Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
في تشبيه الطلاقِ، ووَصْفِه
وكذا إذا قال: أنتِ طالقٌ أفحشَ الطلاقِ، وكذا إذا قال: أخبثَ
الطلاقِ، أو أسوأه، وكذا إذا قال : طلاقَ الشيطانِ، أو طلاقَ البدعة،
وكذا إذا قال : كالجبل.
أما إذا نوى الثلاثَ: فثلاثٌ؛ لِمَا مَرَّ من قبلُ.
ولو عَنَى بقوله: أنتِ طالقٌ: واحدةً، وبقوله: بائنٌ، أو البتة: أخرى:
تقع تطليقتان بائنتان؛ لأن هذا الوصفَ يصلُحُ لابتداء الإيقاع.
قال: (وكذا إذا قال: أنتِ طالقٌ أفحشَ الطلاق)؛ لأنه إنما يوصَفُ
بهذا الوصف باعتبار أَثَره، وهو البينونةُ في الحال، فصار كقوله: بائنٌ.
قال: (وكذا إذا قال: أخبثَ الطلاق، أو أسوأَه)؛ لِمَا ذكرنا.
قال: (وكذا إذا قال: طلاقَ الشيطانِ، أو طلاقَ البدعة)؛ لأن الرجعيَّ
هو السُّنَّةُ، فيكون قولُه: البدعة، وطلاق الشيطان: بائناً.
وعن أبي يوسف رحمه الله في قولِه: أنتِ طالقُ البدعةَ: أنه لا يكون
بائناً إلا بالنية؛ لأن البدعةَ قد تكونُ من حيث الإيقاعُ في حالة الحيض،
فلا بدَّ من النية.
وعن محمدٍ رحمه الله: أنه إذا قال: أنتِ طالقٌ للبدعة، أو طلاقَ
الشيطان: يكون رجعياً؛ لأن هذا الوصفَ قد يتحقَّقُ بالطلاق في حالة
الحيض، فلا تثبتُ البینونةُ بالشك.
قال: (وكذا إذا قال: كالجَبَل)؛ لأن التشبيهَ به يوجبُ زيادةً، لا
محالةَ، وذلك بإثبات زيادةِ الوصف.

١٨٢
في تشبيه الطلاقِ، ووَصْفِه
ولو قال لها: أنتِ طالقٌ أشدَّ الطلاقِ، أو كألفٍ، أو مِلْءَ البيتِ :
فهي واحدةٌ بائنةٌ، إلا أن ينويَ ثلاثاً.
وكذا إذا قال: مثلَ الجبل؛ لِمَا قلنا.
وقال أبو يوسف رحمه الله: يكونُ رجعياً؛ لأن الجبلَ شيءٌ واحدٌ،
فكان تشبيهاً به في توحُّده(١).
قال: (ولو قال لها: أنتِ طالقٌ أشدَّ الطلاق، أو كألفٍ، أو مِلْءَ
البيتِ: فهي واحدةٌ بائنةٌ، إلا أن ينويَ ثلاثاً).
أما الأول: فلأنه وَصَفَه بالشدة، وهو البائنُ؛ لأنه لا يحتمِلُ الانتقاضَ
والارتفاضَ، أما الرجعيُّ: فيحتملُه.
وإنما تصحُّ نيةُ الثلاث: لذِكْره المصدرَ.
وأما الثاني: فلأنه قد يُرادُ بهذا التشبيه في القوة تارةً، وفي العدد
أخرى، يُقال: هو كألفِ رجلٍ(٢)، ويُرادُ به القوةُ، فتصحُّ نيةُ الأمرَيْن،
وعند فُقْدانها : يثبتُ أقلُّهما.
وعن محمدٍ رحمه الله: أنه تقعُ الثلاثُ عند عدم النية؛ لأنه عددٌ،
فيُرادُ به التشبيهُ في العدد ظاهراً، فصار كما إذا قال: أنتِ طالقٌ كعددٍ ألفٍ.
وأما الثالث: فلأنَّ الشيءَ قد يَملأُ البيتَ لعِظَمه في نفسه، وقد يملؤه
لكثرته، فأيَّ ذلك نوى: صحَّتْ نيتُه، وعند انعدام النية: يثبتُ الأقلّ.
(١) وفي نُسخ: توحيده.
(٢) وفي نُسخ: هو ألفٌ، وفي أخرى: كألفٍ.

١٨٣
في تشبيه الطلاقِ، ووَصْفِه
ولو قال : أنتِ طالقٌ تطليقةً شديدةً، أو عريضةً، أو طويلةً: فهي
واحدةٌ بائنةٌ.
ثم الأصلُ عند أبي حنيفة رحمه الله: أنه متى شبَّه الطلاقَ بشيءٍ: يقعُ
بائناً، أيَّ شيءٍ كان المشبّه به، ذَكَرَ العِظَمَ أو لم يَذكر؛ لِمَا مَرَّ أن التشبيهَ
يقتضي زيادةَ وَصْفٍ.
وعند أبي يوسف رحمه الله: إنْ ذَكَرَ العِظَمَ: يكونُ بائناً، وإلا: فلا، أيَّ
شيءٍ كان المشبّه به؛ لأن التشبيهَ قد يكونُ في التوحيد على التجريد(١)، أما
ذِكْرُ العِظَم: فللزيادة، لا محالةَ.
وعند زفر رحمه الله: إن كان المشبّه به مما يوصَفُ بالعِظَم عند الناس:
يقعُ بائناً، وإلا: فهو رجعيٌّ.
وقيل: محمدٌ رحمه الله مع أبي حنيفة رحمه الله، وقيل: مع أبي يوسف
رحمه الله.
وبيانُهُ(٢) في قوله: مثلَ رأسِ الإبرة(٣): مثلَ عِظَمِ رأسِ الإبرة، ومثلَ
الجبل: مثلَ عِظَم الجبل.
قال: (ولو قال: أنتِ طالقٌ تطليقةً شديدةً، أو عريضةً، أو طويلةً: فهي
واحدةٌ بائنةٌ)؛ لأن ما لا يمكنُ تداركُه: يشتدُّ عليه(٤)، وهو البائن، وما
(١) أي من وَصْفِ العِظَم.
(٢) أى بيان الخلاف. البناية ٦ / ٤٠٣.
(٣) أي إذا قال لها: أنت طالق مثل رأس الإبرة: فهي بائنٌ عند أبي حنيفة
ومحمد، لمكان التشبيه، رجعيٌّ عند أبي يوسف؛ لأنه لم يذكر العِظَم.
(٤) أي على الزوج.

١٨٤
في تشبيه الطلاق، ووَصْفِه
يَصعُب تداركُه، يُقال: لهذا الأمر طُولٌ وعَرْضٌ (١).
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يقعُ بها رجعيةً؛ لأن هذا الوصفَ لا
يليقُ به، فیلغو.
ولو نوى الثلاثَ في هذه الفصول: صحَّتْ نيتُه؛ لتنوُّع البينونة، على
ما مَرَّ، والواقعُ بها بائنٌ، والله تعالى أعلم.
(١) أي فهو البائن أيضاً. حاشية سعدي، نقلاً عن فتح القدير ٣٩١/٣.

١٨٥
فصل
فصل
في الطلاق قبلَ الدخول
وإذا طلَّقَ الرجلُ امرأتَه ثلاثاً قبلَ الدخولِ بها : وقَعْنَ عليها.
فإن فَرَّق الطلاقَ: بانَتْ بالأُولىُ، ولم تقع الثانيةُ، والثالثةُ .
فصل
في الطلاق قبل الدخول
قال: (وإذا طلَّقَ الرجلُ امرأتَه ثلاثاً(١) قبلَ الدخول بها: وقَعْنَ عليها)؛
لأن الواقع (٢) مصدرٌ محذوفٌ؛ لأن معناه: طلاقاً ثلاثاً، على ما بيًَّا، فلم
يكن قولُه: أنتِ طالقٌ: إيقاعاً على حِدَةٍ، فَيَقَعْنَ جملةً.
قال: (فإن فَرَّق الطلاقَ: بانَتْ بالأُولىُ، ولم تقعِ الثانيةُ، والثالثةُ).
وذلك مثلُ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ؛ لأن كلَّ واحدٍ(٣) إيقاعٌ
علىُ حِدَةٍ إذا لم يَذكرْ في آخِرِ كلامه ما يُغيِّرُ صَدْرَه حتى يتوقَّفَ عليه،
فتقعُ الأُوْلِىُ في الحال، فتصادفُها الثانيةُ وهي مُبَانَةٌ.
(١) أي دفعةً واحدة.
(٢) وهو الطلاق.
(٣) وفي نُسخ: واحدة.

١٨٦
في الطلاق قبل الدخول
وكذا إذا قال لها : أنت طالقٌ واحدةً وواحدةً: وقعتْ واحدةٌ.
ولو قال لها : أنت طالقٌ واحدةً، فماتت قبلَ قولِه: واحدةً: كان باطلاً.
وكذا إذا قال : أنت طالقٌ ثنتين، أو ثلاثاً.
ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبلَ واحدةٍ، أو: بعدَها واحدةٌ: وقعت
واحدةٌ .
قال: (وكذا إذا قال لها: أنت طالقٌ واحدةً وواحدةً: وقعتْ واحدةٌ)؛
لِمَا ذکرنا أنها بانتْ بالأُولى.
قال: (ولو قال لها: أنت طالقٌ واحدةً، فماتت قبلَ قولِه: واحدةً: كان
باطلاً).
لأنه قَرَنَ الوصفَ بالعدد، فكان الواقعُ هو العددَ، فإذا ماتت قبلَ ذِكْر
العدد: فاتَ المَحَلَّ قبلَ الإيقاعِ، فَبَطَلَ.
قال: (وكذا إذا قال: أنتِ طالقٌ ثنتين، أو ثلاثاً)؛ لِمَا بَيَّنَّا، وهذه
تُجانسُ ما قبلَها من حيث المعنى.
قال: (ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبلَ واحدةٍ، أو: بعدَها واحدةً:
وقعت واحدةٌ).
والأصلُ: أنه متى ذَكَرَ شيئين، وأَدْخَلَ بينهما حرفَ الظرف(١): إن
قَرَنَها (٢) بهاء الكِناية: كان صفةً للمذكور آخِراً، كقوله: جاءني زيدٌ قبلَه
عمرو.
(١) وهو: قبل، و: بعد.
(٢) أي كلمة الظرف.

١٨٧
في الطلاق قبلَ الدخول
ولو قال : أنتِ طالقٌ واحدةً قبلَها واحدةٌ : تقعُ ثنتان.
وكذا إذا قال : أنتِ طالقٌ واحدةً بعدَ واحدةٍ : تقع ثنتان.
وإن لم يَقْرَنْها بهاء الكناية: كان صفةً للمذكور أوَّلاً، كقوله: جاءني
زيدٌ قبلَ عمرو.
وإيقاعُ الطلاقِ في الماضي: إيقاعٌ في الحال؛ لأن الإسنادَ ليس في
وُسْعه، فالقَبْلِيَّةُ في قوله: أنتِ طالقٌ واحدةً قبلَ واحدةٍ: صفةٌ للأُولىُ،
فَتَبِيْنُ بالأُولىُ، فلا تقعُ الثانيةُ.
والبَعْدِيَّةُ في قوله: بعدَها واحدةٌ: صفةٌ للأخيرة، فحصلتِ الإبانةُ
بالأُولىُ.
قال: (ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً قبلَها واحدةٌ: تقعُ ثنتان)؛ لأن
القَبْليةَ صفةٌ للثانية؛ لاتصالها بحرف الكناية، فاقتضى إيقاعَها في
الماضي، وإيقاعَ الأُولىُ في الحال، غيرَ أن الإيقاعَ في الماضي إيقاعٌ في
الحال أيضاً، فيقترنان (١)، فيقعان.
قال: (وكذا إذا قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بعدَ واحدةٍ: تقع ثنتان)؛ لأن
البَعْديةَ صفةٌ للأولىُ، فاقتضى إيقاعَ الواحدةِ في الحال، وإيقاعَ الأخرى
قبلَ هذه، فيقترنان(٢).
(١) أي الإيقاعان.
(٢) أي الإيقاعان.

١٨٨
في الطلاق قبلَ الدخول
ولو قال : أنتِ طالقٌ واحدةً مع واحدةٍ، أو : معها واحدةٌ : تقع ثنتان.
ولو قال لها : إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ واحدةً وواحدةً، فدخلتِ
الدارَ : وقعتْ عليها واحدةٌ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا : تقع ثنتان.
ولو قال لها : أنتٍ طالقٌ واحدةً وواحدةً إن دخلتِ الدارَ، فدخلتٍ
الدارَ : طَلُقَتْ ثنتين.
قال: (ولو قال: أنتِ طالقٌ واحدةً مع واحدةٍ، أو: معها واحدةً: تقع
ثنتان)؛ لأن كلمةَ: مع: للقران.
وعن أبي يوسف رحمه الله في قوله: معها واحدة: أنه تقعُ واحدةً؛
لأن الكنايةَ تستدعي سَبْقَ المَكْنِيِّ عنه، لا محالةَ.
وفي المَدخولِ بها: تقعُ ثنتان في الوجوه كلُّها؛ لقيام المَحَلِّية بعد
وقوع الأولى.
قال: (ولو قال لها(١): إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ واحدةً وواحدةً،
فدخلتِ الدارَ: وقعتْ عليها واحدةٌ عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: تقع
ثنتان.
ولو قال لها: أنتِ طالقٌ واحدةً وواحدةً إن دخلتِ الدارَ، فدخلتِ
الدارَ: طَلُفَتْ ثنتين)، بالاتفاق.
لهما: أن حرفَ الواو: للجمع المطلَقِ، فَيَقَعْنَ (٢) جملةً، كما إذا نصَّ
(١) أي لغير المدخول بها.
(٢) وفي نُسخ: فيتعلَّقن. قال في البناية ٤٢١/٦: كان ينبغي أن يقول: فيتعلَّقان
أو يقعان، بالتثنية. اهـ

١٨٩
في الطلاق قبلَ الدخول
على الثلاث، أو أخَّر الشرطَ.
وله: أن الجمعَ المطلَقَ يحتملُ القِرانَ والترتيبَ، فعلى اعتبار الأول:
تقع ثنتان، وعلى اعتبار الثاني: لا تقعُ إلا واحدةٌ(١)، كما إذا نجَّز(٢) بهذه
اللفظة، فلا يقعُ الزائدُ على الواحدة بالشك.
بخلاف ما إذا أخَّرَ الشرطَ؛ لأنه مغيِّرٌ صَدْرَ الكلام، فيتوقَّفُ الأولُ
عليه، فيَقَعْنَ جملةً، ولا مغيِّرَ فيما إذا قدَّم الشرطَ، فلم يتوقَّف(٣).
ولو عَطَفَ بحرف الفاء: فهو على هذا الخلاف، فيما ذَكَرَ الكرخيُّ
رحمه الله.
وذَكَرَ الفقيهُ أبو الليث رحمه الله: أنه تقعُ واحدةً، بالاتفاق؛ لأن الفاء
للتعقيب، وهو الأصحُّ، والله تعالى أعلم.
(١) وضُبطت في نُسخ بالنصب: إلا واحدةً.
(٢) أي لم يعلِّق بالشرط.
(٣) أي صدر الكلام.

١٩٠
فصل
فصل
وأما الضربُ الثاني، وهو الكناياتُ: لا يقعُ بها الطلاقُ إلا بالنيّة، أو
بدلالة الحال.
وهي على ضربَيْن : منها ثلاثةُ ألفاظٍ يقعُ بها الطلاقُ الرجعيُّ، ولا يقعُ
بها إلا واحدةً، وهي قوله: اعتدِّي، واستبرئي رَحِمَكِ، وأنتِ واحدةٌ.
فصل
في كنايات الطلاق
قال: (وأما الضربُ الثاني(١)، وهو الكناياتُ: لا يقعُ بها الطلاقُ إلا
بالنّيَّة، أو بدلالة الحال)؛ لأنها غيرُ موضوعةٍ للطلاق، بل تحتَمِلُه وغيرَه،
فلا بدَّ من التعیین، أو دلالته.
قال: (وهي على ضربَيْن: منها ثلاثةُ ألفاظٍ يقعُ بها الطلاقُ الرجعيُّ،
ولا يقعُ بها إلا واحدةٌ، وهي قولُه: اعتدِّي، واستبرئي رَحِمَكِ، وأنتِ
واحدةٌ).
أما الأُولىُ: فلأنها تحتملُ الاعتدادَ عن النكاح، وتحتمِلُ اعتدادَ نِعَم
الله تعالى، فإن نوى الأولَ: تعيَّن بنيَّته، فيقتضي طلاقاً سابقاً، والطلاقُ
يُعْقِبُ الرجعةَ.
(١) تقدَّم الضرب الأول، وهو الصريح، في أول باب إيقاع الطلاق.

١٩١
في كنايات الطلاق
.
وأما الثانيةُ: فلأنها تُستعمَلُ بمعنى الاعتداد؛ لأنه تصريحٌ بما هو
المقصودُ منه، فكان بمنزلته، وتحتملُ الاستبراءَ ليُطلِّقَها.
وأما الثالثةُ: فلأنها تحتملُ أن تكون نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، معناه:
تطليقةً واحدةً، فإذا نواه: جُعِلَ كأنه قاله، والطلاقُ يُعْقِبُ الرجعةَ.
وتَحتمِلُ غيرَه، وهو أن تكون واحدةً عندَه، أو عند قومِها(١).
ولَمَّا احتملتْ هذه الألفاظُ (٢) الطلاقَ وغيره: يُحتاجُ فيه إلى النية.
ولا تقعُ بها(٣) إلا واحدةٌ؛ لأن قولَه: أنتِ طالقٌ: فيها مقتضىّ(٤)، أو
مضمَرٌ، ولو كان مُظهَراً(٥): لا تقعُ بها إلا واحدةٌ، فإذا كان مضمَراً (٦): كان
أولى.
وفي قولِه: أنتِ واحدةٌ: وإن صار المصدرُ مذكوراً، لكنَّ التنصيصَ
على الواحدة: ينافي نيةَ الثلاث.
ولا معتبرَ بإعراب: الواحدةِ: عند عامة المشايخ رحمهم الله، وهو
الصحيحُ؛ لأن العوامَّ لا يُميِّزُون بين وجوهِ الإعراب.
(١) وفي نُسخ: قومه.
(٢) أراد بها: اعتدي، واستبرئي رَحِمَك، وأنتِ واحدةٌ.
(٣) أي بتلك الألفاظ الثلاثة.
(٤) أي في الأُولى والثانية، والمضمَر: أي في اللفظة الثالثة، وهي: أنت واحدةٌ.
(٥) يعني قال: أنت طالقٌ.
(٦) أي في قوله: أنت واحدةٌ، فمن باب أولى أن لا يقع إلا واحدة.

١٩٢
في كنايات الطلاق
وبقيةُ الكناياتِ إذا نوىُ بها الطلاقَ: كانت واحدةً بائنةً، وإن نوى
ثلاثاً : كانت ثلاثاً، وإن نوىُ ثِنْتَيْن: كانت واحدةً بائنةً.
وهذا مثلُ قولِه: أنتِ بائنٌ، وبَّةٌ، وبَتْلَةٌ، وحرامٌ، وحَبْلُكِ على
غارِبِكِ، والْحَقِي بأهلِكِ، وخَلِيَّةٌ، وبَرِيَّةٌ، ووهبتُكِ لأهلكِ، وسرَّحتُك،
وفارقتُكِ، وأمرُكِ بيدِكِ، وأنتِ حُرَّةٌ، وتقَّعِي، وتخمَّري، واستَتِري،
واغرُبي، واعزُبي، واخرُجي، واذهبي، وقُومِي، وابتغِي الأزواجَ.
٤
قال: (وبقيةُ الكناياتِ إذا نوىُ بها الطلاقَ: كانت واحدةً بائنةً، وإن
نوىُ ثلاثاً: كانت ثلاثاً، وإن نوىُ ثِنْتَيْن: كانت واحدةً بائنةً.
وهذا مثلُ قولِه: أنتِ بائنٌ، وبَّةٌ، وبَتْلَةٌ، وحرامٌ، وحَبْلُكِ على
غارِبِكِ، والْحَقِي بأهلِكِ، وخَلِيَّةٌ، وبَرِيَّةٌ، ووهبتُكِ لأهلكِ، وسرَّحتُك،
وفارقتُكِ، وأمرُكِ بيدِكِ، وأنتِ حُرَّةٌ.
وتقنَّعِي، وتخمَّري، واستَتِري، واغربي(١)، واعزُبي، واخرُجي،
واذهبي، وقُومِي، وابتغِي الأزواجَ)؛ لأنها تَحتمِلُ الطلاقَ وغيرَه، فلا بدَّ
من النية.
(١) بالغَيْن المعجمة، والراء المهملة: أي تباعدي عني، ويُروى: اعزبي: بالعين
المهملة، والزاي المعجمة. البناية ٤١٩/٦، فتح القدير ٤٠٠/٣، وقوله: اعزبي:
بالزاي: مثبتةٌ في نُسخٍ من الهداية، ومنها نسخة ٦٤٤ هـ.
ومعنى: اعزبي: أي غِيْبي وابعُدي، ومنه: قولُه تعالى: ﴿ وَمَا يَعَزُّبُ عَن رَّبِّكَ مِن
مِثْقَالٍ ذَرَّةٍ﴾. يونس/ ٦١، والعزوب: البُعد والذهاب. اهـ الجوهرة النيرة ٤ /٤٠٧،
وقال الميداني في اللباب ١٠٥/٤ : من: العزوبة، وهي عدمُ الزوج.

١٩٣
في كنايات الطلاق
إلا أنْ يكونا في حالٍ مذاكرةِ الطلاق: فيقعُ بها الطلاقُ في القضاء،
ولا يقعُ فيما بينه وبين الله تعالى، إلا أن ينوِیَه.
قال رضي الله عنه: سوَّى بين هذه الألفاظ، وقال: لا يُصدَّق في
القضاء إذا كان في حالٍ مذاكرةِ الطلاق .
قالوا: وهذا فيما لا يصلُحُ ردّاً.
قال: (إلا أنْ يكونا في حالِ مذاكرةِ الطلاق: فيقعُ بها الطلاقُ في
القضاء، ولا يقعُ فيما بينه وبين الله تعالى، إلا أن ينوِيَه.
قال رضي الله عنه: سوَّى(١) بين هذه الألفاظ، وقال: لا يُصدَّق في
القضاء إذا كان في حالٍ مذاكرةِ الطلاق.
قالوا: وهذا فيما لا يصلُحُ ردًّا(٢)).
والجملةُ في ذلك(٣): أن الأحوالَ ثلاثةٌ:
١- حالةٌ مطلَقةٌ، وهي حالةُ الرضا.
٢ - وحالةُ مذاكرةِ الطلاق.
٣- وحالةُ الغضب.
والكناياتُ ثلاثةُ أقسامٍ:
٢ - وما يصلحُ جواباً، لا ردًّاً.
١ - ما يصلُحُ جواباً(٤) وردًّاً.
٣- وما يصلحُ جواباً، ويصلحُ سَبَّاً وشَتِيمَةً.
(١) أي الإمام القدوري رحمه الله. البناية ٤٢١/٦.
(٢) أي فيما لا يصلح ردًّاً وجواباً، مثل: اذهبي، واخرجي، وقومي.
(٣) أي بيان ذلك.
(٤) أي لطلبها الطلاقَ.

١٩٤
في كنايات الطلاق
ويُصدَّق فيما يصلُحُ جواباً وردًّاً، مثلُ قولِه : اذهبي، اخرجي، قُومي،
تقنَّعي، تخمَّري، وما يجري هذا المجرى.
وفي حالة الغضب: يُصدَّقُ في جميع ذلك كله؛ لاحتمال الردِّ
والسَّبِّ، إلا فيما يَصلُحُ للطلاق، ولا يصلُحُ للردِّ والشَّتْمِ، كقوله:
اعتدِّي، واختاري، وأمرُكِ بیدِكِ .
ففي حالة الرضا: لا يكونُ شيءٌ منها طلاقاً، إلا بالنية، فالقولُ قولُه
في إنكار النية؛ لِمَا قلنا.
وفي حالة مذاكرةِ الطلاق: لم يُصدَّقْ فيما يَصلُحُ جواباً، ولا يصلُحُ
ردّاً في القضاء، مثلُ قولِهِ: خَلِيَّةٌ، بَرِيَّةٌ، بائنٌ، بَتَّةٌ، بَتْلةٌ، حرامٌ، اعتدِّي،
أمرُك بيدكِ، اختاري؛ لأن الظاهرَ أنَّ مرادَه الطلاقُ عند سؤالِ الطلاق.
قال: (ويُصدَّق فيما يصلُحُ جواباً وردًّاً، مثلُ قولِه: اذهبي، اخرُجي،
قُومي، تقنَّعي، تخمَّري، وما يجري هذا المَجرى)؛ لأنه يحتملُ الردَّ،
وهو الأدنى، فحُمِل علیه.
قال: (وفي حالة الغضب: يُصدَّقُ في جميع ذلك كله؛ لاحتمال الردِّ
والسَّبِّ، إلا فيما يَصلُحُ للطلاق، ولا يصلُحُ للردِّ والشَّتْمِ، كقوله:
اعتدِّي، واختاري، وأمرُكِ بيدِكٍ)، فإنه لا يُصدَّقُ فيها؛ لأن الغضبَ يدلّ
على إرادة الطلاق.
وعن أبي يوسف رحمه الله في قولِه: لا مِلْكَ لي عليكِ، ولا سبيلَ لي
عليكِ، وخلَّيْتُ سبيلَكِ، وفارقتُكِ: أنه يُصدَّقُ في حالةِ الغضب؛ لِمَا فيها
من احتمالِ معنىُ السَّبِّ.

١٩٥
في كنايات الطلاق
.
ثم وقوعُ البائنِ بما سوى الثلاثةِ الأُوُّل: مذهبُنا.
وقال الشافعي(١) رحمه الله: يقعُ بها رجعيٌّ؛ لأن الواقعَ بها طلاقٌ؛
لأنها كناياتٌ عن الطلاق، ولهذا تُشترطُ النيةُ، ويَنْتَقِصُ به العددُ،
والطلاقُ مُعْقِبٌ للرجعة، كالصريح.
ولنا: أنَّ تَصرُّفَ الإبانةِ صَدَرَ من أهله، مضافاً إلى مَحَلُّه، عن ولايةٍ
شرعية.
ولا خَفاءَ في الأهلية، والمَحَلِّية.
والدلالةُ على الولاية: أن الحاجةَ ماسَّةٌ إلى إثباتها؛ كي لا يَنْسَدَّ عليه
بابُ التدارك، ولا يقعَ في عُهدِتِها بالمراجعة من غير قَصْدٍ (٢).
وليست بكناياتٍ على التحقيق؛ لأنها عواملُ في حقائقها (٣)، والشرطُ
تعيينُ أحدٍ نوعي البينونة، دونَ الطلاق.
وانتقاصُ العدد: لثبوت الطلاق؛ بناءَ علىُ زوال الوَصْلة (٤).
(١) الإقناع للماوردي ١/ ١٤٧.
(٢) أي قَصْد المراجعة.
(٣) هذا جواب عن استدلال الإمام الشافعي رحمه الله القائل بأن الكنايات ليست
عوامل، فقال: بل هي عوامل في حقائقها؛ لانعدام معنى التردد بنية الطلاق، فاللفظ
هو عاملٌ في حقيقة موجبةٍ، حتى تحصلُ به الحرمة والبينونة. البناية ٤٢٥/٦.
(٤) أي وصلة النكاح.

١٩٦
في كنايات الطلاق
وإن قال لها : اعتدِّي اعتدِّي اعتدِّي، وقال نويتُ بالأُولى طلاقاً،
وبالباقي حيضاً: دُيِّنَ في القضاء.
وإن قال : لم أَنْوِ بالباقي شيئاً : فهي ثلاثٌ.
وإنما تصحُّ نيةُ الثلاثِ فيها: لتنوُّع البينونة إلى غليظةٍ وخفيفةٍ، وعند
انعدام النية: یثبتُ الأدنی.
ولا تصحُّ نيةُ الثِّتَيْن عندنا، خلافاً لزفر رحمه الله؛ لأنه عددٌ، وقد
بيَّنَّاه من قبلُ.
قال: (وإن قال لها: اعتدِّي اعتدِّي اعتدِّي، وقال نويتُ بالأُولىُ
طلاقاً، وبالباقي حيضاً: دُيِّنَ في القضاء)؛ لأنه نوى حقيقةَ كلامِهِ.
ولأنه يأمرُ امرأتَه في العادةِ بالاعتدادِ بعد الطلاق، فكان الظاهرُ
شاهداً له.
قال: (وإن قال: لم أَنْوِ بالباقي شيئاً: فهي ثلاثٌ)؛ لأنه لَمَّا نوى
بالأُولىُ الطلاقَ: صار الحالُ حالَ مذاكرةِ الطلاق، فتعيَّنَ الباقيان للطلاقِ
بهذه الدلالة، فلا يُصَدَّق في نفي النية.
بخلاف ما إذا قال: لم أنوِ بالكلَّ الطلاقَ؛ حيث لا يقعُ شيء؛ لأنه لا
ظاهرَ يُكذِّبُه.
وبخلاف ما إذا قال: نويتُ بالثالثة الطلاقَ، دون الأُوْلَيْن؛ حيث لا
يقعُ إلا واحدةٌ؛ لأن الحالَ عند الأُوْلِيَيْن لم تكن حالَ مذاكرةِ الطلاق.

١٩٧
في كنايات الطلاق
.
وفي كلِّ موضعٍ يُصدَّقُ الزوجُ على نفي النية: إنما يُصدَّق مع اليمين(١)؛
لأنه أمينٌ في الإخبار عمَّا في ضميره، والقولُ قولُ الأمينِ مع اليمين، والله
تعالى أعلم.
(١) واليمين: لنفي التهمة عنه. النهاية للصِّغناقي.

١٩٨
باب تفويض الطلاق
باب تفويض الطلاق
فصل في الاختیار
وإذا قال الرجلُ لامرأته : اختاري، ينوي بذلك الطلاقَ، أو قال لها :
طلِّقي نفسَك: فلها أن تُطلَّقَ نفسَها ما دامت في مجلسِها ذلك.
فإن قامت منه، أو أَخَذَتْ في عملٍ آخَرَ : خَرَجَ الأمرُ من يدِها.
باب تفويض الطلاق
فصلٌ في الاختيار
قال: (وإذا قال الرجلُ لامرأته: اختاري، ينوي بذلك الطلاقَ، أو قال
لها: طلِّقي نفسَك: فلها أن تُطلِّقَ نفسَها ما دامت في مجلسِها ذلك.
فإن قامت منه، أو أَخَذَتْ في عملٍ آخَرَ: خَرَجَ الأمرُ من يدِها)؛ لأن
المُخِيَّرَةَ لها خيارُ المجلسِ، بإجماع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين(١).
ولأنه تمليكُ الفعلِ منها، والتمليكاتُ تقتضي جواباً في المجلس،
كما في البيع؛ لأن ساعاتِ المجلسِ اعتُبرت ساعةً واحدةً، إلا أنَّ
المجلسَ تارةً يتبدَّلُ بالذَّهاب عنه، ومرةً بالاشتغال بعملٍ آخَرَ، إذْ مجلسُ
الأكلِ: غيرُ مجلسِ المناظرة، ومجلسُ القتالِ: غيرُهما.
ويبطلُ خيارُها بمجرَّدِ القيام؛ لأنه دليل الإعراض.
(١) مصنف عبد الرزاق (١١٩٢٩)، الدراية ٧١/٢، التعريف والإخبار ٥٤/٣.

١٩٩
فصلٌ في الاختيار
فإن اختارت نفسَها في قوله : اختاري : كانت واحدةً بائنةً.
ولا يكون ثلاثاً وإن نوى الزوجُ ذلك.
ولا بُدَّ من ذِكْرِ النَّفْس في كلامه، أو في كلامِها، حتى لو قال .....
بخلاف الصرف، والسَّلَم؛ لأن المُفسِدَ هناك: الافتراقُ من غير قَبْضٍ.
ثم لا بدَّ من النية في قوله: اختاري؛ لأنه يَحتملُ تخييرَها في نفسِها،
ويَحتملُ تخييرَها في تصرُّفٍ آخَرَ غيرِه.
قال: (فإن اختارت نفسَها في قولِه: اختاري: كانت واحدةً بائنةً).
والقياسُ أن لا يقعَ بهذا شيءٌ وإن نوىُ الزوجُ الطلاقَ؛ لأنه لا يملكُ
الإيقاعَ بهذه اللفظةِ، فلا يملكُ التفويضَ إلى غيره، إلا أنَّا استحسنَّاه؛
الإجماع الصحابة رضي الله عنهم.
ولأنه(١) بسبيلٍ مِن أن يستديمَ نكاحَها، أو يُقارِقَها، فَيَملِكُ إقامتَها
مُقَامَ نفسِهِ في حقِّ هذا الحكم.
ثم الواقعُ بها: بائنٌ؛ لأن اختيارَها نفسَها بثبوت اختصاصها بها، وذلك
في البائن.
قال: (ولا يكون ثلاثاً وإن نوى الزوجُ ذلك)؛ لأن الاختيارَ لا يتنوَّعُ،
بخلاف الإبانة؛ لأن البينونةَ قد تتنوّعُ.
قال: (ولا بُدَّ من ذِكْرِ النَّفْس في كلامه، أو في كلامِها، حتى لو قال
(١) أي الزوج.

٢٠٠
فصلٌ في الاختيار
لها : اختاري، فقالت : قد اختَرْتُ: فهو باطلٌ.
ولو قال لها : اختاري نفسَك، فقالت : اختَرْتُ: تقعُ واحدةٌ بائنةٌ.
وكذا لو قال : اختاري اختيارةً، فقالت : قد اخترتُ.
لها: اختاري، فقالت: قد اختَرْتُ: فهو باطلٌ)؛ لأنه (١) عُرِفَ بالإجماع،
وهو (٢) في المفسَّرَة من أحد الجانبين(٣).
ولأن المُبَهَم (٤) لا يصلُحُ تفسيراً للمبهَم الآخَر (٥)، ولا تعيين(٦) مع
الإبهام.
قال: (ولو قال لها: اختاري نفسَك، فقالت: اختَرْتُ: تقعُ واحدةٌ
بائنةٌ)؛ لأن كلامَه مفسَّرٌ، وكلامَها خَرَجَ جواباً له، فيتضمَّن إعادته.
قال: (وكذا لو قال: اختاري اختيارةً، فقالت: قد اخترتُ).
لأن الهاءَ في: الاختيارة: تُنْبِىءُ عن الاتحاد والانفراد، واختيارُها
نفسَها هو الذي يتَّحدُ مرةً، ويتعدَّد أخرى، فصار مفسَّراً من جانبه.
(١) أي وقوع الطلاق بلفظ الاختيار بإجماع الصحابة في اللفظة المفسَّرة من أحد
الجانبين، لا المبهمة.
(٢) أي وقوع الطلاق بذلك اللفظ.
(٣) أي من الزوج والمرأة، لا في اللفظة المبهمة من الجانبين جميعاً. البناية ٩/٧.
(٤) أي لفظ: اخترت.
(٥) وهو قوله: اختاري.
(٦) أي لا يتعين الطلاق مع وجود الإبهام في الجانبين.