Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
باب طَلاق السُّنَّة
وطلاقُ البدعة: أن يُطلِّقَها ثلاثاً بكلمةٍ واحدةٍ، أو ثلاثاً في طُهْرٍ
واحدٍ، فإذا فَعَلَ ذلك: وَقَعَ الطلاقُ، وكان عاصياً.
زمانٍ تجدُّدِ الرغبة، وهو الطّهْرُ الخالي عن الحِماع، فالحاجةُ كالمتكرِّرة؛
نظراً إلى دليلها.
ثم قيل: الأَوْلِىُ أن يُؤْخِّرَ الإيقاعَ إلى آخِرِ الظُّهْر؛ احترازاً عن تطويل
العدة.
والأظهرُ أنه يُطلَّقُها كما طَهُرت؛ لأنه لو أخَّر: ربما يجامِعُها ومِن
قَصْدِهِ التطليقُ، فَيُبْتَلَىُ بالإيقاع عقيبَ الوِقاع.
قال: (وطلاقُ البدعة: أن يُطلِّقَها ثلاثاً بكلمةٍ واحدةٍ، أو ثلاثاً(١) في
طُهْرٍ واحدٍ، فإذا فَعَلَ ذلك: وَقَعَ الطلاقُ(٢)، وكان عاصياً).
وقال الشافعي(٣) رحمه الله: كلُّ الطلاقِ مباحٌ؛ لأنه تصرُّفٌ مشروعٌ،
حتى يُستفادُ به الحكمُ، والمشروعيةُ لا تجامِعُ الحَظْرَ.
بخلاف الطلاق في حالةِ الحيض؛ لأن المُحَرَّمَ تطويلُ العِدَّة عليها، لا
الطلاقُ.
ولنا: أن الأصلَ في الطلاق هو الحَظْرُ؛ لِمَا فيه من قَطْع النكاح الذي
تعلَّقتْ به المصالحُ الدينيةُ والدنيويةُ، والإباحةُ للحاجة إلى الخَلَاصِ، ولا
حاجة إلى الجمع بين الثلاث.
(١) أي ثلاث تطليقات.
(٢) وفي نسخة ٧٨٥هـ من بداية المبتدي زيادة: وقع الطلاق، وبانت منه.
(٣) الحاوي الكبير ٤٣٤/١٠.

١٤٢
باب طَلاق السُنّة
والسَّنَّة في الطلاق من وجهَيْن: سُنَّةٌ في الوقت، وسُنَّةً في العدد،
فالسُّنَّةُ في العدد : يستوي فيها المَدْخولُ بها، وغيرُ المَدْخول بها .
والسَّنَّةُ في الوقت : تَثبتُ في المَدْخول بها خاصةً، وهو أن.
وهي في المُفَرَّق على الأطهار ثابتةٌ؛ نظراً إلى دليلها، والحاجةَ في
نفسها باقيةٌ، فأمكن تصويرُ الدليلِ عليها.
والمشروعيةُ في ذاته، من حيث إنه إزالةُ الرِّقَّ(١): لا تُنافي الحَظْرَ؛
لمعنى في غيره، وهو ما ذكرناه.
وكذا إيقاعُ الثِّتَيْن في الطُّهْر الواحد: بدعةٌ؛ لِمَا قلنا.
واختلفتِ الروايةُ في الواحدة البائنة:
قال في ((الأصل)): إنه أخطأَ السُّنَّةَ؛ لأنه لا حاجةَ إلى إثباتِ صفةٍ زائدةٍ
في الخَلاص، وهي البينونةُ.
وفي ((زيادات الزيادات(٢)): إنه لا يكره؛ للحاجة إلى الخلاص ناجزاً (٣).
قال: (والسُّنَّة في الطلاق من وجهَيْن: سُنَّةٌ في الوقت، وسُنَّةٌ في
العدد، فالسُّنَّةُ في العدد: يستوي فيها المَدْخولُ بها، وغيرُ المَدْخول بها)،
وقد ذكرناها.
قال: (والسُّنَّةُ في الوقت: تَثبتُ في المَدْخول بها خاصةً، وهو أن
(١) أي قيد النكاح.
(٢) زيادات الزيادات (مع شرح السرخسي) ص٢٥، وفي نُسخ: وفي الزيادات،
وينظر البناية ٣٣٠/٦.
(٣) أي في الحال.

١٤٣
باب طَلاق السُّنَّة
يُطَلِّقَها في طُهْرٍ لم یجامِعْها فيه.
وغيرُ المَدخول بها: يُطلِّقُها في حالة الطُّهْر والحيض.
وإذا كانت المرأةُ لا تَحيضُ من صِغَرٍ أو كِبَرِ، فأراد أن يُطلِّقَها ثلاثاً
للسُّنَّة: طلَّقَها واحدةً، فإذا مضى شهرٌ: طلّقَها أخرى، فإذا مضى شهرٌ :
طلَّقَها أخرى.
يُطَلِّقَها في طُهْرٍ لم يجامِعْها فيه)؛ لأن المراعىُّ دليلُ الحاجة، وهو الإقدامُ
على الطلاق في زمانٍ تجدُّد الرغبة، وهو الطَّهْرُ الخالي عن الجماع، أما
زمانُ الحيض: فزمانُ النُّفْرَة، وبالحِمَاعِ مرةً في الطهر: تفتُّرُ الرغبة.
قال: (وغيرُ المَدخول بها: يُطلِقُها في حالة الطُّهْر والحيض).
خلافاً لزفر رحمه الله، هو يقيسُها على المدخولِ بها.
ولنا: أن الرغبةَ في غيرِ المدخول بها صادقةٌ، لا تَقِلّ بالحيض ما لم
ءِ
يُحصِّلْ مقصودَه منها، وفي المدخولِ بها تتجدَّدُ بالطهر.
قال: (وإذا كانت المرأةُ لا تَحيضُ من صِغَرِ أو كِبَرِ، فأراد أن يُطلِّقَها
ثلاثاً للسُّنَّة: طلَّقَها واحدةً، فإذا مضى شهرٌ: طلَّقَها أخرى، فإذا مضى
شهرٌ: طلَّقَها أخرى)؛ لأن الشهرَ في حَقَها قائمٌ مَقامَ الحيض.
قال الله تعالى: ﴿وَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ ... ﴾، إلى أن قال:
﴿وَأَِّى لَمْ يَحِضْنَ ... ﴾. الطلاق/ ٤.
والإقامةُ(١) في حَقِّ الحيضِ خاصَّةً، حتى يُقدَّرُ الاستبراءُ فِي حَقِّها (٢)
(١) أي إقامة الشهر مقامَ الحيض.
(٢) أي في حق الأمة التي لا تحيض من صغر أو كبر.

١٤٤
باب طَلاق السُّنَّة
ويجوز أن يُطلَّقَها، ولا يَفصِلَ بين وطئها وبين طلاقِها بزمانٍ.
بالشهر، وهو (١) بالحيض، لا بالطهر.
ثم إن كان الطلاقُ في أول الشهر: تُعتبرُ الشهورُ بالأهلَّةِ.
وإن كان في وَسَطه: فبالأيام في حَقِّ التفريق، وفي حَقِّ العدة كذلك
عند أبي حنيفة رحمه الله.
وعندهما: يُكمَّلُ الأولُ بالأخير، والمتوسطان بالأهلَّة، وهي مسألةٌ
الإجارات(٢).
قال: (ويجوز أن يُطلِّقَها، ولا يَفصِلَ بين وطئها وبين طلاقِها بزمانٍ).
وقال زفر رحمه الله: يَفصِلُ بينهما بشهرٍ ؛ لقيامِهِ مَقامَ الحيض.
ولأن بالجماع تفتُّوُ(٣) الرغبةُ، وإنما تتجدَّد بزمانٍ، وهو الشهر.
ولنا: أنه لا يُتُوهَّمُ الحَبَلُ فيها، والكراهيةُ في ذوات الحَيْض باعتباره؛
لأن عندَ ذلك يَشتَبِهُ وَجْهُ العِدَّة.
والرغبةُ وإن كانت تفتُ(٤) من الوجه الذي ذكَرَه(٥)، لكن تَكثُرُ من وجهٍ
(١) أي الاستبراء.
(٢) أي مثل مسألة الإجارات على الخلاف المذكور، إذا استأجر داراً شهوراً
معلومةً، أو سنةً في خلال الشهر: فعند أبي حنيفة تكون السنة: ٣٦٠ يوماً، وعندهما:
يكمل الأول بالأخير، وما بينهما معتبرٌ بالأهلَّة. البناية ٣٣٣/٦.
(٣) وفي نُسخ: تَقِلُّ.
(٤) وفي نُسخ: تَقِلُّ.
(٥) أي الإمامُ زفر رحمه الله.

١٤٥
باب طَلاق السُّنَّة
وطلاقُ الحاملِ يجوز عَقِيْبَ الحِماع.
ويُطلِّقُها للسُّة ثلاثاً، يَفْصِلُ بين كلِّ تطليقتَيْن بشهرٍ عند أبي حنيفة
وأبي يوسف رحمهما الله، وقال محمدٌ: لا يُطلَّقُها للسُّنَّة إلا واحدةً.
آخَر؛ لأنه يَرغبُ في وطءٍ غيرِ مُعَلَّقٍ؛ فِراراً عن مُؤَنِ الولد، فكان الزمانُ
زمانَ رغبةٍ، فصار كزمان الحَبَل.
قال: (وطلاقُ الحاملِ يجوز عَقِيْبَ الحِماع)؛ لأنه لا يؤدِّي إلى اشتباه
وجهِ العدة، وزمانُ الحَبَلِ زمانُ الرغبة في الوطء؛ لكونه غيرَ معلَّقٍ، أو
يرغبُ فيها لمكان ولدِهِ منها، فلا تَقِلّ الرغبة بالجماع.
قال: (ويُطلِّقُها للسَُّة ثلاثاً، يَفْصِلُ بين كلٌّ تطليقتَيْن بشهرٍ عند أبي
حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمدٌ) وزفرُ رحمهما الله: (لا يُطلَّقُها للسُّنَّة إلا واحدةً)؛ لأنَّ
الأصلَ في الطلاق الحَظْرُ، وقد وَرَدَ الشرعُ بالتفريق على فصولِ العدة،
والشهرُ في حَقِّ الحاملِ ليس من فصولِها، فصار كالممتَدِّ طُهْرُها.
ولهما: أن الإباحةَ بعِلَّة الحاجة، والشهرُ دليلُها، كما في حَقِّ الآيسة
والصغيرةِ، وهذا لأنه زمانُ تجدُّدِ الرغبة على ما عليه الحِبلَّةُ السليمة،
فِصَلَحَ عَلَماً ودليلاً.
بخلاف المُمتدِّ طُهْرُها؛ لأنَّ العَلَمَ في حَقِّها إنما هو الطُّهْرُ، وهو
مَرْجُوٌّ فيها في كل زمانٍ، ولا يُرجى مع الحَمْلِ(١).
(١) وفي نُسخ: الحَبَل.

١٤٦
باب طَلاق السُّنَّة
وإذا طلَّق الرجلُ امرأتَه في حالةِ الحيضِ : وَقَعَ الطلاقُ، ويُستَحَبُّ له
أن يُراجعَها.
فإذا طَهُرَتْ، وحاضت، ثم طهُرُتْ: فإن شاء طلّقها، وإن شاء أمسكها.
قال رضي الله عنه: وهكذا ذَكَرَ في ((الأصل)).
قال: (وإذا طلَّق الرجلُ امرأتَه في حالةِ الحيضِ: وَقَعَ الطلاقُ)؛ لأن
النهيَ عنه لمعنىّ في غيره، وهو ما ذكرناه، فلا تنعدِمُ مشروعيتُه.
قال: (ويُستَحَبُّ له أن يُراجعَها)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لعمرَ
رضي الله عنه: ((مُرِ ابنَكَ فليراجعْها))(١).
وقد طلَّقها في حالةِ الحيض، وهذا يفيدُ الوقوعَ، والحثّ على الرجعة.
ثم الاستحبابُ قولُ بعضِ المشايخ رحمهم الله.
والأصحُّ أنه واجبٌ(٢)؛ عملاً بحقيقة الأمر(٣)، ورفعاً للمعصية بالقدر
الممكِنِ برفع أثره، وهو العِدَّةُ، ودفعاً لضررِ تطويلِ العدة.
قال: (فإذا طَهُرَتْ، وحاضت، ثم طَهُرَتْ: فإن شاء طلَّقها، وإن شاء
أمسکھا.
قال رضي الله عنه: وهكذا ذَكَرَ في ((الأصل(٤)).
(١) صحيح البخاري (٥٢٥١)، صحيح مسلم (١٤٧١).
(٢) وبهذا يعتمد المصنّفُ غير ما اعتمده القدوري.
(٣) لأن مطلق الأمر: للوجوب حقيقةً. البناية ٦/ ٣٣٧.
(٤) ٣٩٥/٤.

١٤٧
باب طَلاق السُّنَّة
وذَكَرَ الطحاويُّ رحمه الله: أنه يُطلِّقُها في الطُّهْر الذي يلي الحَيْضَةَ.
قال أبو الحسن الكَرْخِيُّ رحمه الله : ما ذَكَرَه الطحاويُّ: قولُ أبي
حنيفة رحمه الله، وما ذُكِرٍ في ((الأصل)): قولُهما.
ومَن قال لامرأته، وهي مِن ذواتِ الحَيْض، وقد دَخَلَ بها :
وذَكَرَ الطحاويُّ(١) رحمه الله: أنه يُطلِّقُها في الطُّهْر الذي يلي الحَيْضَةَ(٢).
قال أبو الحسن الكَرْخِيُّ رحمه الله: ما ذَكَرَه الطحاويُّ: قولُ أبي حنيفة
رحمه الله، وما ذُكِرِ في ((الأصل)): قولُهما).
ووَجْهُ المذكور في ((الأصل)): أن السُّنَّةَ أن يَفصِلَ بين كلِّ طلاقَيْن
بحيضةٍ، والفاصلُ ها هنا بعضُ الحَيْضة، فتُكمَّلُ بالثانية، ولا تتجزّأ،
فتتكاملُ، وإذا (٣) تكامَلَتِ الحيضةُ الثانيةُ: فالطهرُ الذي يليه زمانُ السُّنَّة،
فأمكنَ تطليقُها علىُ وَجْهُ السُّنَّة.
ووَجْهُ القولِ الآخَر: أن أثرَ الطلاقِ قد انعدم بالمراجعة، فصار كأنه لم
يطلِّقْها في الحيض، فيُسَنُّ تطليقُها في الطّهْرِ الذي يليه.
قال: (ومَن قال لامرأته، وهي مِن ذواتِ الحَيْض، وقد دَخَلَ بها:
(١) مختصر الطحاوي ١٩٣.
(٢) وفي نُسخ: الحيض.
(٣) من قوله: وإذا تكاملت ... إلى قوله: على وجه السنة: مثبتٌ في طبعات
الهداية القديمة، وكذلك في نص البناية بطبعتيها: ط ملتان ٣٣٨/٦، و ط دار الفكر
بیروت ٢٠/٥.

١٤٨
باب طَلاق السُّنّة
أنتِ طالقٌ ثلاثاً للسُّنَّة، ولا نِيَّةَ له: فهيَ طالِقٌ عند كلِّ طُهْرِ تطليقةً.
وإن نوى أن تقعَ الثلاثُ الساعةَ، أو عند رأسِ كلِّ شهرٍ تطليقةٌ واحدةٌ :
فهو على ما نوی.
وإن كانت آيسةً، أو من ذوات الأشهُر: وقعتِ الساعةَ واحدةٌ، وبعد
شهرِ: أخرىُ، وبعد شهرٍ: أخرىُ، وإن نوىُ أن تقعَ الثلاثُ الساعةَ: وَقَعْنَ.
أنتِ طالقٌ ثلاثاً للسُّنَّة، ولا نيَّةَ له: فهيَ طالِقٌ عند كلٌّ طُهْرِ تطليقةً)؛ لأن
اللام فيه للوقت، ووقتُ السُّنَّة طُهْرٌ لا جِماعَ فيه.
قال: (وإن نوى أن تقعَ الثلاثُ الساعةَ، أو عند رأسِ كلِّ شهر تطليقةٌ
واحدةٌ: فهو على ما نوى)، سواءً كانت في حالة الحَيْض، أو في حالة
الطُّهْرِ.
وقال زفر رحمه الله: لا تصحُّ نيةُ الجمع؛ لأنه بدعةٌ، وهي ضدُّ السُنَّة.
ولنا: أنه محتَمَلُ لفظِهِ؛ لأنه سُنِّيٌّ وقوعاً من حيث إنَّ وقوعَه بالسُّنَّة،
لا إيقاعاً، فلم يَتَناوَلْه مطلَقُ كلامِهِ، ويَنْتظمُه عند نيَّتِه.
قال: (وإن كانت آيسةً، أو من ذوات الأشهُر: وقعتِ الساعةَ واحدةٌ،
وبعد شهرٍ: أخرى، وبعد شهرٍ: أخرى)؛ لأن الشهرَ في حقُّها دليلٌ
الحاجة، كالطهر في حقِّ ذوات الأقراءِ، على ما بيَّنَا.
قال: (وإن نوى أن تقعَ الثلاثُ الساعةَ: وَقَعْنَ(١)) عندنا، خلافاً لزفر
رحمه الله؛ لِمَا قلنا.
(١) وفي نُسخ: وقعت.

١٤٩
باب طَلاق السُّنَّة
بخلاف ما إذا قال: أنتِ طالقٌ للسُّنَّة، ولم يَنُصَّ على الثلاث، حيث لا
تصِحُّ نيةُ الجملة(١) فيه؛ لأنَّ نيةَ الثلاثِ إنما صحَّت فيه من حيث إن اللام
فیه للوقت، فیفیدُ تعمیم الوقت، ومِن ضرورته: تعمیمُ الواقع فیه، فإذا نوى
الجمعَ: بطل تعميمُ الوقت، فلا تصح نيةُ الثلاث، والله تعالى أعلم.
(١) وفي طبعات الهداية القديمة: الجمع.

١٥٠
فصل
فصلٌ
ويقعُ طلاقُ كلِّ زوجٍ إذا كان عاقلاً، بالغاً.
ولا يقعُ طلاقُ الصبيِّ، والمجنونِ، والنائم، وطلاقُ المُكرَه: واقعٌ.
فصل
في طلاق الصبيِّ والمجنون والمُكرَهِ والسَّكران
قال: (ويقعُ طلاقُ كلِّ زوجٍ إذا كان عاقلاً، بالغاً.
ولا يقعُ طلاقُ الصبيِّ، والمجنونِ، والنائم).
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((كلّ طلاق جائزٌ، إلا طلاقَ الصبيِّ،
والمجنون))(١).
ولأن الأهليةَ بالعقل المميِّز، وهما عديما العقلِ، والنائمُ عديمُ الاختيار.
قال: (وطلاقُ المُكرَه: واقعٌ).
خلافاً للشافعي(٢) رحمه الله.
(١) بهذا اللفظ قال عنه في نصب الراية ٢٢١/٣: حديث غريب، وفي الدراية
٦٩/٢: لم أجده، وبلفظ: ((كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه)): في سنن الترمذي
(١١٩١)، وقال: حديثٌ لا نعرفه إلا من حديث عطاء بن عجلان، وهو ضعيف،
ذاهب الحديث، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم وغيرهم. اهـ
(٢) الحاوي الكبير ٢٣١/١٠.

١٥١
في طلاق الصبيِّ والمجنون والمُكرَهِ والسّكران
وطلاقُ السَّكْرانِ : واقعٌ، وطلاقُ الأخرسِ : واقعٌ بالإشارة.
هو يقولُ: إن الإكراهَ لا يُجامِعُ الاختيارَ، وبه يُعتبرُ التصرُّفُ الشرعيُّ.
بخلاف الهازل؛ لأنه مختارٌ في التكلم بالطلاق.
ولنا: أنه قَصَدَ إيقاعَ الطلاقِ في منكوحتِه في حالِ أهليته، فلا يَعرى
عن قضيته (١)؛ دفعاً لحاجته(٢)؛ اعتباراً بالطائع.
وهذا لأنه عَرَفَ الشرَّيْن(٣)، واختار أهونَهما، وهذا آيةُ القصدِ
311
والاختیار، إلا أنه غير راضٍ بحکمه، وذلك غیرُ مُخِلَ به، کالهازل.
قال: (وطلاقُ السَّكْرانِ: واقعٌ).
واختيارُ الكَرْخِيِّ والطحاويِّ رحمهما الله: أنه لا يقعُ، وهو أحدُ قولي
الشافعي(٤) رحمه الله؛ لأن صحةَ القصد بالعقل، وهو زائلَ العقلِ، فصار
٩
کزواله بالبنْج والدواء.
ولنا: أنه زال بسبب هو معصيةٌ، فجُعِل باقياً حُكْماً؛ زَجْراً له، حتى
لو شرب، فصُدِّعَ، وزال عقله بالصُّداع: نقول: إنه لا يقعُ طلاقُه.
قال: (وطلاقُ الأخرسِ: واقعٌ بالإشارة).
لأنها صارتْ معهودةً، فأُقيمت مَقامَ العبارة؛ دفعاً للحاجة، وستأتيكَ
(١) أي عن حكم الإيقاع.
(٢) أي حاجة المكرَه.
(٣) أي وقوع ما أُكرَه به، وهو الهلاك، أو وقوع الطلاق.
(٤) والمعتمد أنه يقع. الحاوي الكبير ٢٣٦/١٠، ٤١٩.

١٥٢
في طلاق الصبيِّ والمجنون والمُكرَهِ والسّكران
وطلاقُ الأمة : ثِْتان، حرَّاً كان زوجُها أو عبداً.
وطلاقُ الحرَّةِ: ثلاثٌ، حرَّاً كان زوجُها أو عبداً.
وجوهُه في آخر الكتاب(١) إن شاء الله تعالى.
قال: (وطلاقُ الأمة: ثِنْتان، حرَّاً كان زوجُها أو عبداً.
وطلاقُ الحرَّةِ: ثلاثٌ، حرَّاً كان زوجُها أو عبداً).
وقال الشافعيُّ رحمه الله: عددُ الطلاق معتَبرٌ بحال الرجال(٢)؛ لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((الطلاقُ بالرجال، والعِدَّةُ بالنساء))(٣).
ولأن صفةَ المالكية كرامةٌ، والآدميةُ مستدعِيَةٌ لها، ومعنى الآدميةِ في
الحرِّ أكملُ، فكانت مالكيَّتُه أبلغَ وأكثرَ.
ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((طلاقُ الأمة: ثِنتان، وعِدَّتُها: حيضتان))(٤).
(١) أي في آخر كتاب الهداية، لا آخر كتاب الطلاق. البناية ٣٤٨/٦.
(٢) فالعبد يملك ثنتين في الحرة والأمة، والحر يملك ثلاثاً فيهما. الحاوي
الكبير ٩/ ١٩٢.
(٣) قال في التعريف والإخبار ٤٨/٣: قال مخرِّجو الهداية: لم نجده مرفوعاً،
وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٨٢٥١) عن ابن عباس بإسناد صحيح، وعن
غيره، ونقل العلامة قاسم عن ابن العربي في أحكام القرآن ٢٦٠/١ في تفسير قوله
تعالى: ﴿اُلْطََّقُ مَرَّتَانِ﴾ قال: قال الدارقطني: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء. اهـ، ولم أقف عليه في سننه.
(٤) سنن أبي داود (٢١٨٩)، سنن ابن ماجه (٢٠٧٩)، وهو ضعيف، كما في

١٥٣
في طلاق الصبيِّ والمجنون والمُكرَهِ والسّكران
وإذا تزوَّج العبدُ امرأةً بإذن مولاه، ثم طلَّقَها: وَقَعَ طلاقُه عليها، ولا
یقعُ طلاقُ مولاه على امرأته.
ولأن حِلَّ المَحَلِّية نعمةٌ في حقها، وللرِّقِّ أثرٌ في تنصيف النِّعَم، إلا
أن العُقدةَ(١) لا تتجزأ، فتكاملتْ(٢) عُقدتَيْن(٣).
وتأويلُ ما روى: أن الإيقاعَ بالرجال.
قال: (وإذا تزوَّج العبدُ امرأةً بإذن مولاه(٤)، ثم طلَّقَها: وَقَعَ طلاقُه
عليها، ولا يقعُ طلاقُ مولاه على امرأته)؛ لأن مِلْكَ النكاح حَقُّ العبد،
فيكونُ الإسقاطُ إليه، دونَ المولى، والله تعالى أعلم.
البدر المنير ٥٦٧/١٩، وله عدة طرق، وألفاظ متقاربة، وينظر الدراية ٧٠/٢،
التعريف والإخبار ٤٦/٣.
(١) أي عقدة النكاح.
(٢) أي الطلقة.
(٣) وفي نُسخ: عقدتان.
(٤) قوله: بإذن مولاه: مثبتٌ في بداية المبتدي ص٢٣٨، وفي طبعات الهداية
القديمة.

١٥٤
باب إيقاع الطلاق
باب إيقاع الطلاق
الطلاقُ علىُ ضَرْبَيْن : صريحٌ، وكنايةٌ.
فالصريحُ: قولُه : أنتِ طالقٌ، ومُطلَّقَةٌ، وطلَّقْتُكِ، فهذا يقعُ به الطلاقُ
الرجعيُّ، ولا يَفتقِرُ إلى النية، وكذا إذا نوى به الإبانةَ.
ولو نوى الطلاقَ عن وَثَاقٍ : لم يُديَّن في القضاء.
باب إيقاع الطلاق
قال: (الطلاقُ(١) علىُ ضَرْبَيْن: صريحٌ، وكنايةٌ.
فالصريحُ: قولُه: أنتِ طالقٌ، ومُطلَّقةٌ، وطلَّقْتُكِ، فهذا يقعُ به الطلاقُ
الرجعيُّ)؛ لأن هذه الألفاظَ تُستعمَلُ في الطلاق، ولا تُستعمَلُ في غيره،
و
فكان صريحاً، وأنه يُعْقِبُ(٢) الرجعةَ بالنصّ(٣).
(ولا يَفتقِرُ إلى النية)؛ لأنه صريحٌ فيه؛ لغلبة الاستعمال.
(وكذا إذا نوى به الإبانةَ)؛ لأنه قَصَدَ تنجيزَ ما علَّقَه الشرعُ بانقضاء
العِدَّة، فيُرَدُّ علیه.
قال: (ولو نوى الطلاقَ عن وَثَّاقٍ (٤): لم يُديَّن في القضاء)؛ لأنه خلافُ الظاهر.
(١) أي التطليق.
(٢) وضُبطت في نُسخ: يُعَقِّبُ.
(٣) وهو قوله تعالى: ﴿ وَيُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ فِ ذَلِكَ﴾. البقرة / ٢٢٨، سمَّاه:
بَعْلاً، فدلَّ على أن الطلاقَ الرجعيَّ لا يُبطِل الزوجيةَ. البناية ٣٥٣/٦.
(٤) أي عن قيدٍ.

١٥٥
باب إيقاع الطلاق
ويُدیَّنُ فيما بينَه وبينَ الله تعالى.
ولو نوىُ به : الطلاقَ عن العمل : لم يُدِيَّنْ في القضاء، ولا فيما بينه
وبين الله تعالى، ولا يقعُ به إلا واحدةٌ وإنْ نوى أكثرَ من ذلك.
(ويُديَّنُ فيما بينَه وبينَ الله تعالىٌ)؛ لأنه نَوَىُ ما(١) يَحتمِلُه.
قال: (ولو نوى به (٢): الطلاقَ عن العمل: لم يُديَّنْ في القضاء، ولا
فيما بينه وبين الله تعالى)؛ لأن الطلاقَ لرفع القيد، وهي(٣) غيرُ مقيَّدةٍ
بالعمل.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه يُدَيَّنُ فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه (٤)
يُستعمَلُ للتخليص.
ولو قال: أنتِ مُطْلَقةٌ: بتسكين الطاء: لا يكون طلاقاً إلا بالنية؛ لأنها
غيرُ مستعمَلَةٍ فيه عُرْفاً، فلم يكن صريحاً.
قال: (ولا يقعُ به إلا واحدةٌ وإنْ نوىُ أكثرَ من ذلك).
وقال الشافعيّ(٥) رحمه الله: يقعُ ما نوى؛ لأنه محتَمَلُ لفظِهِ، فإنَّ ذِكْرَ
(١) قوله: نوى ما: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة.
(٢) أي نوى بقوله: طالقٌ.
(٣) أي المرأة، وفي نُسخ: وهو غير مقيَّد. قلت: والتذكير محمولٌ على شخص
المرأة.
(٤) أي الطلاق.
(٥) له قولان. مغني المحتاج ٢٧٨/٣.

١٥٦
باب إيقاع الطلاق
وإذا قال: أنتِ الطلاقُ، أو: أنتِ طالِقُ الطلاقَ، أو: أنتِ طالقٌ
طلاقاً : فإن لم تكنْ له نيةٌ، أو نوى واحدةً، أو ثِنْتين: فهي واحدةٌ رجعيةٌ،
وإن نویُ ثلاثاً : فثلاثٌ.
الطالق: ذِكْرٌ للطلاق، لغةً، كذِكْر العالِمِ: ذِكْرٌ للعِلْم، ولهذا يصحُّ قِرانُ
العددِ به(١)، فيكون نَصْباً على التمييز(٢).
ولنا: أنه نعتٌ فَرْدُ(٣)، حتى قيل للمَثْنى: طالقان، وللثلاث: طوالقُ،
فلا يَحتملُ العددَ؛ لأنه ضدُّه.
وذِكْرُ: الطالِقِ: ذِكْرٌ لطلاقِ هو صفةٌ للمرأة، لا لطلاقٍ هو تطليقٌ،
والعددُ الذي يُقْرَنُ به: نعتٌ لمصدر محذوف، معناه: طلاقاً ثلاثاً، كقولِكَ:
أعطيتُه جزيلاً: أي عطاءً جزيلاً.
قال: (وإذا قال: أنتِ الطلاقُ، أو: أنتِ طالِقٌ الطلاقَ، أو: أنتِ طالقٌ
طلاقاً: فإن لم تكنْ له نيةٌ، أو نوى واحدةً، أو ثِنْتين: فهي واحدةٌ رجعيةٌ،
وإن نوى ثلاثاً: فثلاثٌ).
ووقوعُ الطلاقِ باللفظة الثانية والثالثةِ: ظاهرٌ؛ لأنه لو ذَكَرَ النعتَ وحدَه:
يقعُ به الطلاقُ، فإذا ذَكَرَه وذَكَرَ المصدرَ معه، وإنه(٤) يزيدُه وكَادةً: أَوْلى.
(١) أي بقوله: أنت طالق.
(٢) وفي نُسخ: التفسير. وكُتب عليها في النسخ الخطية: أي التمييز.
(٣) وضُبطت في نُسخ: نعتُ فردٍ. بالإضافة.
(٤) أي والحالُ أنَّ ذِكْر المصدر مع النعت يزيدُه وَكَادةً. البناية ٣٥٧/٦.

١٥٧
باب إيقاع الطلاق
٠
وأما وقوعُهُ باللفظة الأُولىُ: فلأنَّ المصدرَ قد يُذكَرُ ويُراد به الاسمُ،
يقال: رجلٌ عَدْلٌ، أي عادِلٌ، فصار بمنزلة قولِه: أنتِ طالقٌ.
وعلى هذا: لو قال: أنتِ طلاقٌ: يقع الطلاقُ به أيضاً، ولا يُحتاجُ فيه
إلى النية.
ويكونُ رجعياً؛ لِمَا بَيَّنَّا أنه صريحُ الطلاق؛ لغلبة الاستعمال فيه.
وتصحُّ نيةُ الثلاثِ فيه؛ لأن المصدرَ يحتمِلُ العمومَ والكثرةَ؛ لأنه اسمُ
جنسٍ، فيُعتَبَرُ بسائر أسماءِ الأجناس، فيتناولُ الأدنى مع احتمال الكلَ.
ولا تصح نيةُ الثُّتَيْن فيها(١).
خلافاً لزفر رحمه الله، هو يقول: إن الثنتين بعضُ الثلاث، فلما
صحَّتْ نيةُ الثلاث: صحَّتْ نيةُ بعضِها ضرورةً.
ونحن نقول: إن نيةَ الثلاثِ إنما صحَّتْ لكونها جنساً، حتى لو كانت
المرأةُ أَمَةً: تصحُّ نيةُ الثنتين؛ باعتبار معنى الجنسية، أما الثنتان في حقِّ
الحرةِ: فعددٌ، واللفظُ لا يحتَمِلُ العددَ.
وهذا لأن معنى التوحُّدِ مُراعىَ في ألفاظِ الوُحْدان، وذلك بالفردية أو
الجنسية، والمَثْنِى بمَعْزلٍ منهما(٢).
(١) أي في المسائل المذكورة. حاشية سعدي على الهداية.
(٢) أي من الفردية والجنسية.

١٥٨
باب إيقاع الطلاق
ولو قال: أنتِ طالقٌ الطلاقَ، وقال: أردتُ بقولي : طالقٌ: واحدةً،
وبقولي : الطلاقَ : أخرىُ : يُصدَّقُ.
وإذا أضاف الطلاقَ إلى جُملِتِها، أو إلى ما يُعبّرُ به عن الجُمْلة: وَقَعَ
الطلاقُ.
وذلك مثلُ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ، أو رقبتُكِ طالقٌ، أو عُنُقُكِ أو
رأسُك أو رُوحُكِ أو بَدَنُكِ أو جسدُكِ أو فَرْجُكِ أو وَجْهُكِ.
قال: (ولو قال: أنتِ طالقٌ الطلاقَ، وقال: أردتُ بقولي: طالقٌ:
واحدةً، وبقولي: الطلاقَ: أخرى: يُصدَّقُ)؛ لأن كلّ واحدٍ منهما صالحٌ
للإيقاع، فكأنه قال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ، فيقعُ رجعيَّتان إذا كانتْ
مَدْخولاً بها.
قال: (وإذا أضاف الطلاقَ إلى جُملتِها، أو إلى ما يُعبَّرُ به عن الجُمْلة:
وَقَعَ الطلاقُ)؛ لأنه أُضيف إلىُ مَحَلِّه.
(وذلك مثلُ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ)؛ لأن التاءَ ضميرُ المرأة، (أو)
يقولَ: (رقبتُكِ طالقٌ، أو عُنُقُكِ) طالقٌ، (أو رأسُك) طالقٌ، (أو رُوحُكِ أو
بَدَنُكِ أو جسدُكِ أو فَرْجُكِ أو وَجْهُكِ)؛ لأنه يُعبَّرُ بها عن جميع البدن.
أما الجسد والبدن: فظاهرٌ، وكذلك غيرُهما.
قال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. المجادلة / ٣.
وقال تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ﴾. الشعراء / ٤.

١٥٩
باب إيقاع الطلاق
وكذلك إن طلَّق جُزْءاً شائعاً منها، مثلُ أن يقولَ: نصفُكِ أو ثُلُئُكِ
طالقٌ، ولو قال: يدُكِ طالقٌ، أو رِجْلُكِ طالقٌ: لم يقعِ الطلاقُ.
وقال عليه الصلاة والسلام: (لَعَنَ الله الفُروجَ على السُّرُوج))(١).
ويُقال: فلانٌ رأسُ القوم، ويا وَجْهَ العرب، وهَلَكَ روحُه: بمعنى: نفسُه.
ومن هذا القَبِيل: الدمُ، في روايةٍ، يُقال: دَمُه هَدَرٌ.
ومنه: النفسُ، وهو ظاهرٌ.
قال: (وكذلك إن طلَّق جُزْءاً شائعاً منها، مثلُ أن يقولَ: نصفُكِ أو
ثُلَتُكِ طالقٌ)؛ لأن الجزءَ الشائعَ مَحَلٌّ لسائر التصرفات، كالبيع وغيرِهِ،
فكذا يكونُ مَحَلاً للطلاق، إلا أنه لا يتجزّ في حقِّ الطلاق، فيثبتُ في
الكلِّ ضرورةً.
قال: (ولو قال: يدُكِ طالقٌ، أو رِجْلُكِ طالقٌ: لم يقع الطلاقُ).
وقال زفر والشافعيّ(٢) رحمهما الله : يقعُ.
وكذا الخلافُ في كلِّ جزءٍ معيَّنٍ لا يُعبَّرُ به عن جميع البدن.
لهما: أنه جزءٌ مستَمتَعٌ بعقد النكاح، وما هذا حاله: يكون مَحَلاَّ لحُكْمـ
النكاح، فيكون مَحَلاَّ للطلاق، فيثبتُ الحكمُ فيه؛ قضيةً للإضافة(٣)، ثم
يَسْرِي إلى الكلّ، كما في الجزءِ الشائع.
(١) قال في نصب الراية ٢٢٨/٣: غريب جداً، وفي الدراية ٧١/٢: لم أجده.
(٢) الحاوي الكبير ١٠/ ٣٤١.
(٣) أي توفيةً لحقِّ إضافة الطلاق فيه.

١٦٠
باب إيقاع الطلاق
وإن طلّقَها نصْفَ تطليقةٍ، أو ثُلُثَها : كانت طالِقاً تطليقةً واحدةً.
ولو قال لها : أنتِ طالقٌ ثلاثةَ أنصافٍ تطليقتَيْن: فهي طالقٌ ثلاثاً.
بخلاف ما إذا أُضيفَ إليه النكاحُ؛ لأنَّ التعدِّي ممتَنِعٌ، إذِ الحُرْمةُ في
سائر الأجزاء تَغْلِبُ الحِلّ في هذا الجزء، وفي الطلاقِ: الأمرُ على القلب.
ولنا: أنه أضاف الطلاقَ إلى غير مَحَلَّه، فَيَلْغُو، كما إذا أضافه إلى
رِيْقِها، أو ظُفُرها.
وهذا لأن مَحَلَّ الطلاق ما يكون فيه القيدُ؛ لأنه يُنْبِئُ عن رَفْعِ القيدِ،
ولا قیدَ في الید.
ولهذا لا تصحُّ إضافةُ النكاحِ إليه، بخلاف الجزءِ الشائع؛ لأنه مَحَلٌ
للنكاح عندنا، حتى تصحُّ إضافتُه إليه، فكذا يكون مَحَلاً للطلاق.
واختلفوا في الظَّهْرِ، والبطنِ، والأظهرُ: أنه لا يصحُّ؛ لأنه لا يُعبَّرُ بهما
عن جمیع البدن.
قال: (وإن طلّقَها نصْفَ تطليقةٍ، أو ثُلُثَها: كانت طالِقاً تطليقةً
واحدةً)؛ لأن الطلاقَ لا يتجزَّ، وذِكْرُ بعضِ ما لا يتجزّأَ: كذِكْرِ الكلَ.
وكذا الجوابُ في كلَّ جزءٍ سمَّه؛ لِمَا بيَّنَا.
قال: (ولو قال لها: أنتِ طالقٌ ثلاثةَ أنصافِ تطليقتَيْن: فهي طالقٌ
ثلاثاً)؛ لأن نصفَ التطليقتَيْن: تطليقةٌ، فإذا جُمِعَ بين ثلاثةِ أنصاف: تكون
ثلاثُ تطليقات؛ ضرورةً.