Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
في الاستحاضة
ولهما: أنه لا بدَّ من تقديمِ الطهارةِ على الوقت؛ ليتمكّنَ من الأداء كما
دَخَلَ الوقت، وخروجُ الوقت دليلُ زوالِ الحاجة، فظَهَرَ اعتبارُ الحدثِ
عنده.
والمرادُ بالوقت: وقتُ المفروضة، حتى لو توضََّ المعذورُ لصلاةٍ
العيد: له أن يصليَ الظهرَ به عندهما (١)، هو الصحيحُ؛ لأنها بمنزلةِ صلاةٍ
الضحى.
ولو توضأ مرةً للظهر في وقتِه، وأخرى فيه للعصر: فعندهما: ليس له
أن يصليَ العصرَ به؛ لانتقاضِهِ بخروجٍ وقتِ المفروضة.
قال: والمستحاضةُ هي: التي لا يمضي عليها وقتُ صلاةٍ إلا والحَدَثُ
الذي ابتُليَتْ به یوجَدُ فیه.
وكذلك كلّ مَن هو في معناها، وهو مَن ذكرناه، ومَن به استطلاقُ
البطن (٢)، أو انفلاتُ رِيْح(٣)؛ لأنَّ الضرورةَ بهذا تتحقَّقُ، وهي تَعُمُّ الكلَّ،
والله تعالى أعلم.
(١) أي عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
(٢) أي من به إسهالٌ. البناية ٥٧٦/١.
(٣) أي خروج الشيء فَلْتَةً وبَغْتَةً.

٣٨٢
فصل في النِّفَاس
فصل في النِّفَاس
والنِّفَاسُ هو الدمُ الخارجُ عَقِيْبَ الولادةِ.
والدمُ الذي تراه الحاملُ ابتداءً، أو حالَ ولادتِها قبلَ خروجِ الولدِ :
استحاضةٌ.
فصل في النِّفَاس
قال: (والنِّفَاسُ هو الدمُ الخارجُ عَقِيْبَ الولادةِ)؛ لأنه مأخوذٌ مِن
ءِ
تَنَفْسِ الرَّحِمِ بالدم، أو مِن خروجِ النَّفْسِ، بمعنى الولد، أو بمعنى الدم.
قال: (والدمُ الذي تراه الحاملُ ابتداءً، أو حالَ ولادتِها قبلَ خروجٍ
الولدِ: اسْتحاضَةٌ) وإن كان ممتدًّاً.
وقال الشافعيُّ(١) رحمه الله: حَيْضٌ؛ اعتباراً بالنفاس، إذ هما جميعاً من
الرَّحِم.
ولنا: أنَّ بالحَبَلِ: يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ، كذا العادةُ(٢)، والنفاسُ بعد انفتاحه:
بخروج الولد، ولهذا كان نفاساً بعد خروج بعضِ الولد، فيما يُروى عن أبي
حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأنه يَنْفتِحُ به الرَّحمُ، فيتنفّسُ به.
والسِّقْطُ الذي استبان بعضُ خَلْقِهِ: وَلَدٌ، حتى تصيرُ المرأةُ به نفساءَ،
وتصيرُ الأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ به، وكذا العِدَّةُ تنقضي به.
(١) مغني المحتاج ١١٨/١.
(٢) أي عادة الله جَرَتْ بذلك. البناية ٥٧٩/١.

٣٨٣
فصل في النِّفَاس
وأقلُّ النفاسِ : لا حَدَّ له، وأكثرُه: أربعون يوماً، والزائدُ عليه:
استحاضةٌ.
فإن جاوَزَ الدمُ الأربعينَ، وكانت المرأةُ وَلَدَتْ قَبْلَ ذلك، ولها عادة
معروفةٌ في النفاس : رُدَّتْ إلى أيامِ عادِتِها.
قال: (وأقلُّ النفاسِ: لا حَدَّ له)؛ لأنَّ تَقَدُّم الولدِ: عَلَمٌ على الخروجِ(١)
من الرَّحِمِ، فأغنىُ(٢) عن امتدادٍ (٣) جُعِلَ عَلَماً عليه، بخلاف الحيض(٤).
قال: (وأكثرُه: أربعون يوماً، والزائدُ عليه: استحاضةٌ).
الحديث أُمِّ سَلَمَة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام وَقَّتَ
للنُّفَسَاءِ أربعينَ يوماً(٥).
وهو حُجَّةٌ على الشافعي(٦) رحمه الله في اعتبارِ السِّيْن.
قال: (فإن جاوَزَ الدمُ الأربعينَ، وكانت المرأةُ وَلَدَتْ قَبْلَ ذلك، ولها
عادةٌ معروفةٌ في النفاس: رُدَّتْ إلى أيامِ عادتِها)؛ لِمَا بَيَّنَا في الحيض.
(١) أي خروج الدم.
(٢) أي أغنى تقدُّمه.
(٣) أي عند امتدادِ دمٍ. وفي نُسخ: امتدادِ ما. والصواب ما أثبتُّه. البناية ٥٨٣/١.
(٤) فإنه اشترط فيه امتداد الدم ثلاثة أيام؛ ليُعلم أن ذلك الدم من الرحم.
(٥) سنن الترمذي (١٣٩)، وقال: حديثٌ غريب، سنن أبي داود (٣١٥)، سنن
ابن ماجه (٦٤٨)، وحسَّنه النووي في المجموع ٥٢٥/٢، وينظر لطرقه وشواهده
نصب الراية ١/ ٢٤، التلخيص الحبير ١٧١/١ .
(٦) مغني المحتاج ١١٩/١.

٣٨٤
فصل في النِّفَاس
وإن لم تكنْ لها عادةٌ : فنفَاسُها أربعون يوماً.
فإن وَلَدَتْ ولدَيْن في بطنٍ واحدٍ : فنفاسُها من الولدِ الأول عند أبي
حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وإن كان بين الولدَيْن أربعون يوماً.
وقال محمدٌ رحمه الله : من الولدِ الأخير.
وتنقضي العدةُ بالولدِ الأخيرِ، بالإجماع.
قال: (وإن لم تكنْ لها عادةٌ: فنفَاسُها(١) أربعونَ يوماً)؛ لأنه أمكنَ
جَعْلُه نفاساً.
قال: (فإن وَلَدَتْ ولدَيْن في بطنٍ واحدٍ: فنفاسُها من الولدِ الأول عند
أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وإن كان بين الولدَيْن أربعون يوماً.
وقال محمدٌ رحمه الله: من الولدِ الأخير)، وهو قولُ زفر رحمه الله؛
لأنها حامِلٌ بعد وَضْعِ الأولِ، فلا تصيرُ نفساءَ، كما أنها لا تحيضُ.
قال: (و) لهذا (تنقضي العدةُ بالولدِ الأخيرِ، بالإجماع).
ولهما: أن الحاملَ إنما لا تحيضُ لانسدادِ فَمِ الرَّحِم، على ما ذكرنا،
وقد انفتح بخروج الأول، وتَنفَّسَ بالدم، فكان نفاساً.
والعِدَّةُ تعلَّقتْ بوضع حَمْلِ مضافٍ إليها، فيتناولُ الجميعَ، والله تعالى
أعلم.
٩
(١) وفي نُسخ: فابتداءَ نفاسها.

٣٨٥
باب الأنجاس وتطهيرها
باب
الأنجاس وتطهيرها
تطهيرُ النجاسةِ واجبٌ من بدنِ المصلي، وثويِهِ، والمكان الذي يصلي عليه.
ويجوزُ تطهيرُها بالماءِ، وبكلٌّ مائعٍ طاهرٍ يُمكِنُ إزالتُها به، .
باب الأنجاس وتطهيرها
قال: (تطهيرُ النجاسةِ واجبٌ من بدنِ المصلي، وثوبِهِ، والمكانِ الذي
يصلي عليه)؛ لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. المدثر / ٤.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((حُتِّيه، ثم اقْرُصِيْه، ثم اغسِلِيْه بالماء، ولا
يَضْرُّكِ أَثَرُه (١))(٢).
وإذا وَجَبَ التطهيرُ بما ذكرنا في الثوب: وَجَبَ في البدن، والمكانِ؛
لأن الاستعمالَ في حالةِ الصلاةِ يشملُ الكلّ.
قال: (ويجوزُ تطهيرُها بالماءِ، وبكلِّ مائعٍ طاهرٍ يُمكِنُ إزالتُها به،
(١) قوله: ولا يضرُّكِ أثره: مثبتٌ في طبعات الهداية القديمة، وهو في نص
الحديث النبوي الشريف.
(٢) بألفاظ متقاربة في سنن أبي داود (٣٦٢)، وسنن الترمذي (١٣٨)، وقال:
حسن صحيح، وسنن النسائي (٢٩٣)، وأصل الحديث في الصحيحين بلفظ قريب،
ينظر نصب الراية ١ / ٢٠٧.

٣٨٦
باب الأنجاس وتطهيرها
كالخَلِّ، وماءِ الورد، وماءِ الباقِلاَءِ، ونحو ذلك مما إذا عُصِرَ انعصَرَ.
وإذا أصابتِ الخُفَّ نجاسةٌ لها جرْمٌ، كالرَّوْثِ والعَذِرةِ والدمِ والمنيَّ،
فجفَّتْ، فدَلَكَه بالأرض : جاز.
كالخَلِّ، وماءِ الورد، وماءِ الباقِلاَء، ونحو ذلك مما إذا عُصِرَ انعصَرَ)،
وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمدٌ وزفرُ والشافعيُّ(١) رحمهم الله: لا يجوزُ إلا بالماء؛ لأنه
يتنجَّسُ بأول الملاقاة، والنَّجسُ: لا يفيدُ الطهارةَ، إلا أنَّ هذا القياسَ تُركَ
في الماء؛ للضرورة.
ولهما: أنَّ المائعَ قالِعٌ، والطهوريةُ: بعِلَّة القلعِ والإزالةِ، والنجاسةُ:
المجاورة، فإذا انتهتْ أجزاءَ النجاسة: يبقى طاهراً.
وجوابُ ((الكتاب(٢)) لا يُفرِّقُ (٣) بين الثوب والبدن، وهو قول أبي
حنيفة رحمه الله، وإحدى الروايتَيْن عن أبي يوسف رحمه الله.
وعنه (٤): أنه فرَّق بينهما، فلم يُجوِّزْ في البدنِ بغير الماء.
قال: (وإذا أصابتِ الخُفَّ نجاسةٌ لها جِرْمٌ، كالرَّوْثِ والعَذِرةِ والدمِ
والمنيِّ، فجفَّتْ، فدَلَكَه بالأرض: جاز)، وهذا استحسانَ.
(١) كفاية الأخيار ١٨/١.
(٢) أي مختصر القدوري.
(٣) وضُبطت في نُسخ هكذا: لا يَفْرُق.
(٤) أي عن أبي يوسف رحمه الله. البناية ٥٩٧/١.

٣٨٧
باب الأنجاس وتطهيرها
وقال محمدٌ رحمه الله : لا يجوزُ إلا في المنيِّ خاصةً.
وفي الرَّطْب : لا يجوزُ حتى يَغسِلَه.
فإن أصابَهُ بولٌ، فَبِسَ : لم يُجْزِه حتى يَغْسِلَه.
(وقال محمدٌ رحمه الله: لا يجوزُ)، وهو القياسُ، (إلا في المنيِّ
خاصةً)؛ لأن المتداخِلَ في الخُفِّ لا يُزيلُهُ الجَفَافُ والدَّلْكُ، بخلاف
المنيٌّ، على ما نذكرُه.
ولهما: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((فإن كان بهما أذىّ: فلَمْسَحْهما
بالأرض، فإن الأرضَ لهما طَهُورٌ)(١).
ولأن الجلدَ لصلابته لا تتداخَلُه أجزاءُ النجاسةِ إلا قليلٌ، ثم يَجتَذِبُه
الحِرْمُ إذا جَقَّ، فإذا زالَ: زالَ ما قامَ به.
قال: (وفي الرَّطْب: لا يجوزُ حتى يَغْسِلَه)، لأن المسحَ بالأرض
يُكثِرُه، ولا يُطَهِّرِه.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه إذا مَسَحَه بالأرض حتى لم يَبْقَ أثرُ
النجاسة: يَطْهُرُ؛ لعمومِ البلوىُ، وإطلاقٍ ما يُروَى، وعليه مشايخُنا رحمهم
الله تعالى.
قال: (فإن أصابَهُ بولٌ، فَيَيسَ: لم يُجْزِه حتى يَغْسِلَه).
(١) بألفاظ متقاربة في سنن أبي داود (٦٥٠، ٣٨٦)، صحيح ابن حبان
(٢١٨٥، ١٤٠٣)، المستدرك للحاكم (٥٩١)، ونقل في التعريف والإخبار ٩٤/١
عن النووي (في المجموع ٩٥/١) أن إسناده صحيح.

٣٨٨
باب الأنجاس وتطهيرها
والثوبُ لا يُجزىءُ فيه إلا الغَسلُ وإِن يَیِسَ.
والمنيُّ: نَجِسٌ، يجبُ غَسْلُهُ إن كان رَطْباً، فإذا جَفَّ على الثوب :
أجزأ فيه الفَرْكُ.
ءِ
وكذا كلّ ما لا جرْمَ له، كالخمر؛ لأن الأجزاءَ تتشرَّبُ فيه، ولا
جاذِبَ يجذِبُها.
وقيل: ما يتصلُ به من الرَّمْلِ والرَّمادِ: جِرْمٌ له.
قال: (والثوبُ لا يُجزئُ فيه إلا الغَسلُ وإن يَيسَ)؛ لأن الثوبَ
لتخَلْخُلِهِ: يَتداخلُه كثيرٌ من أجزاءِ النجاسة، فلا يُخْرِجُها إلا الغَسْلُ.
قال: (والمنيُّ: نَجسٌّ، يجبُ غَسْلُه إن كان رَطْباً، فإذا جَفَّ على
الثوب: أجزأ فيه الفَرْكُ).
لقوله عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها: ((فاغْسِلِيه إن كان
رَطْباً، وافرُكِيْه إن كان يابساً))(١).
(١) قال في نصب الراية ٢٠٩/١: غريب، ونقل عن ابن الجوزي أنه لا يُعرف
بهذا السياق، وإنما روي نحوه من كلام عائشة رضي الله عنها، وقال في الدراية
٩١/١: لم أجده بهذه السياقة، وفي التلخيص الحبير ٣٣/١، أنها كانت تفعل ذلك،
وقد أخرج مسلم في صحيحه (٢٩٠) عنها رضي الله عنها قالت: ((لقد رأيتني وإني
لأحكُّه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابساً بظفري))، وزادت في رواية
أخرى لمسلم (٢٨٨): ((فيصلي فيه))، وينظر البناية ٦٠٣/١.
وأما عن غَسْله، فقد روى البخاري في صحيحه (٢٣١) عنها رضي الله عنها قالت:
((كنت أغسِلُه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يخرج إلى الصلاة)).

٣٨٩
باب الأنجاس وتطهيرها
والنجاسةُ إذا أصابتِ المِرْآةَ، أو السيفَ: اكتُفِيَ بمَسْحهما.
وإن أصابتِ الأرضَ نجاسةٌ، فجَفَّتْ بالشمس، وذَهَبَ أثرُها : جازتٍ
الصلاةُ على مكانها.
وقال الشافعيّ(١) رحمه الله: المَنِيُّ طاهرٌ.
١
والحجَّةُ عليه ما رويناه.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((إنما يُغْسَلُ الثوبُ من خَمْس))(٢)، وذَكَرَ منها
المنيّ.
ولو أصاب البدنَ: قال مشايخُنا(٣) رحمهم الله: يَطْهُرُ بالفَرْك؛ لأن
البلوى فيه أشدُّ.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه لا يَطْهُرُ إلا بالغَسْلِ؛ لأنَّ حرارةَ البدنِ
جاذِبَةٌ، فلا يعودُ إلى الحِرْمِ، والبدنُ لا يُمكِنُ فَرْكُه.
قال: (والنجاسةُ إذا أصابتِ المِرْآةَ، أو السيفَ: اكتُّفِيَ بمَسْحهما)؛
لأنه لا تتداخلُه النجاسةُ، وما على ظاهرِه: يزولُ بالمسح.
قال: (وإن أصابتِ الأرضَ نجاسةٌ، فجَفَّتْ بالشمس، وذَهَبَ أثرُها:
جازتِ الصلاةُ على مكانها).
(١) كفاية الأخيار ١٢٤/١.
(٢) سنن الدار قطني ١٢٧/١، وقال: لم يروه غيرُ ثابتِ بن حماد، وهو ضعيفٌ
جداً. اهـ، مسند البزار (١٣٩٧)، وأخرجه ابن عدي، وضعَّفه، كما في الدراية ٩٢/١،
وينظر نصب الراية ١/ ٢١٠، التلخيص الحبير ٣٢/١.
(٣) أراد بهم مشايخ بخارى وسمرقند. البناية ٦٠٨/١.

٣٩٠
باب الأنجاس وتطهيرها
ولا يجوزُ التیممُ به.
وقَدْرُ الدرهمِ وما دونَه من النجاسة المغلَّظةِ، كالدمِ، والبولِ،
م
والخمرٍ، وخُرْءِ الدجاجِ، وبولِ الحمار: جازتِ الصلاةَ معه، وإن زاد : لم
تَجُزْ.
وقال زفرُ والشافعي(١) رحمهما الله: لا تجوزُ؛ لأنه لم يوجدِ المُزِيلُ.
(و) لهذا (لا يجوزُ التيممُ به(٢)).
ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((ذكاةُ الأرضِ: يُبْسُها))(٣).
وإنما لا يجوزُ التيممُ بها؛ لأنَّ طهارةَ الصعيدِ ثبَتَتَ شرطاً بنصِّ
قال: (وقَدْرُ الدرهم وما دونَه من النجاسة المغلَّظةِ، كالدمِ، والبولِ،
والخمرِ، وخُرْءِ الدجاجِ، وبولِ الحمار: جازتِ الصلاةَ معه، وإن زاد: لم
و
الکتاب، فلا تتأدَّى بما ثبتَ بالحديث.
تَجُزْ).
(١) البيان للعمراني ٤٤٦/١.
(٢) أي بتراب مكان النجاسة التي أصابت وجفَّت، وفي نُسخ: بها، وفي بداية
المبتدي : منها.
(٣) قال في نصب الراية ٢١١/١: غريب، وفي الدراية ١ / ٩٢: لم أره مرفوعاً،
واستدل في فتح القدير ١٧٤/١ بأحاديث أخرى وآثار عن الصحابة رضي الله عنهم
تشهد لمعنى الحديث المذكور.
ويُنَبَّه هنا إلى أن هذه الآثار جاءت في نُسخٍ من ابن أبي شيبة (٦٢٩) بالذال:
ذكاة، وفي أخرى: بالزاي، وينظر المقاصد الحسنة ص ٢٢٠. والذكاةُ: بمعنى الطهارة.

٣٩١
باب الأنجاس وتطهيرها
وقال زفر والشافعي(١) رحمهما الله: قليلُ النجاسةِ وكثيرُها سواءً؛ لأن
النصّ(٢) الموجِبَ للتطهير لم يَفْصِل(٣).
ولنا: أن القليلَ لا يمكنُ التحرُّزُ عنه، فيُجعَلُ عفواً.
وقدَّرناه بقَدْرِ الدرهم: أَخْذاً عن موضع الاستنجاء.
ثم يُروى اعتبارُ الدرهم من حيث المساحةُ، وهو قَدْرُ عَرْضِ الكفِّ،
في الصحيح.
ويُروى من حيث الوزنُ، وهو الدرهمُ الكبيرُ: المثقالُ(٤)، وهو ما يبلُغُ
وَزْنُه مثقالاً(٥).
وقيل في التوفيق بينهما: إن الأُولىُ: في الرَّقيق، والثانيةَ: في الكثيف.
وإنما كانت نجاسةُ هذه الأشياء مغلَّظةً: لأنها ثَبَتَتْ بدليلِ مَقطوعٍ به (٦).
(١) هذا القدر من المعفوِّ عنه عند الشافعية أيضاً، وفرَّقوا بين القليل والكثير،
ينظر كفاية الأخيار ١٧٦/١.
(٢) وهو قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. المدثر /٤.
(٣) أي بين القليل والكثير.
(٤) هكذا تم الضبط بضمٌّ لام: المثقال: في غالب نُسخ الهداية، وفي بعضها:
بالكسر، بالإضافة.
(٥) أي نحو ٤,٥ غرام.
(٦) وهو الإجماع على نجاستها. البناية ٦١٧/١.

٣٩٢
باب الأنجاس وتطهيرها
وإن كانت مخفَّفةً، كبول ما يُؤْكَلُ لحمُه : جازتِ الصلاةُ معه، حتى
يَبْلُغَ رُبُعَ الثوبِ، يُروى ذلك عن أبي حنيفة رحمه الله.
وقيل : رُبُعُ الموضعِ الذي أصابَه، كالذَّيْل، والُمِّ، والدِّخْريص.
وعن أبي يوسف رحمه الله : شِئْرٌ في شِبْرٍ .
وإذا أصابَ الثوبَ من الرَّوْثِ أو مِن أخثاءِ البقر أكثرُ من قَدْر
الدرهم : لم تَجُزِ الصلاةُ فيه عند أبي حنيفة رحمه الله.
قال: (وإن كانت مخفَّفةً، كبول ما يُؤْكَلُ لحمُه: جازتِ الصلاةُ معه،
حتى يَبْلُغَ رُبُعَ الثوبِ، يُروى ذلك عن أبي حنيفة رحمه الله)؛ لأنَّ التقديرَ
فيه: بالكثير الفاحش، والرَّبْعُ مُلْحَقٌ بالكلَّ في حقِّ بعضِ الأحكام.
وعنه: رُبُعُ أدنىُ ثوبٍ تجوزُ فيه الصلاةُ، كالمِثْزَر.
(وقيل(١): رُبُعُ الموضع الذي أصابَه، كالذَّيْلِ، والكُمِّ، والدِّخْريص.
وعن أبي يوسف رحمه الله: شِبْرٌ في شِبْرٍ).
وإنما كان مخفّفاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: لمكان
الاختلافِ في نجاسته، أو لتعارضِ النَّصَّيْن، على اختلافِ الأصلَيْن.
قال: (وإذا أصابَ الثوبَ من الرَّوْثِ أو مِن أخثاءِ البقر أكثرُ من قَدْر
الدرهم: لم تَجُزِ الصلاةُ فيه عند أبي حنيفة رحمه الله).
لأن النصَّ الواردَ في نجاسته، وهو ما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام
(١) والنص في بداية المبتدي ص٦٣ هكذا: وعن محمد رحمه الله: ربع الشيء
الذي أصابه، كالدخريص والذيل والكُمِّ.

٣٩٣
باب الأنجاس وتطهيرها
وقالا : تُجْزِئُه حتى يَفخُشَ.
رمىُ بالرَّوْثة، وقال: ((هذا رِجْسٌ، أو: رِكْسٌ))(١): لم يُعارِضْه غيرُه، وبهذا:
يثبتُ التغليظُ عندَه، والتخفيفُ: بالتعارض.
(وقالا: تُجْزِتُه حتى يَفحُشَ)؛ لأن للاجتهادِ فيه مَسَاغاً، وبهذا يثبتُ
التخفيفُ عندهما.
ولأنَّ فيه ضرورةً؛ لامتلاء الطَّرُق بها، وهي مؤثّرةً في التخفيف،
بخلاف بولِ الحمار؛ لأن الأرضَ تَنْشَفُهُ(٢).
قلنا: الضرورةُ في النِّعَال وقد أثَّرَتْ في التخفيف مرةً، حتى تطهُرُ
بالمسح، فتُكفَى مؤنتُها(٣).
ولا فَرْقَ بين مأكولِ اللحمِ، وغيرِ مأكولِ اللحم.
وزفرُ رحمه الله فرَّق بينهما، فوافَقَ أبا حنيفة رحمه الله في غيرِ مأكولِ
اللحم، ووافَقَهما في المأكول.
وعن محمدٍ رحمه الله: أنه لَمَّا دَخَلَ الرَّيَّ(٤)، ورأى بلوى الناسِ:
أفتىُ بأن الكثيرَ الفاحشَ لا يَمنعُ أيضاً.
(١) صحيح البخاري (١٥٦).
(٢) وضُبطت في نُسخ هكذا: تُنَشِّفُه.
(٣) أي مؤنة الضرورة.
(٤) مدينةٌ كبيرةٌ في عراق العجم، وهي الآن بقرب طهران في إيران، والنسبة
إليها: رازيّ، وفيها قبر الإمام محمد بن الحسن الشيباني. البناية ١/ ٦٢٢، وينظر
=

٣٩٤
باب الأنجاس وتطهيرها
وإن أصابَهُ بولُ الفرس: لم يُفْسِدْه حتى يَفحُشَ عند أبي حنيفة وأبي
يوسف رحمهما الله، وعند محمدٍ رحمه الله: لا يَمنعُ وإِن فَحُشَ.
وقاسوا عليه(١) طینَ بخارى.
وعند ذلك(٢) رجوعُه في الخُفِّ يُروى.
قال: (وإن أصابَهُ بولُ الفرس: لم يُفْسِدْه(٣) حتى يَفحُشَ عند أبي
حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وعند (٤) محمدٍ رحمه الله: لا يَمنعُ(٥) وإن فَحُشَ)؛ لأن بولَ ما يُؤْكَلُ لحمُهُ
طاهرٌ عنده، مخفّفَةٌ نجاستُه عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمه الله.
ولحمُهُ مأكولٌ عندهما (٦).
وأما التخفيفُ عند أبي حنيفة رحمه الله: فلتعارض الآثار(٧).
لتاريخها معجم البلدان ١١٦/٣.
(١) أي قاس مشايخ بخارى على قياس محمد. البناية ٦٢٣/١.
(٢) أي وعند دخول محمد رحمه الله الرّيَّ يُروى عنه رجوعه عن قوله في الخف
بأنه لا يَطهُر بالدلك، ورجع إلى قولهما أنه يطهر بالدلك. البناية ١/ ٦٢٣.
(٣) أي لم يُفسد الثوبَ، يعني لم يضره. البناية ٦٢٣/١.
(٤) وفي نُسخ: وقال محمدٌ.
(٥) أي لا يمنع جواز الصلاة
(٦) أي عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
(٧) أي في طهارة بوله، كحديث العرنيين وأحاديث التنزه عن البول، وقيل:
تعارض الآثار في لحمه. وينظر تفصيل ذلك في البناية ٦٢٤/١.

٣٩٥
باب الأنجاس وتطهيرها
وإن أصابه خَّرْءُ ما لا يُؤْكَلُ لحمُه من سباع الطيورِ أكثرُ من قَدْرِ
الدرهم : أجزأتِ الصلاةُ فيه عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله،
وقال محمدٌ رحمه الله : لا تجوز.
وإن أصابه من دَعِ السمك، أو من لُعَابِ البَغْل أو الحمارِ أكثرُ من قَدْر
الدرهم : أجزأتِ الصلاةُ فيه.
قال: (وإن أصابه خِّرْءُ ما لا يُؤْكَلُ لحمُه من سباع الطيورِ أكثر(١) من
قَدْرِ الدرهم: أجزأتٍ (٢) الصلاةُ فيه عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما
الله، وقال محمدٌ رحمه الله: لا تجوز).
فقد قيل: إن الاختلافَ في النجاسةِ، وقد قيل: في المقدارِ، وهو الأصحُّ.
هو يقول: إنّ التخفيفَ للضرورة، ولا ضرورةَ؛ لعدم المخالطة، فلا
يُخفَّفُ.
ولهما: أنها تَذْرُقُ من الهواء، والتحامي عنه متعذّرٌ، فتحقَّقَتِ الضرورة(٣).
ولو وَقَعَ في الإناء: قيل: يُقْسِدُه، وقيل: لا يُفسِدُه؛ لتعذّر صَوْنِ الأواني عنه.
قال: (وإن أصابه(٤) من دَم السمك، أو من لُعَابِ البَغْل أو الحمار
أكثرُ(٥) من قَدْر الدرهم: أجزأتِ الصلاةُ فيه).
(١) بنصب الراء؛ لأنه حالٌ من الخرء. البناية ٦٢٤/١، وجاء في نُسخ بالضم.
(٢) وفي نُسخ: جازت.
(٣) وفي نُسخ: فخُقِّفت؛ للضرورة.
(٤) أي الثوب.
(٥) وفي نُسخ: بنصب الراء.

٣٩٦
باب الأنجاس وتطهيرها
فإن انتَضَحَ عليه البولُ مثلُ رؤوسِ الإِبَرِ : فذلك ليسَ بشيءٍ .
والنجاسةُ ضربان: مَرْئيةٌ، وغيرُ مَرْئيةٍ، فما كان منها مَرْئياً: فطهارتُه زوالُ
عينِها، إلا أن يَبقى من أثرِها ما تَشُقُّ إزالتُه.
وما ليسَ بِمَرْئِيٍّ : فطهارتُه أن يُغسَلَ حتى يَغْلِبَ علىُ ظنِّ الغاسِلِ أنه
قد طَهُرَ .
أما دمُ السمكِ: فلأنه ليس بدمٍ على التحقيق، فلا يكونُ نَجساً.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه اعتبَرَ فيه الكثيرَ الفاحشَ، فاعتبَرَه نَجِساً.
وأما لُعاب البغل والحمار: فلأنه مشكوكٌ فيه، فلا يَتَنجَّسُ به الطاهرُ.
قال: (فإن انْتَضَحَ عليه البولُ مثلُ رؤوسِ الإِبَرِ: فذلك ليسَ بشيءٍ)؛
لأنه لا يُستطاعُ الامتناعُ عنه.
قال: (والنجاسةُ ضربان: مَرْيَةٌ، وغيرُ مَرْئيةٍ، فما كان منها مَرْئياً: فطهارتُه
زوالُ عينها)؛ لأن النجاسةَ حَلَّتِ المَحَلَّ باعتبار العَيْن، فتزولُ بزوالها.
(إلا أن يَبقى من أثرِها ما تَشُقُّ إزالتُهُ(١))؛ لأن الحَرَجَ موضوعٌ شرعاً.
وهذا يشيرُ إلى أنه لا يُشترطُ الغَسْلُ بعد زوال العين وإن زال بالغَسل
مرةً واحدةً، وفيه كلامٌ(٢).
قال: (وما ليسَ بمَرْيٌّ: فطهارتُه أن يُغْسَلَ حتى يَغْلِبَ على ظنِّ
الغاسِلِ أنه قد طَهُرَ)؛ لأن التكرارَ لا بدَّ منه للاستخراج، ولا يُقْطَع
(١) أي إزالةُ عين النجاسة.
(٢) أي اختلاف المشايخ رحمهم الله. البناية ٦٢٩/١.

٣٩٧
باب الأنجاس وتطهيرها
بزواله، فاعتُبر غالبُ الظنِّ، كما في أَمْرِ القِبلة.
وإنما قدَّروا بالثلاث: لأن غالبَ الظنِّ يحصُلُ عندَه، فَأُقيمَ السببُ
الظاهرُ مَقامَه؛ تيسيراً.
ويتأيَّدُ ذلك بحديث المستيقظ من مَنامه(١).
ثم لا بدَّ من العَصْر في كل مرةٍ، في ظاهر الرواية؛ لأنه هو المُستَخْرِجُ،
والله تعالى أعلم.
(١) تقدم في الطهارة، وفيه: حتى يغسلَها ثلاثاً.

٣٩٨
فصلٌ في الاستنجاء
فصلٌ في الاستنجاء
الاستنجاءَ سُنَّةٌ، ويجوزُ فيه الحَجَرُ والمَدَرُ، وما قامَ مَقامَهما، يَمسَحُه
حتى يُنَقِه، وليس فيه عددٌ مَسْنونٌ.
فصلٌ في الاستنجاء
قال: (الاستنجاءَ سُنَّةٌ)؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام واظَبَ عليه (١).
ءُ
قال: (ويجوزُ فيه الحَجَرُ وِالمَدَرُ(٢)، وما قامَ مَقامَهما، يَمسَحُهُ(٣) حتى
يُنَقِيُه)؛ لأنَّ المقصودَ هو الإنقاءَ، فيُعتبرُ ما هو المقصودُ.
قال: (وليس فيه عددٌ مَسْنونٌ).
وقال الشافعي(٤) رحمه الله: لا بدَّ من الثلاث؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((ولَيَسْتَنْجِ بثلاثةِ أحجارٍ))(٥).
ولنا: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((مَن استجْمَرَ منكم: فليوتِر، فمَن
فَعَلَ: فحَسَنٌ، ومَن لا: فلا حَرَجَ))(٦)، والإيتارُ يقعُ على الواحد.
(١) صحيح البخاري (١٥٢)، صحيح مسلم (٢٧١).
(٢) أي التراب المتلبِّد. المصباح المنير (مدر).
(٣) أي يمسح موضع المخرَج إلى أن يُنقِيُه.
(٤) كفاية الأخيار ١/ ٥٧.
(٥) صحيح البخاري (١٥٦)، صحيح مسلم (٢٦٢).
(٦) سنن أبي داود (٣٥)، وسكت عنه، سنن النسائي (٨٨)، سنن ابن ماجه
=

٣٩٩
فصلٌ في الاستنجاء
وغَسْلُه بالماء : أفضل.
ولو جاوَزَتِ النجاسةُ مَخْرَجَها: لم يَجُزْ فيه إلا الماء.
وما رواه: متروكُ الظاهرِ، فإنه لو استنجى بحَجَر له ثلاثةُ أحرُفٍ:
جاز، بالإجماع.
قال: (وغَسْلُهُ بالماء: أفضلُ)؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ
يَنَطَهَّرُوا﴾. التوبة/١٠٨.
نَزَلَتْ في أقوامٍ كانوا يُشْعُون الحجارةَ الماءَ(١).
ثم هو (٢) أدبُ(٣)، وقيل: هو سُنَّةٌ في زماننا.
ويَستعمِلُ الماءَ إلى أنْ يَقَعَ في غالِبِ ظنِّه أنه قد طَهُرَ، ولا يُقدَّرُ
بالمرَّات، إلا إذا كان مُؤَسْوِساً، فيُقدَّرُ بالثلاثِ في حقِّه، وقيل: بالسَّبْعِ.
قال: (ولو جاوَزَتِ النجاسةُ مَخْرَجَها: لم يَجُزْ فيه إلا الماءَ).
وفي بعض النُّسَخِ(٤): إلا المائعُ.
وهذا يُحقِّقُ اختلافَ الروايتَيْن في تطهير العضوِ بغير الماء، على ما بيَّنَا.
(٣٣٧)، وأصله في البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٢)، بدون الزيادة.
(١) سنن أبي داود (٤٤)، وسكت عنه، سنن الترمذي (٣١٠٠)، وقال: حديث
غريبٌ، سنن ابن ماجه (٣٥٥)، وهم أهل قُباء، كما هو صريح بعض الروايات.
(٢) أي الغسل بالماء بعد استعمال الحجر ونحوه.
(٣) أي لأنه لم يواظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو سنةً فيما بعد لتغير
حال الناس. ينظر البناية ٦٤٥/١.
(٤) أي نُسَخ مختصر القدوري. البناية ٦٤٦/١.

٤٠٠
فصلٌ في الاستنجاء
ولا يَستنجي بعَظْمٍ، ولا برَوْثٍ، ولا بطعامٍ، ولا بيمينه.
وهذا لأن المسحَ غيرُ مُزِيلٍ، إلا أنه اكتُفِيَ به في موضع الاستنجاء،
فلا يتعدَّاه.
ثم يُعتبرُ المقدارُ المانعُ وراءَ موضعِ الاستنجاءِ عند أبي حنيفة وأبي
يوسف رحمهما الله؛ لسقوط اعتبارِ ذلك الموضع.
وعند محمدٍ رحمه الله: مع موضع الاستنجاء؛ اعتباراً بسائر المواضع.
قال: (ولا يَستنجي بعَظْمٍ، ولا برَوْثٍ)؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام
نهى عن ذلك(١).
ولو فَعَلَ: يُجْزِئه؛ لحصولِ المقصود.
ومعنى النهي في الرَّوْث: النجاسةُ، وفي العَظْم: كونُه زادَ الحِنِّ.
(ولا) يَستنجي (بطعامٍ)؛ لأنه إضاعةٌ، وإسرافٌ.
(ولا بيمينه)؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام نهى عن الاستنجاء
باليمين(٢)، والله تعالى أعلم.
(١) صحيح البخاري (١٥٥)، صحيح مسلم (٢٦٢)، وقد بيَّن صلى الله عليه
وسلم أن العَظْمَ يكون طعاماً للجن، والرَّوْثَ يكون عَلَفاً لدوابِّهم.
(٢) صحيح البخاري (١٥٣)، صحيح مسلم (٢٦٧).