Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ فصلٌ ويجوز دَفْعُ القِيَمِ في باب الزكاةِ. وليس في العوامِل، والحوامِلِ، والعَلُوفِةِ صدقةٌ. قال: (ويجوز دَفْعُ القِيَمِ في باب الزكاةِ) عندنا. وكذا في الكفَّارة، وصدقةِ الفطر، والعُشرِ، والنذر. وقال الشافعيّ(١) رحمه الله: لا يجوز؛ اتِّباعاً للمَنصوص، كما في الهدايا والضحايا. ولنا: أن الأمرَ بالأداء إلى الفقير: إيصالٌ للرزق الموعودِ إليه، فيكون إبطالاً لقيد الشاة (٢)، فصار كالجزية. بخلاف الهدايا؛ لأن القُرْبةَ فيها: إراقةُ الدم، وهي(٣) لا تُعقَل. ووجهُ القُربة في المتنازَع فيه: سَدُّ خَلَّةِ المُحتاج، وهو معقولٌ. قال: (وليس في العوامِل، والحوامِلِ، والعَلُوفِةِ صدقةٌ). خلافاً لمالك(٤) رحمه الله، له: ظواهرُ النصوص(٥). ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((ليس في الحَوَامِل، والعَوَامِل، (١) مغني المحتاج ١ /٤٠٧. (٢) المنصوص عليه. (٣) أي الإراقة. (٤) التلقين ص ٤٧. (٥) يشير إلى قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً﴾، وحديث: ((في أربعين شاة: شاةٌ))، من غير تقييد بوصف. العناية بمعرفة أحاديث الهداية للقرشي (مخطوط). ١٨٢ فصلٌ ثم السائمةُ: هي التي تكتفي بالرِّعْيِ في أكثر الحَوْل، حتى لو عَلَفَها نصفَ الحول أو أكثرَ : كانت عَلُّوفةً. ولا يأخذُ المُصَدِّقُ خيارَ المال، ولا رُذَّالتَه، ويأخذُ الوَسَطَ. ولا في البقرِ المُثيرة(١) صدقةٌ)(٢). ولأن السببَ هو المالُ النامي، ودليلُه: الإسامةُ، أو الإعدادُ للتجارة، ولم يوجَد. ولأن في العَلُوفِ تتراكمُ المؤنةُ، فينعدِمُ النماءُ معنىً. قال: (ثم السائمةُ: هي التي تكتفي بالرَّعْيِ في أكثر الحَوْل، حتى لو عَلَفَها نصفَ الحول أو أكثرَ: كانت عَلُوفةً)؛ لأن القليلَ تابعٌ للأكثر. قال: (ولا يأخذُ المُصَدِّقُ خيارَ المال، ولا رُذَالتَه، ويأخذُ الوَسَطَ)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تأخذوا من حَزَرَات(٣) أموالِ الناس - أي كرائمِها -، وخذوا من حواشي أموالِهم)» (٤)، أي أوساطها. (١) أي التي تُثار بها الأرض، أي تُحرَث. البناية ٤/ ٧٠. (٢) قال في التعريف والإخبار ٣٨/٢: أخرجه طلحة في مسند أبي حنيفة عن علي رضي الله عنه مرفوعاً، وأخرجه محمد بن الحسن في الأصل موقوفاً عن علي رضي الله عنه. (٣) جمع: حَزْرة، أي خيار مال الرجل، وفسَّرها المؤلف بـ: كرائم الأموال. البناية ٤ /٧١. (٤) قال في الدراية ٢٥٦/١: لم أجده، وفي ابن أبي شيبة قال صلى الله عليه = ١٨٣ فصلٌ ومَن كان له نصابٌ، فاستفاد في أثناءِ الحولِ من جنسِه: ضَمَّه إليه، وزكاه به. والزكاةُ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله في النصاب، ولأن فيه نَظَراً من الجانبیْن. قال: (ومَن كان له نصابٌ، فاستفاد في أثناءِ الحول من جنسِه: ضَمَّه إليه، وزكَّاه به). وقال الشافعي رحمه الله: لا يُضَمّ(١)؛ لأنه (٢) أصلٌ في حقِّ الملك، فكذا في وظيفته(٣). بخلاف الأولادِ والأرباح؛ لأنها تابعةً في الملك، حتى مُلِكت بملك الأصل. ولنا: أن المجانسَةَ هي العلةُ في الأولاد والأرباح؛ لأن عندها (٤) يتعسَّرُ التمييزُ، فَيَعسُرُ اعتبارُ الحول لكلِّ مستفادٍ، وما شُرِطَ الحولُ إلا للتيسير. قال: (والزكاةَ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله في النصاب، وسلم لمصدِّقه: ((لا تأخذْ من حَزَرات أنفس الناس شيئاً، خُذِ الشارفَ والبَكْر))، وأخرجه أبو داود في المراسيل ص١٣٢، سنن البيهقي (٧٣١٠). (١) بل في مغني المحتاج ٣٩٤/١ ما يُفيد العكس، وهو الضم، موافقاً للحنفية. (٢) أي المستفاد. (٣) وهي وجوب الزكاة. (٤) أي عند المجانسة. ١٨٤ فصلٌ دون العَفْو، وقال محمدٌ وزفرُ رحمهما الله : فيهما. دون العَفْو، وقال محمدٌ وزفرُ رحمهما الله: فيهما). حتى لو هَلَكَ العفوُ، وبقيَ النصابُ: بقيَ كلُّ الواجبِ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وعند محمدٍ وزفرَ رحمهما الله: يسقطُ بِقَدْره. لمحمدٍ وزفرَ رحمهما الله: أن الزكاةَ وَجَبَتْ شكراً لنعمة المال، والكلُّ نعمةٌ. ولأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: قولُه عليه الصلاة والسلام: (في خَمْسٍ من الإبلِ السائمةِ: شاةً، وليس في الزيادةِ شيء حتى تبلغَ عَشراً))(١). وهكذا قال في كلِّ نصابٍ، ونَفَىُ الوجوبَ عن العفو؛ لأن العفوَ تَبَعٌ للنصاب، فيُصرَفُ الهلاكُ أوَّلاً إلى التَّبَع، كالرِّبْح في مال المضاربة. ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله: يُصرَفُ الهلاكُ بعد العفو إلى النصاب الأخير، ثم إلى الذي يليه، إلى أن ينتهيَ؛ لأن الأصلَ هو النصابُ الأول، وما زاد علیه تابعٌ. (١) قال في نصب الراية ٣٦٢/٢: غريب، ثم نقل عن ابن الجوزي أن القاضي أبا يعلى والشيرازي رويا في كتابيهما اللفظ نفسَه، وأن أبا عبيد روى الشطر الثاني من الحديث، وقد تعقب هذا العلامة قاسم الزيلعيَّ في منية الألمعي ص ٣٨٥ بقوله: فأي غرابة هذه، وذكر شاهداً له، وينظر البناية ٤ /٧٥. ١٨٥ فصلٌ وإذا أَخَذَ الخوارجُ الخراجَ، وصدقةَ السوائم: لا يُثَنَّى عليهم، وأُفْتُوْا بأنْ يُعِيدُوها، دون الخراج. وعند أبي يوسف رحمه الله: يُصرَفُ إلى العفو أوَّلاً، ثم إلى النُّصُبِ شائعاً(١). قال: (وإذا أَخَذَ الخوارجُ الخراجَ، وصدقةَ السوائم: لا يُثْنَى(٢) عليهم)؛ لأن الإمامَ لم يَحْمِهِم، والحِبَايةُ بالحماية. (وأُفْتُوْا(٣) بأنْ يُعِيدُوها(٤)) فيما بينهم وبين الله عزَّ وجلّ(٥)، (دون الخراج). لأنهم(٢) مصارِفُ الخراج؛ لكونهم مقاتِلةً(٧)، والزكاةُ مصرِفُها الفقراءُ، فلا يصرفونها إلیھم. وقيل: إذا نوى بالدفع التصدقَ عليهم: سقط عنه. (١) ينظر البناية ٧٧/٤. (٢) أي لا يؤخذ منهم ثانياً. (٣) بالمبني للمجهول. البناية ٧٨/٤. (٤) أي الصدقة. (٥) جملة: فيما بينهم وبين الله: مثبتة في بعض طبعات الهداية القديمةَ، وكذلك في النسخة المضمَّنة في البناية ٧٨/٤، وأثبتها العينيُّ وشَرَحَها. (٦) أي الخوارج. (٧) أي لأهل الحرب. ١٨٦ فصلٌ 18 وليس على الصبيِّ من بني تَغْلِبَ في سائمتِه شيءٍ. وعلى المرأةِ : ما على الرجلِ منهم. وإِن هَلَكَ المالُ بعد وجوب الزكاة : سَقَطَتِ الزكاةُ. وكذا (١) الدَّفْعُ إلى كلِّ جائرٍ (٢)؛ لأنهم بما عليهم من التَّعَات: فقراءُ. والأوَّلُ (٣) أحوطُ. قال: (وليس على الصبيِّ من بني تَغْلِبَ في سائمتِه شيء. وعلى المرأةِ: ما على الرجلِ منهم)؛ لأن الصلحَ(٤) قد جرى على ضِعْفِ ما يُؤْخَذُ من المسلمين، ويُؤْخَذُ من نساءِ المسلمين، دونَ صبيانِهم. قال: (وإن هَلَكَ المالُ بعد وجوب الزكاة: سَقَطَتِ الزكاةُ). وقال الشافعي(٥) رحمه الله: يَضمَنُ إذا هَلَكَ بعد التمكُّنِ من الأداء؛ (١) أي وكذا الحكم في دفع الزكاة بالسقوط، كما لو صادر السلطان رجلاً، وأخذ منه أموالاً، فنوى صاحب المال الزكاةَ عند الدفع: سقطت عنه الزكاة. البناية ٧٨/٤، العناية ٢ /١٥٠. (٢) أي ظالم من الملوك وأصحاب الشوكة. البناية ٧٨/٤. (٣) وهو إعادة الصدقة، دون الخراج. (٤) أي الصلح الذي أجراه سيدنا عمر رضي الله عنه مع نصارى بني تغلب، مصنف ابن أبي شيبة (١٠٥٨١)، مصنف عبد الرزاق ٩٩/٦، سنن البيهقي ٢١٦/٩، وينظر نصب الراية ٣٦٢/٢، الدراية ٢٥٦/١. (٥) مغني المحتاج ٤١٣/١، ٤١٨. ١٨٧ فصلٌ وإن قَدَّم الزكاةَ على الحولِ، وهو مالكٌ للنصاب : جاز. ويجوز التعجيلُ لأكثرَ من سنةٍ. لأنَّ الواجبُ في الذمَّةِ(١)، فصار كصدقة الفطر. ولأنه مَنَعَه بعد الطلب، فصار كالاستهلاك. ولنا: أن الواجبَ جزء من النصاب؛ تحقيقاً للتيسير، فيسقطُ بهلاك مَحَلِّه، كدفع العبدِ الجاني بالجناية: يسقطُ بهلاكه. والمستَحِقُّ فقيرٌ يُعيّنُه المالكُ، ولم يتحقّقْ منه الطلب. وبعد طَلَبِ الساعي: قيل: يَضمنُ، وقيل: لا يضمن(٢)؛ لانعدام التفويت. وفي الاستهلاك: وُجِدَ التعدي. وفي هلاك البعض: يَسقطُ بقَدْره؛ اعتباراً له بالكلِّ. قال: (وإن قَدَّم الزكاةَ على الحولِ، وهو مالكٌ للنصاب: جاز)؛ لأنه أدىُ بعدَ وجودِ سبب الوجوب، فيجوزُ، كما إذا كفّرَ(٣) بعد الجَرْحِ قبل زُهوق الرُّوح. وفيه خلافُ مالكٍ(٤) رحمه الله. قال: (ويجوز التعجيلُ لأكثرَ من سنةٍ)؛ لوجود السبب. (١) لا في العين. (٢) وصُحِّح. البناية ٤ /٨١. (٣) أي قدَّم كفارة القتل، فأعتق مثلاً بعد الجَرْح قبل موت المجروح. (٤) قال في العناية ١٥٤/٢: وذكر في الأسرار - للدبوسي - زفرَ، بدلَ مالك. ١٨٨ فصلٌ ويجوزُ لنُصُبِ إذا كان في ملكِهِ نصابٌ واحدٌ قال: (ويجوزُ لنُصُبِ(١) إذا كان في ملكِهِ نصابٌ واحدٌ)، عندنا، خلافاً لزفر رحمه الله؛ لأن النصابَ الأولَ هو الأصلُ في السببية، والزائدُ عليه تابعٌ له، والله تعالى أعلم. (١) فلو مَلَكَ مائتين، فعجَّل منها خمسةً وعشرين عن ألفٍ، ثم استفادها - أي الألف -، فتمَّ الحول وعنده ألفٌ: جاز عن الألف. فتح القدير ١٥٧/٢، وينظر لفروعٍ أخرى مهمة في المسألة: الجوهرة النيرة ١٩٠/٢. ١٨٩ باب زكاة المال باب زكاة المال فصلٌ في الفِضَّة ليس فيما دونَ مائتي درهمٍ صَدَقَةٌ. فإذا كانت مائتَيْن، وحالَ عليها الحَوْلُ : ففيها خمسةُ دراهمَ. باب زكاة المال فصلٌ في الفِضَّة قال: (ليس فيما دونَ مائتي درهم (١) صَدَقَةٌ)؛ لقولِه عليه الصلاة والسلام: ((ليس فيما دونَ خَمْسٍ أَوَاق صدقةٌ))(٢). والأُوْقِيَّة: أربعون درهماً. قال: (فإذا كانت مائتَيْن، وحالَ عليها الحَوْلُ: ففيها خمسةُ دراهم). لأنه عليه الصلاة والسلام كَتَبَ إلى معاذٍ رضي الله عنه: ((أنْ خُذْ من كلِّ مائتي درهم خمسةَ دراهم، ومن كلِّ عشرين مثقالاً من ذهب نصفَ (٣) مثقال))(٣). ء (١) الدرهم عند الحنفية يساوي: ٣٫٥ غ، كما حرره العلامة الشيخ عبد العزيز عيون السود (ت١٣٩٩ هـ)، في رسالته عن المقادير، ينظر ما علَّقتُه على اللباب ٣٣٨/٢. (٢) صحيح البخاري (١٤٠٥، ١٤٤٧)، صحيح مسلم (٩٧٩). (٣) سنن أبي داود (١٥٧٣)، سنن الدار قطني ٩٥/٢، وله عدة طرق وألفاظ متقاربة، ينظر الدراية ١ / ٢٥٧. ١٩٠ فصلٌ في الفِضَّة ولا شيء في الزيادةِ حتى تبلُغَ أربعينَ درهماً، فيكونُ فيها درهمٌ، ثم في كلِّ أربعين درهماً: درهمٌ، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا : ما زاد على المائتين : فزكاتُه بحسابه. قال: (ولا شيءَ في الزيادةِ حتى تبلُغَ أربعينَ درهماً، فيكونُ فيها درهمٌ، ثم في كلِّ أربعين درهماً: درهمٌ، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. وقالا: ما زاد على المائتين: فزكاتُه بحسابِهِ (١))، وهو قولُ الشافعي(٢) رحمه الله تعالى. لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عليٍّ رضي الله عنه: ((وما زاد على المائتين: فبحسابه))(٣). ولأن الزكاةَ وجبت شكراً لنعمة المال، واشتراطُ النصاب في الابتداء: لتحقُّق الغِنى، وبعد النصاب في السوائم: تحرُّزاً عن التشقيصَ (٤). ولأبي حنيفة رحمه الله: قولُه عليه الصلاة السلام في حديث معاذٍ رضي الله عنه: ((لا تأخُذْ من الكسورِ شيئاً)(٥). (١) قال في البناية ٨٨/٤: أي بحساب ما زاد، وفي بعض النسخ: بحسابهما: وكُتِب تحتها: أي بحساب المائتين، حتى إذا كانت الزيادة درهماً: يجب جزءٌ من أربعين جزء من درهم. اهـ، وفي نُسخ: بحسابها. (٢) المهذب ٢٩١/١. (٣) سنن أبي داود (١٥٧٣) بلفظ: فبحساب ذلك. (٤) أي التقطيع؛ لأن فيه ضررَ الشركة على المالك. (٥) سنن الدار قطني ٩٣/٢، وإسناده ضعيفٌ جداً، كما في الدراية ٢٥٧/١. ١٩١ فصلٌ في الفِضَّة وإذا كان الغالبُ على الوَرِقِ الفضةَ: فهو في حُكم الفضة، وإذا كان الغالبُ عليها الغِشَّ: فهو في حُكم العُروض، يُعتبرُ أن تبلُغَ قيمتُه نصاباً. وقولُهُ في حديث عَمْرو بن حَزْم رضي الله عنه: ((وليس فيما دون الأربعين صدقةٌ)(١). ولأن الحَرَجَ مدفوعٌ، وفي إيجابِ الكسور: ذلك؛ لتعذّر الوقوف عليه. ءِ والمعتبرُ في الدراهم: وزنُ سبعةٍ، وهو أن تكونَ العشرةُ منها وزنَ سبعةٍ مثاقيلَ، بذلك جرى التقديرُ في ديوان عمر رضي الله عنه(٢)، واستقرَّ الأمرُ علیه. قال: (وإذا كان الغالبُ علىُ الوَرِقِ الفضةَ: فهو في حُكمِ الفضة، وإذا كان الغالبُ عليها الغِشَّ: فهو في حُكم العُروض، يُعتبرُ أن تبلُغَ قيمتُه نصاباً)؛ لأن الدراهمَ لا تخلو عن قليلٍ غِشِّ؛ لأنها لا تنطَبعُ إلا به، وتخلو عن الكثير، فجعلنا الغَلَبَةَ فاصلةً، وهي أن تزيدَ على النصف؛ اعتباراً للحقيقة، وسنذكره في الصرف إن شاء الله تعالى. إلا أن في غالبِ الغشِّ لا بدَّ من نية التجارة، كما في سائر العروض، إلا إذا كان تَخلُصُ منها فضةٌ تبلُغُ نصاباً، لأنه لا تُعتبرُ في عين الفضة القيمةُ، ولا نيةُ التجارة، والله تعالى أعلم. (١) صحيح ابن حبان (٦٥٥٩)، وينظر الدراية ٢٥٨/١. (٢) الأموال لأبي عبيد ص ٦٣٠. ١٩٢ فصلٌ في الذهب فصلٌ في الذهب ليس فيما دونَ عشرين مِثقالاً من الذهب صدقةً، فإذا كانت عشرين مثقالاً، وحال عليها الحولُ: ففيها نصفُ مثقال. ثم في كلِّ أربعةِ مثاقيلَ : قيراطان. وليس فيما دون أربعةِ مثاقيلَ : صدقةٌ عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما : تجبُ بحساب ذلك. فصلٌ في الذهب قال: (ليس فيما دونَ عشرينَ مِثقالاً من الذهب صدقةٌ، فإذا كانت عشرين مثقالاً، وحال عليها الحولُ: ففيها نصفُ مثقال)؛ لِمَا روينا. والمثقالُ: ما يكون كلّ سبعةٍ منها وزنَ عشرة دراهم، وهو المعروف(١). ءِ (ثم في كلِّ أربعةِ مثاقيلَ: قيراطان)؛ لأن الواجبَ رُبُعُ العُشر، وذلك فيما قلنا، إذْ كلّ مثقال عشرون قيراطاً. قال: (وليس فيما دون أربعةِ مثاقيلَ: صدقةٌ عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما: تجبُ بحساب ذلك)، وهي مسألةُ الكُسور. وكلُّ دينارٍ: عشرةُ دراهمَ في الشرع، فتكونُ أربعةُ مثاقيلَ في هذا: كأربعين درهماً. (١) المثقال يساوي: ٥ غ، ينظر ما علَّقْتُه على اللباب ٣٤١/٢. ١٩٣ فصلٌ في الذهب وفي تِبْرِ الذهبِ والفضةِ، وحُلِيِّهما، وأوانيْهما: الزكاةُ. قال: (وفي تِبْرِ (١) الذهب والفضةِ، وحُلِيِّهما، وأوانيْهما: الزكاةُ). ـيُ(٢) رحمه الله: لا تجبُ في حُلِيِّ النساء، وخاتَمِ الفضةِ وقال الشافعى للرجال؛ لأنه مبتَذَلٌ في مباحٍ، فشابَهَ ثيابَ البذلة. ولنا: أن السببَ: المالُ النامي، ودليلُ النماء موجودٌ، وهو الإعدادُ للتجارة خِلْقةً، والدليلُ هو المعتبرُ، بخلاف الثياب، والله تعالى أعلم. (١) ما كان غير مضروب من الذهب والفضة. (٢) مغني المحتاج ٣٩٠/١. ١٩٤ فصلٌ في العُروض فصلٌ في العُروض الزكاةُ واجبةٌ في عُروضِ التجارة، كائنةً ما كانت، إذا بَلَغَتْ قیمتُها نصاباً من الوَرِقِ أو الذهب. يُقَوِّمُها بما هو أنفعُ للفقراء والمساكينِ منهما. فصلٌ في العُروض قال: (الزكاةُ واجبةٌ في عُروضِ التجارة، كائنةً ما كانت، إذا بَلَغَتْ قيمتُها نصاباً من الوَرق أو الذهب)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام فيها: (يُقُوِّمُها، فيؤدِّي من(١) كَلِّ مائتي درهمٍ خمسةَ دراهم))(٢). ولأنها مُعدَّةٌ للاستنماء بإعداد العبد، فأشبهتِ المعدَّ بإعداد الشرع. وتُشترطُ نيةُ التجارة؛ ليثبتَ الإعداد. ثم قال: (يُقَوِّمُها بما هو أنفعُ للفقراء والمساكينِ منهما(٣))؛ احتياطاً لحَقِّ الفقراء. قال رضي الله عنه: وهذا روايةً عن أبي حنيفة رحمه الله. وفي ((الأصل)): خَيَّره، لأن الثمنَيْن في تقدير قِيَم الأشياءِ بهما سواء، وتفسيرُ الأنفع: أن يقوِّمَها بما يَبلغ نصاباً. (١) وفي نُسخ: في، وفي أخرى: عن. (٢) قال في الدراية ٢٦٠/١: لم أجده هكذا، وينظر البناية ١٠٣/٤. (٣) أي من النصابَيْن الذهب والفضة. ١٩٥ فصلٌ في العُروض وإذا كان النصابُ كاملاً في طَرَفَي الحولِ : فَنُقصائُه فيما بين ذلك لا يُسقِطُ الزكاةَ. وتُضَمُّ قيمةُ العروضِ إلى الذهب والفضة حتى يَتِمَّ النصابُ. وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يُقوِّمُها بما اشترىُ: إن كان الثمنُ من ٩ النقود؛ لأنه أبلغ في معرفة المالية، وإن اشتراها بغير النقود: قوَّمَها بالنقد الغالب. وعن محمدٍ رحمه الله: أنه يُقوِّمُها بالنقد الغالب على كل حال، كما في المغصوبِ، والمستهلك. قال: (وإذا كان النصابُ كاملاً في طَرَفَي الحولِ: فنُقصانُه فيما بين ذلك لا يُسقِطُ الزكاةَ)؛ لأنه يَشُقُّ اعتبارُ الكمال في أثنائه. أما لا بدَّ منه (١) في ابتدائه: للانعقاد، وتحقّقِ الغنى، وفي انتهائه: وِ للوجوب، ولا كذلك فيما بين ذلك؛ لأنه حالةُ البقاء. بخلاف ما لو هلك الكلّ: حيث يبطلُ حكمُ الحول، ولا تجبُ الزكاةُ؛ 93 لانعدام النصابِ في الجملة، ولا كذلك في المسألةِ الأَولى؛ لأن بعضَ النصاب باقٍ، فيبقى الانعقادُ. قال: (وتُضَمُّ قيمةُ العروضِ إلى الذهبِ والفضةِ حتى يَتِمَّ النصابُ)؛ لأن الوجوبَ في الكلَ باعتبار التجارةِ وإن افترقت جهةُ الإعداد. W (١) أي من كمال النصاب، وفي نُسخ: لكن لا بد منه. ١٩٦ فصلٌ في العُروض ويُضَمُّ الذهبُ إلى الفضة. ثم يُضَمُّ بالقيمة حتى يتمَّ النصابُ عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما : لا يُضمُّ الذهبُ إلى الفضة بالقيمة، بل يُضَمُّ بالأجزاء. قال: (ويُضَمُّ الذهبُ إلى الفضة)؛ للمجانسة من حيثُ الثمنيةُ، ومن هذا الوجه صار سبباً واحداً. وفي القياس: لا يُضَمُّ، وهو قولُ الشافعي(١) رحمه الله، كما في السوائم. قال: (ثم يُضَمُّ بالقيمة حتى يتمَّ النصابُ عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما: لا يُضمُّ الذهبُ إلى الفضة بالقيمة، بل يُضَمُّ بالأجزاء)، وهو روايةٌ عنه. حتى إنَّ مَن كان له مائةُ درهم وخمسةُ مثاقيلَ ذهبٍ، وتبلغُ قيمتُها مائةَ درهم: فعليه الزكاةُ عنده، خلافاً لهما. هما يقولان: المعتبرُ فيهما القَدْرُ، دونَ القيمة، حتى لا تجبُ الزكاةَ في مَصُوغٍ وزنُه أقلّ من مائتين، وقيمتُهُ فوقَها. وهو يقولُ: إن الضَمَّ للمجانسة، وهي تتحقَّقُ باعتبار القيمة، دونَ الصورةِ، فَيُضَمُّ بها(٢). بخلاف(٣) ما استشهدا به؛ لأن القيمةَ إنما تظهر عند المقابلة، بخلاف الجنس، أما بانفراده: فلا، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) الحاوي للماوردي ٢٦٩/٣، وجملة: في القياس ...: مثبتة في نُسخ، دون نُسخ. (٢) أي يضم الذهب إلى الفضة بالقيمة. (٣) من هنا إلى قوله: فلا: مثبتٌ في نسخة ٧٠٨هـ، و٨٩١هـ، و١١٤٢ هـ. بابٌ ١٩٧ بابٌ فیمَن يَمُّ على العاشِر إذا مَرَّ على العاشِرِ بمالِ التجارة، فقال: قد أصبتُه منذ أشهرٍ، أو: عليَّ دَيْنٌ، وحَلَفَ : صُدِّق. وكذا إذا قال: أدَّيتُ الزكاةَ إلى عاشِرٍ آخَرَ. بابٌ فیمَن يَمُرُّ على العاشِر قال: (إذا مَرَّ على العاشِر بمال التجارة(١)، فقال: قد أصبتُه منذ أشهر، أو: عليَّ دَيْنٌ، وحَلَفَ: صُدِّق). والعاشِرُ: مَن نَصَبَه الإمامُ على الطريق ليأخُذَ الصدقات من التجار. فمَن أنكر منهم تمامَ الحول، أو الفراغَ من الدَّيْن: كان منكِراً للوجوب، والقولُ قولُ المنكِر مع اليمين. قال: (وكذا إذا قال: أدَّيتُ الزكاةَ إلى عاشِرٍ آخَرَ). ومرادُه: إذا كان في تلك السَّنَة عاشِرٌ آخَرُ؛ لأنه ادعىُ وَضْعَ الأمانةِ(٢) موضعَها. (١) وفي نُسخ: بمالٍ. بدون لفظ: التجارة. (٢) أي الزكاة. البناية ١١١/٤. ١٩٨ فيمَن يَمُرُّ على العاشِر وكذا إذا قال: أدَّيتُها أنا. وكذا الجوابُ في صدقةِ السوائم. بخلاف ما إذا لم يكن عاشرٌ آخَرُ في تلك السَّنَة؛ لأنه ظَهَرَ كَذِيُه بيقين. قال: (وكذا إذا قال: أدَّيْتُها أنا). يعني إلى الفقراء في المصر؛ لأن الأداءَ كان مفوَّضاً إليه فيه (١)، وولايةُ الأخذ بالمرور (٢)؛ لدخوله تحتَ الحماية. قال: (وكذا الجوابُ في صدقةِ السوائم)، في ثلاثة فصول(٣). وفي الفصل الرابع: وهو ما إذا قال: أدَّيتُ بنفسي إلى الفقراء في المصر: لا يُصدَّقُ وإِن حَلَفَ؛ لأن الأداءَ ما كان مفوَّضاً إليه (٤). (١) أي في المصر. (٢) أي وولاية الأخذ للساعي إنما تكون بمرور المالك على الساعي. البناية ٤ / ٠١١٢ (٣) أوَّلُها: أدَّيْتُها منذ أشهُر، والثاني: قولُه: أو عليَّ دينٌ، والثالث: أدَّيتُ إلى عاشرٍ آخَر، وفي تلك السنة عاشرٌ آخَر، ففي هذه الفصول الثلاثة إذا حلف: صُدِّق، فيكون القولُ قولَه. البناية ٤ /١١٢. وفي نُسخة السليمانية برقم ٦٤٤، وتاريخها قبل العاشر الهجري، وهي من النُّسخ النفيسة، جاء في حاشيتها زيادةٌ لبيان هذه الفصول الثلاثة، على أنها من بداية المبتدي (ص١٤٣) هكذا: (إلا في قوله: أدَّيتُها بنفسي، وإن قال: أَخَذَها مصدِّقٌ غيرُك، وفي تلك السنة مصدّقٌ آخَرُ، وحَلَفَ: صُدِّق وإن لم تكن معه براءةٌ - أي علامةٌ -، وشَرَطَ في الأصل - أي لمحمد رحمه الله -: إخراجَ البراءة). اهـ (٤) هذا التعليل مثبتٌ في نُسخ، دون أخرى. ١٩٩ فيمَن يَمُرُّ على العاشِر ثم فيما يُصدَّقُ في السوائم وأموالِ التجارة: لم يَشترِطْ إخراجَ البراءةِ في (الجامع الصغير))، وشَرَطَه في ((الأصل)). وما صُدِّقَ فيه المسلمُ: صُدِّقَ فيه الذَّمِّيُّ. وقال الشافعي رحمه الله: يُصدَّق(١)؛ لأنه أوصل الحَقَّ إلى المستَحِقِّ. ولنا: أن حَقَّ الأخذِ للسلطان، فلا يملِكُ إبطالَه، بخلاف الأموال الباطنة. ثم قيل: الزكاةُ: هو (٢) الأولُ، والثاني: سياسةٌ(٣). وقيل: هو الثاني، والأولُ ينقلبُ نفلاً، وهو الصحيح. قال: (ثم فيما يُصدَّقُ في السوائم وأموالِ التجارة: لم يَشترِطْ (٤) إخراجَ البراءةِ في ((الجامع الصغير(٥))، وشَرَطَه في ((الأصل(٦))))، وهو روايةٌ الحسنِ عن أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه ادعىُ، ولصِدْقِ دعواه علامةٌ، فیجبُ إبرازُها. وجهُ الأول: أن الخَطَّ يُشبهُ الخطَّ، فلم يُعتبر علامةً. قال: (وما صُدِّقَ فيه المسلمُ: صُدِّقَ فيه الذَّمِّيُّ)؛ لأن ما يؤخَذُ منه ضِعفُ ما يؤخذُ من المسلم، فتُراعى تلك الشرائطُ؛ تحقيقاً للتضعيف. (١) ويُحلَّف استحباباً. مغني المحتاج ٤١٤/١. (٢) أي ما أداه أولاً، وفي نُسخ: هي. (٣) أي سياسة مالية؛ زجراً لغيره عن الإقدام عما ليس إليه. حاشية سعدي. (٤) أي الإمام محمدٌ رحمه الله. البناية ١١٣/٤، وفي نُسخ: يُشترَط. بالمجهول. (٥) ص ٨٣. (٦) ١٠١/٢. ٢٠٠ فيمَن يَمُرُّ على العاشِر ولا يُصدَّقُ الحربيُّ إلا في الجواري، يقولُ: هنَّ أمهاتُ أولادي، أو غِلمانٌ معه، يقولُ : هم أولادي. ويُؤخَذُ من المسلم: رُبُعُ العُشْرِ، ومن الذمي: نصفُ العُشر، ومن الحربي : العُشْرُ. وإن مَرَّ حربيٌّ بخمسين درهماً: لم يُؤْخَذْ منه شيءٌ، إلا أن يكونوا يأخذون مِنَّا من مثلها . قال: (ولا يُصدَّقُ الحربيُّ إلا في الجواري، يقولُ: هنَّ أمهاتُ أولادي، أو غِلمانٌ معه، يقولُ: هم أولادي). لأن الأخذَ منه بطريق الحماية، وما في يدِهِ من المالِ يَحتاجُ إلى الحماية، غيرَ أنَّ إقرارَه بنَسَبِ مَن في يده منه: صحيحٌ، فكذا بأُموميَّةٍ(١) الولد؛ لأنها تُبتنى عليه، فانعدمتْ صفةُ المالية فيهنَّ، والأخذُ لا يجبُ إلا من المال. قال: (ويُؤْخَذُ من المسلم: رُبُعُ العُشْر، ومن الذمي: نصفُ العُشر، ومن الحربي: العُشْرِ). هكذا أَمَرَ عمرُ رضي الله عنه سُعَاتَه(٢). قال: (وإن مَرَّ حربيٌّ بخمسين درهماً: لم يُؤْخَذْ منه شيء، إلا أن يكونوا يأخذون مِنَّا من مثلها)؛ لأن الأخذَ منهم بطريق المجازاة. (١) وفي نُسخ: بأمِّيَّة. (٢) الآثار لمحمد بن الحسن ٣١٢/١، الأموال لأبي عبيد ص ٦٤٠.