Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
باب البيع الفاسد
ومَن اشترى جاريةً بخمسِمائةٍ، ثم باعها وأخرى معها من البائع قبلَ أن
يَنْقُدَه الثمنَ بخمسِمائةٍ : فالبيعُ جائزٌ في التي لم يَشتَرِها من البائع، ويَبطُلُ
في الأخرى.
(بئسما شَرَيْتِ واشتريتٍ، أبلِغِي زيدَ بنَ أرقم أنَّ الله تعالى أبطل حَجَّه
وجهادَه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يَتُب))(١).
ولأن الثمنَ لم يدخُلْ في ضمانِه، فإذا وَصَلَ إليه المبيعُ، ووقعتِ
المقاصَّةُ: بقِيَ له فَضْلُ خمسمائةٍ درهمٍ، وذلك بلا عِوَضٍ.
بخلاف ما إذا باع بالعَرْض؛ لأن الفضلَ إنما يَظهرُ عند المجانسة.
قال: (ومَن اشترى جاريةً بخمسِمائةٍ، ثم باعها وأخرى معها من البائع
قبلَ أن يَنْقُدَه الثمنَ بخمسِمائةٍ: فالبيعُ جائزٌ في التي لم يَشتَرِها من البائع،
ويَبطُلُ في الأخرى)؛ لأنه لا بدَّ أن يَجعَلَ بعضَ (٢) الثمنِ بمقابلة التي لم
يشترها منه، فيكونُ مشترياً للأخرى بأقلَّ مما باع، وهو فاسدٌ عندنا، ولم
يوجد هذا المعنى في صاحبتها.
ولا يَشيعُ الفسادُ؛ لأنه ضعيفٌ فيها؛ لكونه مجتَهَداً فيه، أو لأنه
باعتبار شبهةِ الربا، أو لأنه طارئٌ؛ لأنه يظهرُ بانقسام الثمنِ، أو المقاصَّة،
فلا يسري إلى غيرها.
(١) الآثار لأبي يوسف (٨٤٣)، مصنف عبد الرزاق (١٤٨١٣).
(٢) وضُبطت هذه الجملة في نُسخ بالمبني للمجهول: يُجعَل بعضُ.

٤٨٢
باب البيع الفاسد
ومَن اشترىُ زَيْتاً على أن يَزِنَه بظَرْفِهِ، فَيَطَرَحَ عنه مكانَ كلِّ ظَرْفٍ
خمسينَ رِطْلاً: فهو فاسدٌ.
ولو اشترىُ على أن يَطْرَحَ عنه بوزنِ الظرفِ : جاز.
ومَن اشترىُ سَمْناً في زِقِّ، فَرَدَّ الظرفَ، وهو عشرةُ أرطالٍ، فقال
البائعُ : الزِّقُّ غيرُ هذا، وهو خمسةُ أرطال : فالقولُ قولُ المشتري.
وإذا أَمَرَ المسلمُ نصرانياً ببيعٍ خمرٍ، أو شرائها، ففعل : جاز عند أبي
حنيفة رحمه الله، وقالا : لا يجوز على المسلم.
قال: (ومَن اشترىُ زَيْتاً على أن يَزِنَه بظَرْفِهِ، فَيَطْرَحَ عنه مكانَ كلّ
ظَرْفٍ خمسينَ رِطْلاً: فهو فاسدٌ.
ولو اشترىُ على أن يَطَرَحَ عنه بوزنِ الظرفِ: جاز)؛ لأن الشرطَ الأولَ
لا يقتضيه العقدُ، والثاني يقتضيه.
قال: (ومَن اشترىُ سَمْناً في زِقِّ، فرَدَّ الظرفَ، وهو عشرةُ أرطال،
فقال البائعُ: الزِّقُّ غيرُ هذا، وهو خمسةُ أرطالِ: فالقولُ قولُ المشتري).
لأنه إن اعتُبر اختلافاً في تعيين الزِّقِّ المقبوض: فالقولُ قولُ القابضِ،
ضميناً كان أو أميناً.
وإن اعتُبر اختلافاً في السَّمْن: فهو في الحقيقة اختلافٌ في الثمن،
فيكون القولُ قولَ المشتري؛ لأنه يُنكِرُ الزيادةَ.
قال: (وإذا أَمَرَ المسلمُ نصرانياً ببيعٍ خمرٍ، أو شرائها، ففعل: جاز عند
أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: لا يجوز على المسلم).
وعلى هذا الخلاف: الخنزيرُ.

٤٨٣
باب البيع الفاسد
ومَن باع عبداً، على أن يَعْتِقَه المشتري، أو يُدَبِّرَه، أو يكاتِبَه، أو أمةً
على أن يَستولِدَها : فالبيعُ فاسدٌ.
وعلى هذا: توكيلُ المُحْرِمِ غيرَه ببيع صيدِه.
لهما: أن الموكِّلَ لا يَلِيه، فلا يُوَلِّيه غيرَه.
ولأن ما يثبتُ للوكيل: ينتقلُ إلى الموكِّل، فصار كأنه باشَرَه بنفسه،
فلا يجوز.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن العاقدَ هو الوكيلُ بأهليته وولايته.
وانتقالُ(١) الملكِ إلى الآمر(٢): أمرٌ حُكميُ(٣)، فلا يمتنعُ بسبب الإسلام،
كما إذا وَرِثهما.
ثم إن كان خمراً: يُخلِّلُها، وإن كان خنزيراً: يُسيِّبُه.
قال: (ومَن باع عبداً، على أن يَعْتِقَه المشتري، أو يُدبِّرَه، أو يكاتِبَه،
أو أمةً على أن يَستولِدَها: فالبيعُ فاسدٌ)؛ لأن هذا بيعٌ وشرطٌ، وقد نهىُ
النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن بيعٍ وشرطٍ(٤).
(١) هذا جوابٌ عن قولهما: كما ثبت للوكيل ... إلى آخره.
(٢) وفي نُسخ: المالك.
(٣) أي جبريٌّ، لا اختياريٌّ. البناية ٢٧٣/١٠.
(٤) المعجم الأوسط (٤٣٦١)، معرفة علوم الحديث للحاكم ص ١٢٨، وفيه
قصة، المحلى ٤١٥/٨، جامع المسانيد ٢٢/٢، نصب الراية ١٧/٤، والتلخيص
الحبير ١٢/٣، وقد توسع في تخريجه وثبوته العلامة الشيخ محمد عوامة في كتابه
النافع: ((أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء رضي الله عنهم)) ص ١٣٩.

٤٨٤
باب البيع الفاسد
[ضوابطُ الشروطِ في العقود :]
ثم جملةُ المذهب فيه(١) أن يُقال: كلَّ شرطٍ يقتضيه العقدُ، كشرط
الملك للمشتري: لا يُفسِدُ العقدَ؛ لثبوتِه بدون الشرط.
وكلّ شرطٍ لا يقتضيه العقدُ، وفيه منفعةٌ لأحدِ المتعاقدَيْن، أو للمعقود
عليه، وهو من أهلِ الاستحقاق: يُفسِدُه، كشرطِ أن لا يبيعَ المشتري العبدَ
المَبِيعَ؛ لأن فيه زيادةً عاريةً عن العوض، فيؤدِّي إلى الربا.
أو لأنه تقعُ بسببه المنازعةُ (٢)، فيَعرَى العقدُ عن مقصودِهِ، إلا أن
يكون متعارَفاً؛ لأن العُرْفَ قاضٍ على القياس.
ولو كان لا يقتضيه العقدُ، ولا منفعةَ فيه لأحدٍ: لا يُفْسِدُه(٣)، وهو
الظاهرُ من المذهب، كشرطِ أن لا يبيعَ المشتري الدابةَ المَبيعةَ؛ لأنه
انعدمت المطالبةُ، فلا يؤدِّي إلى الربا، ولا إلى المنازعة.
إذا ثبت هذا، فنقول: إن هذه الشروط لا يقتضيها العقدُ؛ لأن قضيته
الإطلاقُ في التصرف والتخييرِ، لا الإلزامُ حَتْماً، والشرطُ يقتضي ذلك،
وفيه منفعةً للمعقود علیه.
(١) أي في الشرط.
(٢) أي بين المشتري والمعقود عليه.
(٣) ويلغو الشرط، ويصح العقد. البناية ١٠/ ٢٨٢.

٤٨٥
باب البيع الفاسد
والشافعيّ(١) رحمه الله وإن كان يخالِفُنا في العتق، ويَقيسُه على بيع
العبدِ نَسَمَةً (٢): فالحجّةُ علیه ما ذكرناه.
وتفسيرُ البيعِ نسمةً: أن يُباعَ ممن يُعلَمُ أنه يُعْتِقُه، لا أنْ يُشترَطَ فيه(٣).
فلو أعتقه المشتري بعدَ ما اشتراه بشرطِ العتق: صحَّ البيعُ، حتىٌ يجبُ
عليه الثمنُ عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: يبقى فاسداً، حتى تجبُ عليه القيمةُ؛ لأن البيعَ قد وقع فاسداً،
فلا ينقلبُ جائزاً، كما إذا تَلِفَ بوجهٍ آخَر.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن شَرْطَ العتقِ من حيث ذاتُه: لا يُلائمُ
العقدَ، على ما ذكرناه، ولكن من حيثُ حكمُهُ: يُلائمُه؛ لأنه مُنْهٍ للملك؛
و
والشيء بانتهائه: يتقرَّر.
ولهذا لا يَمنعُ العتقُ الرجوعَ بنقصان العيب، فإذا تَلِفَ من وجهِ آخَرَ
لم تتحقَّق الملاءمةُ، فيتقرَّرُ الفساد.
وإذا وُجدَ العتقُ: تحققَّتِ الملاءمةُ، فَيَتَرجَّحُ جانبُ الجواز، فكان
الحالُ قبلَ ذلك موقوفاً.
(١) نقل في البناية ٢٨٣/١٠ عن العزيز شرح الوجيز ٢٠٠/٨ أن في بيع الرقيق
بشرط العتق: قولان.
(٢) حال، على معنى: معرَّضاً للعتق. البناية ٢٨٣/١٠.
(٣) أي لا أن يُشترط العتقُ في البيع.

٤٨٦
باب البيع الفاسد
وكذلك لو باع عبداً على أنْ يَستخدِمَه البائعُ شهراً، أو داراً على أن يَسكنَها
مدةً معلومةً، أو على أن يُقْرِضَه المشتري درهماً، أو على أن يُهدِيَ له هديةً.
ومن باع عيناً على أن لا يُسلِّمَها إلى رأسِ الشهر : فالبيعُ فاسدٌ.
قال: (وكذلك لو باع عبداً على أنْ يَستخدِمَه البائعُ شهراً، أو داراً على
أن يَسكنَها مدةً معلومةً(١)، أو على أن يُقْرِضَه المشتري درهماً، أو على أن
يُهدِيَ له هديةً)؛ لأنه شَرْطٌ لا يقتضيه العقدُ، وفيه منفعةٌ لأحد المتعاقدين.
ولأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيعِ وسَلَفٍ (٢).
٠
ولأنه لو كانت الخدمةُ والسكنىُ يُقابلُهما شيء من الثمن: يكون إجارة
في بيعٍ، ولو كان لا يقابلُهما: يكون إعارةً في بيع.
وقد نهى النبيُّ عليه الصلاة والسلام عن صَفْقَتَيْن في صفقةٍ (٣).
قال: (ومن باع عيناً على أن لا يُسلِّمَها إلى رأسِ الشهر: فالبيعُ فاسدٌ)؛
لأن الأجَلَ في المَبيعِ العينِ باطلٌ، فيكونُ شَرْطاً فاسداً، وهذا لأنَّ الأجلَ
شُرِعَ ترفیھاً، فیلیقُ بالديون، دون الأعيان.
(١) قوله: مدةً معلومةً: مثبتٌ في نسخة ١١٠٣ هـ، وغيرها.
(٢) مسند أحمد (٣٧٨٣)، ورجاله ثقات، كما فى التعريف والإخبار ٢٧٢/٢،
صحيح ابن خزيمة (١٧٦)، صحيح ابن حبان (١٠٥٣)، وينظر البدر المنير
١٦/ ٤٤٢، نصب الراية ٢٠/٤.
(٣) مسند أحمد (٣٧٨٣)، صحيح ابن خزيمة (١٧٦)، صحيح ابن حبان
(١٠٥٣)، وبلفظ: عن بيعتين في بيع: في سنن الترمذي (١٢٣١)، وصححه، نصب
الراية ٢٠/٤، البدر المنير ١٦ / ٤٤٢، وسيأتي في الرهن.

٤٨٧
باب البيع الفاسد
ومَن اشترى جاريةً إلا حَمْلَها : فالبيعُ فاسدٌ.
قال: (ومَن اشترى جاريةً إلا حَمْلَها: فالبيعُ فاسدٌ).
والأصلُ: أنَّ ما لا يصحُّ إفرادُه بالعقد: لا يصحُّ استثناؤه من العقد.
والحَمْلُ من هذا القَبيل، وهذا لأنه بمنزلة أطرافِ الحيوان؛ لاتصاله به
خِلِقةً، وبيعُ الأصلِ يتناوَلُهما(١)، فالاستثناءُ(٢) يكونُ على خلافِ الموجَبِ،
فلا يصحُّ، فيصيرُ شَرْطاً فاسداً، والبيعُ يَبطلُ به.
والكتابةُ، والإجارةُ، والرهنُ: بمنزلة البيع؛ لأنها تَبَطلُ بالشروط
الفاسدة، غيرَ أن المفسِدَ في الكتابة: ما يتمكَّنُ في صُلْب العقدِ منها.
والهبةُ، والصدقةُ، والنكاحُ، والخلعُ، والصلحُ عن دم العمد: لا تَبطُلُ
باستثناء الحَمْل، بل يَبطلُ الاستثناءُ؛ لأن هذه العقودَ لا تَبطُلُ بالشروط
الفاسدة.
وكذا الوصيةُ لا تبطل به، لكن يصحُّ الاستثناءُ، حتى يكونُ الحملُ
ميراثاً، والجاريةُ وصيةً؛ لأن الوصيةَ أختُ الميراثِ، والميراثُ يجري فيما
في البطن.
بخلاف ما إذا استثنى خِدْمتَها؛ لأن الميراثَ لا يجري فيها.
(١) أي يتناول الأمَّ والحَمْلَ، وفي نُسخ: يتناولها: أي يتناولُ الأطرافَ، وفي
نُسخ أخرى: يتناوله: أي الحملَ. بَيَّن هذا كلَّه العيني في البناية ٢٨٨/١٠.
(٢) أي فإذا كان كذلك: فالاستثناء يكون على خلاف الموجَب.

٤٨٨
باب البيع الفاسد
ومَن اشترىُ ثوباً على أن يَقْطَعَه البائعُ، ويَخيطَه قميصاً أو قَبَاءً : فالبيعُ
فاسدٌ.
ومَن اشترىُ نَعْلاً على أن يَحذُوَه البائعُ، أو يُشَرِّكَه : فالبيعُ فاسدٌ.
قال رضي الله عنه : وفي الاستحسان : يجوزُ.
والبيعُ إلى التَّيْروز، والمِهْرجانِ، وصومِ النصارىُ، وفِطْرِ اليهودِ، إذا لم
يَعْرَفِ المتبايعان ذلك : فاسدٌ
قال: (ومَن اشترىُ ثوباً على أن يَقْطَعَه البائعُ، ويَخيطَه قميصاً أو قَبَاءً:
فالبيعُ فاسدٌ)؛ لأنه شَرْطٌ لا يقتضيه العقدُ، وفيه منفعةٌ لأحد المتعاقدين.
ولأنه يصيرُ صفقةً في صفقةٍ، على ما مَرَّ.
قال: (ومَن اشترىُ نَعْلاً(١) على أن يَحذُوَه(٢) البائعُ، أو يُشَرِّكَه: فالبيعُ
فاسدٌ.
قال رضي الله عنه): ما ذَكَرَه: جوابُ القياس، ووجهُهُ ما بيَّنَا.
(وفي الاستحسان: يجوزُ)؛ للتعامل فيه، فصار كصَبْغ الثوب،
وللتعامِلِ جوَّزْنا الاستصناعَ.
قال: (والبيعُ إلى التَّيْروز، والمِهْرجانِ، وصومِ النصارى، وفِطْرِ
اليهودِ، إذا لم يَعْرَفِ المتبايعان ذلك: فاسدٌ)؛ لجهالة الأجل، وهي مُقْضِيَةً
إلى المنازعة في البيع؛ لابتنائها على المُمَاكسة.
(١) أراد بالنعل: الجلد؛ تسميةً للشيء بما يؤول إليه.
(٢) أي يجعله مساوياً للآخر، والتشريك: هو وضع الشراك أي سيور النعل التي
تکون على وجهها. البناية ١٠/ ٢٩٠.

٤٨٩
باب البيع الفاسد
ولا يجوزُ البيعُ إلى قُدُوم الحاجِّ، وكذلك إلىُ الحِصاد، والدِّيَاسِ،
والقِطَافِ، والحِزَاز.
ولو كَفَلَ إلى هذه الأوقات : جاز.
إلا إذا كانا يَعرفانه؛ لكونه معلوماً عندهما، أو كان التأجيلُ إلى فِطْر
النصارى بعد ما شَرَعوا في صومهم؛ لأن مدةَ صومِهم معلومةٌ بالأيام(١)،
فلا جهالةَ فيه.
قال: (ولا يجوزُ البيعُ إلى قُدُوم الحاجِّ، وكذلك إلى الحَصاد،
والدَِّاسِ، والقِطَافِ، والحِزَازِ(٢))؛ لأنها تتقدَّم وتتأخَّر.
(ولو كَفَلَ إلى هذه الأوقات: جاز)؛ لأن الجهالةَ اليسيرةَ متحمَلَةٌ في
الكفالة، وهذه الجهالةُ يسيرةٌ مستدركَةٌ؛ لاختلاف الصحابة رضي الله تعالى
عنهم فيها(٣).
ولأنه معلومُ الأصل؛ ألا يُرى أنها تحتملُ الجهالةَ في أصل الدَّيْن،
بأن كَفَلَ بما ذابَ(٤) لكَ على فلانٍ، ففي الوصفِ: أَوْلىُ.
(١) وهي خمسون يوماً. البناية ١٠/ ٢٩٤.
(٢) بفتح الجيم وكسرها، والجزاز هو: قَطْعُ الصوف والنخل والزرع والشعر.
حاشية سعدي على الهداية.
(٣) أي في الآجال المذكورة، يعني البيع إليها فاسدٌ عن عامة الصحابة رضي الله
عنهم، وروي عن عائشة رضي الله عنها الجواز إلى العطاء. البناية ٢٩٥/١٠.
(٤) أي بما وجب، وفي نُسخ: تكفل بما ذاب ...

٤٩٠
باب البيع الفاسد
ولو باع إلى هذه الآجالِ، ثم تراضيا بإسقاطِ الأجلِ قبلَ أن يأخذَ
الناسُ في الحَصَادِ والدَِّاسِ، وقبلَ قُدُومِ الحاجِّ: جاز البيعُ أيضاً.
بخلاف البيع: فإنه(١) لا يحتمِلُها في أصل الثمن، فكذا في وَصْفِهِ.
بخلاف ما إذا باع مطلقاً، ثم أجَّل الثمنَ إلى هذه الأوقات، حيث
جاز؛ لأن هذا تأجيلٌ في الدَّيْن، وهذه الجهالةُ فيه متحمَّلَةٌ، بمنزلة
الكفالة، ولا كذلك اشتراطُه في أصل العقد؛ لأنه يَبطلُ بالشرط الفاسد.
قال: (ولو باع إلى هذه الآجالِ، ثم تراضيا بإسقاطِ الأجلِ قبلَ أن
يأخذَ الناسُ في الحَصَادِ والدِّيَاسِ، وقبلَ قُدُومِ الحاجِّ: جاز البيعُ أيضاً).
وقال زفر رحمه الله: لا يجوزُ؛ لأنه وَقَعَ فاسداً، فلا ينقلبُ جائزاً،
وصار كإسقاط الأجلِ في النكاحِ إلى أجلٍ.
ولنا: أن الفسادَ للمنازعة، وقد ارتفع قبلَ تقرُّره، وهذه الجهالةُ فى
شَرْطٍ زائدٍ، لا في صُلْبِ العقد، فيمكِنُ إسقاطُه.
بخلاف ما إذا باع الدرهمَ بالدرهمين، ثم أسقطا الدرهمَ الزائدَ؛ لأن
الفسادَ في صُلْب العقد.
وبخلاف النكاحِ إلى أجلٍ؛ لأنه مُتَعةٌ، وهو عقدٌ آخَرُ غيرُ عقدِ النكاح.
وقولُه في ((الكتاب(٢)): ثم تراضيا: خَرَجَ وِفاقاً(٣)؛ لأن مَن له الأجلُ:
(١) وفي نُسخ: فإنها.
(٢) أي مختصر القدوري.
(٣) أي على سبيل الاتفاق.

٤٩١
باب البيع الفاسد
ومَن جَمَعَ بين حُرٍّ وعبدٍ، أو شاةٍ ذَكِيَّةٍ وميتةٍ : بطل البيعُ فيهما.
وإن جَمَعَ بين عبدٍ ومدَبَّرٍ، أو بين عبدِهِ وعبدٍ غيرِهِ: صحَّ البيعُ في
العبد بحصته من الثمن.
يستبدُّ بإسقاطه؛ لأنه خالصُ حقِّه.
قال: (ومَن جَمَعَ بين حُرٍّ وعبدٍ، أو شاةٍ ذَكِيَّةٍ وميتةٍ: بطل البيعُ
فيهما)، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: إِن سمَّى لكلِّ واحدٍ منهما ثمناً: جاز البيعُ في العبدِ ، والشاةِ
الذكيّة.
(١)
قال: (وإِن جَمَعَ بين عبدٍ ومدبّرٍ، أو بين عبدِه وعبدِ غيرِه: صح
البيعُ في العبد بحصته من الثمن)، عند علمائنا الثلاثة.
وقال زفر رحمه الله: فَسَدَ البيعُ فيهما.
ومتروكُ التسمية عامداً (٢): كالميتة.
والمكاتبُ، وأمُّ الولد: كالمدبر.
له: الاعتبارُ بالفصل الأول، إذْ محلِيةُ البيع منتفِيَةٌ بالإضافة إلى الكل.
(١) وفي نُسخ: جاز.
(٢) هذا تفريعٌ من المصنِّف رحمه الله، وهو: إذا ضَمَّ الذكيةَ مع متروك التسمية
عمداً: يبطل البيع. البناية ٣٠٠/١٠. قلت: وسيأتي فيما علّقتُه في كتاب الذبائح أن
صاحب الهداية اعتمد قول أبي يوسف بحرمة متروك التسمية، وشهَّر ذلك، في حين أن
قول أبي حنيفة ومحمد هو جواز متروك التسمية، كقول الشافعي رحمه الله، فليُتَنبَّه.

٤٩٢
باب البيع الفاسد
ولهما: أن الفسادَ بقَدْر المُفسد، فلا يتعدَّى إلىُ القِنِّ، كمَن جَمَعَ بين
الأجنبيةِ وأختِه في النكاح.
بخلاف ما إذا لم يُسَمِّ ثمنَ كلِّ واحدٍ منهما؛ لأنه مجهولٌ.
ولأبي حنيفة رحمه الله، وهو الفرقُ بين الفصلَيْن: أن الحُرَّ لا يدخلُ
تحت العقد أصلاً؛ لأنه ليس بمال، والبيعُ صَفْقَةٌ واحدةٌ، فكان القبولُ في
الحُرِّ شرطاً للبيع في العبد، وهذا شَرْطٌ فاسدٌ، بخلاف النكاح؛ لأنه لا
يبطلُ بالشروط الفاسدة.
وأما البيعُ في هؤلاء (١): موقوفٌ، وقد دخلوا تحتَ العقدِ؛ لقيام
المالية، ولهذا يَنْفُذُ(٢) في عبدِ الغير بإجازته، وفي المكاتب: برضاه، في
الأصح، وفي المدبّر: بقضاء القاضي.
وكذا في أُمّ الولدِ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، إلا أن
المالك: باستحقاقه المبيعَ، وهؤلاء: باستحقاقِهم أنفسَهم رَدُّوا البيعَ، فكان
هذا إشارةً إلى البقاء، كما إذا اشترى عبدَيْن، وهَلَكَ أحدُهما قبلَ القبض.
وهذا لا يكون شَرْطَ القبولِ في غير المَبيع، ولا بيعاً بالحصة ابتداءً،
ولهذا لا يُشترطُ بيانُ ثمنِ كلّ واحدٍ فيه، والله تعالى أعلم.
(١) أي المدبر، والمكاتب، وأم الولد، وعبدِ الغير،.
(٢) وفي نُسخ: ينعقد.

٤٩٣
فصل
فصلٌ
في أحكام البيع الفاسد
وإذا قَبَضَ المشتري المَبيعَ في البيع الفاسدِ بأمر البائع، وفي العقدِ
عوضان، كلّ واحدٍ منهما مالٌ: مَلَكَ المَبِيعَ، ولَزِمَتْه قيمتُه.
مد (١)
فصل
في أحكام البيع الفاسد
قال: (وإذا قَبَضَ المشتري المَبيعَ في البيع الفاسدِ بأمر البائع، وفي
ءُ
العقدِ عوضان، كلّ واحدٍ منهما مالٌ: مَلَكَ المَبيعَ، ولَزِمَتْه قيمتُه).
وقال الشافعيُّ(٢) رحمه الله: لا يَملِكُهُ وإن قَبَضَه؛ لأنه محظورٌ، فلا
تُنالُ به نعمةُ الملكِ.
ولأن النهيَ نَسْخٌ للمشروعية؛ للتضادِّ بينهما، ولهذا لا يُفيدُهُ قَبْلَ
القبض، وصار كما إذا باع بالميتة، أو باع الخمرَ بالدراهم.
ولنا: أن ركنَ البيعِ صَدَرَ من أهله مضافاً إلى مَحَلِّه، فوَجَبَ القولُ
بانعقاده، ولا خفاءَ في الأهلية والمحلية.
(١) وفي نُسخ: فصلٌ في أحكامه.
(٢) الحاوي الكبير ٣١٧/٥.

٤٩٤
في أحكام البيع الفاسد
ورُكْتُه: مبادلةُ المال بالمال، وفيه الكلامُ(١).
والنهيُ يقرِّرُ المشروعيةَ عندنا(٢)؛ لاقتضائه التصوُّرَ، فَنَفْسُ البيع
مشروعٌ، وبه تُنالُ نعمةُ الملك، وإنما المحظورُ: ما يُجاورُه، كما في البيع
وقتَ النداء(٣).
وإنما لا يثبتُ الملكُ قبلَ القبض: كي لا يؤديَ إلى تقريرِ الفسادِ
المجاورِ، إذ هو واجبُ الرفعِ بالاسترداد، فبالامتناع عن المطالبةِ أَوْلى.
ولأن السببَ قد ضَعُفَ؛ لمكان اقترانه بالقبيح، فيُشترطُ اعتضادُه
بالقبض في إفادة الحكم، بمنزلة الهبة.
والميتةُ ليست بمالٍ، فانعدم الركن (٤).
ولو كان الخمرُ مُثْمَناً: فقد خرَّجناه(٥).
(١) هذا جوابُ سؤالٍ مقدَّرِ بأن يُقال: سلَّمنا بأن ركن البيع مبادلة المال بالمال،
ے
ولكن لمَ قلتَ: إنه موجودٌّ، فأجاب بقوله: وفيه الكلامُ، يعني كلامُنا فيما إذا وُجد
الركن؛ لأن الركن موجودٌ في جميع البيوع الفاسدة. البناية ٣٠٥/١٠
(٢) هذا جوابٌ عما يُقال: قد يكون النهي مانعاً عن المشروعية، فقال: والنهي.
(٣) أي نداء صلاة الجمعة.
(٤) هذا جوابٌ عن قياس الخصم المتنازع فيه على البيع بالميتة، وتقريره: أن
الميتة ليست بمال، وما ليس بمالٍ: لا يجوز فيه البيع؛ لفوات رکنه.
(٥) جواب لكلام الخصم، وقد خرَّجه في أوائل البيع الفاسد. البناية ٣٠٧/١٠.

٤٩٥
في أحكام البيع الفاسد
وشيءٌ آخَرُ(١): وهو أنَّ في الخمرِ: الواجبَ هو القيمةُ، وهي تَصلُحُ
ثمناً، لا مُثْمَناً.
ثم شَرَطَ(٢) أن يكون القبضُ بإذن البائع، وهو الظاهرُ(٣)، إلا أنه يُكتَفَى
به دلالةً، كما إذا قَبَضَه في مجلس العقد؛ استحساناً، هو الصحيحُ؛ لأن
البيعَ تسليطٌ منه على القبض، فإذا قَبَضَه بحضرته قبلَ الافتراق، ولم يَنْهَهُ:
كان بحكم التسليطِ السابق.
وكذا القبضُ في الهبة، في مجلسِ العقد: يصحُّ؛ استحساناً.
ءِ
وشَرَطَ(٤) أن يكون في العقد عوضان، كلّ واحدٍ منهما مالٌ: ليتحقَّق
ركنُ البيع، وهو مبادلةُ المالِ بالمال، فيُخرَّجُ عليه البيعُ بالميتة، والدمِ،
والحُرِّ، والرِّيحِ(٥)، والبيعُ مع نفي الثمن.
وقولُه: لزمَتْه قيمتُه: في ذوات القِيَم، فأما في ذوات الأمثال: فيلزمُه
المِثْلُ؛ لأنه مضمونٌ بنفسه بالقبض، فشابَه الغَصْبَ، وهذا لأنَّ المثلَ
صورةً ومعنىَ أعدلُ من المِثْل معنىً.
(١) أي دليلٌ آخر.
(٢) أي الإمام القدوري. البناية ٣٠٧/١٠. وفي حاشية نسخة ٧٩٧هـ: القدوري
أو محمد رحمهما الله.
(٣) أي ظاهر الرواية.
(٤) أي الإمام القدوري رحمه الله. وفي نُسخ: ويُشترط. البناية ٣٠٨/١٠.
(٥) بأن قال: بعتُ هذا الشيء بالريح الشمالي التي تَهُبُّ من مكان كذا.

٤٩٦
في أحكام البيع الفاسد
ولكلٍّ واحدٍ من المتعاقدَيْنِ فَسْخُه.
فإن باعه المشتري بعد القبض : نَفَذَ بيعُه، وسَقَطَ حَقُّ الاستردادِ .
قال: (ولكلّ واحدٍ من المتعاقدَيْنِ فَسْخُه)؛ رفعاً للفساد.
وهذا قبلَ القبضِ ظاهرٌ؛ لأنه لم يُقِدْ حكمَه، فيكونُ الفسخُ امتناعاً منه.
وكذا بعد القبض إذا كان الفسادُ في صُلْب العقد؛ لقوَّته.
وإن كان الفسادُ بشرطٍ زائدٍ: فِلِمَن له الشرطُ ذلك، دون مَن عليه؛
القوَّة العقد، إلا أنه لم تتحقّقِ المراضاةُ في حَقِّ مَن له الشرطُ.
قال: (فإن باعه المشتري بعد القبض: نَفَذَ بيعُه)؛ لأنه مَلَكَه بالقبض،
فمَلَكَ التصرُّفَ فيه.
(وسَقَطَ حَقُّ الاستردادِ)؛ لتعلُّقِ حَقِّ العبد بالثاني، ونَقْضُ الأولِ(١):
لِحَقِّ الشرع، وحَقُّ العبدِ مقدَّمٌ؛ لحاجته.
ولأن الأولَ مشروعٌ بأصله، دون وَصْفِهِ، والثاني مشروعٌ بأصله ووَصْفِهِ،
فلا يُعارِضُه مجرَّدُ الوصفِ.
ولأنه(٢) حَصَلَ بتسليطٍ من جهة البائع.
بخلاف تصرُّفِ المشتري في الدارِ المشفوعة؛ لأن كلّ واحدٍ منهما
حقُّ العبد، ويستويان في المشروعية، وما حصل: بتسليطٍ من الشفيع.
(١) أي البيع الأول.
(٢) هذا دليلٌ ثالثٌ على سقوط حق استرداد البائع بعد بيع المشتري، أي لأن
البيع حصل.

٤٩٧
في أحكام البيع الفاسد
ومَن اشترى عبداً بخمرٍ أو خنزير، فقَبَضَه، وأعتقه، أو باعه، أو
وَّ
وَهَبَه، وسلَّمَه: فهو جائزٌ، وعليه القيمةُ.
وليس للبائع في البيع الفاسد أن يأخذَ المَبيعَ حتى يَردَّ الثمنَ.
وإن مات البائعُ : فالمشتري أحَقُّ به حتى يَستوفِيَ الثمنَ.
قال: (ومَن اشترى عبداً بخمرٍ أو خنزيرٍ، فقَبَضَه، وأعتقه، أو باعه،
أو وَهَبَه، وسلَّمَه: فهو جائزٌ، وعليه القيمةُ)؛ لِمَا ذكرنا أنه مَلَكَه بالقبض،
فَتَنفُذُ تصرُّفاتُه، وبالإعتاق قد هَلَكَ: فتلزمُهُ القيمةُ، وبالبيع والهبةِ: انقطع
حقُّ الاسترداد، على ما مَرَّ.
والكتابةُ والرهنُ: نظيرُ البيع؛ لأنهما لازمان، إلا أنه يعودُ حَقُّ
الاستردادِ بعَجْزِ المكاتب، وفَكِّ الرهن؛ لزوال المانع.
وهذا بخلاف الإجارة؛ لأنها تُفسَخُ بالأعذار، ورَفْعُ الفسادِ: عُذْرٌ.
ولأنها تنعقدُ شيئاً فشيئاً، فيكون الردُّ امتناعاً.
قال: (وليس للبائع في البيع الفاسد أن يأخذَ المَبيعَ حتى يَرَدَّ الثمنَ)؛
لأن المبيعَ مقابَلٌ به، فيصيرُ محبوساً به، كالرهن(١).
قال: (وإن مات البائعُ: فالمشتري أحَقُّ به(٢) حتى يَستوفِيَ الثمنَ)؛
لأنه يُقدَّم(٣) عليه في حياته، فكذا على ورثته وغرمائه بعد وفاته، كالراهن.
(١) وفي نُسخ: كالمرتهن.
(٢) أي بالمبيع.
(٣) وفي نُسخ: مقدَّمٌ.

٤٩٨
في أحكام البيع الفاسد
ومَن باع داراً بيعاً فاسداً، فبناها المشتري : فعليه قيمتُها عند أبي حنيفة
رحمه الله، رواه يعقوبُ رحمه الله عنه في ((الجامع الصغير))، ثم شَكَّ بعد
ذلك في الرواية.
وقالا: يُنْقَضُ البناءُ، وتُرَدُّ الدارُ.
ثم إن كانت دراهمُ الثمنِ قائمةً: يأخذُها بعينها؛ لأنها تتعيَّنُ في البيع
الفاسد، وهو الأصح؛ لأنه بمنزلة الغصب، وإن كانت مستهلَكةً: أَخَذَ
مثلَها، لِمَا بيَّنَا.
قال: (ومَن باع داراً بيعاً فاسداً، فبناها المشتري: فعليه قيمتُها عند أبي
حنيفة رحمه الله، رواه يعقوبُ(١) رحمه الله عنه في ((الجامع الصغير(٣))، ثم
شَكَّ بعد ذلك في الرواية.
وقالا: يُنقَضُ البناءُ، وتُرَدُّ الدارُ).
والغَرْسُ: على هذا الاختلاف.
لهما: أن حَقَّ الشفيع أضعفُ من حَقِّ البائع، حتى يَحتاجُ فيه إلى
القضاء، ويَبَطلُ بالتأخير، بخلاف حقِّ البائع.
ثم أضعفُ الحَقَّيْن لا يَبطُلُ بالبناء، فأقواهما أَوْلىُ.
وله: أن البناءَ والغَرْسَ مما يُقْصَدُ بهما الدوامُ، وقد حَصَلَ بتسليطٍ من
جهة البائع، فيَنقطِعُ حَقُّ الاستردادِ کالبيع.
(١) أي يعقوب بن إبراهيم الأنصاري أي الإمام أبو يوسف. البناية ٣١٤/١٠.
(٢) ص١٦٩.

٤٩٩
في أحكام البيع الفاسد
ومَن اشترى جاريةً شراءً فاسداً، وتقابَضَا، فباعها المشتري، ورَبِحَ
فيها : تصدَّقَ بالرِّبح، ويَطِيْبُ للبائع ما رَبِحَ في الثمن.
(١)
بخلاف حَقِّ الشفيع؛ لأنه لم يوجَدْ منه التسليطُ، ولهذا لا يبطل
بهبة المشتري وببیعه، فکذا بنائه.
وشكَّ يعقوبُ رحمه الله في حِفْظِ هذه الرواية عن أبي حنيفة رحمه الله.
وقد نصَّ محمدٌ رحمه الله على الاختلافِ في كتاب الشفعة(٢)، فإن
حقَّ الشفعة مبنيٌّ على انقطاع حقِّ البائع بالبناء، وثبوتُه(٣): على الاختلاف.
قال: (ومَن اشترى جاريةً شراءً(٤) فاسداً، وتقابَضَا، فباعها المشتري،
ورَبِحَ فيها: تصدَّقَ بالرِّبْحِ، ويَطِيْبُ للبائع ما رَبِحَ في الثمن).
والفرقُ: أن الجاريةَ مما يَتَعيَّنُ، فيتعلَّقُ العقدُ بها، فيتمكَّنُ الخُبْثُ في
الرِّيحُ، والدراهمُ والدنانيرُ لا تتعيَّنان في العقود، فلم يتعلَّقِ العقدُ الثاني
بعينها، فلم يتمكَّنِ الخُبْثُ في الربح، فلا يجب التصدُّق.
وهذا في الخُبْثِ الذي سببُه فسادُ الملك، أما الخُبْثُ لعدم الملك: عند
أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما الله يشملُ النوعَيْن؛ لتعلَّقِ العقدِ فيما يتعيّن:
حقيقةً، وفيما لا يتعيَّن: شُبْهةً، من حيث إنه تتعلَّقُ به سلامةُ المبيع، أو
تقديرُ الثمن.
(١) أي حقُّ الشفعة.
(٢) أي من كتاب الأصل.
(٣) ينظر البناية ٣١٦/١٠ لرفع قوله: وثبوتُه، وبيان وجه ذلك.
(٤) وفي نُسخ: بيعاً.

٥٠٠
في أحكام البيع الفاسد
وكذلك إذا ادعى على آخَرَ مالاً، فقضاه إيَّه، ثم تصادقا على أنه لم
يكن عليه شيء، وقد رَبِحَ المدعي في الدراهم : يَطيبُ له الرِّبْحُ.
وعند فسادِ الملك: تنقلبُ الحقيقةُ شبهةً، والشبهةُ تَنزِلُ إلى شُبْهَةِ
الشُّبْهة، والشبهةُ هي المعتبرةُ، دون النازل عنها.
قال: (وكذلك إذا ادعى على آخَرَ مالاً، فقضاه إيَّه، ثم تصادقا على
أنه لم يكن عليه شيء، وقد رَبِحَ المدعي في الدراهم: يَطيبُ له الرِّبْحُ)؛
لأن الخُبْثَ لفساد الملكِ ها هنا؛ لأن الدَّيْنَ وَجَبَ بالتسمية، ثم استُحِقَّ
بالتصادق، وبدلُ المسْتَحَقِّ مملوكٌ(١)، فلا يَعملُ(٢) فيما لا يتعيَّن، والله
تعالى أعلم.
(١) ملكاً فاسداً، والمستَحقُّ هو الدَّيْن، والبدل الدراهم. البناية ٣١٨/١٠.
(٢) أي الخبث.