Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب الشهادات
إلا في الحدود والقصاص، فإنه يَسألُ فيها عن الشهود.
وإن طَعَنَ الخصمُ فيهم : سأل عنهم، وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ رحمهما
الله : لا بدَّ أن يَسألَ عنهم في السِّرِّ والعَلانيةِ في سائر الحقوق.
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((المسلمون عُدولٌ بعضُهم على بعض،
إلا محدوداً في قذفٍ))(١).
ومثلُ ذلك مَرويٌّ عن عمر رضي الله عنه(٢).
ولأن الظاهرَ هو الانزجارُ عما هو مُحَرَّمُ دِيْنِه، وبالظاهر: كفايةٌ، إذْ لا
وصولَ إلى القطع.
قال: (إلا في الحدود والقصاص، فإنه يَسألُ فيها عن الشهود)؛ لأنه
يُحتالُ لإسقاطها، فيُشترَطُ الاستقصاءَ فيها، ولأن الشبهةَ فيها دارئةٌ.
قال: (وإن طَعَنَ الخصمُ فيهم: سأل عنهم (٣))؛ لأنه تقابَلَ الظاهران،
فيسألُ؛ طلباً للترجيح.
(وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ رحمهما الله: لا بدَّ أن يَسألَ عنهم في السِّرِّ
والعَلانيةِ في سائر الحقوق)؛ لأن القضاءَ مبناهُ على الحُجَّةِ، وهي شهادةً
و
(١) المصنَّف لابن أبي شيبة (٢١٠٤٢)، وفي سنده: الحجاج بن أرطاة، وهو
ضعيف، وللحديث عدة شواهد، ينظر نصب الراية ٨١/٤، وقوَّاه ابنُ التركماني في
الجوهر النقي ١٥٦/١٠، سنن البيهقي ١٩٧/١٠، سنن الدار قطني ٢٠٧/٤.
(٢) تاريخ المدينة لابن شبة ٧٧٦/٢، سنن الدارقطني (٤٤٧٢)، السنن الكبرى
للبيهقي (٢٠٥٧٢)، وينظر نصب الراية ٨١/٤، الدراية ١٧١/٢.
(٣) وزاد في البناية ٣٥٠/١١: في السر والعلانية، يعني في غير الحدود
والقصاص؛ لأن فيهما يسأل قبل الطعن.

١٤٢
كتاب الشهادات
العدول، فَيَتعرَّفُ عن العدالة، وفيه (١) صَوْنُ قضائه عن البطلان.
وقيل: هذا اختلافُ عصرٍ وزمان، والفتوى على قولهما في هذا الزمان.
ثم التزكيةُ في السِّرِّ: أن يَبعثَ المستورةَ(٢) إلىُ المُعَدِّل، فيها:
النسبُ(٣)، والحِلَىُ(٤)، والمُصَلَّى(٥)، ويَرُدَّها المُعَدِّلُ(٦).
كلُّ ذلك في السرِّ؛ كي لا يَظهرَ فُيُخْدَعَ(٧)، أو يُقْصَدَ(٨).
وفي العلانية: لا بدَّ أن يَجمَعَ بين المُعَدِّل والشاهد(٩)؛ لتنتفيَ شبهةً
تعديلٍ غيرِه.
وقد كانت العلانيةُ وحدَها في الصدر الأول، ووَقَعَ الاكتفاءُ بالسرِّ في
زماننا؛ تحرُّزاً عن الفتنة.
(١) أي في تعرُّفُه.
(٢) أي الرقعة التي يكتبُ فيها القاضي أسامي الشهود، وحُلاهم.
(٣) أي نسب الشهود.
(٤) الحِلَىُ: بكسر الحاء أفصح، وجاء بالضم، وتخفيف اللام، مقصوراً، وهي
جمع: حِلية، وحِلْيةُ الإنسان: أي صفته، أي أنهم حُمْرٌ أو سُودٌ. البناية ١١ / ٣٥٢.
(٥) أراد به المَحَلَّة، أو مسجد المحلَّة، أي المكان الذي يصلي فيه.
(٦) أي يرد المعدِّلُ المستورةَ.
(٧) أي بالرشوة.
(٨) أي بالضرر.
(٩) فيقول المعدِّلُ: هذا الذي عدَّتُه، يشير إلى الشاهد.

١٤٣
كتاب الشهادات
وفي قولِ مَن رأى أن يَسألَ عن الشهود : لم يُقبَلْ قولُ الخصم : إنه
عَدْلٌ.
وإذا كان رسولُ القاضي الذي يسألُ عن الشهود واحداً : جاز، ....
ويُروى عن محمدٍ رحمه الله: تزكيةُ العلانيةِ بلاءٌ وفتنةٌ.
ثم قيل: لا بدَّ أن يقولَ المعدِّلُ: هو (١) حُرٍّ، عَدْلٌ، جائزُ الشهادة؛ لأن
العبدَ قد يُعدَّل.
وقيل: يُكتفى بقوله: هو عدلٌ؛ لأن الحريةَ ثابتةٌ بالدار، وهذا أصح.
قال: (وفي قولِ مَن رأى أن يَسألَ عن الشهود: لم يُقْبَلْ قولُ الخصم:
إِنه عَدْلٌ)، معناه: قولُ المدَّعى عليه.
وعن أبي يوسف ومحمدٍ رحمهما الله: أنه تجوزُ تزكيتُه.
لكن عند محمدٍ رحمه الله: بضمٌّ تزكيةٍ آخَرَ إلى تزكيته؛ لأن العددَ
عنده شرطٌ.
ووجهُ الظاهر: أن في زَّعْمِ المدعي وشهودِه أن الخصمَ كاذبٌ في
إنكاره، مبطِلٌ في إصراره، فلا يصلحُ معدّلاً.
وموضوعُ المسألة: إذا قال: هم عدولٌ، إلا أنهم أخطأوا، أو نَسُوا،
أما إذا قال: صَدَقوا، أو هم عدولٌ صَدَقَةٌ: فقد اعترف بالحقِّ.
قال: (وإذا كان رسولُ القاضي الذي يسألُ عن الشهود واحداً: جاز،
(١) أي الشاهد.

١٤٤
كتاب الشهادات
والاثنان أفضلُ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمدٌ رحمه الله : لا يجوز إلا اثنان.
والاثنان أفضلُ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمدٌ رحمه الله: لا يجوز إلا اثنان)، والمرادُ منه المزكِّي.
وعلى هذا الخلاف: رسولُ القاضي إلى المزكِّي، والمترجِمُ عن الشاهد.
له (١): أن التزكيةَ في معنى الشهادة؛ لأن ولايةَ القاضي (٢) تُبتنى على
ظهورِ العدالة، وهو بالتزكية، فيُشترَطُ فيه العددُ، كما تُشترطُ العدالةُ فيه.
وتُشترطُ الذُّكورةُ في المزكِّي في الحدود والقصاص (٣).
ولهما: أنه ليس في معنى الشهادة، ولهذا لا يُشترطُ فيه لفظةُ: الشهادة،
ومجلسُ القضاء.
واشتراطُ العددِ (٤): أمرٌ حُكميُّ(٥) في الشهادة، فلا يتعدّاها.
ولا تُشترطُ أهليةُ الشهادةِ في المزكِّي في تزكية السِّرِّ، حتى صَلُحَ العبدُ
مزكِّياً.
(١) أي للإمام محمد رحمه الله.
(٢) وفي نُسخ: القضاء.
(٣) لفظ: القصاص: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.
(٤) هذا جوابٌ عن قول محمد رحمه الله.
(٥) وفي نُسخ: تحكّميٌّ.

١٤٥
كتاب الشهادات
فأما في تزكية العلانية: فهو شرطٌ، وكذا العددُ، بالإجماع، على ما
قاله الخَصَّافُ رحمه الله؛ لاختصاصها بمجلس القضاء.
قالوا(١): تُشترطُ الأربعةُ في تزكية شهود الزنا عند محمد رحمه الله،
والله تعالى أعلم.
(١) أي المشايخ رحمه الله. البناية ٣٥٧/١١.

١٤٦
فصلٌ
فصلٌ
وما يَتَحَمَّلُه الشاهدُ على ضَرْبَيْن: أحدُهما: ما يَثبتُ حُكمُه بنفسه،
مثلُ البيعِ والإقرارِ والغصبِ والقتلِ، وحُكْمِ الحاكمِ.
فإذا سَمِعَ ذلك الشاهدُ، أو رآه: وَسِعَه أن يَشهدَ به وإن لم يُشْهَدْ عليه.
ويقولُ: أَشْهَدُ أنه باع، ولا يقولُ: أَشْهَدَني.
فصلٌ
في بيان أحكامٍ تتعلَّقُ بالشهادة
قال: (وما يَتَحَمَّلُه الشاهدُ على ضَرْبَيْن: أحدُهما: ما يَثبتُ حُكمُهُ
بنفسه، مثلُ البيعِ والإقرارِ والغصبِ والقتلِ، وحُكْمِ الحاكمِ.
فإذا سَمِعَ ذلك الشاهدُ، أو رآه: وَسِعَه أن يَشهدَ به وإن لم يُشْهَدْ
عليه)؛ لأنه عَلِمَ ما هو الموجِبُ بنفسِهِ، وهو الرُّكنُ في إطلاق الأداء.
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. الزخرف /٨٦.
وقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ((إذا عَلِمْتَ مثلَ الشمس: فاشهَدْ،
وإلا: فدَعْ))(١).
قال: (ويقولُ: أَشهَدُ أنه باع، ولا يقولُ: أَشهَدَنَي)؛ لأنه كذبٌ.
(١) شعب الإيمان (١٠٤٦٩)، مرفوعاً، السنن الصغرى (٣٣٠٢)، المستدرك
(٧٠٤٥)، وفي سنده مقال، ينظر التعريف والإخبار ٣٨٨/٢.

١٤٧
في بيان أحكامٍ تتعلَّقُ بالشهادة
ومنه : ما لا يَثبتُ حُكْمُه بنفسه، مثلُ الشهادةِ على الشهادة.
فإذا سمع شاهداً يَشهَدُ بشيءٍ : لم يَجُزْ له أن يَشهَدَ على شهادته، إلا
أن يُشهدَه عليها .
وكذا لو سَمِعَه يُشهدُ الشاهدَ على شهادته: لم يَسَعْ للسامع أن يَشهَدَ.
ولو سَمِعَ مِن وراء الحِجَابِ: لا يجوزُ له أن يَشهَدَ.
ولو فسَّر للقاضي(١): لا يقبلُه؛ لأن النَّغْمةَ تُشبه النَّغْمَةَ، فلم يَحصُلِ
العلمٌ.
إلا إذا كان دَخَلَ البيتَ، وعَلِمَ أنه ليس فيه أحدٌ سواه، ثم جلس على
الباب، وليس للبيت مَسلَكٌ غيرُه، فسمع إقرارَ الداخل، ولا يراه: له أن
يَشْهَدَ؛ لأنه حَصَلَ العلمُ في هذه الصورة.
قال: (ومنه: ما لا يَثبتُ حُكْمُه بنفسه، مثلُ الشهادةِ على الشهادة.
فإذا سمع شاهداً يَشهَدُ بشيءٍ: لم يَجُزْ له أن يَشهَدَ على شهادته، إلا
أن يُشهدَه عليها)؛ لأن الشهادةَ غيرُ موجبةٍ بنفسها، وإنما تصيرُ موجبةً
بالنقل إلى مجلسِ القاضي(٢)، فلا بدَّ من الإنابة والتحميل، ولم يوجد.
قال: (وكذا لو سَمِعَه يُشهدُ الشاهدَ على شهادته: لم يَسَعْ للسامع أن
يَشْهَدَ)؛ لأنه ما حَمَّله، وإنما حَمَّل غيرَه.
(١) بأن قال: أشهد بالسماع من وراء الحجاب.
(٢) وفي نُسخ: مجلس القضاء.

١٤٨
في بيان أحكامٍ تتعلَّقُ بالشهادة
ولا يَحِلَّ للشاهد إذا رأى خَطَّهِ أن يَشهَدَ، إلا أن يتذكَّر الشهادةَ.
قال: (ولا يَحِلُّ للشاهد إذا رأىُ خَطَّه أن يَشْهَدَ، إلا أن يتذكَّر
الشهادةَ)؛ لأن الخَطَّ يُشبِهُ الخَطَّ، فلم يَحصُلِ العلمُ.
قيل: هذا على قول أبي حنيفة رحمه الله.
وعندهما: يَحِلُّ له أن يَشْهَدَ.
وقيل: هذا بالاتفاق(١)، وإنما الخلافُ فيما إذا وَجَدَ القاضي شهادتَه(٢)
في ديوانه(٣)، أو قضيتَه(٤)؛ لأن ما يكونُ في قِمَطْره(٥): فهو تحت خَتْمه،
يُؤْمَنُ عليه من الزيادة والنقصان، فحصل له العلمُ بذلك، ولا كذلك
الشهادةُ في الصكِّ؛ لأنه في يدِ غیرِه.
وعلى هذا إذا ذَكَرَ (٦) المجلسَ الذي كانت فيه الشهادةُ، أو أخبره قومٌ
ممن يَثِقُ بهم أنَّا شهدنا نحن وأنت(٧).
(١) يعني لا يجوز بالاتفاق، أي لا يحِلُّ الأداء ما لم يتذكر الحادثة.
(٢) وفي نُسخ: شهادةً.
(٣) أي دفاتر القاضي.
(٤) أي وجد حكمه مكتوباً في خريطته. البناية ١١/ ٣٦٢.
(٥) ما يُصان فيه الكُتُب.
(٦) أي تَذَكَّرَ المكانَ، دون الحادثة، فكان تَذَكَّرُ المكان بمنزلة معرفته خطَّ في
الشهادة، دون الحادثة. حاشية نسخة ٧٣٨هـ.
(٧) أي لا يحل له أن يشهد بالاتفاق.

١٤٩
في بيان أحكامٍ تتعلَّقُ بالشهادة
ولا يجوزُ للشاهد أن يَشهَدَ بشيءٍ لم يُعايِنْه، إلا النسبَ، والموتَ،
والنكاحَ، والدخولَ، وولايةَ القاضي، فإنه يَسَعُهُ أَن يَشْهَدَ بهذه الأشياءِ إذا
أخبره بها مَن يَثِقُ به .
قال: (ولا يجوزُ للشاهد أن يَشْهَدَ بشيءٍ لم يُعايِنْه، إلا النسبَ،
والموتَ، والنكاحَ، والدخولَ، وولايةَ القاضي، فإنه يَسَعُه أن يَشهَدَ بهذه
الأشياءِ إذا أخبره بها مَن يَثِقُ به)، وهذا استحسانَ.
والقياسُ: أن لا يجوزَ فيها؛ لأن الشهادةَ مشتقةٌ من المشاهَدة، وذلك
بالعلم، ولم يحصل، فصار كالبيع.
وجهُ الاستحسان: أن هذه أمورٌ يَختصُّ بمعاينةِ أسبابها خواصُّ من
الناس، وتتعلَّقُ بها أحكامٌ تبقى على انقضاءِ القرون، فلو لم تُقبل فيها
الشهادةُ بالتسامع: أدَّى إلى الحَرَجِ، وتعطيلِ الأحكام.
بخلاف البيع؛ لأنه يَسمَعُه كلُّ أحد.
وإنما يجوزُ للشاهد أن يَشْهَدَ بالاشتهار، وذلك بالتواتر، أو بإخبارِ مَن
يَثِقُ به، كما قال في (الكتاب(١)).
ويُشترطُ أن يُخبِرَه رجلان عَدْلان، أو رجلٌ وامرأتان؛ ليحصلَ له نوعُ عِلْمٍ.
وقيل: في الموت يُكتفَى بإخبارٍ واحدٍ أو واحدةٍ؛ لأنه قلَّما يُشاهِدُ
حالَه(٢) غيرُ الواحد، إذِ الإنسانُ يَهابُه ويكرهُه، فيكونُ في اشتراطِ العددِ
بعضُ الحَرَج، ولا كذلك النسبُ والنكاحُ.
(١) أي مختصر القدوري. البناية ١١/ ٣٦٥.
(٢) أي حال الميت، إذ الإنسان يهاب الموت ويكرهه.

١٥٠
في بيان أحكامٍ تتعلَّقُ بالشهادة
وينبغي أن يُطلِقَ أداءَ الشهادة، ولا يُفسِّرَ، أما إذا فَسَّر للقاضي أنه
يَشْهَدُ بالتسامع: لم يَقبلْ شهادتَه، كما أن معاينةَ اليدِ في الأملاك تُطلِقُ(١)
الشهادةَ، ثم إذا فسِّر: لا تُقبل، كذا هذا.
ولو رأى إنساناً جَلَسَ مجلسَ القضاء، يَدخلُ عليه الخصومُ: حَلَّ له
أن يَشهَدَ على كونه قاضياً.
وكذا إذا رأى رجلاً وامرأةً يسكنان بيتاً، وينبسطُ كلُّ واحدٍ منهما إلى
الآخَرَ انبساطَ الأزواج (٢)، كما إذا رأى عيناً في يدِ غيره.
ومَن شَهِدَ أنه شَهِدَ دَفْنَ فلانٍ، أو صلى علىُ جَنازته: فهو معاينةٌ،
حتى لو فَسَّر للقاضي: قَبِلَه.
ثم قَصْرُ الاستثناءِ في ((الكتاب)) على هذه الأشياءِ الخمسة (٣): ينفي
اعتبارَ التسامحِ في الولاء، والوقف.
وعن أبي يوسف رحمه الله آخِراً: أنه يجوزُ في الوَلاء؛ لأنه بمنزلة
النسب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الوَلاء لُحْمَةٌ كلحمة النسب))(٤).
(١) وفي نُسخ: مطلقٌ للشهادة.
(٢) أي جاز له أن يشهد بأنها امرأته. البناية ٣٦٨/١١.
(٣) لفظ: الخمسة: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.
(٤) رواه محمد في الأصل ٣٧٧/٦، كما في التعريف والإخبار ١٣٨/٣،
ورواه الشافعي في مسنده (٢٣٧) عن محمد بن الحسن، وصححه ابن حبان
(٤٩٥٠)، والحاكم في المستدرك (٧٩٩٠)، وينظر التلخيص الحبير ٢١٣/٤ . =

١٥١
في بيان أحكامٍ تتعلَّقُ بالشهادة
ومَن كان في يده شيء سوى العبدِ والأمة: وَسِعَكَ أن تشهدَ أنه له.
وعن محمدٍ رحمه الله: أنه يجوز في الوقف؛ لأنه يبقى على مَرِّ الأعصار.
إلا أنا نقول: الولاءَ يُبْتَنى على زوال الملك، ولا بدَّ فيه من المعاينة،
فكذا فيما يُتنى عليه.
وأما الوقفُ: فالصحيحُ أنه تُقبلُ الشهادةُ بالتسامع في أصله، دون
شرائطِه، لأن أصلَه هو الذي يشتهر.
قال: (ومَن كان في يده شيء سوىُ العبدِ والأمة: وَسِعَكَ أن تشهدَ أنه
له)؛ لأن اليدَ أقصى ما يُستَدَلّ به على الملك، إذ هي مَرجعُ الدلالةِ في
ءِ
الأسباب كلِّها، فيُكتَفى بها.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يشترطُ مع ذلك أن يقعَ في قلبه أنه له.
قالوا: ويَحتملُ أن يكون هذا(١) تفسيراً لإطلاق محمدٍ رحمه الله في
الرواية، فيكونُ شَرْطاً، على الاتفاق.
وقال الشافعي(٢) رحمه الله: دليلُ الملك: اليدُ، مع التصرُّف، وبه قال
وأنبه هنا إلى أن هذا الحديث ورد هنا في الهداية في أواخر الشهادات، ولم
يخرِّجه في هذا الموضع الزيلعي في نصب الراية ٨٢/٤، وتبعه ابن حجر في الدراية
١٧٢/٢، في حين أنه ورد مرة ثانية في الهداية في كتاب الولاء، وفي الولاء من
نصب الراية ١٥١/٤ خرَّجه الزيلعي، وتبعه ابن حجر.
(١) أي ما ذُكر من شهادة القلب.
(٢) الحاوي الكبير ٨ /٦٢.

١٥٢
في بيان أحكامٍ تتعلَّقُ بالشهادة
بعضُ مشايخِنا(١) رحمهم الله؛ لأن اليدَ متنوّعةٌ إلى إنابةٍ(٢)، ومِلكٍ.
قلنا: والتصرُّفُ يتنوَّعُ أيضاً، إلى نيابةٍ، وأصالةٍ.
ثم المسألةُ على وجوهٍ: أحدُها: إن عايَنَ المالِكَ والمِلكَ: حلّ له أن يَشهد.
وكذا إذا عايَنَ المِلكَ بحدوده، دون المالك: يَحِلِّ؛ استحساناً؛ لأن
النسبَ يثبتُ بالتسامح، فتحصلُ معرفتُه.
وإن لم يعايِنْهما، أو عاينَ المالكَ، دون الملك: لا يَحِلِّ له.
وأما العبدُ والأمة: إن كان يَعرِفُ أنهما رقيقان: فكذلك(٣)؛ لأن الرقيقَ
لا یکون في ید نفسه.
وإن كان لا يَعرِفُ أنهما رقيقان، إلا أنهما صغيران لا يُعبِّران عن
أنفسهما: فكذلك؛ لأنه لا يدَ لهما.
وإن كانا كبيرَيْن: فذلك مَصرفُ الاستثناء(٤)؛ لأن لهما يداً على
أنفسهما، فيَدفعُ بها يدَ الغير عنهما، فانعدم دليلُ الملك.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه يَحِلَّ له أن يَشهدَ فيهما أيضاً؛ اعتباراً
بالثياب، والفرقُ ما بيَّنَّه، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) وهو الإمام الخصاف رحمه الله. البناية ٣٧١/١١.
(٢) وفي نُسخ: أمانة.
(٣) أي حَلَّ للرائي أن يشهد لذي اليد بالملك.
(٤) بقوله: سوى العبد والأمة.

١٥٣
باب
باب
مَن تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقْبَل
ولا تُقبَلُ شهادةُ الأعمى.
باب
مَنْ تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقْبَل
قال: (ولا تُقبَلُ شهادةُ الأعمىُ).
وقال زفرُ رحمه الله، وهو روايةٌ عن أبي حنيفة رحمه الله: إنها تُقبلُ
فيما يجري فيه التسامُعُ(١)؛ لأن الحاجةَ فيه إلى السماع، ولا خَلَلَ فيه.
وقال أبو يوسف والشافعيّ(٢) رحمهما الله: يجوزُ إذا كان بصيراً وقتَ
التحمُّل؛ لحصول العلمِ بالمعاينة، والأداء يختصُّ بالقول، ولسانُه غيرُ
مَؤوفٍ (٣)، والتعريفُ يَحصلُ بالنسبة(٤)، كما في الشهادة على الميت.
(١) كالنسب، والموت.
(٢) الأم ٤٨/٧.
(٣) أي لم تُصبه آفةٌ، يُقال: إِيْفَ فلانٌ - على وزن: قيل. تاج العروس (أوف) -:
أي أصابته آفةٌ، فهو مَؤُوف، على مثال: مَصُوف. البناية ٣٧٧/١١، وفي مختار
الصحاح (أوف): على وزن: مَعُوف.
(٤) أي تعريف المشهود عليه يحصل بالنسبة للأعمى، بأن يقول: أشهد على
فلان بن فلان. البناية ١١/ ٣٧٧.

١٥٤
مَن تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقْبَل
ولا المملوكِ، ولا المحدودِ في قَذْفٍ وإن تاب.
ولنا: أنَّ الأداءَ يَفتقرُ إلى التمييز بالإشارة بين المشهودِ له، والمشهودِ
عليه، ولا يُميِّزُ الأعمىُ إلا بالنَّغْمة، وفيه شُبْهةٌ يُمكن التحرزُ عنها بجنس
الشهود.
والنسبة(١) لتعريف الغائب، دون الحاضر، فصار كالحدود والقصاص.
ء (٢) عند أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما
ولو عَمِيَ بعد الأداء: يمتنعُ القضاءَ (٢)
الله؛ لأن قيامَ أهليةِ الشهادةِ شَرْطٌ وقتَ القضاء؛ لصيرورتها حجةً
عنده(٣)، وقد بطلت، وصار كما إذا خَرِسَ، أو جُنَّ، أو فَسَقَ.
بخلاف ما إذا ماتوا أو غابوا؛ لأن الأهليةَ بالموت قد انتهت (٤)،
وبالغَيْبة ما(٥) بطلت.
قال: (ولا المملوكِ)؛ لأن الشهادةَ من باب الولاية، وهو لا يلي
نفسَه، فَأَوْلى أن لا تثبتَ له الولايةُ على غيره.
قال: (ولا المحدودِ فِي قَذْفٍ وإن تاب).
لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوْ لَهُمْ شَهَدَةً أَبَّدًا﴾. النور / ٤.
(١) هذا جوابٌ عن قوله: والتعريف يحصل بالنسبة.
(٢) أي لم يجز الحكمُ بها.
(٣) أي عند القاضي.
(٤) أي تقرَّرت، والشيء يتقرر بانتهائه.
(٥) ما: نافية، أي ما بطلت الشهادة.

١٥٥
مَن تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقْبَل
ولا شهادةُ الوالدِ لولدِهِ، ووَلَدٍ وَلَدِهِ، ولا شهادةُ الولدِ لأبويه،
وأجدادِه.
ولأنه(١) من تمام الحَدِّ؛ لكونه مانعاً (٢)، فيبقى بعد التوبةِ كأصله.
بخلاف المحدودِ في غيرِ القذف؛ لأن الردَّ للفسق، وقد ارتفع بالتوبة.
وقال الشافعي(٣) رحمه الله: تُقبَلُ إذا تاب؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
تَابُوا﴾. النور/٥، استثنى التائبَ.
قلنا: الاستثناءُ يَنْصرِفُ إلى ما يليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُ
اٌلْفَسِقُونَ﴾. النور/٤، أو هو استثناءً منقَطِعٌ، بمعنى: لكن.
ولو حُدَّ الكافرُ في قَذْفٍ، ثم أسلم: تُقبلُ شهادتُه؛ لأن للكافر شهادةَ،
فكان ردُّها من تمام الحَدِّ، وبالإسلام: حَدَثَتْ له شهادةٌ أخرى.
بخلاف العبد إذا حُدّ(٤)، ثم أُعتق(٥)؛ لأنه لا شهادةَ للعبد أصلاً،
فتمامُ حَدِّه: بردِّ شهادتِه بعد العتق.
قال: (ولا شهادةُ الوالدِ لولدِهِ، ووَلَدٍ وَلَدِهِ، ولا شهادةُ الولدِ لأبويه،
وأجدادِهِ).
(١) أي رد الشهادة.
(٢) أي زاجِراً.
(٣) الأم ٢٢٦/٦.
(٤) أي حدَّ القذف.
(٥) حيث لا تُقبل شهادته عندنا.

١٥٦
مَن تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقْبَل
والأصلُ فيه: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا تُقبلُ شهادةُ الولدِ
لوالده، ولا الوالدِ لولدِهِ، ولا المرأةِ لزوجها، ولا الزوج لامرأتِهِ، ولا
العبدِ لسيِّدِهِ، ولا المولىُ لعبدِه، ولا الأجيرِ لمَن استأجَرَه))(١).
ولأن المنافعَ بين الأولادِ والآباءِ متصلَةٌ، ولهذا لا يجوزُ أداءُ الزكاةِ
إليهم، فتكونُ شهادةً لنفسه من وجهٍ، أو تتمكَّنُ فيه التهمةُ (٢).
قال العبد الضعيف(٣): والمرادُ بالأجير(٤) على ما قالوا(٥): التلميذُ
الخاصُّ: الذي يَعُدُّ ضررَ أستاذِهِ: ضررَ نفسِهِ، ونفعَه: نفعَ نفسِهِ، وهو
معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا شهادةَ للقانع(٦) بأهل البيت))(٧).
(١) قال في الدراية ١٧٢/٢: لم أجده، ويقال: إن الخَصَّاف أخرجه بإسناده
مرفوعاً. اهـ، قال في التعريف والإخبار ٣٩٩/٢، ومنية الألمعي ص٤٠١: أخرجه
الخصاف في ((أدب القاضي)) له، ثم ساق العلامة قاسم سندَ الخصاف المتصل عن
عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(٢) وفي نُسخ: الشبهة.
(٣) وفي نُسخ: قال المصنِّف رحمه الله، وفي نُسخ: قال رضي الله عنه، وهكذا
يختلف النسّاخ في صيغة ذِكْر المؤلف رحمه الله، كما تقدَّم في الدراسة.
(٤) أي المذكور في الحديث السابق.
(٥) أي المشايخ.
(٦) القانعُ: هو التابع لأهل البيت، كالخادم لهم، وقيل: المتعلُّمُ الذي يأكل في
بيت أستاذه. ينظر البناية ٣٨٧/١١.
(٧) سنن أبي داود (٣٦٠٠)، سنن الترمذي (٢٢٩٨)، قال الترمذي: حديث
غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد، ويزيد: يُضعَّف، مسند أحمد (٦٦٩٨).

١٥٧
مَنْ تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقْبَل
ولا تُقْبَلُ شهادةُ أحدِ الزوجين للآخَرِ، ولا شهادةُ المولىُ لعبدِه.
وقيل: المرادُ(١): الأجيرُ مُسانَهَةً، أو مُشاهَرَةً، أو مُياومَةً، فيستوجبُ
الأجرَ بمنافعه عند أداء الشهادة، فيصيرُ كالمستأجَرِ عليها.
قال: (ولا تُقبَلُ شهادةُ أحدِ الزوجين للآخَر).
وقال الشافعي(٢) رحمه الله: تُقبَلُ؛ لأن الأملاكَ بينهما متميِّزَةٌ(٣)،
والأيدي متحيِّزةً(٤)، ولهذا يجري القصاصُ، والحبسُ بالدّيْن بينهما.
ولا مُعتبرَ بما فيه من النفع؛ لثبوته ضِمْناً، كما في الغريم إذا شهد
لمديونه المفلِس.
ولنا: ما روينا(٥)، ولأن الانتفاعَ متصلٌ عادةً، وهو المقصودُ، فيصيرُ
شاهداً لنفسه من وجهٍ، أو يصيرُ مَّهَماً.
بخلاف شهادةِ الغريم؛ لأنه لا ولايةَ له على المشهود به (٦).
قال: (ولا شهادةُ المولىُ لعبدِه)؛ لأنها (٧) شهادةٌ لنفسه من كلِّ وجهٍ إذا لم
يكن على العبد دَيْنٌ، أو من وَجْهٍ إن كان عليه دينٌ؛ لأن الحالَ موقوفٌ مراعىً.
(١) أي المراد بالأجير المذكور في الحديث السابق.
(٢) الحاوي الكبير ١٧ /١٦٦.
(٣) أي يدُ كلِّ منهما في حيِّز غير حيِّز الأخرى، فلا اختلاط فيها.
(٤) أي مجتمعة بنفسها، غير متصرِّفةٍ في ملك الغير.
(٥) في الحديث المتقدم قريباً: ((لا تُقبل شهادة الولد لوالده ... )).
(٦) وهو المال.
(٧) هكذا: لأنها: في نسخة ٧١٩هـ، وفي غالب النسخ: لأنه: بالتذكير.

١٥٨
مَن تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقْبَل
ولا لمكاتَبه، ولا شهادةُ الشريكِ لشريكه فيما هو من شرکتِهما.
وتُقبلُ شهادةُ الأخِ لأخيه، وعَمِّه.
ولا تُقبلُ شهادةُ مُخَنَّثٍ. ولا نائحةٍ، ولا مُغَنِيةٍ.
قال: (ولا لمكاتَبه)؛ لِمَا قلنا.
و
قال: (ولا شهادةَ الشريكِ لشريكه فيما هو من شركتِهما)؛ لأنها (١)
شهادةٌ لنفسه من وجهٍ؛ لاشتراكهما.
ولو شَهِدَ بما ليس من شركتهما: تُقبَلُ؛ لانتفاء التهمة.
قال: (وتُقبلُ شهادةُ الأخِ(٢) لأخيه، وعَمِّه)؛ لانعدام التهمة؛ لأن
الأملاكَ ومنافعَها متباينةٌ، ولا بُسُوطةَ لبعضهم في مالِ البعض.
قال: (ولا تُقبلُ شهادةُ مُخَنَّثٍ).
ومرادُه: المُخنَّثُ في الرديءِ من الأفعال؛ لأنه فاسقٌ، فأما الذي في
كلامه لِيْنٌ، وفي أعضائه تكسُُّ(٣): فهو مقبولُ الشهادة.
قال: (ولا نائحةٍ، ولا مُغَنِّيّةٍ)؛ لأنهما ترتكبان محرَّماً، فإنه عليه
الصلاة والسلام نهى عن الصوتَيْن الأحمقَيْن(٤): النائحةِ، والمغنِّية(٥).
(١) هكذا: لأنها: في نسخة ٧٩٨هـ نسخة الإمام الأسعدي، وفي غالب النسخ: لأنه.
(٢) وفي نُسخ: الرجل. بدل: الأخ.
(٣) أي خِلقةَ. البناية ١١/ ٣٩١، وحاشية سعدي على الهداية.
(٤) هذا من باب إطلاق اسم المَحَلِّ علىُ الحالِّ؛ لأن الأحمق: اسمٌ للذات
المتصفة بالحُمق، وأطلقه على الصوت. حاشية نسخة ٧٣٨هـ.
(٥) سنن الترمذي (١٠٠٥)، وحسَّنه، وينظر نصب الراية ٤ /٨٤.

١٥٩
مَنْ تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقْبَل
ولا مُدْمِنِ الشُّرْب على اللهو.
ولا مَن يَلعبُ بالطيور، ولا مَن يُغنِّي للناس.
ولا مَن يأتي باباً من الكبائر التي يتعلَّق بها الحَدُّ.
ولا مَن يَدخُلُ الحَمَّامَ بغير إزارٍ .
قال: (ولا مُدْمِن الشُّرْب(١) على اللهو)؛ لأنه ارتكبَ محرَّمَ دِيْنِه.
قال: (ولا مَن يَلعبُ بالطيور)؛ لأنه يُورثُ غفلةً.
ولأنه قد يقفُ على عوراتِ النساء بصعوده سَطْحَه ليُطَيَّر طيرَه.
وفي بعض النُّسَخِ(٢): ولا مَن يَلعبُ بالطُّنْبُور، وهو المُغَنِّي.
قال: (ولا مَن يُغنِّي(٣) للناس)؛ لأنه يَجمَعُ الناسَ على ارتكاب كبيرةٍ.
قال: (ولا مَن يأتي باباً من الكبائر التي يتعلَّق بها الحَدُّ)؛ للفسق.
قال: (ولا مَن يَدخُلُ الحَمَّامَ بغير إزارٍ(٤))؛ لأن كَشْفَ العورةِ حرامٌ.
وقد أُنشِدَ عن أبي حنيفة رحمه الله:
ألا يا عبادَ اللهِ خافوا إلهَكَم ولا تدخلوا الحَمَّامَ إلا بمِئزر (٥).
(١) أي جميع الأشربة المحرَّمة من الخمر، والسَّكَر، ومنهم مَن فسَّره بالإدمان
على شرب غير الخمر على اللهو؛ لأن شربَ الخمر أصلاً فسقٌ. البناية ١١ / ٣٩٢.
(٢) أي مختصر القدوري.
(٣) أي الغناء المحرَّم.
(٤) وفي نُسخ: مئزر.
(٥) هذا البيت من الشعر مثبتٌ في نُسخة سعدي وغيرها، دون أخرى.

١٦٠
مَن تُقبَلُ شهادتُه، ومَن لا تُقبَل
ولا مَن يأكل الربا، أو يُقامِرُ بالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ.
ولا مَن يَفعلُ الأفعالَ المُستَخَفَّةَ، كالبول على الطريق، والأكلِ على
الطريق.
قال: (ولا مَن يأكل الربا(١)، أو يُقامِرُ بالنَّرْدِ والشِّطْرَنْج)؛ لأن كلّ ذلك
من الكبائر.
وكذلك مَن تَفوتُه الصلاةُ؛ للاشتغال بهما(٢).
فأما مجرَّدُ اللعبِ بالشِّطْرنج: فليس بفِسْقِ مانع من الشهادة؛ لأن
للاجتهاد فيه مَساغاً(٣).
وشَرَطَ في ((الأصل(٤)) أن يكونَ آكلُ الربا مشهوراً به؛ لأن الإنسانَ
قلَّما ينجو عن مباشرة العقودِ الفاسدة، وكلّ ذلك رباً، فلا تسقط العدالةَ
ما لم يكن مشهوراً بذلك.
قال: (ولا مَن يَفعلُ الأفعالَ المُستَخَفَّةَ(٥)، كالبول على الطريق،
والأكلِ على الطريق)؛ لأنه تاركٌ للمُرُوءَةِ، وإذا كان لا يستحيي عن مثل
ذلك: لا يمتنعُ عن الكذب، فيُتَّھمُ.
(١) وفي نُسخ: أو يأكل الربا، أو يقامر.
(٢) أي النرد والشطرنج.
(٣) حيث أباح الإمام الشافعي اللعبَ به مع الكراهة. أسنى المطالب ٣٤٣/٤.
(٤) ١١ / ٥١١ .
(٥) وفي نُسخ: المستحقرة، وكَتَبَ مُحشِّي نسخة ٧٣٨هـ بجانب: مستَخَفَّة: أصح؛
ترجيحاً لها، كما نقل في البناية ٣٩٩/١١ تصحيحَها عن صاحب المُغرب ٣٨٨/١.
والمستخفَّة: هي التي نُسِب صاحبُها إلى السُّخْف، وهو ضعيف العقل.