Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
مَن تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقْبَل
ولا تُقبَلُ شهادةُ مَن يُظهرُ سَبَّ السَّلَفِ.
وتُقبلُ شهادةُ أهلِ الأهواء، إلا الخَطَّابِيَّةً.
قال: (ولا تُقبَلُ شهادةُ مَن يُظهِرُ سَبَّ السَّلَفِ (١))؛ لظهور فِسْقِهِ،
بخلاف مَن یکتمُه.
قال: (وتُقَبلُ شهادةُ أهلِ الأهواء، إلا الخَطَّبِيَّةَ(٢)).
وقال الشافعي(٣) رحمه الله: لا تُقبلُ(٤)؛ لأنه أغلظُ وجوهِ الفسق.
ولنا: أنه فِسْقٌ من حيثُ الاعتقادُ، وما أوقعَه فيه إلا تديُّنُه به، فيمتنعُ عن
الكذب، وصار كمَن يَشربُ المَثَلَّثَ(٥)، أو يأكلُ متروكَ التسميةِ عامداً (٦)،
مستبيحاً لذلك(٧).
(١) أي يسبُّ الصحابةَ والتابعين، وأيضاً يُراد بالسلف: كلُّ مَن يُقلَّدُ مذهبُه. ينظر
البناية ١١ /٤٠٠.
(٢) نسبةً لأبي الخطاب، رجلٌ كان بالكوفة، قَتَلَه عيسى بن موسى العباسي، والي
الكوفة، ابنُ أخي السفاح، ت ١٦٧ هـ، وهم غُلاةُ الروافض، يزعمون أن علياً رضي
الله عنه هو الإله الأكبر، وينظر البناية ٤٠١/١١، وسيُبيِّن حالَهم المصنّف بعد قليل.
(٣) الحاوي الكبير ١٦٨/١٧.
(٤) أي شهادة أهل الأهواء.
(٥) أي من الحنفية، والمثلَّث هو: ما طُبخ من ماء العنب حتى يذهب ثلثاه،
ويبقى الثلث، ويسمى بالطلاء. تبيين الحقائق ٤٦/٦.
(٦) من الشافعية. البناية ١١ /٤٠٢. قلت: لكن سيأتي تعليقي في كتاب الذبائح
أن حرمة متروك التسمية عمداً هو ما اعتمده المصنّف المرغيناني، وهو قول أبي
يوسف، وبيَّنت هناك أن أبا حنيفة ومحمداً رحمهما الله يقولان بحِلُّه، فلينظر.
(٧) فإنه لا تُردُّ شهادته.

١٦٢
مَن تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقْبَل
وتُقبَلُ شهادةُ أهلِ الذَّمَّة بعضِهم على بعضٍ وإن اختلفت مِلَلُهم.
بخلاف الفِسْق من حيث التعاطي.
أما الخطَّابيةُ: فهم قومٌ من غُلاةِ الروافض، يُنسبون إلى أبي الخطاب
الكوفي، يعتقدون الشهادةَ لكلِّ مَن حَلَفَ عندهم، وقيل: يَرَوْن الشهادةَ
الشِيْعتِهِم واجبةَ، فتتمكَّنُ التهمةُ في شهادتهم؛ لظهور فِسْقهم.
قال: (وتُقبَلُ شهادةُ أهلِ الذَّمَّة بعضِهم علىُ بعضِ وإن اختلفت مِلَلُهم).
وقال مالكٌ(١)، والشافعي(٢) رحمهما الله: لا تُقبل؛ لأنه فاسقٌ.
قال الله تعالى: ﴿وَالْكَفِرُونَ هُمُ اْلَّلِمُونَ(٣)﴾. البقرة/ ٢٥٤، فيجبُ
التوقُُّ في خبره (٤)، ولهذا لا تُقبلُ شهادتُه على المسلم، فصار كالمرتد.
ولنا: ما رُوي أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام أجاز شهادةَ النصارى(٥)
بعضِهم على بعضٍ.
ولأنه من أهل الولايةِ على نفسِهِ وأولادِه الصغار، فيكونُ من أهل
الشهادة على جنسه.
(١) الكافي ٢ /٩١٧.
(٢) الحاوي الكبير ١٧/ ٦١.
(٣) أي الفاسقون. حاشية نسخة ٧٣٨هـ.
(٤) لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَّ فَبَيَّنُواْ﴾. الحجرات/٦.
(٥) لفظ سنن ابن ماجه (٢٣٧٤): أهل الكتاب، وبهذا يُطابق الحديثُ الاستدلال.
قال البوصيري في الزوائد: فيه مجالد بن سعيد، وهو ضعيفٌ، والسنن الكبرى
للبيهقي (٢٠٦٢٧)، ولذا قال في نصب الراية ٨٥/٤: غريبٌ بهذا اللفظ.

١٦٣
مَن تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقبَل
ولا تُقبلُ شهادةُ الحربيِّ على الذميِّ.
والفِسْقُ من حيثُ الاعتقادُ غيرُ مانعٍ؛ لأنه يَجتنبُ ما يَعتقدُهُ محرَّمَ
دِيْنِه، والكذبُ محظورُ الأديان كلِّها.
بخلاف المرتدِّ؛ لأنه لا ولايةَ له.
وبخلاف شهادةِ الذميِّ على المسلم؛ لأنه لا ولايةَ له بالإضافة
إليه(١)، ولأنه(٢) يتقوَّل عليه؛ لأنه(٣) يَغِيْظُهُ قهرُه إياه.
ومِلَلُ الكفرِ(٤) وإن اختلفتْ: فلا قَهْرَ، فلا يَحمِلُهم الغيظُ على التقول.
قال: (ولا تُقبلُ شهادةُ الحربيِّ على الذميِّ)، أراد به والله أعلم:
المستأمِنَ؛ لأنه لا ولايةَ له عليه؛ لأن الذميَّ من أهل دارِنا، وهو أعلى
حالاً(٥) منه.
وتُقبلُ شهادةُ الذميِّ عليه، كشهادة المسلمٍ عليه، وعلى الذمي.
وتُقَبلُ شهادةُ المستأمِنِينَ بعضِهم على بعضٍ إذا كانوا من أهل دارٍ واحدة.
فإن كانوا من دارَيْن، كالروم والتُّرْك: لا تُقبَل؛ لأن اختلافَ الدارَيْن
يَقطعُ الولايةَ، ولهذا يَمنعُ التوارثَ.
(١) أي بالنسبة إلى المسلم، يعني ولايته بالنسبة إلى المسلم معدومةٌ.
(٢) أي الذمي.
(٣) أي لأن المسلم، أو يعود الضمير للشأن، أي لأن الشأن يُغيظ ويُسخِط
الذميَّ قهرُ المسلم له، وهذا يجعل الذميَّ يتقوَّل على المسلم. البناية ١١ /٤٠٥.
(٤) هذا جوابٌ عن سؤالٍ. ينظر البناية ١١ /٤٠٥.
(٥) وفي نُسخ: رُبةً.

١٦٤
مَن تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقْبَل
وإن كانتِ الحسناتُ أغلبَ من السيئات، والرجلُ ممَّن يجتنبُ الكبائرَ :
قُبلتْ شهادتُه وإنْ ألمّ بمعصيةٍ .
وتُقبلُ شهادةُ الأَقْلف، والخَصِيِّ، وولدِ الزنا.
بخلاف الذمي: لأنه من أهلِ دارنا، ولا كذلك المستأمِن.
قال: (وإن كانتِ الحسناتُ أغلبَ من السيئات، والرجلُ ممَّن يجتنبُ
الكبائرَ: قُبُلتْ شهادتُه وإنْ ألمّ بمعصيةٍ).
هذا هو الصحيحُ في حَدِّ العدالة المعتَبَرَة، إذْ لا بدَّ من توقَي الكبائرِ
كلِّها، وبعد ذلك يُعتبرُ الغالبُ، كما ذكرنا.
فأما الإلمامُ بمعصيةٍ: لا تَنقدِحُ به العدالةُ المشروطةُ، ولا تُرَدُّ به
الشهادةُ المشروعةُ؛ لأن في اعتبارِ اجتنابِه الكلّ: سَدَّ بابِه(١)، وهو مفتوحٌ؛
إحياءً للحقوق.
قال: (وتُقبلُ شهادةُ الأَقْلف)؛ لأنه (٢) لا يُخِلَّ بالعدالة، إلا إذا تَركَه
استخفافاً بالدِّيْن؛ لأنه لم يَبْقَ بهذا الصنيعِ عَدْلاً.
قال: (والخَصِيِّ)؛ لأن عمرَ رضي الله عنه قَبِلَ شهادةَ علقمةَ الخَصِيِّ(٣)
.
ولأنه قُطِعَ عضوٌ منه ظُلماً، فصار كما إذا قُطعت يدُه.
قال: (وولدِ الزنا)؛ لأن فِسْقَ الأبوين لا يوجبُ فسقَ الولد، ككفرهما
وهو مسلمٌ.
(١) أي باب قبول الشهادة.
(٢) أي تَرْك الخِتَان.
(٣) المصنف لابن أبي شيبة (٢٣٢١٩)، وينظر البناية ٤٠٩/١١، الدراية ١٧٣/٢.

١٦٥
مَنْ تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقْبَل
وشهادةُ الخُنثى : جائزةٌ، وشهادةُ العُمَّال : جائزةٌ.
وإذا شَهِدَ الرجلان أن أباهما أوصى إلى فلانٍ، والوصيُّ يدَّعي ذلك :
فهو جائزٌ؛ استحساناً، وإن أنكرَ الوصيُّ : لم يَجُزْ.
وقال مالك(١) رحمه الله: لا تُقبل(٢) في الزنا؛ لأنه يُحِبُّ أن يكون غيرُه
کمثله، فيُتَّھم.
قلنا: العدلُ لا يختارُ ذلك، ولا يَسْتَحِبُّه، والكلامُ في العدل.
قال: (وشهادةُ الخُنشِى: جائزةٌ)؛ لأنه رجلٌ، أو امرأةٌ، وشهادةُ الجنسين
مقبولةٌ بالنص(٣).
قال: (وشهادةُ العُمَّال: جائزةٌ).
والمرادُ: عمَّالُ السلطانِ عند عامة المشايخ رحمهم الله، لأنَّ نفسَ
العمل ليس بفسقٍ، إلا إذا كانوا أعواناً على الظلم.
وقيل: العاملُ إذا كان وجيهاً في الناس، ذا مُروءةٍ، لا يُجازِفُ في
كلامه: تُقبلُ شهادتُه، كما مَرَّ عن أبي يوسف رحمه الله في الفاسق؛ لأنه
لوجاهته: لا يُقْدِمُ على الكذب؛ حفظاً للمروءة، ولمَهابتِه: لا يُستأجَرُ على
الشهادةِ الكاذبة.
قال: (وإذا شَهدَ الرجلان أن أباهما أوصىُ إلى فلانٍ، والوصيُّ يدَّعي
ذلك: فهو جائزٌ؛ استحساناً، وإن أنكرَ الوصيُّ: لم يَجُزْ).
(١) التلقين ص ١٦٤.
(٢) أي لا تقبل شهادة ولد الزنا في الشهادة على الزنا.
(٣) وهو قولُه تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾. البقرة/ ٢٨٢.

١٦٦
مَن تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقْبَل
وفي القياس: لا يجوزُ وإن ادَّعىُ.
وعلى هذا: إذا شَهدَ الموصَى لهما بذلك(١)، أو غريمان لهما على
الميت دَيْنٌ، أو للميت عليهما دينٌ، أو شَهدَ الوصيّان أنه أوصى إلى هذا
الرجل معهما.
وجهُ القياس: أنها شهادةٌ للشاهد؛ لعَوْد المنفعة إليه.
وجهُ الاستحسان: أن للقاضي ولايةَ نَصْبِ الوصيِّ إذا كان طالباً،
والموتُ معروفٌ(٢)، فيُكفَى القاضي بهذه الشهادة مؤنةَ التعيين، لا أن
يَثْبتَ بها شيءٌ، فصار كالقُرْعة.
والوصيَّان إذا أقرَّا أنَّ معهما ثالثاً: يملكُ القاضي نَصْبَ ثالثٍ معهما؛
لعَجْزِهما عن التصرُّف باعترافهما.
بخلاف ما إذا أنكر (٣)، أو لم يُعرَفِ الموتُ؛ لأنه ليس له ولايةُ نَصْب
الوصيِّ في حياة الموصي، فتكونُ الشهادةُ هي الموجبةَ.
وفي الغريمَيْن للميت عليهما دينٌ: تُقبلُ الشهادةُ وإن لم يكنِ الموتُ
معروفاً؛ لأنهما يُقِرَّان على أنفسهما، فيثبتُ الموتُ باعترافهما في حقَّهما.
(١) أي الموصى لهما بالمال شَهِدَا أن الميت جعل زيداً وصياً على أولاده
وأمواله. حاشية نسخة ٧٣٨هـ.
(٢) وفي نسخ: معروفاً.
(٣) أي الوصي. البناية ٤١٣/١١، وجاء خطأً في طبعات الهداية: أنكرا. بالتثنية.

١٦٧
مَنْ تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقْبَل
وإن شَهِدَ اثنان أن أباهما الغائبَ وكَّله بقبض ديونه بالكوفة، فادعى
الوكيلُ، أو أنكر : لم تُقبل شهادتُهما.
ولا يَسمعُ القاضي الشهادةَ علىُ جَرْحٍ، ولا يَحكمُ بذلك.
ولو أقام رجلٌ البينةَ أن المدِّعيَ استأجر.
.
قال: (وإن شَهدَ اثنان أن أباهما الغائبَ وكَّله بقبض ديونه بالكوفة،
فادعى الوكيلُ، أو أنكر: لم تُقبل شهادتُهما).
لأن القاضيَ لا يملكُ نَصْبَ الوكيلِ عن الغائب، فلو ثبت: إنما يثبتُ
بشهادتهما، وهي غيرُ موجِبَةٍ؛ لمكان التهمة.
قال: (ولا يَسمعُ القاضي الشهادةَ(١) علىُ جَرْحٍ(٢)، ولا يَحكمُ بذلك).
لأن الفسقَ مما لا يَدخلُ تحتَ الحُكْم؛ لأنَّ له الدفعَ بالتوبة، فلا
يتحقَّقُ الإلزامُ.
ولأنَّ فيه هَتْكَ السَّتْرِ، والسَّتْرُ واجبٌ، والإشاعةُ حرامٌ، وإنما يُرَخَّص(٣)
ضرورةَ إحياءِ الحقوق، وذلك فيما يدخلُ تحتَ الحكم.
إلا إذا شهد الشهودُ على إقرارِ المدعي بذلك (٤): تُقبَلُ؛ لأن الإقرارَ
مما يدخلُ تحتَ الحكم.
قال: (ولو أقام رجلٌ)، أي المدَّعى عليه، (البينةَ أن المدِّعيَ استأجر
(١) وفي نُسخ: البينة.
(٢) أي جَرْحٍ مجرَّدٍ، وهو ما يتضمن النسبةَ إلى الفسق.
(٣) أي في إشاعة الفاحشة.
(٤) أي أنهم فسقةٌ.

١٦٨
مَن تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقبَل
الشهودَ : لم تُقبل .
ومَن شَهِدَ ولم يَبَرَحْ حتى قال: أُوهِمْتُ بعضَ شهادتي، فإن كان
عدْلاً : جازتْ شهادتُه.
الشهودَ: لم تُقبل)؛ لأنها(١) شهادةٌ علىُ جَرْحِ مجرَّدٍ.
والاستئجارُ وإن كان أمراً زائداً عليه فلا خصمَ في إثباته، لأن المدعى
عليه في ذلك أجنبيٌّ عنه.
حتى لو أقام المدعى عليه البينةَ أن المدِّعيَ استأجرَ الشهودَ بعشرةٍ
دراهمَ ليؤدُّوا الشهادةَ، وأعطاهم العشرةَ من مالي الذي كان في يده:
تقبلُ؛ لأنه خصمٌ في ذلك، ثم يثبتُ الجَرْحُ بناءَ عليه.
وكذا إذا أقامها على أني صالحتُ الشهودَ على كذا من المال، ودفعتُه إليهم
على أن لا يَشهدوا عليَّ بهذا الباطل، وقد شهدوا، وطالَبَهم بردِّ ذلك المال.
ولهذا قلنا: إنه لو أقام البينةَ أن الشاهدَ عبدٌ، أو محدودٌ في قذفٍ، أو
شاربُ خمرٍ، أو قاذِفٌ(٢)، أو شريكُ المدعي: تُقبل.
قال: (ومَنْ شَهِدَ ولم يَبَرَحُ(٣) حتى قال: أُوهِمْتُ(٤) بعضَ شهادتي،
فإن كان عدْلاً: جازتْ شهادتُه).
ومعنىُ قولِه: أُوْهِمْتُ: أي أخطأتُ بنسيانِ ما كان يَحِقُّ عليَّ ذِكْرُه، أو
(١) وفي نُسخ: لأنه. بالتذكير.
(٢) وفي نُسخ: كاذبٌ.
(٣) أي من المجلس.
(٤) وضُبطت في نُسخ: أَوْهَمْتُ.

١٦٩
مَن تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقبَل
بزيادةٍ كانت باطلةً.
ووجهُه: أن الشاهدَ قد يُبْتَلَىُّ بمِثله؛ لمَهابةِ مجلسِ القاضي(١)، فكان
العُذْرُ واضحاً، فتُقبلُ إذا تداركَه في أوانِه وهو عدلٌ.
بخلاف ما إذا قام عن المجلس، ثم عاد، وقال: أُوْهِمْت(٢)؛ لأنه
يُوهِمُ الزيادةَ من المدعي بتلبيسٍ وخِيانةٍ، فوجب الاحتياطُ.
ولأن المجلسَ إذا انَّحد: لَحِقَ المُلحَقُ بأصل الشهادة، فصار ككلامٍ
واحدٍ، ولا كذلك إذا اختلف.
وعلى هذا: إذا وَقَعَ الغَلَطُ في بعضِ الحدود، أو في بعضِ النَّسَب.
وهذا إذا كان موضعَ شبهةٍ، فأما إذا لم يكن: فلا بأسَ بإعادة الكلامِ
أصلاً، مثلُ أن يَدَعَ لفظةَ الشهادة، وما يجري مَجْرىُ ذلك وإن قام عن
المجلس بعد أن يكون عدلاً.
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: أنه يُقْبَلُ قولُه في غير
المجلسِ إذا كان عدلاً، والظاهرُ(٣) ما ذكرناه، والله تعالى أعلم
(١) وفي نُسخ: مجلس القضاء.
(٢) وضبطت في نُسخ: أَوْهَمْتُ.
(٣) أي ظاهر الرواية.

١٧٠
باب الاختلاف في الشهادة
باب
الاختلاف في الشهادة
الشهادةُ إذا وافقتِ الدعوىُ: قُبَلَتْ، وإن خالفَتْها: لم تُقْبَل.
ويُعتبرُ اتفاقُ الشاهدَيْن في اللفظِ والمعنى عند أبي حنيفة رحمه الله،
فإن شَهِدَ أحدُهما بألفٍ، والآخَرُ بألفين : لم تُقْبَلِ الشهادةَ عنده.
وعندهما : تُقبل على الألف إذا كان المدعي يدِّعي الألفَيْن.
باب الاختلاف في الشهادة
قال: (الشهادةُ إذا وافقتِ الدعوىُ: قُبلَتْ، وإن خالفَتْها: لم تُقْبَل)؛
لأن تقدُّمَ الدعوى في حقوقِ العبادِ شَرْطُ قبولِ الشهادة، وقد وُجدَتْ فيما
يوافِقُها، وانعدمت(١) فيما يُخالفُها.
قال: (ويُعتبرُ اتفاقُ الشاهدَيْن في اللفظِ والمعنى عند أبي حنيفة رحمه
الله، فإن شَهدَ أحدُهما بألفٍ، والآخَرُ بألفين: لم تُقْبَلِ الشهادةَ عنده.
و
وعندهما: تُقبل على الألف إذا كان المدعي يدِّعي الألفَيْن).
وعلى هذا: المائةُ والمائتان، والطَّلْقَةُ والطلقتان، والطلقةُ والثلاثُ.
لهما: أنهما اتفقا على الألف، أو الطلقةِ، وتفرَّد أحدُهما بالزيادة،
فيثبتُ ما اجتمعا عليه، دون ما تفرَّد به أحدُهما، فصار كالألف والألف
والخمسمائة.
(١) وفي نُسخ: أو انعدمت.

١٧١
باب الاختلاف في الشهادة
وإذا شهد أحدُهما بألفٍ، والآخَرُ بألفٍ وخمسِمائة، والمدعي يدعي
ألفاً وخمسمائةٍ : قُبلَتِ الشهادةُ على الألف بالاتفاق.
وإن قال المدعي: لم يكن لي عليه إلا الألفُ: فشهادةُ الذي شَهدَ
بالألف والخمسمائةٍ باطلٌ .
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنهما اختلفا لفظاً، وذلك يدلُّ على اختلاف
المعنى؛ لأنه (١) يُستفادُ باللفظ، وهذا لأن الألفَ لا يُعبَّرُ به عن الألفين،
بل هما جملتان متباينتان، فحصل على كلِّ واحدٍ منهما شاهدٌ واحدٌ،
فصار كما إذا اختلف جنسُ المال.
قال: (وإذا شهد أحدُهما بألفٍ، والآخَرُ بألفٍ وخمسمائة، والمدعي
يدعي ألفاً وخمسمائةٍ: قُبلَتِ الشهادةُ على الألف بالاتفاق).
لاتفاق الشاهدَيْن عليها لفظاً ومعنىًّ؛ لأن الألفَ والخمسَمائةٍ
جُملتان، عُطِفَتْ إحداهما على الأخرى، والعَطْفُ يُقرِّرُ الأولَ(٢).
ونظيرُهُ: الطلقةُ والطلقةُ والنصف، والمائةُ والمائةُ والخمسون.
بخلاف العشرةِ والخمسةَ عشر؛ لأنه ليس بينهما حرفُ العطف، فهو
نظيرُ الألفِ والألفين.
قال: (وإن قال المدعي: لم يكن لي عليه إلا الألفُ: فشهادةُ الذى
شَهِدَ بالألف والخمسمائةٍ: باطلةٌ)؛ لأنه كَذَّبه المدعي في المشهود به.
(١) أي المعنى.
(٢) وفي نُسخ: الألف.

١٧٢
باب الاختلاف في الشهادة
وإذا شَهدَا بألفٍ، وقال أحدُهما: إنه قضاه منها خمسَمائةٍ: قُبلت
شهادتُه بألفٍ، ولم يُسمَع قولُه: إنه قضاه، إلا أن يَشهَدَ معه آخَرُ.
وينبغي للشاهد إذا عَلِمَ بذلك أن لا يَشْهَدَ بألفٍ حتى يُقِرَّ.
وكذا إذا سكَتَ(١) إلا عن دعوى الألف؛ لأن التكذيبَ ظاهرٌ، فلا بدَّ
من التوفيق.
ولو قال: كان أصلُ حَقِّي ألفاً وخمسَمائةٍ، ولكني استوفيتُ خمسَمائةٍ،
أو أبرأتُه عنها: قُبلت؛ لتوفيقه.
قال: (وإذا شَهدَا بألفٍ، وقال أحدُهما: إنه قضاه منها خمسَمائةٍ:
قُبلت شهادتُهُ(٢) بألفٍ)؛ لاتفاقهما عليه، (ولم يُسمَع قولُه: إنه قضاه)؛
و
لأنه شهادةُ فَرْدٍ، (إلا أن يَشهَدَ معه آخَرُ).
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يُقضَىُ بخمسمائةٍ، لأن شاهِدَ القضاءِ
مضمونُ شهادتِهِ: أن لا دَيْنَ إلا خمسَمائةٍ.
وجوابُه: ما قلنا.
قال: (وينبغي للشاهد إذا عَلِمَ بذلك(٣) أن لا يَشْهَدَ بألفٍ حتى يُقِرَّ
(١) أي عن خمسمائة.
(٢) أي شهادة الذي قال: إنه قضاه، وأما شهادة الذي لم يقل: إنه قضاه: فهي
مقبولةٌ أصلاً، وقد جاء النص هكذا سليماً: شهادتُه: بالإفراد في نسخة سعدي
وغيرها، وهو نصُّ القدوري ومخطوطاته، وكذلك في بداية المبتدي ص٤٨٦، لكن
جاء في نُسخ من الهداية خطأً: شهادتهما، بالتثنية، ووقع كذلك خطأً في البناية
٤٢٤/١١، وفتح القدير ٥٠٦/٦، والعناية، وكذلك في طبعات الهداية القديمة.
(٣) أي أنه قضاه نصفَها.

١٧٣
باب الاختلاف في الشهادة
المدعي أنه قَبَضَ خمسمائةٍ .
وفي (الجامع الصغير)) : رجلان شَهِدَاً على رجلٍ بقَرْض ألفِ درهمٍ،
فشَهِدَ أحدُهما أنه قد قضاها : فالشهادةُ جائزةٌ على القرض.
وإذا شَهِدَ شاهدان أنه قَتَلَ زيداً يومَ النَّحْرِ بمكة، وشهد آخَران أنه قَتَّلَه
يومَ النحر بالكوفة، واجتمعوا عند الحاكم : لم يَقبَلِ الشهادتَيْن.
المدعي أنه قَبَضَ خمسَمائةٍ)؛ كي لا يصيرَ مُعِيناً على الظلم.
(وفي ((الجامع الصغير(١): رجلان شَهِدَاً على رجلٍ بقَرْض ألفِ
درهمٍ، فشَهِدَ أحدُهما أنه قد قضاها: فالشهادةُ جائزةٌ على القرض)؛
لاتفاقهما عليه، وتفرُّدِ أحدِهما(٣) بالقضاء، على ما بيَّنَّا.
وذَكَرَ الطحاويُّ رحمه الله عن أصحابنا رحمهم الله أنه لا تُقْبَلُ، وهو
قولُ زفر رحمه الله؛ لأن المدعي أكذبَ شاهِدَ القضاء.
قلنا: هذا إكذابٌ في غير المشهودِ به الأول، وهو القرضُ، ومثلُه لا
يَمنعُ القبولَ.
قال: (وإذا شَهِدَ شاهدان أنه قَتَلَ زيداً يومَ النَّحْر بمكة، وشهد آخَران
أنه قَتَلَه يومَ النحر بالكوفة، واجتمعوا عند الحاكم: لم يَقبَلِ الشهادتَيْن)؛
لأن إحداهما كاذبةً بيقين، وليست إحداهما بأَوْلى من الأخرى.
(١) ص١٩٦.
(٢) وضُبطت هذه الجملة في نُسخ هكذا: وتفرَّدَ أحدُهما.

١٧٤
باب الاختلاف في الشهادة
فإن سَبَقَتْ إحداهما، وقُضِيَ بها، ثم حضرتِ الأخرىُ: لم تُقْبَل.
وإذا شَهِدَاً على رجلٍ أنه سَرَقَ بقرةً، واختلفا في لونها : قُطِعَ.
وإن قال أحدُهما: بقرةٌ، وقال الآخَرُ: ثَوْرٌ: لم يُقطَع، وهذا عند أبي
حنيفة رحمه الله، وقالا : لا يُقطَعُ في الوجهَيْن جميعاً.
(فإن سَبَقَتْ إحداهما، وقُضِيَ (١) بها، ثم حضرتِ الأخرى: لم
تُقْبَل(٢))؛ لأن الأُولىُ ترجَّحتْ باتصال القضاءِ بها، فلا تنتَقِضُ بالثانية.
قال: (وإذا شَهِدَاً على رجلٍ أنه سَرَقَ بقرةً، واختلفا في لونها: قُطِعَ.
وإن قال أحدُهما: بقرةٌ(٣)، وقال الآخَرُ: ثَوْرُ: لم يُقْطَع، وهذا عند أبي
حنيفة رحمه الله، وقالا: لا يُقْطَعُ في الوجهَيْن جميعاً).
وقيل: الاختلافُ في لونَيْن يتشابهان، كالسَّواد والحُمْرة، لا في السواد والبياض.
وقيل: الاختلافُ في جميع الألوان، وهو الصحيح(٤).
لهما: أن السرقةَ في السوداء: غيرُها في البيضاء، فلم يَتِمَّ على كلِّ
فعلِ نصابُ الشهادة، وصار كالغصب، بل أَوْلِى؛ لأن أَمْرَ الحَدِّ أهمٌّ،
ءِ
وصار كالذّكورة والأنوثة.
وله: أن التوفيقَ ممكِنٌ؛ لأن التحمُّلَ في الليالي من بعيد، واللونان
(١) وضُبطت في نُسخ: وقَضَىُ. بالمعلوم.
(٢) أي في حق إسقاط الأُولى. حاشية سعدي على الهداية.
(٣) وفي نُسخٍ بالنصب: بقرةً، وقال الآخرُ: ثوراً. قلت: كلَّ بحسب التقدير.
(٤) قوله: وهو الصحيح: مثبتٌ في نسخة ١٠٣٨ هـ.

١٧٥
باب الاختلاف في الشهادة
ومَن شَهِدَ لرجلِ أنه اشترىُ عبدَ فلانٍ بألفٍ، وشَهدَ آخَرُ أنه اشتراه
بألفٍ وخمسِمائةٍ : فالشهادةُ باطلةٌ، وكذلك الكتابةُ.
يتشابهان، أو يجتمعان في واحدٍ، فيكون السوادُ من جانب، وهذا يُبْصِرُه،
والبياضُ من جانبٍ آخَرَ، والآخَرُ(١) يشاهِدُه.
بخلاف الغصب؛ لأن التحمُّلَ فيه بالنهار علىُ قُرب منه، والذَّكورةُ
والأُنوثةُ لا تجتمعان في واحدةٍ.
وكذا الوقوفُ على ذلك بالقُرْب منه، فلا يَشتبِه.
قال: (ومَن شَهِدَ لرجلِ أنه اشترى عبدَ فلانٍ بألفٍ، وشَهدَ آخَرُ أنه
اشتراه(٢) بألفٍ وخمسمائةٍ: فالشهادةُ باطلةٌ)؛ لأن المقصودَ إثباتُ السببُ،
وهو العقدُ، وذلك يختلفُ باختلاف الثمن، فاختلف المشهودُ به، ولم
يَتِمَّ العددُ على كلِّ واحدٍ منهما.
ولأن المدعيَ يُكذِّبُ أحدَ شاهدَيْه.
وكذا إذا كان المدعي هو البائعَ.
ولا فَرْقَ بين أن يدعيَ المدعي أقلّ المالَيْن، أو أكثرَهما؛ لِمَا بِيَّنَا.
قال: (وكذلك الكتابةُ)؛ لأن المقصودَ هو العقدُ: إن كان المدعي هو
العبدَ: فظاهرٌ.
وكذا إن كان المدعي هو المولى؛ لأن العتقَ لا يثبتُ قبلَ الأداء،
فكان المقصودُ إثباتَ السبب.
(١) وفي نُسخ: وهذا.
(٢) وفي نُسخ: اشترى.

١٧٦
باب الاختلاف في الشهادة
والخلعُ، والصلحُ عن دمِ العمد .
فأما النكاح: فإنه يجوزُ بألفٍ؛ استحساناً، وقالا: هذا باطلٌ في
النكاح أيضاً.
قال: (و) كذا (الخلعُ)، والإعتاقُ على مال.
(والصلحُ عن دمِ العمد) إن كان المدعي هو المرأةَ، أو (١) العبدَ أو
القاتلَ؛ لأن المقصودَ إثباتُ العقد، والحاجةُ ماسَّةٌ إليه.
وإن كانتِ الدعوى من الجانب الآخَر: فهو بمنزلة دعوى الدَّيْن فيما
ذكرنا من الوجوه؛ لأنه ثَبَتَ العفوُ والعتقُ والطلاقُ باعتراف صاحبِ
الحقِّ، فبقِيَ الدعوى في الدّیْن.
وفي الرهن: إن كان المدعي هو الراهنَ: لا تُقبَلُ (٢)؛ لأنه لا حظّ له
في الرهن، فعَرِيَتِ الشهادةُ عن الدعوى.
وإن كان(٣) المرتهنَ: فهو بمنزلة دعوىُ الدَّيْن.
وفي الإجارة: إن كان ذلك في أول المدة: فهو نظيرُ البيع، وإن كان
بعد مضيِّ المدة، والمدعي هو الآخِرَ (٤): فهو دعوى الدَّيْن.
قال: (فأما النكاح: فإنه يجوزُ بألفٍ؛ استحساناً، وقالا: هذا باطلٌ في
النكاح أيضاً.
(١) وفي نُسخ: والعبد، والقاتل.
(٢) وفي نُسخ: يُقبل. بالياء.
(٣) أي إن كان المدعي المرتهنَ.
(٤) وفي نُسخ: الآجرُ. بضمِّ الراء.

١٧٧
باب الاختلاف في الشهادة
وذُكِرَ في ((الأمالي)) قولُ أبي يوسف مع قولِ أبي حنيفة رحمهما الله.
وذُكِرَ في ((الأمالي(١)) قولُ أبي يوسف مع قول أبي حنيفة رحمهما الله).
لهما: أن هذا اختلافٌ في العقد؛ لأن المقصودَ من الجانبين السببُ،
فأشبه البيعَ.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن المالَ في النكاح تابعٌ، والأصلُ فيه الحِلّ،
والازدواجُ، والمِلْكُ، ولا اختلافَ فيما هو الأصلُ، فَيَثبتُ، ثم إذا وقع
الاختلافُ في التَّبَعِ: يُقضَى بالأقلّ؛ لاتفاقهما عليه.
ويستوي دعوى أقلِّ المالَيْن، أو أكثرِهما، في الصحيح.
ثم قيل: الاختلافُ فيما إذا كانت المرأةُ هي المدعيةَ.
وفيما إذا كان المدعي هو الزوجَ: إجماعٌ على أنه لا تُقبَلُ، لأن
مقصودَها قد يكونُ المالَ، ومقصودَه(٢) ليس إلا العقد (٣).
وقيل: الاختلاف(٤) في الفصلَيْن، وهذا أصحُّ، والوجهُ ما ذكرناه،
والله تعالى أعلم.
(١) أطلق المصنف: كتاب الأمالي، ولم يعيِّن مُمليها، وهناك أمالي لأبي يوسف
ولمحمد رحمهما الله ولغيرهما.
(٢) وفي نُسخ: مقصودُه. بضم الدال. أي الزوج.
(٣) فَبَطَلَ، وفي نُسخ: العقدُ: بالضم.
(٤) وفي نُسخ: الخلاف.

١٧٨
فصلٌ في الشهادة على الإرث
فصلٌ
في الشهادة على الإرث
ومَن أقام بينةً على دارِ أنها كانت لأبيه، أعارها، أو أودَعَها الذي هي
في يده : فإنه يأخذُها، ولا يُكلَّفُ البينةَ أنه مات، وتَرَكَها ميراثاً له.
فصلٌ في الشهادة على الإرث
قال: (ومَن أقام بينةً على دارِ أنها كانت لأبيه، أعارها، أو أودَعَها
الذي هي في يده: فإنه يأخذُها، ولا يُكلَّفُ البينةَ أنه مات، وتَرَكَها ميراثاً
له).
وأصلُه: أنه متىُ ثَبَتَ مِلْكُ المورِّثِ: لا يُقضى به للوارث حتى يشهَدَ
الشهودُ أنه مات وتَركَها ميراثاً له عند أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله.
خلافاً لأبي يوسف رحمه الله.
هو يقولُ: إن مِلْكَ الوارثِ مِلْكُ المورِّثِ، فصارتِ الشهادةُ بالملك
للمورِّثِ شهادةً به للوارث.
وهما يقولان: إن ملكَ الوارثِ متجدِّدٌ في حَقِّ العَيْن، حتى يجبُ عليه
الاستبراء في الجاريةِ المَوْروثة، ويَحِلَّ للوارث الغنيِّ ما كان صدقةً على
المورِّثِ الفقير، فلا بدَّ من النقل، إلا أنه يُكتَفَى بالشهادة على قيام ملكِ
المورِّثِ وقتَ الموتِ؛ لثبوت الانتقالِ ضرورةً.
وکذا علی قیام یده، على ما نذكرُه إن شاء الله تعالى.

١٧٩
فصلٌ في الشهادة على الإرث
وإن شَهِدُوا أنها كانت في يدِ فلانٍ، ماتَ وهي في يدِهِ : جازتٍ
و
الشهادة .
وإن قالوا لرجلٍ حَيُّ : نشهَدُ أنها كانت في يدِ المدعي منذ أشهرٍ: لم
تُقْبَلْ.
وقد وُجِدَتِ الشهادةُ على اليدِ في مسألة ((الكتاب))؛ لأن يدَ المستعيرِ
والمودَعِ والمستأجرِ قائمة مقامَ يدِهِ، فأغنى ذلك عن الجَرِّ والنقل.
قال: (وإن شَهِدُوا أنها كانت في يدِ فلانٍ، ماتَ وهي في يدِهِ: جازتٍ
الشهادةُ)؛ لأن الأيديَ عند الموت تنقلبُ يدَ مِلْكٍ بواسطة الضمان،
والأمانةُ تصيرُ مضمونةً بالتجهيل، فصار بمنزلة الشهادةِ على قيامِ ملكِهِ
وقتَ الموت.
قال: (وإن قالوا لرجلٍ حَيٍّ: نشهَدُ أنها كانت في يدِ المدعي منذُ
أشهرٍ: لم تُقَبَلْ).
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنها تُقبَلُ؛ لأن اليدَ مقصودَةٌ، كالملك.
ولو شهدوا أنها كانت مِلكَه: تُقبَلُ، فكذا هذا، وصار كما إذا شهدوا
بالأخذ من المدعي.
وَجْهُ الظاهر، وهو قولُهما: أن الشهادةَ قامت بمجهول؛ لأن اليدَ
مُنْقَضِيةٌ، وهي متنوِّعةٌ إلى ملكٍ وأمانةٍ وضمانٍ، فتعذّرَ القضاءَ بإعادة
المجهول، بخلاف الملك؛ لأنه معلومٌ، غيرُ مختلف.
وبخلاف الأخذِ؛ لأنه معلومٌ، وحُكْمُه معلومٌ، وهو وجوبُ الردِّ.

١٨٠
فصلٌ في الشهادة على الإرث
وإن أقرَّ بذلك المدعى عليه: دُفِعَتْ إلى المدعي.
وإن شَهدَ شاهدان أنه أَقَرَّ أنها كانت في يدِ المدعي : دُفِعَتْ إليه.
ولأن يدَ ذي اليدِ مُعايَنٌ، ويدَ المدعي مشهودٌ به، و((ليس الخَبَرُ
كالمعایَنَة))(١).
قال: (وإن أقرَّ بذلك المدعى عليه: دُفِعَتْ إلى المدعي)؛ لأن الجهالةَ
في المُقَرِّ به لا تَمنعُ صحةَ الإقرار.
قال: (وإن شَهدَ شاهدان أنه أَفَرَّ أنها كانت في يدِ المدعي: دُفِعَتْ
إليه)؛ لأن المشهودَ به ها هنا الإقرارُ، وهو معلومٌ، والله تعالى أعلم.
(١) تقدم في كتاب القاضي إلى القاضي، ولم ينص المؤلف في كلا الموضعين
على أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: وهو حديثٌ مرفوعٌ، صححه ابنُ حبان (الإحسان ٦٢١٣)، وهو أيضاً في
مسند أحمد (١٨٤٢)، والمستدرك ٣٥١/٢ (٣٢٥٠)، والأوسط للطبراني (٢٥)،
وغيرها، قال المُناوي في فيض القدير ٣٥٧/٥: رَمَزَ المؤلف لحُسْنِه، وهو كما قال، أو
أعلىُ، وله طرقٌ. اهـ
وقد فات الزيلعي تخريجه في نصب الراية ٦٠/٤، وكذلك في الدراية ١٧٠/٢،
وكذلك العيني في البناية ٢٥٧/١١، وابن الهمام في فتح القدير ٣٨٧/٦.