Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
نكاح أهلِ الشِّرْكِ
ثم إن كان الزوجُ هو المرتدُّ : فلها كلَّ المهر إن دَخَلَ بها، ونصفُ
المهر إن لم يدخل بها.
وإن كانت هي المرتدَّةُ: فلها كلَّ المهرِ إن دَخَلَ بها، وإن لم يدخل
بها : فلا مهرَ لها، ولا نفقةً.
وإذا ارتدَّا معاً، ثم أسلما معاً: فهما على نكاحهما.
ووَجْهُ الفَرْقِ: أن الردَّةَ منافيةٌ للنكاح؛ لكونها منافيةً للعصمة، والطلاقُ
رافِعٌ، فتعذَّرَ أن تُجعَلَ طلاقاً.
بخلاف الإباء؛ لأنه يُقوِّتُ الإمساكَ بالمعروف، فيجبُ التسريحُ
بالإحسان، على ما مرَّ.
ولهذا تتوقّف الفُرقةُ بالإباء على القضاء، ولا تتوقَّفُ بالردة.
قال: (ثم إن كان الزوجُ هو المرتدُّ: فلها كلُّ المهرِ إن دَخَلَ بها،
ونصفُ المهر إن لم يدخل بها.
وإن كانت هي المرتدَّةُ: فلها كلّ المهر إن دَخَلَ بها، وإن لم يدخل
بها: فلا مهرَ لها، ولا نفقةَ)؛ لأن الفُرْقةَ من قِبَلِها.
قال: (وإذا ارتدًّا معاً، ثم أسلما معاً: فهما على نكاحهما)؛ استحساناً.
وقال زفر رحمه الله: يبطلُ بالردة؛ لأن ردَّةَ أحدِهما منافيةً، وفي
ردتهما: ردَّةُ أحدِهما.
ولنا: ما رُوي أن بني حَنِيْفةَ ارتدُّوا، ثم أسلموا، ولم يأمرهمُ الصحابةُ

١٢٢
نكاح أهلِ الشِّرْكِ
ولو أسلم أحدُهما بعد الارتدادِ قبلَ الآخر : فَسَدَ النكاحُ بينهما.
رضوان الله عليهم أجمعين بتجديد الأنكحة(١)، والارتدادُ منهم واقعٌ معاً؛
لجهالة التاريخ.
قال: (ولو أسلم أحدُهما بعد الارتدادِ قبلَ الآخَر: فَسَدَ النكاحُ
بينهما)؛ لإصرار الآخَرِ على الردَّةِ؛ لأنه مُنَافٍ، كابتدائها، والله تعالى
أعلم بالصواب.
(١) قال في نصب الراية ٢١٣/٣: غريبٌ، وقال ابن حجر في الدراية ٦٦/٢:
مأخوذٌ من الاستقراء.

١٢٣
باب القَسْم
باب القَسْم
وإذا كان الرجل امرأتان حُرَّتان : فعليه أن يَعْدِلَ بينهما في القَسْمِ،
بِكْرَيْن كانتا، أو ثَيَِّيْن، أو كانت إحداهما بِكْراً، والأخرى ثيِّياً.
باب القَسْم
قال: (وإذا كان للرجل امرأتان حُرَّتان: فعليه أن يَعْدِلَ بينهما في
القَسْم، بِكْرَيْن كانتا، أو ثَيَِّيْن، أو كانت إحداهما بِكْراً، والأخرى ثيِّياً).
لقول النبيِّ عليه الصلاة والسلام: ((مَن كانت له امرأتان، ومالَ إلى
إحداهما في القَسْم: جاء يومَ القيامةِ وشِقُّه مائلٌ(١))(٢).
وعن عائشةَ رضي الله عنها أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام كان يَعدِلُ
في القَسْم بين نسائه، وكان يقولُ: ((اللهمَّ هذا قَسْمي فيما أملِكُ، فلا
تؤاخِذْني فيما لا أَملِك)»(٣)، يعني زيادةَ المحبةِ، ولا فَصْلَ فيما روينا.
والقديمةُ، والجديدةُ فيه: سواءً؛ لإطلاق ما روینا.
ولأن القَسْمَ من حقوقِ النكاح، ولا تفاؤُتَ بينهنَّ في ذلك.
(١) أي مفلوجٌ. حاشية سعدي، نقلاً الزيلعي في تبيين الحقائق ١٧٩/٢.
(٢) سنن أبي داود (٢١٣٣)، سنن الترمذي (١١٤١)، وصححه ابن حبان
(٤٢٠٥)، وينظر التلخيص الحبير ٢٠١/٣، نصب الراية ٢١٤/٣.
(٣) سنن أبي داود (٢١٣٤)، سنن الترمذي (١١٤٠)، وصححه ابن حبان
(٤٢٠٥)، الدراية ٦٦/٢.

١٢٤
باب القَسْم
وإن كانت إحداهما حُرَّةً، والأخرىُ أَمَةً: فللحرَّةِ: الثلثان من القَسْم،
وو و
وللأَّمَةِ : الثُّلُثُ.
ولا حَقَّ لهنَّ في القَسْم حالةَ السفر، فيسافِرُ الزوجُ بمَن شاء منهن،
والأَّوْلى أن يُقْرِعَ بينهنَّ، فيسافِرُ بمَن خَرجَتْ قُرْعتُها.
والاختيارُ في مقدار الدَّوْر(١) إلى الزوج؛ لأن المستَحَقَّ هو التسويةُ،
دونَ طريقه(٢).
والتسويةُ المستَحَقّةُ: في البيتوتة، لا في المجامَعة؛ لأنها تُبْتَى على النشاط.
قال: (وإن كانت إحداهما حُرَّةً، والأخرى أَمَةً: فللحرَّةِ: الثلثان من
القَسْم، وللأَمَةِ: الثُلُثُ)، بذلك وَرَدَ الأثرُ(٣).
ولأن حِلَّ الأَمَةِ أنقصُ من حِلِّ الحرة(٤)، فلا بدَّ من إظهار النقصان في
الحقوق.
والمكاتبةُ، والمدبّرةُ، وأُمُّ الولدِ: بمنزلة الأمة؛ لأن الرِّقَّ فيهنَّ قائمٌ.
قال: (ولا حَقَّ لهنَّ في القَسْم حالةَ السفر، فيسافِرُ الزوجُ بمَن شاء
منهن، والأَوْلىُ أن يُقْرِعَ بينهنَّ، فيسافِرُ بمَن خَرَجَتْ قُرْعتُها).
(١) يعني إن شاء ثلَّث لكل واحدةٍ، وإن شاء سبَّع لكل واحدة، إلى غير ذلك.
(٢) أي طريق العدل، وفي نُسخ: طريقها. أي طريق التسوية. البناية ٢٨٧/٦.
(٣) روي من قول علي رضي الله عنه في سنن سعيد بن منصور (٧٣٨)، وينظر
الدراية ٢ / ٦٧.
(٤) لأنها على النصف من الحرة في غالب الحقوق.

١٢٥
باب القَسْم
وإِن رَضِيَتْ إحدىُ الزوجات بترك قَسْمِها لصاحبتِها : جاز.
ولها أن ترجعَ في ذلك.
وقال الشافعيُّ رحمه الله: القُرْعَةُ مستَحَقَّهُ (١)؛ لِمَا روي أن النبي عليه
الصلاة والسلام كان إذا أراد سفراً: أَقْرَعَ بين نسائه(٢).
إلا أنَّا نقول: إن القُرْعَ لتطييب قلوبِهنَّ؛ فيكون من باب الاستحباب.
وهذا لأنه لا حقَّ للمرأة عند مسافرةِ الزوج، ألا يُرى أنَّ له أن لا يستصحِبَ
واحدةً منهنَّ، فكذا له أن يسافِرَ بواحدةٍ منهن، ولا يُحتَسبُ عليه بتلك المدة.
قال: (وإن رَضِيَتْ إحدى الزوجات بترك قَسْمِها لصاحبتها: جاز).
لأن سَوْدَةَ بنتَ زَمْعة رضي الله عنها سألت رسولَ الله عليه الصلاة
والسلام أن يراجعَها، وتَجعلَ يومَ نَوْبتها لعائشة رضي الله عنها(٣).
(ولها أن ترجعَ في ذلك)؛ لأنها أسقطتْ حَقّاً لم يجبْ بعدُ، فلا
يسقطُ بإسقاطها، والله تعالى أعلم.
(١) أي مستحقة في السفر أيضاً. الحاوي الكبير ٩/ ٥٩٢.
(٢) صحيح البخاري (٢٥٩٣)، صحيح مسلم (٢٤٤٥).
(٣) قال في الدراية ٦٧/٢: لم أجده هكذا، ولم أقف في خبرِ قط أن سودة
طُلِّقت إلا ما رواه العطارديُّ في زيادات السيرة، وهذا مرسلٌ أخرجه البيهقي
(١٣٤٣٥)، والذي في الصحيحين (خ: ٢٥٩٣، م: ١٤٦٣) أنها لَمَّا كبرت سِتُّها
جعلت يومها لعائشة رضي الله عنه. اهـ، وكذلك في نصب الراية ٢١٦/٣.
تعقب هذا في التعريف والإخبار ٣٨/٣ فقال: استغربه المخرِّجون، وهو في الآثار لمحمد،
ومسند أبي حنيفة لابن خسرو مرسلاً، وأخرج الحارثي بعضَه، وينظر فتح القدير ٣٠٢/٣.

١٢٦
کتاب الرَّضاع
کتاب الرَّضاع
قليلُ الرَّضاع، و کثیرُه : سواءٌ.
إذا حَصَلَ في مدة الرَّضاع : تَعَلَّقَ به التحريمُ.
کتاب الرَّضاع
قال: (قليلُ الرَّضاع، وكثيرُه: سواء.
إذا حَصَلَ في مدة الرَّضاع: تَعَلَّقَ به التحريمُ).
وقال الشافعيّ(١) رحمه الله: لا يثبتُ التحريمُ إلا بخمسِ رَضَعَات.
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ ولا المَصَّتَان، ولا
الإملاجةُ ولا الإملاجتان))(٢).
ولنا: قولُه تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىَ أَرْضَعْنَكُمْ﴾. الآية. النساء / ٢٣.
وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((يَخْرُمُ من الرضاع: ما يَحْرُمُ من النَّسَب))(٣).
من غير فَصْلٍ.
(١) الحاوي الكبير ٣٦٩/١١.
(٢) بهذا اللفظ في صحيح ابن حبان (٤٢٢٦) عن عبد الله بن الزبير عن أبيه،
وبالشطر الأول في صحيح مسلم (١٤٥٠) عن عائشة رضي الله عنها، وبالشطر الثاني
في صحيح مسلم (١٤٥١) عن أم الفضل رضي الله عنها.
(٣) صحيح البخاري (٢٦٤٥)، صحيح مسلم (١٤٤٤).

١٢٧
کتاب الرَّضاع
ثم مدةُ الرضاع : ثلاثونَ شهراً عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا : سَنَتَان.
ولأن الحُرمةَ وإن كانت لشُبْهَةِ البَعْضيّة الثابتةِ بنشوز العَظْمِ، وإنباتٍ
اللحم، لكنه أمرٌ مُبَطَّنٌ(١)، فتعلَّق الحكمُ بفعل الإرضاع.
وما رواه (٢): مردودٌ بالكتاب(٣)، أو منسوخٌ به.
وينبغي أن يكونَ في مدة الرضاع؛ على ما نُبيِّن إن شاء الله تعالى.
قال: (ثم مدةُ الرضاع: ثلاثونَ شهراً عند أبي حنيفة رحمه الله.
وقالا: سَنَتَان)، وهو قولُ الشافعي(٤) رحمه الله.
وقال زفرُ رحمه الله: ثلاثةُ أحوالٍ؛ لأن الحولَ حَسَنُ(٥) للتحوّل من
حالٍ إلى حالٍ، ولا بدَّ من الزيادة على الحولين؛ لِمَا نُبِّنُ(٦)، فتُقَدَّر به(٧).
ولهما: قولُه تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ، وَفِصَلُهُ تَلَثُونَ شَهْرًا﴾. الأحقاف / ١٥.
ومدةُ الحَمْلِ: أدناها: ستةُ أشهر، فبقِيَ للفِصال حولان.
(١) أي فيه خفاء. البناية ٢٩٥/٦.
(٢) أي الإمام الشافعي رحمه الله.
(٣) لأن العمل بالكتاب أقوى، على تقدير أن يكون الكتاب قبله، أو يكون
الحديث منسوخاً بالكتاب إن كان بعده. البناية ٢٩٥/٦.
(٤) كفاية الأخيار ٢٥٩/٢.
(٥) أي صالحٌ البناية ٢٩٨/٦.
(٦) أي عند بيان وجه قول أبي حنيفة الآتي، وأن المدة عنده سنتان ونصف.
(٧) أي بالحول، زيادةً على السنتين.

١٢٨
کتاب الرَّضاع
وإِذا مَضَتْ مدةُ الرضاع: لم يَتَعلَّقْ بالرضاع تحريمٌ.
وقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام. ((لا رضاعَ بعد حولَيْن))(١).
وله(٢): هذه الآية، ووَجْهُه: أنه تعالىُ ذَكَرَ شيئَيْن(٣)، وضَرَبَ لهما
مدةً، فكانتْ لكلّ واحدٍ منهما بكمالها، كالأجل المضروب للدَّيْنَيْن، إلا
أنه قام المنَقَصُ في أحدِهما، فبقيَ في الثاني على ظاهرِه (٤).
ولأنه لا بدَّ من تغيُّرِ الغِذاء؛ لينقطعَ الإنباتُ باللبن، وذلك بزيادةِ مدةٍ
يتعوَّدُ الصبيُّ فيها غيرَه، فقُدِّرَتْ بأدنى مدةِ الحَمْل؛ لأنها مُغيِّرَةٌ، فإن غِذاءً
الجنين يُغايرُ غِذاءَ الرضيع، كما يُغايِرُ غِذاءَ الفطيم.
والحديثُ: محمولٌ على مدةِ الاستحقاق(٥)، وعليه يُحمَلُ النصُّ المقيّد
بحولين في الكتاب.
قال: (وإذا مَضَتْ مدةُ الرضاع: لم يَتَعلَّقْ بالرضاع تحريمٌ).
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا رَضاعَ بعد الفِصَال(٦))(٧).
(١) روي في سنن الدارقطني (٤٣٦٤) مرفوعاً بلفظ: ((لا رضاع إلا ما كان في
الحولين)»، وروي موقوفاً عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما، الدراية ٦٨/٢.
(٢) أي للإمام أبي حنيفة رحمه الله.
(٣) أي الحمل والفصال.
(٤) أي فبقي الثاني وهو الفصال على ظاهره، وهو ثلاثون شهراً.
(٥) أي نفقة الرضاع المستحق.
(٦) أراد به حكمه. حاشية نسخة ٧٩٧هـ.
(٧) مصنف عبد الرزاق (١٣٨٩٩)، وفيه ضعفٌ، التعريف والإخبار ٤١/٣.

١٢٩
کتاب الرَّضاع
ويَحْرُمُ من الرضاع: ما يَحرُمُ من النَّسَب.
إلا أُمَّ أختِهِ من الرضاع، فإنه يجوزُ أن يَتزوَّجَها، ولا يجوزُ أن يتزوَّجَ أُمَّ
أخته من النسب.
ولأن الحُرْمَةَ باعتبار النشوء، وذلك في المدة، إذِ الكبيرُ لا يَتَرَبَّى به.
ولا يُعتبر الفِطَام قبلَ المدة(١)، إلا في روايةٍ عن أبي حنيفة رحمه الله
إذا استغنى عنه.
ووَجْهُهُ (٢): انقطاعُ النشوءِ بتغيُّر الغذاء.
٥٠ و (٢)
وهل يُباحُ الإرضاعُ بعد المدة(٣)؟
قد قيل: لا يُباحُ؛ لأن إباحتَه ضروريةٌ؛ لكونه جزءً الآدمى (٤).
قال: (وَيَحْرُمُ من الرضاع: ما يَحرُمُ من النَّسَب)؛ للحديث الذي رويناه.
(إلا أُمَّ أختِهِ من الرضاع، فإنه يجوزُ أن يَتزوَّجَها، ولا يجوزُ أن يتزوَّجَ
أَمَّ أخته من النسب)؛ لأنها تكون أُمَّه، أو موطوءةَ أبيه، بخلاف الرضاع.
(١) حتى لو فُطِم الصبيُّ قبل الحولين، ثم أُرضع في مدة ثلاثين شهراً عنده،
وحولین عندهما: تثبت به الحرمة.
(٢) أي وجه القول الثاني عن أبي حنيفة رحمه الله.
(٣) أي بعد السنتين على قولهما، وبعد ثلاثين شهراً على الإمام. قال في
الاختيار ١١٨/٣ : فيه خلافٌ.
(٤) اقتصر المصنف رحمه الله على القول بالتحريم، وصحَّحه في البحر الرائق
٢٣٩/٣، وكذلك صاحب النهر الفائق ٣٠٠/٢، في حين أنَّ صاحب التنبيه على
مشكلات الهداية ١٢٧٧/٣، تعقَّب صاحبَ الهداية، ورأى باجتهاده إباحته.

١٣٠
کتاب الرَّضاع
ويجوزُ أن يتزوجَ أختَ ابنه من الرضاع، ولا يجوزُ ذلك من النسب.
وامرأةُ أبيه، وامرأةُ ابنه من الرضاع: لا يجوزُ أن يتزوَّجَهما، كما لا
يجوزُ ذلك من النسب.
ولبنُ الفحلِ يتعلَّقُ به التحريمُ، وهو أن تُرضِعَ المرأةُ صبيَّةً، فتَحِرُمُ
هذه الصبيةُ على زوجها، وعلى آبائه، وأبنائه، ويصيرُ الزوجُ الذي نَزَلَ لها
منه اللبنُ: أباً للمُرْضَعَة.
قال: (ويجوزُ أن يتزوجَ أختَ ابنِه من الرضاع، ولا يجوزُ ذلك من
النسب)؛ لأنه لَمَّا وطِئءَ أمَّها: حَرُّمتْ عليه، ولم يوجد هذا المعنى في
الرضاع.
قال: (وامرأةٌ أبيه، وامرأةً(١) ابنه من الرضاع: لا يجوزُ أن يتزوَّجَهما(٢)،
كما لا يجوزُ ذلك من النسب)؛ لِمَا روینا.
وذِكْرُ الأصلابِ في النص(٣): لإسقاطِ اعتبار التبِّي، على ما بيَّنَّه.
قال: (ولبنُ الفحلِ(٤) يتعلَّقُ به التحريمُ، وهو أن تُرضِعَ المرأةُ صبيَّةً،
فَتَحرُمُ هذه الصبيةُ على زوجها، وعلى آبائه، وأبنائه، ويصيرُ الزوجُ الذي
نَزَلَ لها منه اللبنُ: أباً للمُرْضَعَة).
(١) وفي نُسَخ: أو امرأة.
(٢) وفي نُسَخ: أن يتزوجها.
(٣) أي في قوله تعالى: ﴿وَحَلَبِلُ أَبْنَابِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾
النساء / ٢٣.
(٤) من باب إضافة الشيء إلى سببه؛ لأن سبب اللبن هو الفحل.

١٣١
کتاب الرَّضاع
ويجوز أن يتزوَّجَ الرجلُ بأختِ أخيه من الرضاع، كما يجوزُ أن يتزوجَ
الرجلُ بأخت أخيه من النسب، وذلك مثلُ الأخ من الأبِ إذا كانت له
أختُ من أُمِّه: جاز لأخيه من أبيه أن يتزوَّجها .
وكلَّ صبيّيْن إذا اجتمعا على ثدي امرأةٍ واحدةٍ : لم يجزْ لأحدِهما أن
یتزوج بالأخرى.
وفي أحدِ قولي الشافعي رحمه الله: لبنُ الفحلِ لا يُحَرِّمُ (١)؛ لأن
الحرمةَ لشُّبْهة البَعْضِيَّة، واللبنُ بعضُها، لا بعضُه، ولنا: ما روينا.
والحرمةُ بالنسب من الجانبَيْن، فكذا بالرضاع.
وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها: (ليَلِجْ عليكِ أفلَحُ،
فإنه عمُّك من الرضاعة))(٢).
ولأنه سببٌ لنزول اللبنِ منها، فيُضافُ إليه في موضع الحرمة؛ احتياطاً.
قال: (ويجوز أن يتزوَّجَ الرجلُ بأختِ أخيه من الرضاع، كما(٣) يجوزُ
أن يتزوجَ الرجلُ بأخت أخيه من النسب، وذلك مثلُ الأخِ من الأبِ إذا
كانت له أختٌ من أُمِّه: جاز لأخيه من أبيه أن يتزوَّجها.
وكلُّ صبيَّيْنَ(٤) إذا اجتمعا على ثدي امرأةٍ واحدةٍ: لم يجزْ لأحدِهما أن
يتزوج بالأخرى)، هذا هو الأصلُ؛ لأن أمَّهما واحدةٌ، فهما أخٌ وأختٌ.
(١) على الصحيح. كفاية الأخيار ٢٥٧/٢.
(٢) صحيح البخاري (٥٢٣٩)، صحيح مسلم (١٤٤٥).
(٣) وفي نُسخ: لأنه.
(٤) أراد بهما الصبي والصبية بطريق التغليب. البناية ٣٠٧/٦.

١٣٢
کتاب الرَّضاع
ولا يتزوجُ المُرْضَعَةَ أحدٌ من ولدِ التي أرضعتْ، ولا ولدٍ ولدِها.
ولا يتزوَّجُ الصبيُّ المرضَعُ أختَ زوجِ المرضِعة؛ لأنها عمَّتُه من
الرضاع.
وإذا اختلط اللبنُ بالماء، واللبنُ هو الغالِبُ: تعلَّق به التحريمُ.
وإن غلب الماءُ : لم يتعلَّق به التحریمُ.
قال: (ولا يتزوجُ المُرْضَعَةَ أحدٌ(١) من ولدِ التي أرضعتْ)؛ لأنه
أخوها.
(ولا ولدٍ ولدِها)؛ لأنه ولدُ أخيها.
قال: (ولا يتزوَّجُ الصبيُّ المرضَعُ أختَ زوجِ المرضِعة؛ لأنها عمَّتُه من
الرضاع.
وإذا اختلط اللبنُ بالماء، واللبنُ هو الغالِبُ: تعلَّق به التحريمُ.
وإن غلب الماء: لم يتعلَّق به التحريمُ).
خلافاً للشافعي(٢) رحمه الله، هو يقولُ: إنه موجودٌ فيه حقيقةً.
ونحن نقول: المغلوبُ غيرُ موجودٍ حُكْماً، حتى لا يَظهَرُ في مقابلة
الغالب، كما في اليمين (٣).
(١) وفي نُسَخ: ولا تتزوَّج المرضَعَةُ أحداً. اهـ. قلت: والمعنى واحد.
(٢) مغني المحتاج ٤١٥/٣.
(٣) بأن حلف لا يشرب اللبنَ، فشرب لبناً مغلوباً بماء: لا يحنث. البناية ٣٠٨/٦.

١٣٣
کتاب الرَّضاع
وإن اختَلَطَ بالطعام: لم يَتَعلَّقْ به التحريمُ وإن كان اللبنُ غالباً عند أبي
حنيفة رحمه الله، وقالا : إذا كان اللبنُ غالباً : يتعلَّقُ به التحريمُ.
وإن اختلط بالدواءِ، واللبنُ غالبٌ: تعلَّق به التحريمُ.
وإذا اختلط اللبنُ بلبن الشاة، وهو الغالِبُ: تعلَّقَ به التحريمُ، وإن
غلب لبنُ الشاة : لم يتعلَّقْ به التحريمُ.
قال: (وإن اختَلَطَ بالطعام: لم يَتَعلَّقْ به التحريمُ وإن كان اللبنُ غالباً
عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: إذا كان اللبنُ غالباً: يتعلَّقُ به التحريمُ).
قال رضي الله عنه: قولُهما فيما إذا لم تَمَسَّه النارُ، حتى لو طُبِخَ بها:
لا يتعلَّقُ به التحريمُ، في قولهم جميعاً.
لهما: أن العبرةَ للغالِب، كما في الماء إذا لم يُغَيِّرْه شيء عن حاله.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الطعامَ أصلٌ، واللبنُ تابعٌ له في حقٍّ
المقصود، فصار كالمغلوب.
ولا معتبرَ بتقاطرِ اللبنِ من الطعام عنده، هو الصحيحُ؛ لأن التغذِّي
بالطعام، إذ هو الأصل.
قال: (وإن اختلط(١) بالدواءِ، واللبنُ غالبٌ: تعلَّق به التحريمُ)؛ لأن
و
اللبنَ يبقى مقصوداً فيه، إذِ الدواءَ لتقويتِه على الوصول.
قال: (وإذا اختلط اللبنُ بلبن الشاة، وهو الغالِبُ: تعلَّقَ به التحریمُ،
وإن غَلَبَ لبنُ الشاة: لم يتعلَّقْ به التحريمُ)؛ اعتباراً للغالب، كما في الماء.
(١) وفي نُسخ: خُلِط.

١٣٤
کتاب الرَّضاع
وإذا اختلط لبنُ امرأتَيْن : تعلَّق التحريمُ بأغلبهما عند أبي يوسف
رحمه الله، وقال محمدٌ : يتعلَّقُ التحريمُ بهما .
وإِذا نَزَلَ للبِكْر لبنٌ، فَأَرضَعَتْ به صبياً: تعلَّق به التحريمُ.
وإذا حُلِبَ لبنُ المرأة بعد موتِها، فَأُوْجِرَ به الصبيُّ: تعلَّقَ به التحريمُ.
قال: (وإذا اختلط لبنُ امرأتَيْن: تعلَّق التحريمُ بأغلبهما عند أبي يوسف
رحمه الله)؛ لأن الكلّ صار شيئاً واحداً، فيُجعَلُ الأقلّ تابعاً للأكثر في بناء
الحکم علیه.
(وقال محمدٌ) وزفرُ رحمهما الله: (يتعلَّقُ التحريمُ بهما)؛ لأن الجنسَ لا
يَغْلِبُ الجنسَ، فإنَّ الشيءَ لا يصيرُ مستهلكاً في جنسِه؛ لاتحاد المقصود.
وعن أبي حنيفة رحمه الله في هذا روايتان.
وأصلُ المسألة في الأَيْمان.
قال: (وإذا نَزَلَ للبِكْر لبنٌّ، فأَرضَعَتْ به صبياً: تعلَّق به التحريمُ)؛
(١)
لإطلاق النصّ(١).
ولأنه سببُ النشوء، فتثبُتُ به شبهةُ الْبَعْضِيَّة.
قال: (وإذا حُلِبَ لبنُ المرأةِ بعد موتِها، فَأُوْجِرَ به الصبيُّ(٢): تعلَّقَ به
التحریمُ).
(١) وهو قوله تعالى: ﴿ وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾. النساء/ ٢٣.
(٢) بفتح الياء، وضمِّها، هكذا ضبطها العلامة سعدي جلبي بخطه في حاشيته
على الهداية، وكتب فوق الفتحة والضمة: معاً. وينظر البناية ٣١٢/٦.

١٣٥
کتاب الرَّضاع
وإذا احْتُقِنَ الصبيُّ باللبن : لم يتعلَّقْ به التحريمُ.
خلافاً للشافعي(١) رحمه الله.
هو يقولُ: الأصلُ في ثبوتِ الحُرمةِ إنما هو المرأةُ، ثم تتعدى إلى
غيرِها بواسطتها، وبالموت لم تَبْقَ مَحَلاً لها، ولهذا لا يوجبُ وطؤها
حُرمةَ المصاهرة.
ولنا: أن السببَ هو شُبْهةُ الجزئية، وذلك في اللبن؛ لمعنى الإنشاز(٢)
والإنبات، وهو قائمٌ باللبن.
وهذه الحرمةُ تَظهرُ في حَقِّ الميتة دَفْناً وتَيْمِيماً(٣).
أما الحُرمةُ(٤) في الوطء: لكونه ملاقياً لمَحَلِّ الحَرْث، وقد زال
بالموت، فافترقا.
قال: (وإذا احْتُقِنَ الصبيُّ باللبن: لم يتعلَّقْ به التحريمُ).
وعن محمد رحمه الله: أنه تثبتُ به الحُرمةُ، كما يفسُدُ به الصومُ.
ووَجْهُ الفرقِ على الظاهر: أن المفسِدَ في الصوم: إصلاحُ البدن،
ويوجَدُ ذلك في الدواء، فأما المُحَرِّمُ في الرضاع: فمعنى النشوء، ولا
يوجَدُ ذلك في الاحتقان؛ لأن المغذَّيَ وصولُه من الأعلىُ.
(١) مغنى المحتاج ٤١٥/٣.
(٢) وفي نُسخ: الانتشار.
(٣) وفي نُسخ: تيمُّماً. أي من ناحية الجواز، فيجوز له دفنُها وتيميمُها. البناية ٣١٣/٦.
(٤) وفي نُسخ: الجزئية.

١٣٦
کتاب الرَّضاع
وإذا نَزَلَ للرجلِ لَبَنٌ، فأرضَعَ به صبياً: لم يتعلَّق به التحريمُ.
وإذا شَرِبَ صَبِيَّانِ من لبنِ شاةٍ: لم يتعلَّقْ به التحريمُ.
وإذا تزوَّج الرجلُ صغيرةً وكبيرةً، فأرضعتِ الكبيرةُ الصغيرةَ: حَرُّمتا
على الزوج.
ثم إنّ لم يدخل بالكبيرة : فلا مهرَ لها، وللصغيرة : نصفُ المهر.
قال: (وإذا نَزَلَ للرجل لَبَنٌّ، فأرِضَعَ به صبياً: لم يتعلَّق به التحريمُ)؛
لأنه ليس بلبن على التحقيق، فلا يتعلَّقُ به النشوءَ والنموُّ.
وهذا لأن اللبنَ إنما يُتُصوَّرُ ممن تُتَصَوَّر منه الولادة.
قال: (وإذا شَرِبَ صَبِيَّانِ من لبنِ شاةٍ: لم يتعلّقْ به التحريمُ)؛ لأنه لا
جزئيةً بين الآدميِّ وبين البهائم، والحُرْمةُ باعتبارها.
قال: (وإذا تزوَّج الرجلُ صغيرةً وكبيرةً، فأرضعتِ الكبيرةُ الصغيرةَ:
حَرُمتا على الزوج)؛ لأنه يصيرُ جامعاً بين الأُمِّ والبنت رضاعاً، وذلك
حرامٌ، كالجمع بينهما نسباً.
(ثم إنْ لم يدخلْ بالكبيرة: فلا مهرَ لها)؛ لأن الفرقةَ جاءت من قِبَلها
قبل الدخول بها.
(وللصغيرة: نصفُ المهر)؛ لأن الفُرْقةَ وَقَعَتْ لا من جهتها، والارتضاعُ
وإن كان فعلاً منها لكنَّ فعلَها غيرُ معتَبَرٍ في إسقاط حَقُّها، كما إذا قَتَلَت
مورثَها(١).
(١) أي لم تُحرَم من الميراث.

١٣٧
کتاب الرَّضاع
ويَرْجعُ به الزوجُ على الكبيرةِ إن كانت قد تعمَّدتْ به الفسادَ، وإن لم
تتعمَّدْ: فلا شيءَ عليها وإن عَلِمَتْ أن الصغيرةَ امرأتُه.
(ويَرْجعُ به الزوجُ علىُ الكبيرةِ إن كانت قد تعمَّدَتْ به الفسادَ، وإن لم
تتعمَّدْ: فلا شيءَ عليها وإن عَلِمَتْ أن الصغيرةَ امرأتُه).
وعن محمدٍ رحمه الله: أنه يَرجِعُ عليها في الوجهَيْن.
والصحيحُ ظاهرُ الروايةِ؛ لأنها وإن أكَّدَتْ ما كان علىُ شَرَفِ
السقوط، وهو نصفُ المهر، وذلك يجري مَجْرى الإتلاف، لكنها مسبِّةٌ
فيه، إما لأنَّ الإرضاعَ ليس بإفسادٍ للنكاح وَضْعاً(١)، وإنما يثبت ذلك(٢)
باتفاق الحال، لا قصداً.
أو لأن إفسادَ النكاحِ ليس بسببٍ لإلزام المهر، بل هو سببٌ لسقوطه،
إلا أنَّ نصفَ المهر يجبُ بطريق المُتْعة، على ما عُرِف(٣)، لكن مِن شَرْطِهِ:
إيطالُ النكاح، وإذا كانت(٤) مسبِّةً: يُشترَطُ فيه التعدِّي، كحفر البئر.
ثم إنما تكونُ متعدِّيَّةً: إذا عَلِمَتْ بالنكاح، وقَصَدَتْ بالإرضاع الإفسادَ.
أما إذا لم تعلم بالنكاح، أو عَلِمَتْ بالنكاح ولكنها قَصَدَتْ دَفْعَ الجوعِ أو
الهلاكِ عن الصغيرة، دونَ الإفساد: لا تكون متعدَِّةً؛ لأنها مأمورةٌ بذلك.
(١) لأن وضعه لتربية الصغير. البناية ٦/ ٣١٧.
(٢) أي إفساد النكاح.
(٣) في باب المهر.
(٤) أي المرضعة.

١٣٨
کتاب الرَّضاع
ولا تُقبَلُ في الرضاع شهادةُ النساءِ منفرداتٍ، وإنما يَثبتُ بشهادة
رجلَيْن، أو رجلٍ وامرأتَيْن.
ولو عَلِمَتْ بالنكاح، ولم تعلمْ بالفساد: لا تكونُ متعدِّيَةً أيضاً.
وهذا منَّا اعتبارُ الجهلِ (١): لدفع قصدِ الفسادِ، لا لدَفْعِ الحكم.
قال: (ولا تُقبَلُ في الرضاع شهادةُ النساءِ منفرداتٍ، وإنما يَثبتُ
بشهادة رجلَيْن، أو رجلٍ وامرأتَيْن(٢)).
وقال مالكُ(٣) رحمه الله: يثبتُ بشهادة امرأةٍ واحدةٍ إذا كانت موصوفةً
بالعدالة؛ لأنَّ الحُرْمَةَ حَقٌّ من حقوق الشرع، فتثبتُ بخبر الواحد، كمَن
اشترى لحماً، فأخبره واحدٌ أنه ذبيحةُ المجوسي.
ولنا: أن ثبوتَ الحُرْمة لا يَقبَلُ الفَصْلَ عن زوال الملكِ في باب
النكاح، وإيطالُ الملكِ لا يثبتُ إلا بشهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين.
بخلاف اللحم؛ لأن حُرْمةَ التناول تَنفَكُّ عن زوال الملك، فاعتُبِرَ أمراً
دِيْنِيَّاً، والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) هذا جوابٌ عن سؤال مقدَّرِ: كيف تعتبرون الجهلَ عذراً؟
والجواب: أنا اعتبرناه؛ لدفع قصد الفساد، لا لدفع الحكم. البناية ٣١٨/٦.
(٢) قوله: أو رجلٍ وامرأتين: سقط من نُسخ كثيرة، ومثبتٌ في بداية المبتدي
ص٢٣٤، وفي نسخة الهداية المضمنة في البناية، وفي طبعات الهداية القديمة.
(٣) مختصر خليل ٤٠١/١ (مع جواهر الإكليل).

١٣٩
كتاب الطَّلاق
كتاب الطَّلاق
باب طَلاق السُّنَّة
الطلاقُ على ثلاثةِ أوجُهٍ: أَحْسَنُ، وحَسَنٌ، وبِدْعِيٍّ.
فالأحسنُ: أن يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امرأتَه تطليقةً واحدةً، في طُهْرٍ لم يجامِعْها
فيه، ويَتْرِكَها حتى تنقَضِيَ عِدَّتُها.
كتاب الطَّلاق
باب طَلاق السُّنَّة
قال: (الطلاقُ على ثلاثةِ أوجُهٍ: أَحْسَنُ، وحَسَنٌ(١)، وبدْعِيٌّ.
فالأحسنُ: أن يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امرأتَه تطليقةً واحدةً، في طُهْرٍ لم يجامِعْها
فيه، ويَتْركَها حتى تنقَضِيَ عِدَّتُها)؛ لأن الصحابةَ رضي الله عنهم كانوا
يستحِبُّونَ أن لا يزيدوا في الطلاق على واحدةٍ(٢)، حتى تنقَضِيَ العِدَّةُ، فإن
هذا أفضلُ عندهم من أن يُطلِّقَ الرجلُ ثلاثاً، عند كل طُهْرٍ واحدةً.
ولأنه أبعدُ من النَّدامة، وأقلَّ ضرراً بالمرأة.
(١) هكذا كما أثبتُّ في نسخة ٦٨٩هـ، ونسخة ٨٠١هـ، ووقفيتها سنة ٩٧٧هـ،
وكذلك في نسخة ١٠٠٥هـ، ونسخة ١٠٣٣هـ، وغيرها من النسخ، وهو الموافق
للتفصيل الآتي في الهداية، وجاء في كثير من النُّسخ هكذا: حَسَنٌ، وأحسنُ، وبدعيٌّ.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (١٧٧٤٢)، بإسناد صحيح، كما في الدراية ٦٩/٢.

١٤٠
باب طَلاق السُّنَّة
والحَسَنُ هو: طلاقُ السُّنَّة، وهو أن يُطلِّقَ المدخولَ بها ثلاثاً، في
ثلاثة أطهارِ.
ولا خلافَ لأحدٍ في نفي الكراهة (١).
قال: (والحَسَنُ هو: طلاقُ السُّنَّةُ(٢)، وهو أن يُطلِّقَ المدخولَ بها
ثلاثاً، في ثلاثةِ أطهارِ).
وقال مالكُ(٣) رحمه الله: إنه بدعةٌ، ولا يباحُ إلا واحدةٌ؛ لأنَّ الأصلَ
في الطلاق هو الحَظْرُ، والإباحةُ لحاجةِ الخَلاص، وقد اندفعت بالواحدة.
ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام في حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما:
((إن من السُّنَّة أن تستقبلَ الطَّهْرَ استقبالاً، فتطلِّقَها لكلِّ قُرْءٍ تطليقةَ))(٤).
ولأن الحكمَ يُدارُ على دليلِ الحاجة، وهو الإقدامُ على الطلاق في
(١) هكذا كما أثبتُّ في نسخة ١٣١هـ، و١٠٥٨ هـ، وجاء في نُسخِ عدةٍ أخرى: ولا
خلاف لأحدٍ في عدم الكراهة. اهـ.
وأما غالب النُّسَخ ففيها: ولا خلاف لأحدٍ في الكراهة. اهـ، هكذا مما ظاهره أنه
يكره، وكأن الشُّرَّحَ لم يطَّلعوا على النُّسَخ التي تنفي الكراهةَ، ولذا قال في البناية
٣٢٣/٦: أي لا خلاف في عدم الكراهة، يعني لم يقل أحدٌ بكراهة إيقاع الواحدة، هكذا
فَسَّرَ الشُّرَّاحِ كلّهم هذا اللفظَ، وظاهرُهُ: يقتضي خلافَه، على ما لا يخفى للمتأمِّل. اهـ
(٢) كلٌّ من الحَسَن والأحسن: سُنِّيٌّ، وتسميةُ ما إذا طلقها ثلاثاً في ثلاثة أطهار، لا
جِماع فيها: بأنه طلاقٌ حَسَنٌ، وأنه السُّنَّةُ: لا وجهَ له، والمناسبُ تسميته بـ: المفضول من
طلاق السُّنَّة. كما فتح القدير ٣٢٧/٣، ٣٢٨، والبحر الرائق ٢٥٦/٣.
(٣) التلقين ص٧٣.
(٤) سنن الدارقطني (٣٩٧٤)، المعجم الأوسط ٢٩٤/١، الدراية ٦٩/٢.