة به في المعاملة.
بخلاف ما إذا قال: على أن تشتريَ به من أهل الكوفة، أو دَفَعَ المالَ
مضاربةً في الصرف على أن تشتريَ به من الصيارفة، وتبيعَ منهم، فباع
بالكوفة من غيرِ أهلها، أو من غيرِ الصيارفة: جاز؛ لأن فائدةَ الأول:
التقييدُ بالمكان، وفائدةَ الثاني: التقييدُ بالنوع، هذا هو المرادُ عُرفاً، لا
فيما وراءَ ذلك.
قال: (وكذلك إن وقَّتَ للمضاربة وقتاً بعَيْنِه: يَبطُلُ العقدُ بمُضيِّه)؛
لأنه توكيلٌ، فَيَتوقَّتُ بما وقَّته، والتوقيتُ مفيدٌ(٢).
وإنه تقييدٌ بالزمان، فصار كالتقييد بالنوع، والمكان.
قال: (وليس للمضارِبِ أن يشتريَ مَن يَعتِقُ على ربِّ المال؛ لقرابةٍ،
أو غيرها).
(١) وفي نُسخ: مقيِّدٌ. بالقاف.
(٢) وفي نُسخ: مقيِّدٌ. بالقاف.

٤٢٨
كتاب المُضاربة
ولو فَعَلَ : صار مشترياً لنفسه، دون المضاربة.
فإن كان في المال رِبْحٌ: لم يَجُزْ له أن يشتريَ مَن يَعْتِقُ عليه.
وإن اشتراهم : ضَمِنَ مالَ المضاربة.
وإن لم يكن في المالِ ربحٌ: جاز أن يشتريَهم.
لأن العقدَ وُضِعَ لتحصيل الربح، وذلك بالتصرفِ مرةً بعد أخرى،
ولا يتحقَّقُ فيه؛ لعِثْقِه، ولهذا لا يدخل في المضاربةِ شراءَ ما لا يُملَكُ
بالقبض، كشراء الخمر، والشراءِ بالميتة.
بخلاف البيع الفاسد: لأنه يُمكِنُه بيعُه بعد قَبْضِهِ، فيتحقَّق المقصودُ.
قال: (ولو فَعَلَ (١): صار مشترياً لنفسه، دون المضاربة)؛ لأن الشراء
متىُ وَجَدَ نفاذاً على المشتري: نَفَذَ عليه، كالوكيل بالشراء إذا خالف.
قال: (فإن كان في المال رِبْحٌ: لم يَجُزْ له أن يشتريَ مَن يَعتِقُ عليه)؛
لأنه يَعْتِقُ عليه نصيبُه، ويَفسُدُ نصيبُ ربِّ المال، أو يَعْتِقُ على الاختلاف
المعروف(٢)، فيمتنعُ التصرُّفُ، فلا يحصلُ المقصود.
قال: (وإن اشتراهم(٣): ضَمِنَ مالَ المضاربة)؛ لأنه يصيرُ مشترياً العبدَ
لنفسه، فَيَضمَنُ بالنقد من مالِ المضاربة.
(وإن لم يكن في المالِ ربحٌ: جاز أن يشتريَهم).
(١) يعني اشترى المضاربُ أبا ربِّ المال.
(٢) وهو أن الإعتاق يتجزّأ عند أبي حنيفة، خلافاً لهما. البناية ١٢ / ٣٨٤.
(٣) أي اشترى المضاربُ مَن يَعْتِقُ عليه.

٤٢٩
كتاب المُضاربة
فإن زادت قيمتُهم بعد الشراء: عَتَقَ نصيبُهُ منهم، ولم يضمنْ لربِّ
المالِ شيئاً، ويسعى العبدُ في قيمةِ نصيبِه منه.
فإن كان مع المضاربِ ألفٌ بالنصف، فاشترى بها جاريةً قيمتُها ألفٌ،
فوطئها، فجاءتْ بولدٍ يساوي ألفاً، فادَّعاه، ثم بلغتْ.
لأنه لا مانعَ من التصرف، إذْ لا شركةَ له فيه لَيَعِقَ عليه (١).
قال: (فإن زادت قيمتُهم(٢) بعد الشراء: عَتَقَ نصيبُه منهم)؛ لمِلكِهِ
بعضَ قريبِه.
(ولم يضمنْ لربِّ المال شيئاً)؛ لأنه لا صُنْعَ من جهته في زيادة
القيمة، ولا في ملكِهِ الزيادةَ؛ لأن هذا شيء يثبتُ من طريق الحكم، فصار
کما إذا وَرِثُه مع غيره.
(ويسعىُ العبدُ في قيمةِ نصيبه منه)؛ لأنه احتُبسَتْ ماليَّتُه عنده، فیسعی
فيه، كما في الوراثة(٣).
قال: (فإن كان مع المضارب ألفٌ بالنصف(٤)، فاشترى بها جاريةً
قيمتُها ألفٌ، فوطئها(٥)، فجاءتْ بولدٍ يساوي ألفاً، فادَّعاه(٦)، ثم بلغتْ
(١) أي لا شركة للمضارب في المال حتى يعتق مَن يشتريه على المضارب.
(٢) وفي نُسخ: قيمته.
(٣) كإن ورث جماعةٌ عبداً يعتق أحدهم نصيبه: فإنه يسعى في نصيب رب المال.
(٤) أي بنصف الربح.
(٥) أي من غير نكاح.
(٦) أي المضارب.

٤٣٠
كتاب المُضاربة
قيمةُ الغلام ألفاً وخمسمائةٍ، والمدَّعي موسِرٌ: فإن شاء ربُّ المال استسعى
الغلامَ في ألفٍ ومائتين وخمسين، وإن شاء أعتق.
قيمةُ الغلام ألفاً وخمسَمائةٍ، والمدَّعي موسِرٌ: فإن شاء ربُّ المال استسعى
الغلامَ في ألفٍ ومائتين وخمسين، وإن شاء أعتق).
ووَجْه ذلك: أن الدِّعوةَ صحيحةٌ في الظاهر؛ حَمْلاً على فراش النكاح؛
لكنها(١) لم تَنْفُذْ؛ لِفَقْد شَرْطِها، وهو الملكُ؛ لعدم ظهورِ الربحِ؛ لأن كلّ
واحدٍ منهما، أعني الأمَّ والولدَ مستَحَقٌّ برأس المال، كمال المضاربةِ إذا
وِ
صار(٢) أعياناً، كلّ عينٍ منها يساوي رأسَ المال: لا يظهر الربحُ، كذا هذا.
فإذا زادت قيمةُ الغلامِ الآنَ: ظَهَرَ الربحُ، فَنَفَذَتِ الدِّعوة السابقة.
بخلاف ما إذا أعتق(٣) الولدَ، ثم ازدادت القيمةُ؛ لأن ذلك إنشاءَ
و
العتق، فإذا بطل(٤) لعدم الملك: لا يَنْفُذُ بعد ذلك بحدوث الملك، أما
هذا: فإخبارٌ، فجاز أن يَنْفُذَ عند حدوثِ الملك، كما إذا أقرَّ بحريةِ عبدِ
غيرِه، ثم اشتراه.
وإذا صحَّتِ الدِّعوة، وثبت النسبُ: عَتَقَ الولدُ؛ لقيام ملكِه في
بعضه، ولا يَضمنُ لربِّ المال شيئاً من قيمة الولد؛ لأن عِتْقَه يثبتُ بالنسب
(١) أي الدِّعوة، وفي نُسخ: لكنه لم ينفذ لفقد شرطه. بالتذكير، أي الادعاء.
(٢) وفي نُسخ: صارت.
(٣) أي المضارب.
(٤) أي العتق.

٤٣١
كتاب المُضاربة
ثم إذا قَبَضَ ربُّ المال الألفَ: له أن يُضمِّنَ المدَّعِيَ نصفَ قيمةِ الأم.
والملكِ، والملكُ آخِرُهما وجوداً، فيُضافُ إليه، ولا صُنْعَ له فيه، وهذا
ضمانُ إعتاق، فلا بدَّ من التعدي، ولم يوجَد.
وله أن يستسعيَ الغلامَ؛ لأنه احتُبسَت ماليّتُه عنده، وله أن يُعِقَ؛ لأن
المستسعَى: كالمكاتَب عند أبي حنيفة رحمه الله.
ويَسْتَسْعِيه في ألفٍ ومائتين وخمسين؛ لأن الألفَ مستَحَقٌّ برأس
المال، والخمسمائة رِبْحٌ، والربحُ بينهما، فلهذا يسعى له في هذا المقدار.
قال: (ثم إذا قَبَضَ رُّ المال الألفَ: له أن يُضمِّنَ المدَّعِيَ نصفَ قيمةِ
الأم)؛ لأن الألفَ المأخوذَ لَمَّا استُحِقَّ برأس المال؛ لكونه مقدَّماً في
الاستيفاء: ظَهَرَ أن الجاريةَ كلَّها ربحٌ، فيكونُ بينهما.
وقد تقدَّمتْ دِعِوةٌ صحيحةٌ؛ لاحتمال الفراشِ الثابتِ بالنكاح،
وتوقَّفَ نفاذُها لفقد الملك، فإذا ظَهَرَ الملكُ: نَفَذَت تلك الدِّعوة،
وصارتِ الجاريةُ أمَّ ولدٍ له.
ويضمَنُ نصيبَ ربِّ المال؛ لأن هذا ضمانُ تملُّكٍ، وضمانُ التملكِ
لا يستدعي صُنْعاً، كما إذا استولد جاريةً بالنكاح، ثم مَلَكَها هو وغيرُه
وراثةً: يَضمنُ نصيبَ شریکِهِ، كذا هذا.
بخلاف ضمانِ الولدٍ (١)، على ما مَرَّ، والله تعالى أعلم.
(١) يعني ضمانَ إعتاق، فلا بد من التعدي. حاشية نسخة ٧٣٨هـ.

٤٣٢
باب
باب
المضارب يُضارِبُ
وإذا دَفَعَ المضاربُ المالَ إلى غيرِهِ مضاربةً، ولم يأذنْ له ربُّ المال
في ذلك : لم يضمَنْ بالدفع، ولا بتصرُّفِ المضاربِ الثاني حتى يربحَ،
فإِذا رَبِحَ : ضَمِنَ الأولُ لربِّ المال.
باب
المضارِب يُضارِبُ
قال: (وإذا دَفَعَ المضاربُ المالَ إلى غيرِه مضاربةً، ولم يأذنْ له ربُّ
المال في ذلك: لم يضمَنْ بالدفع، ولا بتصرُّفِ المضاربِ الثاني حتى
يربحَ، فإذا رَبِحَ: ضَمِنَ الأولُ لربِّ المال).
قال رضي الله عنه: وهذا روايةُ الحسنِ عن أبي حنيفة رحمهما الله.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله: إذا عَمِلَ به: ضَمِنَ، رَبِحَ أو لم
يربح، وهذا ظاهرُ الرواية.
وقال زفرُ رحمه الله: يَضمنُ بالدفع، عَمِلَ أو لم يعمل، وهو روايةٌ
عن أبي يوسف رحمه الله؛ لأن المملوكَ له الدفعُ على وجهِ الإيداع، وهذا
الدفعُ على وجهِ المضاربة.

٤٣٣
المضارِب يُضارِبُ
ولهما (١): أن الدفعَ إيداعٌ حقيقةً، وإنما يتقرَّرُ كونُه للمضاربة:
بالعمل، فكان الحالُ مُراعىَ قبله.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الدفعَ قبلَ العمل: إيداعٌ، وبعدَه: إيضاعٌ،
والفعلان يَملِكُهما المضاربُ، فلا يضمنُ بهما، إلا أنه إذا رَبِحَ فقد أثبت
له شركةً في المال، فيَضمنُ، كما لو خَلَطَه بغيره.
وهذا إذا كانتِ المضاربةُ صحيحةً، فإن كانت فاسدةً: لا يَضمنُهُ الأولُ
وإن عَمِلَ الثاني؛ لأنه أجيرٌ فيه، وله أجرُ مثلِهِ، فلا تثبتُ الشركةُ به.
ثم ذَكَرَ في ((الكتاب(٢): يَضمنُ الأولُ، ولم يذكرِ الثاني.
وقيل: ينبغي أن لا يَضمَنَ الثاني عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما
يَضمَنُ؛ بناءَ على اختلافهم في مودَع المودَع.
وقيل: ربُّ المالِ بالخيار: إن شاء ضَمَّن الأولَ، وإن شاء ضَمَّن
الثاني، بالإجماع، وهو المشهور.
وهذا عندهما ظاهرٌ، وكذا عنده.
ووجهُ الفرقِ له بين هذه، وبين مودَعِ المودَعِ: أن المودَع الثاني يقبضُهُ
لمنفعةِ الأول، فلا يكون ضامناً.
أما المضاربُ الثاني: يعملُ فيه لنفع نفسِهِ، فجاز أن يكون ضامناً.
(١) أي لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
(٢) أي مختصر القدوري. البناية ١٢/ ٣٩١.

٤٣٤
المضارِب يُضارِبُ
فإذا دَفَعَ إليه ربُّ المال مضاربةً بالنصف، وأَذِنَ له بأن يَدفعَه ......
ثم إن ضَمَّن الأولَ: صحَّتِ المضاربةُ الثانية بين الأولِ وبين الثاني، وكان
الربحُ بينهما على ما شَرَطًا؛ لأنه ظَهَرَ أنه مَلَكَه بالضمان من حين خالَفَ بالدفع
إلى غيره، لا على الوجه الذي رضيَ به، فصار كما إذا دَفَعَ(١) مالَ نفسه.
وإن ضَمَّن الثاني: رجع على الأول(٢) بالعُهدة(٣)؛ لأنه عاملٌ له، كما
في المودّع.
ولأنه (٤) مغرورٌ من جهته في ضِمْنِ العقد.
وتصحُّ المضاربة، والربحُ بينهما على ما شَرَطًا؛ لأن قرارَ الضمان
على الأول، فكأنه ضمَّنْه(٥) ابتداءً.
ويَطيبُ الربحُ للثاني، ولا يطيبُ للأول(٦)؛ لأن الثاني يَستحقّه بعمله،
ءِ
ولا خُبْثَ في العمل، والأول يستحِقَّه بمِلْكِهِ المستندِ بأداء الضمان، ولا
يَعرىُ عن نوعِ خُبْثٍ.
قال: (فإذا دَفَعَ إليه ربُّ المال مضاربةً بالنصف، وأَذِنَ له بأن يَدفعَه
(١) أي المضارب الأول.
(٢) أي رب المال.
(٣) وفي نُسخ: بالعَقْد.
(٤) أي المضارب الثاني.
(٥) أي ضمَّنه ربُّ المال ابتداءً.
(٦) وفي نُسخ: للأعلى، وبدل: الثاني: الأسفل.

٤٣٥
المضارِب يُضارِبُ
مضاربةً إلى غيره، فدَفَعَه بالثلث، وقد تصرَّفَ الثاني، ورَبِحَ: فإن كان ربُّ
المال قال له : علىُ أنَّ ما رَزَقَ اللهُ تعالى فهو بيننا نصفان: فلربِّ المال :
النصفُ، وللمضارب الثاني : الثلثُ، وللمضارب الأول : السدسُ.
وإن كان قال له : على أنَّ ما رَزَقَكَ الله فهو بيننا نصفان: فللمضاربِ
الثاني : الثلثُ، والباقي بين المضاربِ الأولِ وربِّ المال : نصفان.
مضاربةً إلى غيره، فدَفَعَه بالثلث، وقد تصرَّفَ الثاني، ورَبحَ: فإن كان ربُّ
المال قال له: على أنَّ ما رَزَقَ (١) اللهُ تعالى فهو بيننا نصفان: فلربِ المال:
النصفُ، وللمضارب الثاني: الثلثُ، وللمضارب الأول: السدسُ).
لأنّ الدفعَ إلى الثاني مضاربةً قد صحَّ؛ لوجود الأمرِ به من جهة
و
المالك، وربُّ المال شَرَطَ لنفسه نصفَ جميعِ ما رَزَقَ الله تعالى، فلم يبقِ
للأول إلا النصفُ، فَيَنْصرِفُ تصرُّفَه إلى نصيبه(٢)، وقد جَعَلَ من ذلك
بقَدْر ثلثُ الجميع للثاني، فيكونُ له، فلم يَبْقَ إلا السدسُ.
ويَطيبُ لهما ذلك؛ لأن فِعْلَ الثاني واقعٌ للأول، كمَن استُؤجر على
خياطةِ ثوبٍ بدرهمٍ، فاستأجر غيرَه عليه بنصف درهم.
قال: (وإن كان قال له: على أنَّ ما رَزَقَكَ الله فهو بيننا نصفان:
فللمضاربِ الثاني: الثلثَ، والباقي بين المضاربِ الأولِ وربِّ المال:
نصفان).
(١) وفي نُسخ: رزقك.
(٢) أي تصرُّف المضارب الأول في المضاربة الثانية.

٤٣٦
المضارِب يُضارِبُ
ولو كان قال له: فما رَبِحْتَ من شيءٍ فبيني وبينك نصفان، وقد دَفَعَ
إلى غيرِه بالنصف : فللثاني النصفُ، والباقي بين الأولِ وربِّ المال نصفان.
ولو كان قال له : على أنَّ ما رَزَقَ اللهُ تعالى فليَ نصفُه، أو قال له :
فما كان من فَضْلِ فبيني وبينك نصفان، وقد دَفَعَ إلى آخَرَ مضاربةً
بالنصف : فلربِّ المال: النصفُ، وللمضاربِ الثاني: النصفُ، ولا شيءٌ
للمضارب الأولِ.
لأنه فوَّضَ إليه التصرفَ، وجَعَلَ لنفسه نصفَ جميع ما رَزَقَ الله تعالى
للأول، وقد رُزِقَ الثلثين، فيكون بينهما، بخلاف الأول: لأنه جَعَلَ لنفسه
نصفَ جمیعِ الربح، فافترقا.
قال: (ولو كان قال له: فما رَبِحْتَ من شيءٍ فبيني وبينك نصفان، وقد
دَفَعَ إلى غيرِهِ بالنصف: فللثاني النصفُ، والباقي بين الأولِ وربِّ المال
نصفان)؛ لأن الأولَ شَرَطَ للثاني نصفَ الربح، وذلك مفوَّضٌ إليه من
جهة ربِّ المال، فيستَحِقْه.
وقد جَعَلَ ربُّ المال لنفسه نصفَ ما رَبَحَ الأول، ولم يربحْ إلا
النصفَ، فيكونُ بينهما.
قال: (ولو كان قال له: على أنَّ ما رَزَقَ اللهُ تعالى فليَ نصفُه، أو قال
له: فما كان من فَضْلِ فبيني وبينك نصفان(١)، وقد دَفَعَ إلى آخَرَ مضاربةً
بالنصف: فلربِّ المال: النصفُ، وللمضاربِ الثاني: النصفُ، ولا شيء
للمضارب الأول).
(١) وفي نَسخ: نصفين.
و

٤٣٧
المضارِب یُضارِبُ
وإن شَرَطَ للمضارب الثاني ثلثي الربح: فلربِّ المال: النصفُ،
وللمضاربِ الثاني : النصفُ، ويَضمَنُ المضاربُ الأول للثاني سُدُسَ الربح
في ماله.
لأنه جَعَلَ لنفسه نصفَ مطلَقِ الفضل، فينصرفُ شَرْطُ الأول النصفَ
للثاني إلى جميع نصيبه، فيكونُ للثاني بالشرط، ويَخرجُ الأول بغير شيءٍ،
كمَن استُؤْجر ليخيطَ ثوباً بدرهم، فاستأجر غيرَه ليخيطَه بدرهم(١).
قال: (وإن شَرَطَ للمضارب الثاني ثلثي الربح: فلربِّ المال: النصفُ،
وللمضاربِ الثاني: النصفُ، ويَضمَنُ المضاربُ الأول للثاني سُدُسَ الربح
في ماله).
لأنه شَرَطَ للثاني شيئاً هو مُستَحَقٌّ لربِّ المال، فلم يَنْفُذْ فِي حَقِّه؛ لِمَا
فيه من الإبطال، لكنَّ التسميةَ في نفسها صحيحةٌ؛ لكون المسمَّى معلوماً
في عقدٍ يملكُهُ، وقد ضَمِنَ له السلامةَ، فيلزمُه الوفاءُ به.
ولأنه غَرَّه في ضِمْنِ العقد، وهو سببُ الرجوع، فلهذا يَرجعُ عليه.
وهو نظيرُ مَن استُؤْجِرَ لخياطة ثوبٍ بدرهمٍ، فدَفَعَه إلى مَن يَخيطُهُ
بدرهمٍ ونصف (٢)، والله تعالى أعلم.
(١) وفي نُسخ: بمثله.
(٢) فيجب نصف درهم عليه، فكذا هذا. حاشية نسخة ٧٣٨هـ.

٤٣٨
فصلٌ
فصلٌ
وإذا شَرَطَ المضاربُ لربِّ المالِ ثلثَ الربح، ولعبدِ ربِّ المال ثلثَ
الربح، على أن يعملَ العبدُ معه، ولنفسه ثلثَ الربح: فهو جائزٌ.
فصل
قال: (وإذا شَرَطَ المضاربُ لربِّ المالِ ثلثَ الربح، ولعبدِ ربِّ المال
ثلثَ الربح، على أن يعملَ العبدُ معه، ولنفسه ثلثَ الربح: فهو جائزٌ)؛
لأن للعبد يداً معتبرةً، خصوصاً إذا كان مأذوناً له، واشتراطُ العمل: إذنٌ
له، ولهذا لا يكون للمولى ولايةُ أَخْذِ ما أودعه العبدُ وإن كان محجوراً
عليه، ولهذا يجوزُ بيعُ المولىُ من عبدِهِ المأذونِ له.
وإذا كان كذلك: لم يكن مانعاً من التسليم والتخلية بين المال والمضارب.
بخلاف اشتراطِ العملِ على ربِّ المال؛ لأنه مانعٌ من التسليم، على ما مَرَّ.
وإذا صحَّتِ المضاربةُ: يكون الثلثُ: للمضارب بالشرط، والثلثان:
للمولىُ؛ لأن كَسْبَ العبدِ: للمولىُ إذا لم يكن عليه دَيْنٌ، وإن كان عليه
دينٌ: فهو للغرماء، هذا إذا كان العاقدُ هو المولىُ.
ولو عَقَدَ العبدُ المأذونُ له عقدَ المضاربة مع أجنبيٍّ، وشَرَطَ العملَ على
المولىُ: لا يصحُّ إن لم يكن عليه دينٌ؛ لأن هذا اشتراطُ العملِ على المالك.
وإن كان على العبدِ دينٌ: صحَّ عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن المولى
بمنزلة الأجنبيِّ عنده، على ما عُرِفَ، والله تعالى أعلم.

٤٣٩
فصلٌ في العَزْل والقِسمة
فصلٌ في العَزْل والقِسمة
وإذا مات ربُّ المال أو المضاربُ: بَطَلَتِ المضاربةُ.
وإن ارتدَّ ربُّ المالِ عن الإسلام، والعياذُ بالله، ولَحِقَ بدار الحرب :
بطلتِ المضاربةُ.
فإن عَزَلَ ربُّ المالِ المضارِبَ، ولم يَعلَمْ بعَزْله حتى اشترى وباع :
فتصرُّفُه جائزٌ.
فصلٌ في العَزْل والقِسمة
قال: (وإذا مات ربُّ المال أو المضاربُ: بَطَلَتِ المضاربةُ)؛ لأنه
توكيلٌ، على ما تقدَّم، وموتُ الموكِّل: يُبطِلُ الوكالةَ.
وكذا موتُ الوكيل، ولا تورَثُ الوكالةُ، وقد مَرَّ من قبل.
قال: (وإن ارتدَّ ربُّ المال عن الإسلام، والعياذُ بالله، ولَحِقَ بدار
الحرب: بطلتِ المضاربةُ)؛ لأن اللَّحوقَ: بمنزلة الموت، ألا ترى أنه
يُقْسَمُ مالُه بين ورثته، وقبلَ لُحُوقِهِ: يَتوقَّفُ تصرُّفُ مضاربه عند أبي حنيفة
رحمه الله؛ لأنه يُتُصرَّفُ له، فصار كتصرُّفه بنفسه.
ولو كان المضاربُ هو المرتدَّ: فالمضاربةُ على حالها؛ لأنَّ له عبارةً
صحيحةً، ولا تَوقَّفَ في ملكِ ربِّ المال، فبقيتِ المضاربة.
قال: (فإن عَزَلَ ربُّ المالِ المضارِبَ، ولم يَعلَمْ بعَزْله حتى اشترى
وباع: فتصرُّفُه جائزٌ).

٤٤٠
فصلٌ في العَزْل والقِسمة
وإن عَلِمَ بعَزْله، والمالُ عُروضٌ : فله أن يبيعَها، ولا يَمنعُه العزلُ من
ذلك، ثم لا يجوز أن يشتريَ بثمنها شيئاً آخرَ.
فإن عَزَلَه، ورأسُ المالِ دراهمُ أو دنانيرُ، وقد نَضَّتْ: لم يجُزْ له أن
یتصرّف فيها .
لأنه وكيلٌ من جهته، وعَزْلُ الوكيلِ قصداً يَتوقَّفُ على علمِهِ.
قال: (وإن عَلِمَ بعَزْله، والمالُ عُروضٌ: فله أن يبيعَها، ولا يَمنعُه
العزلُ من ذلك)؛ لأن حَقَّه قد ثبت في الربح، وإنما يظهرُ بالقسمة، وهي
تُبْتَنى على رأسِ المال، وإنما يَنِضُّ(١) بالبيع.
قال: (ثم لا يجوز أن يشتريَ بثمنها شيئاً آخَرَ)؛ لأن العزلَ إنما لم يعملْ
ضرورةَ معرفةِ رأس المال، وقد اندفعت، حيث صار نقداً، فيعمَلُ العزلُ.
قال: (فإن عَزَلَه، ورأسُ المالِ دراهمُ أو دنانيرُ، وقد نَضَّتْ: لم يجُزْ
له(٢) أن يتصرَّف فيها)؛ لأنه ليس في إعمال عَزْلِه إبطالٌ حَقَه في الربح، فلا
وِ
ضرورةً.
قال رضي الله عنه: وهذا الذي ذَكَرَه(٣) إذا كان من جنسٍ رأسِ المال،
فإن لم يكنْ، بأن كان دراهمَ ورأسُ المالِ دنانيرُ، أو على القلب: له أن يبيعَها
بجنس رأس المال؛ استحساناً؛ لأن الربحَ لا يظهرُ إلا به، وصار كالعروض.
(١) أي يحصل وَرِقاً ونقداً.
(٢) أي المضارب.
(٣) أي الإمام القدوري رحمه الله. البناية ١٢ / ٤٠٣.