Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
شروحُ الهداية والأعمالُ العلمية التي قامت عليها
شروحُ الهداية والأعمالُ العلمية التي قامت عليها
إن مما كَتَبَ الله له الرضا والمحبةَ والقبولَ في الأرض: كتابَ الهدايةِ
للإمام المرغيناني، فقد اعتنى به فقهاء المذهب الحنفي عنايةً خاصةً،
وأولَوْه رعايةً عجيبةً، ما بين شارحٍ له بَيَسْطٍ وسَعَةٍ، وما بين متوسِّطٍ في
شرحه، ومختصِرِ فيه، وما بين معلَقِ عليه تعليقاتٍ لطيفة، وكاتِبٍ عليه
حواشٍ نافعة مفيدة نادرة، وما بين مختصِرِ للهداية نفسها، ومختصِرِ
لمختصرها، وكذلك حواش على الشروح.
وهكذا حتى بلغ عددُ الأعمال العلمية التي جمعتُها مما قام على
الهداية مائة وعشرين (١٢٠) عملاً ودراسةً، بل تصل إلى أكثر، ولم يُطَبَع
من شروح الهداية إلا نحو عشرة منها ونيِّف.
كما اعتنى فريقٌ من كبار المحدِّثين بتخريج أحاديثه وآثاره المستدلِّ
بها، وبيانِ درجتها، والحكم عليها، وأفردوا لها كتباً خاصةً، ولم يُطبع
منها إلا نصبُ الراية للزيلعي، والدرايةُ لابن حجر، ومنية الألمعي، وقد
اهتمَّ بهذا الجانبِ الحديثِيِّ بعضُ شُرَّاحها، كالسَّروجيِّ في الغاية، والعينيِّ
في البناية، وابنِ الهمام في فتح القدير.
وهكذا كثُر شُرَّاحُ الهداية كثرةً واضحةً في مختلف البلاد، الشاميةِ
والمصرية والعراقية وبلاد ما وراء النهر وبلاد الروم وغيرها، وهم أئمةً
أجلاءُ كبارٌ، متفنّنون في علوم عديدة.

١٠٢
شروحُ الهداية والأعمالُ العلمية التي قامت عليها
وقد أشار الإمام العيني إلى هذه الكثرة في البناية ٣٢٦/١، حيث قال:
((ولم أرَ أحداً من الشرَّاح مع كثرتهم تعرَّض إلى ... )). اهـ
وقال العلامة طاش كُبْري زاده (ت٩٦٨هـ) في مفتاح السعادة
٢٤٠/٢: ((إن العلماء اعتَنَوْا بشرح كتاب الهداية كثيرَ اعتناءِ، إلا أنَّ مَن
اجترأ على شَرْحه(١) إنما هو واحدٌ من الأفراد، ولنذكر ها هنا شروحَه
المشهورة في بلادنا؛ ليَتَنبَّه عليها الطالبُ، ويجتهدَ في تحصيلها، ويَنتفعَ
بمطالعتها)). اهـ.
وقد ذكر حاجي خليفة (ت١٠٦٧ هـ) في كشف الظنون ٢٠٣١/٢ ما
يزيد على ستين عملاً علمياً على الهداية، ما بين شرحٍ وتعليقِ وحاشيةٍ
واختصارٍ وتخريجٍ لأحاديثها.
وللأستاذ محمد حِفْظ الله الكُمِلاَّئي من بنغلادش بحثٌ لطيفٌ سمَاه:
((ما ينبغي به العنايةُ لمن يُطالِعِ الهداية)).
قدَّمه في مرحلة شهادة التخصص، في جامعة العلوم الإسلامية (علامة
بَنُوري تاؤن) في كراتشي، بإشراف شيخنا العلامة الشيخ محمد عبد الرشيد
النعماني رحمه الله، وقد انتهى منه سنة ١٤٠٨ هـ، وطَبَعَه سنة ١٤٢٣ هـ،
ونُشر في مكتبة شيخ الإسلام، في داكا ببنغلادش.
جَمَعَ في هذا البحث مائةً وثلاثةً من الأعمال العلمية على الهداية،
لكنه أطال جداً في ترجمة أصحابها، ويحتاج الأمر إلى تحرير وتمحيص
واختصار، وبیان لأمورٍ لا بد منها.
(١) أي مَن خصَّه بشرحٍ كبيرٍ مفصَّلٍ، كالنهاية وغاية البيان والبناية ونحوها.

١٠٣
شروحُ الهداية والأعمالُ العلمية التي قامت عليها
وقد وصلني هذا البحث هديةً من الأخ الكريم الأستاذ محمد ياسر
عبد الله، من كراتشي.
وأسرد فيما يلي ما وقفتُ عليه من شروحٍ وأعمالِ علمية على
الهداية، وقد بلغت مائةً وعشرين عملاً (١٢٠)، وفيها ما لم يذكره مَن
تقدم، مع بيانٍ فيها لما لا يسع تركه، وأقدِّم ذِكرَ المطبوع منها، وما يتصل
بها، ثم أُعقبُها بأهمِّ الشروح المخطوطة التي لم تُطبع بعد، ثم الكتب التي
اعتنت بتخريج أحاديث الهداية، وأختمها بذِكر ما وقفتُ عليه من بقية
الشروح مما ذُكر في كتب التراجم، مرتِباً لها بحسب التقدُّم الزمني
للمؤلف، والله المستعان.

١٠٤
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
١- وقاية الرواية في مسائل الهداية، لبرهان الشريعة محمود بن أحمد
صدر الشريعة الأكبر (توفي أوائل الثامن)، قال في مقدمتها:
((حَمْدُ مَن جَعَلَ العلمَ أجلَّ المواهب الهَنِيَّة وأسناها، وأعلى المراتب
السَّنيَّة وأسماها: أحسنُ ما يُفتتح به الكلام، ... ، وبعد:
فإن الولدَ الأعزَّ عبيدَ الله - صَرَفَ الله أيامَه بما يُحبُّه ويرضاه - لَمَّا فَرَغَ
من حفظِ الكتب الأدبية، وتحقيقٍ لطائف الفضل ونُكَت العربية، أحببتُ أن
يَحفظَ في علم الأحكام كتاباً رائعاً، ولعيون مسائل الفقه راعياً، مقبولَ
الترتيب والنظام، مستَحسناً عند الخواصِّ والعوامِّ.
وما أَلْفيتُ في المختصرات ما هذا شأنُه، فَأَلَّفتُ في رواية كتاب
الهداية ... مختصراً جامعاً لجميع مسائله، خالياً عن دلائله، حاوياً لِمَا هو
أصح الأقاويل والاختيارات، وزوائدٍ فوائدِ الفتاوى والواقعات، وما يُحتاج
إليه من نظم الخلافيات، موجزاً ألفاظُه نهايةَ الإيجاز، ظاهراً في ضبط
معانيه مخايلُ السحر ودلائلُ الإعجاز، موسوماً بـ: وقاية الرواية في مسائل
الهداية، واللهُ المسؤولُ أن ينفع حافِظِيه والراغبين فيه عامةً، والولدَ الأعزَّ
عبيد الله خاصةً، إنه خير مأمول، وأکرم مسؤول)). اهـ
وهو كتابٌ مطبوعٌ مشهورٌ جداً، متداولٌ للغاية وبخاصة في بلاد ما
وراء النهر، وعليه شروحٌ وحواشٍ كثيرة.

١٠٥
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
وله مختصر مشهورٌ باسم: النقاية، لصدر الشريعة الحفيد عبيد الله بن
مسعود المحبوبي (ت٧٤٧هـ)، الذي أُلَّف كتاب الوقاية من أجل أن يَحفظه،
وقد جاء في مقدمة النقاية: ((ألّف جدي برهان الشريعة لأجل حفظي كتاب:
وقاية الرواية في مسائل الهداية ... ))، وله علیه شرحٌ مشهور متداول.
وينظر لترجمة الجد والحفيد: الفوائد البهية ص١٠٨، ٢٠٧، ومقدمة
عمدة الرعاية للإمام اللكنوي، وما فيها من اختلاف في الأسماء والوفاة.
٢- الكفاية شرح الهداية، للإمام جلال الدين بن شمس الدين
الخوارزمي الكِرْلاني، المتوفى سنة ٧٦٧هــ، كما في الفوائد البهية
ص٥٨، وكشف الظنون ٢٠٣٤/٢.
وهو عبارة عن شرحٍ بالقول، حيث يختار كلمةً أو جملةً ويُعلِّقُ
عليها، وليس له في المطبوع مقدمةً للمؤلف، ولا خاتمة.
وهو مطبوعٌ مع شروح الهداية: فتح القدير لابن الهمام وغيره.
وقد طُبع من قبل مفرداً أيضاً في كلكته على الحجر، سنة ١٨٣٤م، أي
منذ ٢٨٣ سنة.
وطُبع في قزان في روسيا، سنة ١٨٣٢م، في أربعة مجلدات، بحرف
كبير الحجم، ويوجد منه الجزء الثالث والرابع في مكتبة الحرم المكي،
وعدد أوراق هذه الأجزاء الأربعة متتالية ١٨٢٠ صفحة.

١٠٦
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
٣- العناية شرح الهداية، للإمام أكمل الدين البابرتي محمد بن محمد
محمود (١) بن أحمد، كما في تاج التراجم ص٢٧٦، والفوائد البهية
ص١٩٥، وكذلك في الأعلام ٤٢/٧ نقلاً عن خط البابرتي، بكسر الباء،
نسبةً لمدينة بابرت من أعمال مدينة أرض روم، في بلاد تركيا، الرومي
الحنفي، ولد سنة بضع وعشرة وسبعمائة، وتوفي سنة ٧٨٦هـ.
كان إماماً فقيهاً أصولياً محققاً مدققاً، بارعاً في الحديث وعلومه،
حافظاً ضابطاً، ذا عناية في اللغة وعلومها.
ويقع كتاب العناية في مجلدين، وقد أحسن فيه وأجاد، وهو شرحٌ
معتبرٌ في البلاد الرومية، كما في كشف الظنون ٢٠٣٥/٢.
وذكر في مقدمته أنه لخّصه من كتاب النهاية شرح الهداية للصغناقي،
وذلك لعُسْرة استحضارها في الدروس لبعض إطنابٍ فيه، وأنه اختصره
على ما يُحتاجُ إليه في حَلِّ ألفاظِ الهداية، وبيان مبانيه، ويحصل به تطبيق
الأدلة على تقرير أحكامه ومعانيه فجَمَعَ منه ومن غيره من الشروح،
واجتهد في تنقيحه وتهذيبه، وسماه: العناية؛ لحصوله بعون الله سبحانه
وتعالى. اهـ
قال ابن الشحنة (ت٨٩٠هـ) في مقدمة شرحه للهداية: نهاية النهاية
حين ذكر العناية قال: ((وشَرْحُه في غاية الإيجاز، والملاحة)). اهـ
(١) وجعله بعضهم كما في مقدمة المؤلف في المطبوع: محمد بن محمود.

١٠٧
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
وقد طُبع كتاب العناية مع شروح الهداية وفتح القدير، كما طُبع مفرداً
قديماً في كلكتا سنة ١٨٣١ ميلادي، أي منذ ٢٨٦ سنة، في أربعة
مجلدات، بحرفٍ كبير الحجم.
٤- حاشيةٌ على العناية، للإمام سعدي جلبي، واسمه: سعد الله بن
عيسى بن أمير خان الرومي، شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، المتوفى
سنة ٩٤٥هـ، له ترجمة في الشقائق النعمانية ص ٢٦٥، وينظر لزاماً
الطبقات السنية للتميمي ٢٧/٤، والفوائد البهية ص٧٨.
وترجم له تلميذه الشيخ عبد الرحمن بن سيدي علي الأماسي، وذلك
في مقدمة هذه الحاشية التي جمعها لشيخه من نسخة المؤلف الخاصة،
وهي مطبوعة أسفل العناية مع شروح الهداية.
وذكر طاش كبري زاده في الشقائق النعمانية أن العلامة سعدي كان
من جملة الذين صرفوا جميعَ أوقاتهم في الاشتغال بالعلم، وكان قد مَلَكَ
كتباً كثيرةً، واطلع على عجائبَ من الكتب، وكان ينظر فيها، ويحفظ
فوائدَها، وكان قويَّ الحفظ جداً.
وذكر تلميذه الشيخ عبد الرحمن أنه «انعقد الإجماعُ على تبحره
وتعمُّقه، واتفقت الآراء على تمهُّره وتفوُّقه ... ، قال:
ولَمَّا يسَّر الله الفوزَ بكتاب الهداية والعناية من كتبه، اللذين صَرَفَ
الأستاذُ أكثرَ عمره في تحشيتهما، بحيث صار كل منهما نتيجة عمره،
وثمرة سنِّه، وقُرَّة عينه، وجَلاء حُزْنه: قوِيَ عزمي على وجوب إشاعة غُرَر
فوائدِ فضله المكنون المهجور، وإذاعةِ دُرَر فرائد نُبْله المستور في هوامش
الأوراق وخلال السطور.

١٠٨
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
فشرعتُ في جمع ما كتَبَه على هوامش الهداية، وشرحٍ أكمل الدين،
وأسرعتُ إلى تكميله وتتميمه بالتدوين ... ، فصار - أي حاشيته على العناية
- كتاباً فائقاً ممتازاً من سائر الحواشي، بجزالة كلامه، وتجرُّدِ تراكبيه عن
التعقيد والغواشي، حاوياً على ثلاثة آلافٍ من النقض والإبرام، سوى
التصرفات المتعلقة برفع الإيهام، ودفع الأوهام الناشئة من مخالفة الكلام،
ومدافعة المرام)). اهـ باختصار.
* وقد ترجم لجامعها هذا المولى عبد الرحمن بن علي الأماسي
صاحب العقد المنظوم ص٤٧٦، وأثنى عليه في علومه، وانتقده في
أمور، وذكر جَمْعَه لحاشية شيخه سعدي على العناية.
* وهذه الحاشية عبارةٌ عن تعليقات مختصرة دقيقة نافعة للغاية،
موضِّحةٌ مبيِّنَةٌ، وفيها مناقشاتٌ وتصويباتٌ تدل على مكانته العالية في
العلوم، وعُلوِّ شأنه في التحقيق والتدقيق.
ووصفها في كشف الظنون ٢٠٣٥/٢ بقوله: ((سَلَكَ في تحرير أكثر
المباحث مسلك الإيجاز، فأعجز الناظرين)». اهـ
وذكرها التميمي في الطبقات السنية ٣١/٤، وقال:
((وله حاشيةٌ على الهداية وشَرْحِها للشيخ أكمل الدين، وهي - أي
حاشيته على العناية - من الكتب المهمة الكثيرةِ النفع، المتداولةِ بين أهل
الفضل، وكفى بها دلالة علىُ وُسْع اطلاعه، واطلاعاً على دقةِ فهمه.
وقد تَرَكَها مسوَّدَةً، وإنما جَمَعَها ورتَّبها على هذا الأسلوب تلميذُه
عبد الرحمن أفندي، وكان في الصناعة قليلَ البضاعة - قلت سائد: ستأتي
ترجمته قريباً -، فربما رأى في بعض الأماكن حاشيةً لم يَجعل المصنفُ لها

١٠٩
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
علامةً، فينقلُها في غير محلُّها، فيأتي مَن لا علمَ له، ويعترضُ على
المؤلف، والبلاءَ مِن سوءِ فَهْم الذي جَمَعَ)). اهـ
* قلتُ: وأما حاشيته على الهداية بخط يده، وهي عندي فلم تُجمع
إلى الآن، ولم تُطبع، وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله عند ذكر أهم
شروح الهداية المخطوطة.
٥ - أجوبةٌ عن اعتراضاتٍ كثيرةٍ في شرح الهداية للشيخ أكمل الدين،
ذكرها التميمي في الطبقات السنية ٢٦٧/١ في ترجمة الإمام حميد الدين
ابن أفضل الدين الحسيني، قاضي القسطنطينية ومفتيها، المتوفى سنة
٩٠٨هـ، قال: ((وله مؤلفاتٌ مقبولة، منها: أجوبةٌ عن اعتراضاتٍ كثيرةٍ في
شرح الهداية للشيخ أكمل الدين، كتبها وهو مدرِّسُ بمرادية بروسة، في
بلاد الروم». اهـ
٦- حاشية على العناية، لسري الدين محمد بن إبراهيم الدروري
المصري الحنفي، المتوفى سنة ١٠٦٦ هـ، كما في هدية العارفين ٢٨٧/٢.
٧- البناية في شرح الهداية، وهو أفضل شروحها، للإمام المفَّن بدر
الدين محمود بن أحمد العيني، المتوفى سنة ٨٥٥هـ، وقد عاش ٩٣
سنة، له مؤلفاتٌ رائعةٌ كثيرةٌ، في فنونٍ عديدة، وله ترجمة في الفوائد
البهية ص٢٠٧، و کُتِب عنه عدة ترجمات.
وكان سريع الكتابة، حتى استُفيض عنه أنه كتَبَ مختصرَ القدوري في
ليلةٍ واحدة، كما في الضوء اللامع للسخاوي ١٣٣/١٠.
قال في مقدمة البناية: (( .... ، فلذا تصدَّى لشرحه - أي الهداية -
جماعةٌ من الفضلاء، وطائفةٌ من النبلاء، لشرحه بالإيضاح، وإظهارِ ما فيه

١١٠
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
من الأسرار بالإفصاح، فمنهم مَن طوَّل وأَمَلَّ، ومنهم من قَصَّر وأخَلَّ،
ومنهم مَن أظهر الفضيلةَ بكثرة الأسئلة والافتراضات، ومنهم مَن اقتصر
على مواضعَ من المشكلات.
ومع هذا: لم يُعطِ أحدٌ منهم حَقَّه، ولم يذكر شيئاً يوافِقُ خَلْقَه، على
31
أن الفضلَ لهم في هذا الباب بسَبْقُهم في كلَّ شيءٍ، ولم أذكر ذلك للبَخْسِ
في حقُّهم أصلاً، لأني لم أَلحَقْهم في ذلك علماً وفضلاً، ولكني رأيتُ
مبنى هذا الفنِّ على الكتاب والسُّنَّة ... )). اهـ
ثم قال: ((وقد نَدَبَني جماعةٌ من الإخوان، وطائفةٌ من خُلَّصَ الخِلاَّن
إلى أن أغوصَ في هذا البحر الزاخر، وأستخرجَ من دُرَرِهِ الزواهر ... ،
وشَرَحْتُه بحيث صار ما رسَّختُه مقصداً لكل واردٍ من كلِّ أَوْب، ومَطْلباً
لكل مَن شدَّ الركاب من كل صَوْب، ويصدُرُ مَن وَرَدَ حافلاً، ومَن يرومُ
مذهباً من المذاهب يرجع حاملاً، وكتابي فيه شفاءً لكلَ عَليلٍ، ورِيٌّ شافٍ
31
لكلِّ غَلیل)). اهـ
وقد بيَّن العيني رحمه الله في البناية ٣٣٩/١٥ مقصده من شرحه هذا،
فقال: (( ... لأن المقصودَ من شَرْح هذا الكتاب: حَلَّ ألفاظِهِ، وبيانُ صور
مسائله، وليس المقصودُ أن يُذكَرَ فيه ما ذَكَرَه المتقدِّمُون من المُجْمَل
والمفصَّل ... )). اهـ
وقد انتهى العيني من تأليفه في القاهرة، شهر محرم، سنة ٨٥٠هـ،
وهو في سنِّ التسعين من عمره، وكان قد ابتدأ به سنة ٨١٧هــ، مع انشغاله
بتآلیف أخری له.

١١١
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
قال المفتي الشيخ محمد عاشق إلهي البرني المدني (ت١٤٢٢ هـ)
رحمه الله في المقدمة التي كتبها لطبعة البناية بتحقيق الشيخ مسعود أحمد
الملتاني، قال واصفاً البناية:
((هو شرحٌ كبيرٌ ضخمٌ للهداية، وشَرْحه هذا يفوقُ على شروح
الآخَرين، فإنه جعل كتابَ الهداية كله ممزوجاً في شرحه، ولا يترك كلمةً
إلا شَرَحَها، ولا معضلةً إلا فَتَحَها، يسوق الدلائل، ويوضِّح المسائل،
ويبيِّن اللغات، ويُظهر التراكيبَ، وإعرابَ الكلمات، ويستدل بالأحاديث
والآثار، ويتكلّم في رواة الأخبار، ولا يصطبر قلمُهُ السيِّلُ حتى يبَيِّن كلَّ ما
يحتاج إليه الطالبون، والفحول من الرجال)). اهـ
قلت: وأيضاً كانت له عناية كبيرةً ببيان الفوارق الهامة الواقعةِ بین نُسخ
الهداية، وفوارق نُسخ مختصر القدوري.
وكان يُكثر النقلَ عن نهاية الكفاية لتاج الشريعة، ومعراج الدراية
للكاكي، والعناية للبابِرتي، وغاية البيان للإتقاني، ويقول: قال الأترازي،
ويتعقَّبه كثيراً.
كما كان يعتمد كثيراً تخريج الزيلعي في نصب الراية، وابن التركماني
والقرشي وغيرهم، ويزيد عليهم في كثير من الأحيان.
وله جولاتٌ رائعةٌ في مباحث أصول الفقه، وقواعد استنباط
الأحكام، ويعتني بتحرير النقل عن مذهب مالك والشافعي رحمهما الله
فیما نُسب إليهما.
وهكذا يورد أحياناً فروعاً كثيرةً زيادة عما في الهداية، وكذلك يعرِّف
بالرجال والعلماء المذكورين، ويترجم لهم باختصار.

١١٢
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
وهو من أمتع الشروح، وأنفع ما كُتب على الهداية حَلّ لغوامض نصِّ
الهداية، وصَدَقَ مؤلِّفُه حيث قال: ((وكتابي فيه شفاءٌ لكلِّ عَليلٍ، ورِيٌّ
شافٍ لكلُّ غَلیل)).
وأما ما قاله العلامة اللكنوي في الفوائد البهية ص٢٠٨ حين ذكر
للعيني كتاب البناية ورمز الحقائق ومنحة السلوك شرح تحفة الملوك، قال:
((وكلها مفيدةٌ جداً، وله بسطٌ في تخريج الأحاديث، وكَشْفِ معانيها،
وسَعَةِ نظرٍ في الفنون كلها، ولو لم يكن فيه رائحة التعصب المذهبي لكان
أجود وأجود». اهـ
قلت: ما قاله في الثناء عليه: فالعيني أكثر من هذا وأكثر، وما قاله بعد
ذلك من اتهامه بالتعصب: فلا يُعتبر، ولا يُذكر، ورحم الله الجميع.
وكتاب البناية مطبوعٌ بمفرده طبعةً حجرية قديمةً، في نوالكيشور،
سنة ١٢٩٣ هـ، في أربعة مجلدات، وميَّزوا فيها متن الهداية بـ: (م)،
وشرح البناية بـ: (ش).
كما طُبع في دار الفكر ببيروت طبعةً مغلوطةً جداً جداً، في ١٢ مجلداً.
ثم طُبع في ملتان باكستان، بتحقيق مسعود أحمد المُلتاني، وأتمّ
تحقيقه ولدُه فيض أحمد، وخرج في ١٦ مجلداً، ولكن لم يعتمدوا نسخة
المؤلف بخطه في ستة مجلدات، الموجودة في دار الكتب المصرية
بالقاهرة، وينظر الفهرس الشامل ٢٤٦/١١.
وبالجملة فهي الأخيرة طبعةٌ مقبولةٌ إلى حدٍّ ما، ومع هذا فهناك
نصوصٌ مثبتة في طبعة بيروت، ساقطةً من طبعة ملتان، وأخطاء مطبعيةٌ،

١١٣
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
ولا تدري من أين أتوا بنص الهداية الذي اعتمدوه وأثبتوه أعلى البناية،
وكذلك نصُّها المثبت ضمن البناية، والله المستعان.
وهناك مشروعٌ لتحقيق البناية في جامعة العلوم الإسلامية العالمية في
عمَّان بالأردن، تقاسمه أكثر من ثلاثين طالباً، وقد أُخِذت في تحقيقه
رسائلُ ماجستير ودكتوراه، وانتهىُ قسمٌ منهم.
* وذكر البغدادي في هدية العارفين ٤٢١/٢ من كتب الإمام بدر
الدين العيني كتاب: نهاية البيان شرحٌ آخر على الهداية للمرغيناني. هكذا،
والله أعلم.
٨- فتح القدير للعاجز الفقير، للإمام الفقيه الأصولي المحدِّث المفَّن
كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي، المعروف بابن الهُمَام،
المتوفى سنة ٨٦١هـ، له ترجمة في الفوائد البهية ص ١٨٠، وقد أفردتُ له
ترجمةً في مقدمة تحقيقي لكتابه: زاد الفقير.
وقد توفي رحمه الله ولم يُكمله، ووصل فيه إلى أوائل كتاب الوكالة،
ويقع في مجلدین.
يقول ابن الهمام في مقدمته: ((وبعد: فهذا تعليقٌ على كتاب الهداية،
شرعت فيه سنة ٨٢٩هـ عند الشروع في إقرائه لبعضِ الإخوان، أرجو
من كَرَمِ اللهِ سبحانه أن يَهدِيَني فيه صَوْبَ الصواب، وأن يجمعَ فيه
أشتاتَ ما تفرَّق من لُبِّ اللباب؛ ليكون عُدَّةً لطالبي الرواية، ومرجعاً
لِصارِفي العناية في طلب الهداية.
وإني كنتُ قَرَأْتُ تمامَ الكتاب سنة ٨١٨هـ، على وجه الإتقان
والتحقيقِ على سيدي الشيخ الإمام بقيَّةِ المجتهدين، وخلفِ الحَفّاظِ

١١٤
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
المتقنين سراج الدين عمر بن علي الكناني، الشهير بقارئ الهداية،
تغمَّده الله برحمته ... ، وسمَّيته بـ: فتح القدير للعاجز الفقير)). اهـ
قال الإمام السخاوي في الضوء اللامع ١٢٨/٨: ((إن ابن الهمام قرأ
الهدايةَ بتمامها على قارئ الهداية سراج الدين سنتَيْ ثماني عشرة، والتي
تليها، وبه انتفع، وكان يُحاققُه ويضايقُه، بحيث كان يُحرَج منه، مع
وَصْف ابنِ الهمام له بالتحقيق في كل فنٍّ ... ، وكَتَبَ له السراجُ: إنه أفاد
أکثر مما استفاد. اهـ
قلت: وهو شرحٌ على الهداية بالقول، حيث يختارُ الشارح كلمةً أو
جملةً منها ويشرحها ويعلِّق عليها، وليس هو شرحاً لكل كلمة من
الهداية، وهو في الوقت نفسه شرحٌ مطوَّلٌ مبسوط فيما علَّق عليه،
وبخاصة في الاستدلال حديثياً وأصولياً ومناقشةً، وهو كتابٌ دقيقٌ جداً
يحتاج إلى إمعان نظر، ودقة في الفهم.
وقد تلقاه علماء المذهب وغيرهم بالقبول التام، والاعتبار العجيب،
بل كان المرجعَ لكبار العلماء، وانتفعوا به كثيراً.
* يقول في وَصْفه ابن الشحنة الحلبي (ت ٨٩٠هـ) في مقدمة شرحه
على الهداية: نهاية النهاية، بعد أن ذكر أن ابن الهمام كان صاحباً له، وأنه
كان إماماً علاَّمةً، قال: ((شَرَحَ الهدايةَ شرحاً مختصراً، مُبِيناً عن تحقيقِ
وتدقیق، وحُسنِ تأمُّل، وجودةٍ، وحُسن استدراكات)). اهـ
* ويقول الإمام المدقق المحقق المفَّن الشيخ أبو الحسن السندي
الكبير المدني (ت١١٣٨ هـ)، في كتابه: البدر المنير في الكشف عن
مباحث فتح القدير:

١١٥
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
( ... فتح القدير، وهو كتابٌ جليلٌ، لا يليق بمثلي التصدِّي لحَلِّ
مباحثه، كيف وهو رحمه الله تعالى تصدَّى لتحقيق دلائل الفقه الحنفي،
المشهورِ بين كثيرٍ من العلماء بأنه مبنيٌّ على الآراء، فحقَّق دلائلَه من السُّنَّة
والكتاب، وكَشَفَ عن لَبِّ لأولي الألباب، حتى انكشف أنه الثابتُ على
نهج الصواب)). اهـ
وهو مطبوعٌ مع عددٍ من شروح الهداية، وكُتب على عنوانها خطأً: شرحٌ
فتح القدير، وطبعاته متعددة، حيث طُبع مع بقية الحواشي في ٨ مجلدات،
بدون الكفاية للخوارزمي، وطُبع مع الكفاية في ٩ مجلدات، كما طُبع في
عشر مجلدات، وهذا كله مع تتمته: نتائج الأفكار لقاضي زاده.
٩- تلخيص فتح القدير، للإمام إبراهيم بن محمد الحلبي، المتوفى
سنة ٩٥٦هـ، له ترجمة في الشقائق النعمانية ص٢٩٥، إعلام النبلاء
٥٣٤/٥، الأعلام ٦٦/١.
ويقع هذا التلخيص في مجلدٍ واحد، وله فيه مؤاخذاتٌ على ابن
الهمام، وقد ذكره له صاحب كشف الظنون ٢٠٣٣/٢.
١٠- حاشية على فتح القدير، للإمام الفقيه المحدث علي بن سلطان
القاري المكي، المتوفى سنة ١٠١٤هـ، له ترجمة في الفوائد البهية ص٨،
ويقع في مجلدين، ذكره البغدادي في هدية العارفين ٧٥٢/١.
١١ - البدر المنير في الكشف عن مباحث فتح القدير، للإمام المدقق
المحقق النِّحرير، فريد دهره، ووحيد عصره أبي الحسن السندي الكبير
محمد بن عبد الهادي التّوي، المتوفى بالمدينة المنورة سنة ١١٣٨هـ،
صاحب الحواشي على الكتب الستة في الحديث ومسند الإمام أحمد.

١١٦
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
وقد وصل فيه إلى كتاب النكاح، أي إلى آخر كتاب الحج، كما ذكر
هذا المرادي في ترجمته في سلك الدرر ٦٦/٤.
وتوجد نسخة من الجزء الأول منه في المكتبة المحمودية بالمدينة
المنورة، في ٣٣١ ورقة، برقم ٩٥٩، وقد حصلتُ على صورةٍ منها،
وينظر الفهرس الشامل ٢ /٩٤.
وكُتب على غلافها: الجزء الأول، وينتهي عند التعليق على آخر باب
الصلاة في الكعبة، ويتلوه الجزء الثاني، وفيه الزكاة والصوم والحج، ثم
النكاح، ولم أقف على الجزء الثاني، وهذه النسخة من كتب الإمام الشيخ
محمد عابد السندي الأنصاري (ت١٢٥٧ هـ)، وعليها ختمه وخطه،
وسألتُ عنه في المكتبة السليمانية في إسطنبول فلم نجد له أثراً عندهم.
* وقد جاء في مقدمة مؤلفه رحمه الله: ((وبعد: فيقول العبدُ الضعيفُ
أبو الحسن ...: إن هذا تعليقٌ لطيفٌ، وتأليفٌ مُنيفٌ على كتاب: فتح
القدير، المنسوب إلى العلامة المحقق ابن الهمام، المشهور فضلُه وكمالُه
بين الخواص والعوام، أسكنه الله برحمته دار السلام.
وهو كتابٌ جليلٌ، لا يليقُ بمثلي التصدِّي لحَلَّ مباحثه، كيف وهو
رحمه الله تعالى تصدَّى لتحقيق دلائلِ الفقه الحنفي، المشهورِ بين کثیرٍ
ممن خالفهم من العلماء بأنه مبنيٌّ على الآراء، فحقَّق دلائلَه من السُّنَّة
والكتاب، وكَشَفَ عن لَبِّ لأولي الألباب، حتى انكشف أنه الثابتُ على
نهج الصواب.
ومع هذا لم يتصدَّ أحدٌ لتحقيقه وتوضيحه، فشرعتُ في هذا التعليق
مع قصور البضاعة بحكم: ما لا يُدرَكُ كله: لا يُتركُ كله، فجاء منه بحمد

١١٧
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
الله أكبر مما كان في خلدي، فسميتُه: ((البدر المنير في الكشف عن مباحث
فتح القدير))؛ ليُعلَم انتسابه إلى فيض الخالق البصير، لا إلى العبد العاجز
الفقير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. كتاب الطهارات)). اهـ
31
* وهكذا بدأ يعلق على كلمات وجُمَلٍ من فتح القدير كحاشية لحلَ
غوامضها، وبيان مشكلاتها، وإيضاح ما يحتاج إلى بيان، وهذه التعليقات
دقيقةٌ جداً، متممةٌ رائعةٌ مفيدةٌ للغاية، وهي متنوعةً في علومٍ مختلفةٍ: فقهياً
وأصولياً وحديثياً و عقدياً وتفسيرياً ولغوياً وغير هذا، تدل كلها على عمقٍ
في الفقه الحنفي، وقوة نقدٍ من الناحية الحديثية، مع سعة اطلاعٍ، ودقةٍ
بحثٍ وتدقيق عجيب، وفيها جوابات عن إشكالات واعتراضات قائمة
ومحتملة، ويدفعها بدقةٍ فائقة.
وهناك تعليقات له لطيفةٌ جاءت بكلمة أو كلمتين، ولكنها توضح
وتحل المشكلة القائمة في البحث بهذه الصورة.
وله تنبيهاتٌ عزيزةٌ ولَفَتَاتٌ نادرةٌ في علوم الحديث بأنواعها، من
ناحية التخريج والحكم على الأحاديث، والكلام في الرجال ونحو هذا
روايةً ودرايةً، مما لا تجده عند غيره ممن حشَّى على كُتُب الفقه.
وبالجملة فهو حاشيةٌ نفيسة على كتابٍ وأي كتاب؟ إنه فتح القدير
لابن الهمام، وأرى أنه يُسعى جداً لتحقيقها وإخراجها، وسيكون فيها
خدمةٌ جليلةٌ للمذهب الحنفي، والله أعلم.
١٢ - تعليقات على فتح القدير لابن الهمام، إلى كتاب الحج، كتَبَها
الإمام العلامة الشيخ محمد أنور شاه الكشميري، المتوفى سنة ١٣٥٢ هـ،
وقد ذكره من مؤلفاته صاحب نزهة الخواطر ١١٩٩/٨.

١١٨
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
١٣ - نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار، للإمام الجهبذ قاضي
زاده شمس الدين أحمد بن قودر بدر الدين محمود الرومي، المتوفى سنة
٩٨٨ هـ.
له ترجمةٌ في العقد المنظوم ص٤٩٦، وأثنى عليه كثيراً، وخَتَمَ
ترجمته بقوله: ((كان شديد البأس، عزيزَ النفس، يهابُه الناسُ ... ، وبالجملة
كان عينَ الأعيان، غير أن فيه التهوُّرَ المُفْرِطَ، والحِدَّةَ ما زاد على المعتاد،
سَتَرَه الله بفضله)). اهـ، والكواكب السائرة ١٠٩/٣.
وقد أكمل فيه قاضي زاده فتحَ القدير لابن الهمام من حيث وقف، من
أول كتاب الوكالة إلى آخِرِ الهداية، على طريقة ابن الهمام في التوسع فيه
فقهاً واستدلالاً وتعليلاً ومناقشةً وتعقباً وغير هذا.
قلتُ: ويظهر من شرحه أنه رحمه الله إمامٌ محققٌ كبيرٌ في الفقه، ويأتي
بأمورٍ لا تجدها عند غيره، ومن هنا خَتَمَ كتابَه ٤٥١/٩ بقوله: ((وسمَّيْتُه:
نتائج الأفكار في كشف الرموز والأستار؛ لاشتماله على ثلاثة آلافٍ من
التصرُّفات التي لم يسبقْني إليها أحدٌ من الثقات، ذلك فضلُ الله يؤتيه مَن
يشاء ... )). اهـ
ومع هذا التفوُّق العلمي لقاضي زادة فإن التميميَّ صاحب الطبقات
السنية في تراجم الحنفية ١٠٥/٢ قال مقارناً له مع ابن الهمام: ((وهو مع
كونه كثيرَ الفوائد، غزيرَ الفرائد: بينه وبين شرحِ ابنِ الهمام: بَوْنٌ بعيدٌ،
وفرقٌ أکید». اهـ
وهو مطبوعٌ مع شروح الهداية في الأجزاء الثلاثة الأخيرة من طبعة
التسعة أجزاء.

١١٩
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
١٤ - شرح على الهداية من كتاب الوكالة إلى آخر الكتاب، على أن
يكون رداً لتكملة قاضي زاده نتائج الأفكار.
لشيخ الإسلام في الدولة العثمانية، مفتي الممالك الإسلامية، أمير
أهل عصره في الفقه والأصول المولى زكريا بن بيرام بن زكريا الأنقروي
الرومي، المولود سنة ٩٢٠هـ، والمتوفى سنة ١٠٠١ هـ، من مفاخر تلك
البلاد، وقد أثنى عليه التميمي ثناءً بالغاً في الطبقات السنية ٢٥٩/٣،
والمحبي في خلاصة الأثر ٢/ ١٧٢.
وقد فرغ منه في شهر ربيع الأول سنة ٩٩٤هـ، كما كتب على أوائل
الهداية أيضاً. وينظر كشف الظنون ٢٠٣٧/٢.
١٥ - التنبيه على مشكلات الهداية، للإمام ابن أبي العِزِّ علي بن علي
ابن محمد الأذرعي، الحنفي الدمشقي، قاضي القضاة بدمشق، ثم بالديار
المصرية، ثم بدمشق، وكان من الفضلاء الأذكياء، المتوفى سنة ٧٩٢هـ،
وقد جَرتْ له محنةً بسبب بعض اعتقاداته رحمه الله.
وقد جاء في مقدمة المؤلف: (( ... أما بعد: فإني لما رأيتُ كتاب
الهداية شرح البداية على مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى من أجَلِّ
الكتب المصنَّفة في مذهبه، ومن أغزرها نفعاً، وأكثرِها فوائدَ، وأشهرها
بين الأصحاب، يعتمدون عليه في الحكم والإفتاء.
وقد شَرَحَه جماعةٌ منهم، وكَتَبوا عليه الحواشيَ، وألقَوْا منها
الدروسَ، وحَفِظَه بعضُهم مع طوله على الحفظ؛ وما ذاك إلا لحُسْن
لفظِهِ، وصحة نَقْلِه للمذهب، ورأيتُ فيه حالَ مطالعتي له مواضعَ مُشْكِلة:

١٢٠
شروح الهداية المطبوعة وما يتصلُ بها
أحببتُ أن أُنَبِّه عليها، وأُفرِدَها بالكتابة في هذا الكتاب؛ لاحتمال أن تظهرَ
في وقتٍ آخَرَ أجوبةٌ عنها، فأُعلِّقَها إن شاء الله تعالى.
وهي ثلاثةُ أنواعٍ: نوعٌ على لفظِ المصنِّف، ونوعٌ على تعليله، ونوعٌ
على نفس الحكم، مع إقراري بتعظيم شأن مصنِّفه رحمه الله تعالى، وشأنِ
مَن تقدَّم من علمائنا رحمهم الله تعالى، وسميتُه: كتاب التنبيه على
مشكلات الهداية، ليُطابقَ الاسمُ المعنى المطلوبَ، والله المستعان، وعليه
التُّكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)). اهـ
* وكتاب التنبيه هذا: فيه مناقشاتٌ كثيرةٌ في الاستدلال للأحكام،
ووجهات نظرِ اجتهاديةٍ في التوصل للأحكام، وفيه اعتراضاتٌ وأخذٌ وردٌّ،
وترجيحٌ لغير مذهب الحنفية، ومعروفٌ اتجاهُ ابنٍ أبي العز في الفقه، من
إنكاره الشديد للتقليد، كما هو معلَنٌ في رسالته المطبوعة: ((الاتباع))،
ودعوته للاجتهاد والأخذ بالدليل وإن خالف المذهب الحنفي.
وهو في أصله ونشأته وقضائه حنفيُّ المذهب، ومِن هنا ترجم له
التميميُّ في طبقات الحنفية (القسم المخطوط الذي لم يُطبع)، وقال:
لخَّصتُ ترجمتَه من رفع الإصر لابن حجر ٢٧٨/١، ومن الغُرَف العلية.
اهـ، وله ترجمةٌ مختصرةٌ في الدرر الكامنة ٨٧/٣.
* ثم رأيتُ الإمامَ ابن الشحنة (ت ٨٩٠هـ) في نهاية النهاية بعد أن ذكر
شروح الهداية قال:
((ولم أذكر ابنَ أبي العز، فإن حاشيته لا تُعدُّ شرحاً، بل جَرْحاً، فإنه
لم يقصد إلا التبكيت والمعارضة، والرد والمناقضة.