Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
فصلٌ في الاختيار
ولو قال : اختاري، فقالت : قد اخترتُ نفسي : يقعُ الطلاقُ إذا نوى
الزوجُ.
ولو قال لها : اختاري، فقالت : أنا أختارُ نفسي : فهي طالقٌ.
قال: (ولو قال: اختاري، فقالت: قد اخترتُ نفسي: يقعُ الطلاقُ إذا
نوى الزوجُ)؛ لأن كلامَها مفسَّوُ(١)، وما نواه الزوجُ: من محتمَلات كلامِه.
قال: (ولو قال لها: اختاري، فقالت: أنا أختارُ نفسي: فهي طالقٌ(٢)).
والقياسُ أن لا تَطلُقَ، لأن هذا مجرَّدُ وعدٍ، أو يحتمِلُه، فصار كما إذا
قال لها: طلِّقي نفسَك، فقالت: أنا أُطلِّق نفسي.
وجهُ الاستحسان: حديثُ عائشةَ رضي الله عنها، فإنها قالت: ((لا، بل
أختارُ اللهَ ورسولَه))(٣)، واعتبره النبيُّ عليه الصلاة والسلام جواباً منها.
ولأن هذه الصيغةَ حقيقةٌ في الحال، وتجوُّزٌ في الاستقبال، كما في
كلمة: الشهادة، وأداءِ الشاهدِ الشهادةَ.
بخلاف قولِها: أُطلِّقُ نفسي؛ لأنه تَعَذَّر حَمْلُه على الحال؛ لأنه (٤) ليس
بحكايةٍ عن حالةٍ قائمةٍ (٥).
(١) وفي نُسخ: بكسر السين.
(٢) وفي بداية المبتدي ص ٢٤٩: طالقٌ بائنٌ، وكذلك علَّق العلامة سعدي
جلبي بخطه في حاشيته على الهداية بقوله: بائنٌ.
(٣) صحيح مسلم (١٤٧٨).
(٤) أي الطلاق.
(٥) أي ثابتة.

٢٠٢
فصلٌ في الاختيار
ولو قال لها: اختاري، اختاري، اختاري، فقالت: قد اخترتُ
الأُولىُ، أو الوسطى، أو الأخيرة: طَلُقتْ ثلاثاً في قول أبي حنيفة رحمه
الله، ولا يُحتاجُ إلى نية الزوج، وقالا : تطلُقُ واحدةٌ.
ولو قالت : اخترتُ اختيارةً: فهي ثلاثٌ، في قولِهم جميعاً.
ولا كذلك: قولُها: أنا أختارُ نفسي؛ لأنه حكايةٌ عن حالةٍ قائمةٍ،
وهي(١) اختيارُها نفسَها.
قال: (ولو قال لها: اختاري، اختاري، اختاري، فقالت: قد اخترتُ
الأُولىُ، أو الوسطىُ، أو الأخيرة: طَلُقَتْ ثلاثاً في قول أبي حنيفة رحمه
الله، ولا يُحتاجُ إلى نية الزوج، وقالا: تطلُقُ واحدةٌ).
وإنما لا يُحتاجُ إلى نية الزوج: لدلالة التكرار عليه، إذِ الاختيارُ في
حقِّ الطلاقِ هو الذي يتكرّر.
لهما: أن ذِكْرَ الأُولىُ، وما يجري مجراه: إن كان لا يفيدُ من حيث
الترتيبُ: يفيدُ من حيثُ الإفرادُ، فيُعتَبرُ فيما يُفيد.
وله: أن هذا وَصْفٌ لَغْوٌ؛ لأنَّ المجتمعَ في الملك، لا ترتيبَ فيه،
كالمجتمعِ في المكان، والكلامُ للترتيب، والإفرادُ من ضروراته، فإذا لَغَا في
حقِّ الأصل: لَغَا في حقِّ البناء.
قال: (ولو قالت: اخترتُ اختيارةً: فهي ثلاثٌ، في قولِهم جميعاً)؛
لأنها للمَرَّة، فصار كما إذا صرَّحت بها.
(١) وفي نُسخ: وهو.

٢٠٣
فصلٌ في الاختيار
ولو قالت: قد طلَّقتُ نفسي واحدةً، أو : اخترتُ نفسي بتطليقةٍ : فهي
واحدةٌ، يَملِكُ الرجعةَ.
وإن قال لها : أمرُكِ بيدِكِ في تطليقةٍ، أو اختاري تطليقةً، فاختارت
نفسَها : فهي واحدةٌ، يملِكُ الرجعةَ.
ولأن الاختيارةَ للتأكيد، وبدون التأكيد: تقعُ الثلاثُ، فمَعَ التأكيد:
أولى.
قال: (ولو قالت: قد طلَّقتُ نفسي واحدةً، أو: اخترتُ نفسي بتطليقةٍ:
فهي واحدةٌ، يَملِكُ الرجعةَ)؛ لأن هذا اللفظَ يوجبُ الانطلاقَ بعد انقضاء
العدة، فكأنها اختارتْ نفسَها بعد العدة.
قال: (وإن قال لها: أمرُكِ بيدِكِ في تطليقةٍ، أو اختاري تطليقةً،
فاختارت نفسَها: فهي واحدةٌ، يملِكُ الرجعةَ)؛ لأنه جَعَلَ لها الاختيارَ،
لكنْ بتطليقةٍ، وهي مُعَقِّبةٌ للرَّجعة بالنصّ(١)، والله تعالى أعلم.
(١) وهو قوله تعالى: ﴿وَيُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾. البقرة/٢٢٨.

٢٠٤
فصل
فصل
في الأمر باليد
وإن قال لها : أمرُك بيدكٍ، ينوي ثلاثاً، فقالت : قد اختَرْتُ نفسي
بواحدةٍ : فهي ثلاثٌ.
ولو قالت: قد طلَّقتُ نفسي واحدةً، أو اخترتُ نفسي بتطليقةٍ : فهي
واحدةٌ بائنةٌ.
فصلٌ
في الأمر باليد
قال: (وإن قال لها: أمرُك بيدكٍ، ينوي ثلاثاً، فقالت: قد اختَرْتُ
نفسي بواحدةٍ: فهي ثلاثٌ)؛ لأن الاختيارَ يصلُحُ جواباً للأمر باليد؛ لكونه
تمليكاً، كالتخيير، والواحدةُ صفةُ الاختيارةِ، فصار كأنها قالت: اخترتُ
نفسي بمرةٍ واحدةٍ، وبذلك يقع الثلاثُ.
قال: (ولو قالت: قد طلَّقتُ نفسي واحدةً، أو اخترتُ نفسي بتطليقةٍ:
فهي واحدةٌ بائنةٌ)؛ لأن الواحدةَ نَعْتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، وهو في الأَولىُ:
الاختيارةَ، وفي الثانية: التطليقةُ، إلا أنها تكونُ بائنةً؛ لأن التفويضَ في
البائن ضرورةَ ملكِها أمرَها، وكلامُها خَرَجَ جواباً له، فتصيرُ الصفةُ
المذكورةُ في التفويض: صفةً مذكورةً في الإيقاع.
وإنما تصح نيةُ الثلاثِ في قوله: أمرُك بيدكٍ: لأنه يحتملُ العمومَ

٢٠٥
في الأمر بالید
ولو قال لها : أمرُك بيدكِ اليومَ، وبعدَ غدٍ: لم يدخُلْ فيه الليلُ.
وإن رَدَّتِ الأَمرَ في يومِها : بَطَلَ أَمْرُ ذلك اليوم، وكان الأمرُ بيدها بعدَ غدٍ.
ولو قال : أمرُّك بيدك اليومَ وغداً : يدخلُ الليلُ في ذلك.
فإن ردَّتِ الأمرَ في يومِها : لا يبقى الأمرُ في يدِها في الغد.
والخصوصَ، ونيةُ الثلاث: نيةُ التعميم، بخلاف قولِه: اختاري؛ لأنه لا
يحتملُ العمومَ، وقد حقَّقناه من قبل(١).
قال: (ولو قال لها: أمرُك بيدكِ اليومَ، وبعدَ غدٍ: لم يدخُلْ فيه الليلُ.
وإن رَدَّتِ الأمرَ في يومِها: بَطَلَ أَمْرُ ذلك اليوم، وكان الأمرُ بيدها بعدَ
غدٍ)؛ لأنه صَرَّح بذِكْر وقتَيْن بينهما وقتٌ من جنسهما لم يتناوَلْه الأمرُ، إذ
ذِكْرُ اليوم بعبارة الفرد: لا يتناول الليلَ، فكانا أمرَيْن، فبرَدِّ أحدِهما: لا
يَرتدُّ الآخَرُ.
وقال زفرُ رحمه الله: هما أمرٌ واحدٌ، بمنزلة قولِه: أنتِ طالقُ اليومَ
وبعدَ غدٍ.
قلنا: الطلاقُ لا يحتملُ التأقيتَ، والأمرُ باليد يحتملُه، فيتوقَّتُ الأمرُ
بالأول، وجُعِلُ الثاني أمراً مبتدأً.
قال: (ولو قال: أمرُك بيدك اليومَ وغداً: يدخلُ الليلُ في ذلك.
فإن ردَّتِ الأمرَ في يومِها: لا يبقى الأمرُ في يدِها في الغد)؛ لأن هذا
أمرٌ واحدٌ؛ لأنه لم يتخلَّلْ بين الوقتَيْن المذكورَيْن وقتٌ من جنسهما لم
(١) في فصل الاختيار.

٢٠٦
في الأمر باليد
وإن قال : أمرُكِ بيدِكِ يومَ يَقْدَمُ فلانٌ، فقَدِمَ فلانَ، ولم تعلم بقدومه
حتىُ جَنَّ الليلُ : فلا خيارَ لها .
وإِذا جَعَلَ أمرَها بيدها، أو خَيَّرها، فمَكَفَتْ يوماً لم تَقُم: فالأمرُ ...
يتناوَلْه الكلامُ، وقد يَهجُمُ الليلُ ومجلسُ المشورةِ لا ينقطع، فصار كما إذا
قال: أمرُك بیدِكِ في یومین.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنها إذا ردَّتِ الأمرَ في اليوم: لها أن تختارَ
نفسَها غداً؛ لأنها لا تملِكُ ردَّ الأمرِ، كما لا تملِكُ ردَّ الإيقاع.
وجهُ الظاهر: أنها إذا اختارتْ نفسَها اليومَ: لا يبقى لها الخيارُ في
الغد، فكذا إذا اختارتْ زوجَها بِرَدِّ الأمر؛ لأن المخيَّرَ بين الشيئين: لا
يملِكُ إلا اختیارَ أحدِهما.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه إذا قال: أمرُكِ بيدِكِ اليومَ، وأمرُك بيدك
غداً: أنهما أمران؛ لِمَا أنه ذَكَرَ لكلِّ وقتٍ خبراً على حِدَةٍ (١)، بخلاف ما تقدم.
قال: (وإن قال: أمرُكِ بيدِكِ يومَ يَقدَمُ فلانٌ، فقَدِمَ فلانٌ، ولم تعلم
بقدومه حتى جَنَّ الليلُ: فلا خيارَ لها)؛ لأن الأمرَ باليد مما يمتدُّ، فيُحمَلُ
اليومُ المقرونُ به على بياضِ النهار، وقد حقَّقناه من قبل(٢)، فيتوقَّتُ به،
ثم ينقضي بانقضاء وقتِه.
قال: (وإذا جَعَلَ أمرَها بيدها، أو خَيَّرها، فمَكَثَتْ يوماً لم تَقُم: فالأمرُ
(١) قوله: علىُ حِدَةٍ: مثبتٌ في بعض طبعات الهداية القديمة.
(٢) في آخر فصل إضافة الطلاق إلى الزمان.

٢٠٧
في الأمر بالید
في يدها ما لم تأخذ في عملٍ آخَرَ.
في يدها ما لم تأخذ في عملٍ آخَرَ)؛ لأن هذا تمليكُ التطليق منها؛ لأن
المالكَ مَن يتصرَّف برأي نفسِهِ، وهي بهذه الصفة، والتمليكُ يقتصرُ على
المجلس، وقد بيَّنَّاه من قبل(١).
ثم إن كانت تسمَعُ: يُعتبرُ مجلسُها ذلك، وإن كانت لا تسمعُ:
فمجلسُ علمِها، وبلوغ الخبرِ إليها؛ لأنَّ هذا تمليكٌ فيه معنى التعليق،
فيتوقَُّ على ما وراءَ المجلس.
ولا يُعتبرُ مجلسُه؛ لأن التعليقَ لازمٌ في حقَّه، بخلاف البيع؛ لأنه
تمليكٌ مَحْضٌ، لا يَشُوبُه التعليقُ.
وإذا اعتُبر مجلسُها: فالمجلسُ تارةً يَتَبدَّلُ بالتحوُّل، ومرَّةً بالأخذ في
عملٍ آخَرَ، على ما بَّنَاه في الخيار(٢).
ويَخرجُ الأمرُ من يدِها بمجرَّد القيام؛ لأنه دليلُ الإعراض، إذِ القيامُ
يُفرِّقُ الرأيَ.
بخلاف ما إذا مكثَتْ يوماً لم تَقُم، ولم تأخذْ في عملٍ آخَر؛ لأن
المجلسَ قد يطولُ، وقد يَقصُرُ، فَيَبقى إلى أن يوجَدَ ما يَقطَعُه، أو ما يَدُلُّ
على الإعراض.
وقولُه: مَكَثَتْ يوماً: ليس للتقدیر به.
(١) في فصل الاختيار، في قوله: التمليكات تقتضي.
(٢) وهو قوله: إن مجلس الأكل غير مجلس المناظرة.

٢٠٨
في الأمر باليد
ولو كانت قائمةً، فجلستْ: فهي على خيارِها .
وكذا إذا كانت قاعدةً فاتَّكأتْ، أو متَّكئةً فقعدت.
ولو كانت قاعدةً، فاضطجعتْ: ففيه روایتان عن أبي يوسف رحمه الله.
وقولُه: ما لم تأخذْ في عملٍ آخَرَ: يُرادُ به عملٌ يُعرَفُ أنه قَطْعٌ لِمَا كان
فيه(١)، لا مطلَقُ العمل.
و
قال: (ولو كانت قائمةً، فجلستْ: فهي على خيارِها)؛ لأنه دليل
الإقبال، فإن القعودَ أجمعُ للرأي.
قال: (وكذا إذا كانت قاعدةً فاتَّكأتْ، أو متكئةً فقعدت)؛ لأن هذا
انتقالٌ من جلسةٍ إلى جلْسةٍ، فلا يكونُ إعراضاً، وصارت كما إذا كانت
مُحْتِبِيَةً، فتربَّعتْ.
قال رضي الله عنه: هذا (٢) روايةُ ((الجامع الصغير(٣))، وذَكَرَ في
غيره(٤): أنها إذا كانت قاعدةً، فاتَّكأتْ: لا خيارَ لها؛ لأن الاتِّكاءَ إظهارُ
التهاونِ بالأمر، فكان إعراضاً، والأولُ هو الأصح.
قال: (ولو كانت قاعدةً، فاضطجعتْ: ففيه روايتان عن أبي يوسف
رحمه الله.
(١) أي في المجلس.
(٢) أي من كونها على خيارها فيما إذا كانت قاعدةً، فاتَّكأت.
(٣) ص١١٥.
(٤) وهي رواية الأصل. البناية ٢٢/٧.

٢٠٩
في الأمر باليد
ولو قالت : أُدْعُ أبي أَستَشِيْرُهُ، أو شهوداً أُشهِدُهم: فهي على خيارها.
وإن كانت تسيرُ على دابةٍ، أو في مَحْمِلٍ، فوقفتْ: فهي على خيارها،
وإن سارتْ : بطل خيارُها .
والسفينةُ : بمنزلة البيتِ .
ولو قالت: أُدْعُ أبي أَسْتَشِيْرُه، أو شهوداً أُشهِدُهم: فهي على خيارها)؛
٠
لأن الاستشارةَ لتحرِّي الصواب، والإشهادَ للتحرُّر عن الجحود والإنكار،
فلا يكونُ دليلَ الإعراض.
قال: (وإن كانت تسيرُ على دابةٍ، أو في مَحْمِلٍ، فوقفتْ: فهي على
خيارها، وإن سارتْ: بطل خيارُها)؛ لأن سَيْرَ الدابة ووقوفَها: مضافٌ إليها.
قال: (والسفينةُ: بمنزلة البيتِ)؛ لأن سيرَها غيرُ مضافٍ إلى راكبِها،
ألا ترى أنه (١) لا يَقدِرُ على إيقافِها، وراكبُ الدابة يَقدِرُ، والله تعالى أعلم.
(١) أي الراكب. حاشية سعدي.

٢١٠
فصلٌ في المشيئة
فصلٌ في المشيئة
ومَن قال لامرأته: طلِّقي نفسَك، ولا نيَّةً له، أو نوىُ واحدةً،
فقالت : طلَّقْتُ نفسي : فهي واحدةٌ رجعيةٌ.
وإن طلَّقتْ نفسَها ثلاثاً، وقد أراد الزوجُ ذلك: وقَعْنَ عليها.
فصلٌ في المشيئة
قال: (ومَن قال لامرأته: طلَّقي نفسَك، ولا نيَّةً له، أو نوى واحدةً،
فقالت: طلَّقْتُ نفسي: فهي واحدةٌ رجعيةٌ.
وإن طلَّقتْ نفسَها ثلاثاً، وقد أراد الزوجُ ذلك: وقَعْنَ عليها).
وهذا لأن قولَه: طلِّقي: معناه: افعلي فِعْلَ الطلاق(١)، وهو اسمُ
جنسٍ، فيقعُ على الأدنى، مع احتمال الكلَ، كسائر أسماءِ الأجناس،
فلهذا تعملُ فيه نيةُ الثلاث.
ويَنصرِفُ إلى الواحدةِ عند عدمِها.
وتكونُ الواحدةُ رجعيةً؛ لأن المفوَّضَ إليها صريحُ الطلاق، وهو رجعيِّ.
ولو نوى الثنتين: لا تصح؛ لأنه نيةُ العدد (٢)، إلا إذا كانت المنكوحةُ
أمةً؛ لأنه جنسٌ في حقُّها.
(١) وفي نُسخ: التطليق.
(٢) أي لأن ما نواه: نيةُ العدد، والثنتان غير عدد؛ لأن العدد ما كان نصف
مجموع حاشیتیه. البناية ٢٥/٧.

٢١١
فصلٌ في المشيئة
وإن قال لها: طلِّقي نفسَك، فقالت: أَبَنْتُ نفسي: طَلُقَتْ رجعيةً،
ولو قالت : قد اخترتُ نفسي : لم تَطلُقْ.
قال: (وإن قال لها: طلِّقي نفسَك، فقالت: أَبَنْتُ نفسي: طَلُقَتْ
رجعيةً، ولو قالت: قد اخترتُ نفسي: لم تَطلُقْ)؛ لأن الإبانةَ من ألفاظ
الطلاق.
ألا ترى أنه لو قال لامرأته: أَبَنْتُكِ، ينوي الطلاقَ، أو قالت: أَبَنْتُ
نفسي، فقال الزوجُ: قد أجزتُ ذلك: بانت، فكانت موافِقةً للتفويض في
الأصل، إلا أنها زادَتْ فيه وَصْفاً، وهو تعجيلُ الإبانة، فيلغو الوصفُ
الزائدُ، ويثبتُ الأصلُ، كما إذا قالت: طلَّقْتُ نفسي تطليقةً بائنةً.
وينبغي أن تقع تطليقةٌ رجعيةٌ(١)، بخلاف الاختيارِ؛ لأنه ليس من
ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنه لو قال لامرأته: اخترتُك، أو اختاري، ينوي
الطلاقَ: لم يقع.
ولو قالت ابتداءً: اخترتُ نفسي، فقال الزوجُ: قد أَجَزْتُ: لا يقعُ
شيء، إلا أنه عُرِف طلاقاً بالإجماع إذا حصل جواباً للتخيير.
وقولُه: طلِّقي نفسَك(٢): ليس بتخييرٍ، فيلغو.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا يقعُ شيءٌ بقولها: أَبَنْتُ نفسي؛ لأنها
أَتَتْ بغير ما فُوِّضَ إليها، إذِ الإبانةُ تُغايرُ الطلاقَ.
(١) وفي نُسخ: تطليقةً رجعيةً. بالنصب.
(٢) لفظ: نفسك: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة، وكذلك في البناية
١٤٧/٥ طبعة بيروت، ٢٦/٧ طبعة باكستان.

٢١٢
فصلٌ في المشيئة
ولو قال لها: طلِّقي نفسَك: فليس له أن يرجعَ عنه.
وإن قال لها: طلِّقي نفسَك متى شئتٍ: فلها أن تُطلِّقَ نفسَها في
المجلس، وبعده.
وإذا قال لرجلٍ : طلَّقِ امرأتي : فله أن يُطلَّقَها في المجلس، وبعده،
وله أن یرجع عنه.
قال: (ولو قال لها: طلّقي نفسَك: فليس له أن يرجعَ عنه)؛ لأنَّ فيه
معنى اليمين؛ لأنه تعليقُ الطلاق بتطليقها، واليمينُ تَصرُّفٌ لازمٌ.
ولو قامت عن مجلسِها: بَطَلَ؛ لأنه تمليكٌ.
بخلاف ما إذا قال لها: طلَّقي ضَرَّتَك؛ لأنه توكيلٌ وإنابةٌ، فلا يَقتصرُ
على المجلس، ويَقبلُ الرجوعَ.
قال: (وإن قال لها: طلَّقي نفسَك متى شئتِ: فلها أن تُطلَّقَ نفسَها في
المجلس، وبعده).
لأن كلمةَ: متى: عامَّةٌ في الأوقات كلُّها، فصار كما إذا قال: في أيِّ
وقتٍ شئتِ.
قال: (وإذا قال لرجلٍ: طلِّقِ امرأتي: فله أن يُطلِّقَها في المجلس،
وبعده، وله أن يرجعَ عنه)؛ لأنه توكيلٌ واستعانةً، فلا يلزمُ.
ولا يقتصرُ على المجلس.
بخلاف قولِه لامرأته: طلِّقي نفسَك؛ لأنها عامِلةٌ لنفسها؛ فكان تمليكاً،
لا تو کیلاً.

٢١٣
فصلٌ في المشيئة
ولو قال لرجلٍ : طلَّقْها إن شئتَ: فله أن يطلِّقها في المجلس خاصةً.
ولو قال لها: طلِّقي نفسَك ثلاثاً، فطلَّقتْ نفسَها واحدةً: فهي واحدةٌ.
ولو قال لها : طلِّقي نفسَك واحدةً، فطلَّقت نفسَها ثلاثاً : لم يقع شيءٌ
عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : تقعُ واحدةٌ.
قال: (ولو قال لرجل: طلَّقْها إن شئتَ: فله أن يطلّقها في المجلس
خاصةً)، وليس للزوج أن يرجعَ عنه.
وقال زفر رحمه الله: هذا والأولُ سواءً؛ لأن التصريحَ بالمشيئة: كعدمه؛
لأنه يتصرَّفُ عن مشيئتِه(١)، فصار كالوكيل بالبيع إذا قيل له: بعْه إن شئتَ.
ولنا: أنه تمليكٌ؛ لأنه عَلَّقَه بالمشيئة، والمالِكُ هو الذي يَتصرَّفُ عن
مشيئةِ نفسِهِ، والطلاقُ يَحتملُ التعليقَ، بخلاف البيع؛ لأنه لا يحتملُه.
قال: (ولو قال لها: طلِّقي نفسَك ثلاثاً، فطلَّقتْ نفسَها واحدةً: فهي
واحدةٌ)؛ لأنها مَلَكَتْ إيقاعَ الثلاثِ، فَتَملِكُ إِيقاعَ الواحدة؛ ضرورةً.
قال: (ولو قال لها: طلِّقي نفسَك واحدةً، فطلَّقت نفسَها ثلاثاً: لم يقع
شيء عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: تقعُ واحدةٌ)؛ لأنها أَتَتْ بما مَلَكَتْه وزيادةٍ، فصار كما إذا طلَّقَها
الزوجُ ألفاً.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنها أَتَتْ بغير ما فُوِّضَ إليها، فكانت مبتَدِئةً(٢)،
لا مُجيبةً.
(١) وفي نُسخ: مشيئةٍ.
(٢) وفي نُسخ: مبتَدَأَةً.

٢١٤
فصلٌ في المشيئة
وإن أَمَرَها بطلاق يَملكُ الرجعةَ، فطلَّقت بائنةً، أو أَمَرَها بالبائن،
فطلَّقت رجعيةً: وَقَعَ ما أَمَرَ به الزوجُ.
وهذا لأن الزوجَ مَلَّكَها الواحدةَ، والثلاثُ غيرُ الواحدة؛ لأن الثلاثَ
اسمٌ لعددٍ مركَّبِ مجتَمِعٍ، والواحدةُ فردٌ، لا تركيبَ فيه، فكانت بينهما
مغايرةٌ على سبيل المُضادَّةِ.
بخلاف الزوج؛ لأنه يَتصرَّفُ بحُكْم الملك.
وكذا هي في المسألة الأُولى؛ لأنها مَلَكَتِ الثلاثَ، أما ها هنا فلم
تَملِكِ الثلاثَ، وما أَتَتْ بما فُوِّضَ إليها، فَلَغَا.
قال: (وإن أَمَرَها بطلاق يَملكُ الرجعةَ، فطلَّقت بائنةً، أو أَمَرَها
بالبائن، فطلَّقت رجعيةً: وَقَعَ مَا أَمَرَ به الزوجُ).
فمعنى الأول: أن يقولَ لها الزوجُ: طلِّقي نفسَك واحدةً أملِكُ الرجعةَ،
فتقول: طلَّقتُ نفسي واحدةً بائنةً، فتقعُ رجعيةٌ؛ لأنها أَتَتْ بالأصل وزيادةٍ
وَصْفٍ، كما ذَكَرْنَا، فَيَلْغُو الوَصْفُ، ويبقى الأصلُ.
ومعنى الثاني: أن يقولَ لها: طلِّقي نفسَك واحدةً بائنةً، فتقولُ: طلَّقتُ نفسي
واحدةً رجعيةً، فتقعُ بائنةٌ؛ لأن قولَها: واحدةً رجعيةً: لَغْوٌ منها؛ لأن الزوجَ
لَمَّا عَيَّنَ صفةَ المفوَّضِ إليها، فحاجتُها بعد ذلك إلى إيقاع الأصل، دون
تعيين الوصفِ، فصار كأنها اقتصرت على الأصل، فيقعُ بالصفة التي عيَّنها
الزوجُ بائناً، أو رجعياً (١).
(١) قوله: أو رجعياً: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.

٢١٥
فصلٌ في المشيئة
وإن قال لها: طلَّقى نفسَك ثلاثاً إن شئتٍ، فطلَّقت نفسَها واحدةً: لم
يقع شيء.
ولو قال لها: طلِّقي نفسَكِ واحدةً إن شئتٍ، فطلَّقت نفسَها ثلاثاً :
فكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : تقعُ واحدةٌ.
ولو قال لها: أنتِ طالقٌ إن شئتٍ، فقالت: شئتُ إن شئتَ، فقال
الزوجُ: شئتُ، ينوي الطلاقَ : بطل الأمرُ.
قال: (وإن قال لها: طلَّقي نفسَك ثلاثاً إن شئتٍ، فطلَّقت نفسَها واحدةً:
لم يقعْ شيءٌ)؛ لأن معناه: إن شئتِ الثلاثَ، وهي بإيقاع الواحدةِ: ما (١)
شاءتِ الثلاثَ، فلم يوجدِ الشرطُ.
قال: (ولو قال لها: طلَّقي نفسَكِ واحدةً إن شئتٍ، فطلَّقت نفسَها
ثلاثاً: فكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله)؛ لأنّ مشيئةَ الثلاثِ: ليست
بمشيئةٍ للواحدة، کإيقاعها.
(وقالا: تقعُ واحدةٌ)؛ لأن مشيئةَ الثلاثِ: مشيئةٌ للواحدةِ، كما أن
إيقاعَها: إيقاعٌ للواحدة، فوُجِدَ الشرطُ.
قال: (ولو قال لها: أنتِ طالقٌ إن شئتِ، فقالت: شئتُ إن شئتَ،
فقال الزوجُ: شئتُ، ينوي الطلاقَ: بطل الأمرُ(٢))؛ لأنه علَّق طلاقَها
بالمشيئة المرسَلَة، وهي أَتَتْ بالمعلَّقة، فلم يوجَدِ الشرطُ، وهو اشتغالٌ
بما لا يَعْنِيها، فخرج الأمرُ من يدها.
(١) ما: هنا نافية.
(٢) أي لم يقع ما لم يقل: شئتُ طلاقَك. كما في نسخة ٧٨٥هـ من بداية المبتدي.

٢١٦
فصلٌ في المشيئة
وكذا إذا قالت: شئتُ إن شاء أبي، أو شئتُ إن كان كذا، لأمرٍ لم
یچِىءْ بعدُ.
وإن قالت : قد شئتُ إن كان كذا، لأمر قد مضى: طلُّقت.
ولو قال لها : أنتِ طالقٌ إذا شئتٍ، أو : إذا ما شئتٍ، أو : متى شئتٍ،
أو: متى ما شئتٍ، فردَّتِ الأمرَ: لم يكن ردّاً، ولا يَقتصِرُ على المجلس.
ولا يقعُ الطلاقُ بقوله: شئتُ وإن نوى الطلاقَ؛ لأنه ليس في كلام
المرأة ذِكْرُ الطلاق ليصيرَ الزوجُ شائياً طلاقَها، والنيةُ لا تعملُ في غير
المذكور.
حتى لو قال: شئتُ طلاقَكِ: يقع إذا نوى، لأنه إيقاعٌ مبتدأٌ، إذِ
المشيئةُ تُنبئ عن الوجود.
بخلاف قولِه: أردتُ طلاقَك؛ لأنه لا يُنِبِئُ عن الوجود.
قال: (وكذا (١) إذا قالت: شئتُ إن شاء أبي، أو شئتُ إن كان كذا،
لأمرٍ لم يجِىءْ بعدُ)؛ لِمَا ذكرنا أنَّ المأتِيَّ به مشيئةٌ معلّقةٌ، فلا يقعُ به
الطلاقُ، وبطل الأمرُ.
قال: (وإن قالت: قد شئتُ إن كان كذا، الأمر قد مضىُ: طلُقت)؛ لأن
التعليقَ بشرطِ كائنٍ: تنجیزٌ.
قال: (ولو قال لها: أنتِ طالقٌ إذا شئتِ، أو: إذا ما شئتٍ، أو: متى
شئتٍ، أو: متى ما شئتٍ، فردَّتِ الأمرَ: لم يكن ردًّاً، ولا يَقتصِرُ على
المجلس).
(١) أي وكذا لا يقع الطلاق.

٢١٧
فصلٌ في المشيئة
ولا تُطلِّقُ نفسَها إلا واحدةً.
ولو قال لها: أنت طالقٌ كلَّما شئتٍ : فلها أن تُطلِّقَ نفسَها واحدةً بعد
واحدةٍ حتى تُطَلِّقَ نفسَها ثلاثاً.
حتى لو عادتْ إليه بعد زوجٍ آخَرَ، فطلَّقَتْ نفسَها: لم يقعْ شيءٌ.
أما كلمة: متى، ومتى ما: فلأنهما للوقت، وهي(١) عامَّةٌ في الأوقات
كلها، كأنه قال: في أيِّ وقتٍ شئتٍ، فلا يَقتصِرُ على المجلس، بالإجماع.
ولو رَدَّتِ الأمرَ: لم يكن ردًّاً؛ لأنه مَلَّكَها الطلاقَ في الوقت الذي
شاءت، فلم يكن تمليكاً قبلَ المشيئةِ حتی یَرتدَّ بالرد.
قال: (ولا تُطلِّقُ نفسَها إلا واحدةً)؛ لأنها تَعُمُّ الأزمانَ، دونَ الأفعال،
فتملكُ التطليقَ في كلِّ زمان، ولا تملكُ تطليقاً بعد تطليق.
وأما كلمة: إذا، وإذا ما: فهي و: متى: سواء عندهما.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: إن كانت تُستعمل: إذا: للشرط كما تُستعمل
للوقت، لكنَّ الأمرَ صار بيدها: فلا يَخرج الأمرُ بالشك، وقد مرَّ من قبل.
قال: (ولو قال لها: أنت طالقٌ كلَّما شئتِ: فلها أن تُطلِّقَ نفسَها واحدةً
بعد واحدةٍ حتى تُطَلِّقَ نفسَها ثلاثاً)؛ لأن كلمةً: كلَّما: توجب تكرارَ
الأفعال، إلا أن التعليقَ ينصرفُ إلى الملكِ القائم.
قال: (حتى لو عادتْ إليه بعد زوجٍ آخَرَ، فطلّقَتْ نفسَها: لم يقعْ
شيءٌ)؛ لأنه مِلْكٌ مستحدَثٌ.
(١) أي متى، ومتى ما.

٢١٨
فصلٌ في المشيئة
وليس لها أن تُطلِّقَ نفسَها ثلاثاً بكلمةٍ واحدةٍ .
ولو قال لها : أنتٍ طالقٌ حيثُ شئتٍ، أو : أين شئتٍ : لم تطلُقْ حتى
تشاءَ، وإن قامت من مجلسِها : فلا مشيئةً لها.
وإن قال لها : أنتِ طالقٌ كيف شئتٍ : طلُقَتْ تطليقةً يَملِكُ الرجعةَ،
فإن قالت: قد شئتُ واحدةً بائنةً، أو ثلاثاً، وقال الزوجُ: ذلك
نویتُ: فهو كما قال.
قال: (وليس لها أن تُطلِّقَ نفسَها ثلاثاً بكلمةٍ واحدةٍ)؛ لأنها توجبُ
عمومَ الانفراد، لا عمومَ الاجتماع، فلا تملكُ الإيقاعَ جملةً وجَمْعاً.
قال: (ولو قال لها: أنتِ طالقٌ حيثُ شئتِ، أو: أين شئتِ: لم تطلُقْ
حتى تشاءَ.
وإن قامت من مجلسها: فلا مشيئةً لها)؛ لأن كلمةَ: حيث، وأين: من
أسماءِ المكان، والطلاقُ لا تَعَلَّقَ له بالمكان، فيلغُو، ويبقىُ ذِكْرُ مُطْلَقٍ
المشيئة، فيَقتصِرُ على المجلس.
بخلاف الزمان؛ لأنَّ له تعلَّقاً به (١)، حتى يقعُ في زمانٍ، دونَ زمان،
فوَجَبَ اعتبارُه عموماً وخصوصاً.
قال: (وإن قال لها: أنتِ طالقٌ كيف شئتِ: طلُّقَتْ تطليقةً يَملِكُ
الرجعةَ)، ومعناه: قبلَ المشيئة.
قال: (فإن قالت: قد شئتُ واحدةً بائنةً، أو ثلاثاً، وقال الزوجُ: ذلك
نويتُ: فهو كما قال)؛ لأن عند ذلك تثبتُ المُطابقةُ بين مشيئتها وإرادته.
(١) أي لأن الطلاق له تعلُّقٌّ بالزمان.

٢١٩
فصلٌ في المشيئة
قال رضي الله عنه: قال في ((الأصل)): هذا قولُ أبي حنيفة رحمه الله،
وعندهما: لا يقعُ ما لم تُوقِع المرأةُ، فتشاءُ رجعيةً، أو بائنةً، أو ثلاثاً.
أما إذا أرادت ثلاثاً، والزوجُ واحدةً بائنةً، أو على القلب: تقعُ واحدةٌ
رجعيةٌ؛ لأنه لغا تصرُّفُها؛ لعدم الموافقةِ، فبقِيَ إيقاعُ الزوج.
وإن لم تَحضُرْه النيةُ: تُعتَبرُ مشيئتُها فيما قالوا (١)؛ جَرْياً على موجَبٍ
التخيير.
(قال رضي الله عنه: قال في ((الأصل(٣)): هذا قولُ أبي حنيفة رحمه
الله، وعندهما: لا يقعُ ما لم تُوقِع المرأةُ، فتشاءُ رجعيةً، أو بائنةً، أو ثلاثاً).
وعلى هذا الخلاف: العَتَاقُ.
لهما: أنه فَوَّض التطليقَ إليها على أيِّ صفةٍ شاءت، فلا بدَّ من تعليق
أصلِ الطلاقِ بمشيئتها؛ لتكونَ لها المشيئةُ في جميع الأحوالِ، وَلّ أعني
قبلَ الدخول، وبعده.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن كلمةَ: كيف: للاستيصاف(٣)، يقالُ: كيف
أصبحتَ، والتفويضُ في وَصْفِه يستدعي وجودَ أصلِهِ، ووجودُ الطلاق
لوقوعه.
(١) أي العلماء.
(٢) للإمام محمد رحمه الله ٥٨٣/٤.
(٣) أي للسؤال عن وَصْف الشيء. البناية ٤٠/٧.

٢٢٠
فصلٌ في المشيئة
وإن قال لها : أنتِ طالقٌ كم شئتٍ، أو: ما شئت: طلَّقَتْ نفسَها ما
شاءت .
فإن قامت من المجلس : بطل، وإن ردَّتِ الأمرَ : كان ردّاً.
وإن قال لها : طلِّقي نفسَك مِن ثلاثٍ ما شئتِ: فلها أن تُطلِّقَ نفسَها
واحدةً أو ثِنْتَيْن، ولا تُطلَّقُ ثلاثاً عند أبي حنيفة رحمه الله .
وقالا : تُطلِّقُ ثلاثاً إن شاءت.
قال: (وإن قال لها: أنتِ طالقٌ كم شئتٍ، أو: ما شئت: طلَّقَتْ نفسَها
ما شاءت)؛ لأنهما يُستعمَلان للعدد، فقد فَوَّضَ إليها أيَّ عددٍ شاءت.
(فإن قامت من المجلس: بطل.
وإن ردَّتِ الأمرَ: كان ردًّاً)؛ لأن هذا أمرٌ واحدٌ، وهو خطابٌ في
الحال، فيقتضي الجوابَ في الحال.
قال: (وإن قال لها: طلَقي نفسَك مِن ثلاثٍ ما شئتِ: فلها أن تُطلِّقَ
نفسَها واحدةً أو ثِنْتَيْن، ولا تُطلَّقُ ثلاثاً عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: تُطلِّقُ ثلاثاً إن شاءت)؛ لأن كلمةَ: ما: مُحكَمةً في التعميم،
وكلمةُ: مِن: قد تُستعمل للتمييز، فتُحمَلُ على تمييز الجنس، كما إذا قال:
كُلْ مِن طعامي ما شئتَ، أو: طلّقْ من نسائي مَن شاءت.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنَّ كلمةَ: مِن: حقيقةٌ للتبعيض، وما: للتعميم،
فيُعمَل بهما.
وفيما استشهدا به: تُركَ التبعيضُ، بدلالة إظهار السماحة، أو لعموم
الصفة، وهي المشيئة.