Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب القسمة
البيع لما قدَّمنا، والدار محفوظة بنفسها، لا يخاف عليها الهلاك، لكان فيه
تصرفٌ على الميت بقولهم، ولا يجوز له أن يتصرف على الميت بقولهم،
فیزیل حکم ملكه بالقسمة.
وليس هذا بمنزلة الدار، إذا كانت في أيديهم على جهة الشراء، أو
الهبة، فيقسمها وإن لم يقيموا البينة؛ لأن ملك المشتري ملكٌ مستأنف،
ليس هو في الحكم ملكاً للبائع، فلا يقع فيه تصرفٌ على غیر مَن قاسم،
فلذلك صدَّقهم على أنفسهم، وقَسَمَها بينهم.
ولا يشبه أيضاً العقارُ ما سواه من العروض عند أبي حنيفة، فيقسمها
وإن اعترفوا بها ميراثاً، ولم يقيموا بينة، من قِبَل أنَّ العروض يُخشى عليها
التَّوى والهلاك، وفي قِسْمتها حفظ (١) للميت إن كان الأمر على ما قالوا،
أعني الورثة؛ لأن كل واحد منهم يصير ما حصل له بالقسمة في ضمانه،
حتى إذا هلك، ضَمِنَه، وقبل القسمة هو باق على حكم ملك الميت،
ليس في ضمان أحد، والدار ليست كذلك؛ لأنها لا تُضمن بالغصب
عنده.
وأيضاً: قد ثبت للقاضي التصرف على الأحياء في بيع العروض،
لأجل الغيبة إذا خاف عليها الفساد أو الهلاك ، ولا يثبت له التصرف عليه
في العقار بمال.
* قال: (فكذلك العروض في الميراث، فإن لم يُقِم عليه بينة: جاز له
أن يقسمها).
قال أحمد : ولا خلاف بينهم أنه متى قامت البينة على الميراث، وقد
(١) في (ر.ح): ((حظ)).

٤٦٢
كتاب القسمة
حَضَر من الورثة اثنان: أنَّ العقار يُقْسَم ولو كان ذلك بينهم من غير جهة
الميراث.
ولا خلاف بينهم أيضاً، أنه لا يقسم إذا كان بعضهم غائباً، وذلك لأن
تصرف القاضي جائز على الميت، فلا يبطل حق الحضور إذا أرادوا
القسمة لغيبة الغائب منهم، مع جواز تصرفه على الميت في إيصال ذوي
الحقوق من مستحقي میراثه إلى حقوقهم، كما يعطي الموصى له وصيته،
ويقضي دينه مع غيبة بعض الورثة.
وأما إذا كان بينهم من غير جهة الميراث، وبعضهم غائب، فإن غيبته
لا توجب للقاضي ولاية عليه في القسمة، فلذلك لم يقسمه بينهم وإن
قامت البينة على الشراء.
* وذهب أبو يوسف ومحمد في إيجابهما على القاضي قسمة العقار
وإن لم تَقُم بينة على الميراث(١): أنها في ملكهم في الحال، فيقسمها
عليهم، ولا يجعله قضاء على غيرهم، كما لو كانت بينهم من جهة
الشراء(٢).
مسألة : [تحرِّي العدل في قسمة الدار]
قال أبو جعفر: (وإذا قُسمت الدار بين أهلها، فأصاب بعضُهم
موضعاً منها بغير طريقِ اشتُرط له فيها في القسمة، فإن كان له مَفْتَحٌ مما
(١) في (ر.ح): ((ووجه قولهما في مسألة الميراث إذا أقروا بالعقار من غير بينة
فيقسمها)).
(٢) مختصر اختلاف العلماء ٣٢١/٤، بدائع الصنائع ٢٢/٧، الهداية ٣٥٢/٨،
المبسوط ٩/١٥، تبيين الحقائق ٢٦٦/٩.

٤٦٣
كتاب القسمة
أصابه إلى الطريق: أمضيتُ القسمة، وإلا: أبطلها).
قال أحمد : إذا كان له مَفْتَحٌ إلى الطريق مما أصابه، فقد حصلت له
المنافع، وساوى صاحبَه فيما أصابه؛ لأن كل واحد ينتفع بنصيبه، ولا
ضرر عليه فيما أصابه.
وأما إذا لم يكن له مَفْتَحٌ، فهذه قسمة فيها ضرر على أحدهما، وذلك
غير مستَحَقِّ عليه بالملك؛ لأن الذي استحقه كل واحد منهما بحقِّ ملكه:
تعديل الأنصباء، وفي إلحاق الضرر بأحدهما دون الآخر: نَفْي التعديل؛
لأن التعديل هو المساواة فيما استحقّاه بالملك، فلا تجوز القسمة على
:
هذا(١).
مسألة : [كيفية القسمة والذَّرْع في العُلْو الذي لا سُفْل له، والعكس]
قال أبو جعفر: (وكان أبو حنيفة يقول في العُلْو الذي لا سُفْل له،
وفي السُّقْل الذي لا عُلْو له: يُحسَب في القسمة ذراع من السُّفْل بذراعين
من العُلْو.
وكان أبو يوسف يقول: يُحسَب كل ذراع من العلو بذراع من السفل.
وقال محمد: يقوم كل ذراع من العُلْو على أن لا سُفْل له، وكل ذراع
من السفل على أن لا عُلْو له).
قال أحمد: الأصل في ذلك عند أبي حنيفة: أنَّ القسمة إنما هي
تعديل الأنصباء، وتعديلُها إنما يكون بحسب منافعها.
والدليل على أنَّ القسمة تتضمن اعتبار المنافع: اتفاقُ الجميع على أنَّ
(١) بدائع الصنائع ٢٠/٧، المبسوط ٢٤/١٥.

٤٦٤
كتاب القسمة
كل واحدٍ منهما إذا لم ينتفع بنصيبه: لم يستحق القسمة على صاحبه، ولم
يقسمه القاضي بينهما إذا أبى ذلك أحدُهما.
فإذا ثبت هذا الأصل، اعتبر أبو حنيفة اعتبارَ منافع السفل والعلو
بأصلٍ له آخر بينه(١) وبين أبي يوسف ومحمد فيه خلاف، وهو أنه يقول:
إن العُلْوَ إذا كان لرجل، وسُفْلَه لآخر: فليس لصاحب العلو أن يزيد في
بنائه، ولا يُعليَ فوقه علواً آخر.
وإذا كان ذلك من أصله، فالذي لصاحب العلو بغير سفل منفعةً
واحدة، وهي الانتفاع بالعلو الذي هو فيه فحسب، ولا يمكنه الانتفاع
بسفله، ولا أن يبنيَ فوقه علواً آخر فينتفع به.
وأما صاحب السفل بلا عُلْوٍ: فله أن ينتفع بوجه البيت، وله أن
يُسفل، فيحفر تحته بيتاً آخر، فيحصل له منفعتان، وليس له الانتفاع
بالعلو؛ لأنه لغيره، وإنما عُدِم جهة واحدة من المنفعة.
وأما صاحب البيت الكامل الذي له سفل وعلو، فله ثلاث جهات من
المنافع: وجه البيت، وسُفْله، وعلوه، فصار للبيت الكامل ثلاث منافع.
فقال أبو حنيفة على هذا الأصل: إن مائة ذراع من العلو الذي لا سُفْل
له، بإزاء ثلاث وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع من البيت الكامل الذي له سُفْل
وعُلْو؛ لأن للبيت الكامل ثلاث منافع، وللعلو الذي لا سُفْل له منفعة
واحدة، ومائة ذراع من السفل الذي لا عُلْو له، بإزاء ستة وستين ذراعاً
وثلثي ذراع من البيت الكامل؛ لأن للسفل الذي لا عُلَّوَ له منفعتين،
وللبيت الكامل ثلاث منافع.
(١) في (ر): ((بَيِّنَه)): ضبطت الكلمة هكذا بتشديد الياء.

٤٦٥
كتاب القسمة
ومائة ذراع من العلو الذي لا سُفْل له، بإزاء خمسين ذراعاً من السفل
الذي لا علو له؛ لأن للعلو الذي لا سُفْل له جهة واحدة من المنفعة،
وللسفل الذي لا عُلُو له جهتان، فصار ذراعان في العلو، بذراع من
السفل.
فمَن أَخَذَ من السفل الذي لا عُلْوَ له ذراعاً: أعطى ذراعين من العلو
الذي لا سفل له، ومَن أَخَذَ ذراعاً من البيت الكامل: أعطى ثلاثة أذرع من
العلو الذي لا سُفْل له، وإذا أخذ ذراعاً من البيت الكامل: أعطى من
السفل الذي لا علو له ذراعاً ونصفاً على ما بيَّنًا.
* وأما أبو يوسف: فلما كان من أصله: أنَّ لصاحب العلو أن يبنيَ في
عُلُوه ما لا يضرُّ بالسفل، صار للعلو عنده جهتا منفعة، كصاحب السفل
سواء، فلذلك حَسَبَ ذراعاً من العلو، بذراع من السفل.
* وقد أجاب محمد في كتاب القسمة عن هذه المسألة، بجواب
تُشكل به المسألة على قارئها إذا لم يَفْهم مُرَادَه، وذلك أنه قال: وقال أبو
يوسف: يحسب العلو بنصف، والسفل بالنصف، وينظرُ كم جملة ذَرْع كل
واحد منهما، فيطرح من ذلك النصف.
وليس هذا جواب المسألة التي ابتدأ بذكرها في العلو الذي لا سفل
له، والسفل الذي لا علو له، وإنما هو جواب البيت الكامل مع العلو بغير
سفل، والسفل بغير علو؛ لأن البيت الكامل يعدل ذراعٌ منه عنده ذراعين
من العلو الذي لا سُفْل له، والسفل الذي لا عُلْو له.
فإذا كان العلو عشرة أذرع، ردّها إلى خمس أذرع؛ لأنها بإزاء خمسة
أذرع من البيت الكامل، وكذلك السفل إذا كان عشرة أذرع، عدَّها خمسة
أذرع من البيت الكامل.

٤٦٦
كتاب القسمة
فحصل الخلاف بينه وبين أبي حنيفة من وجهين:
أحدهما: أنه يجعل السفل الذي لا علو له، والعلو الذي لا سُفْل له
في التقدير واحداً، يجعل ذراعاً من هذا، بذراعٍ من هذا.
والثاني: أنه يحسب ذراعين من العلو، أو السفل بإزاء ذراعٍ من البيت
الكامل.
وأبو حنيفة يجعل ذراعين من العلو، بذراعٍ من السفل، ويجعل ذراعاً
من السفل، بثلثي ذراع من البيت الكامل.
* ثم نرجع إلى مسألة كتاب القسمة فنقول: إن محمداً أراد أن يبيِّن
أنّ العلو والسفل عند أبي يوسف واحد، وأن كل واحد منهم يحسب
بالنصف مع البيت الكامل وإن لم يذكر البيت الكامل في السؤال، فهذا
معناه.
وأبو يوسف له اعتبار آخر بعد ذلك وهو: أنه إذا حسب ذراعين من
العلو، أو من السفل بذراعٍ من البيت الكامل، فإنما يحسب ذلك مساحةٌ
بغير بناء، ثم يقوِّم البناء في العلو والسفل على ما يساوي، كذا حكى عنه
بشرُ بن الولید.
قال أحمد : وينبغي أن يكون هذا الاعتبار مذهب أبي حنيفة أيضاً، إذ
غير جائزٍ إسقاط حكم البناء مع تفاضل القِيَم، وأن اعتبار أبي حنيفة الذي
ذكرنا في تعديل العلو بالسفل، والسفل بالبيت الكامل، إنما هو في
الساحة.
وأما محمد: فإنه اعتبر القيمة في الساحة والبناء جميعاً؛ لأنها تختلف

٤٦٧
كتاب القسمة
قيمتها في البلدان والمواضع، على حسب رغبة الناس فيها(١).
مسألة : [كيفية قسمة الدور المختلفة بين المشترِ کیْن]
قال أبو جعفر: (وقال أبو حنيفة في الدور المختلفة: إن كل واحدة
منها تُقْسَم علىُ حِدَةٍ.
وقال أبو يوسف ومحمد: على ما يراه القاضي أصلح لهم في جَمْع
الأنصباء لكل(٣) واحد منهم في دار، أو تفريقها في الدور، فإن رأى قسمةً كل
واحدة على حِدَةٍ أصلح: قَسَمَها، وإن رأى أن يقسم بعضها في بعض: فَعَل).
لأبي حنيفة رحمه الله: أنه لا خلاف بينهم أنَّ الأجناس المختلفة لا
يُقْسَم بعضها في بعض إلا بتراضيهم، وأنها متى قُسِمت كذلك، كانت بيعاً
محضاً، ولم تكن القسمة المستَحَقة بالملك والدور بمنزلة الأجناس
المختلفة، لتفاوتها واختلافها.
ألا ترى أنه لو تزوج امرأةً على دار: لم يكن ذلك تسميةً صحيحة،
كما لو تزوجها على ثوبٍ، أو دابة: لم يكن تسمية، وكان لها مهر المثل.
وإذا كان كذلك، لم يجز قسمة بعضها في بعض، كأجناس الثياب
والدواب، ولو قَسَمَها القاضي وهي بَيْع: كان قد أجبر مَن أبى القسمة على
البيع، وهو لا يَستحق عليه البيع بحقِّ الملك(٣).
(١) مختصر اختلاف العلماء ٣٢٧/٤، بدائع الصنائع ٢٧/٧، المبسوط
١٦/١٥، تبيين الحقائق ٢٧٢/٥، الهداية ٣٦٦/٨.
(٢) في (ر.ح): ((من جميع الأنصباء ولكل)).
(٣) مختصر اختلاف العلماء ٣٢٤/٤، المبسوط ١٧/١٥-١٨، بدائع الصنائع
٢٢/٧.

٤٦٨
كتاب القسمة
مسألة : [اختلاف المشتركين في قدر الطريق التي ترفع من الدار]
قال أبو جعفر: (ولو اختلفوا في مقدار الطريق التي تُرفع من الدار
بينهم: رُفعت الطريق بينهم على سعة باب الدار).
وذلك لأنه قد استحق الدخول من أي نواحي الباب شاء، فيستحق
الاستطراق من داخلها على حسب ما استحقه بالدخول، وليس لواحد
منهم أن يمنع صاحب الطرق من الاستطراق في حقه(١).
مسألة :
(ولا يُقسم حائط ولا ثوب بين مالكَيْه إلا بتراضيهما).
وذلك لأنها قسمة على ضرر، وقد روي عن النبي عليه الصلاة
والسلام أنه قال: ((لا ضرر ولا إضرار في الإسلام)) (٢).
وروى أبو عاصم عن ابن جريج عن صديق بن موسى عن محمد بن
أبي بكر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تعضية على أهل
الميراث، إلا ما احتمل القسمة))(٣).
وأيضاً: فإن القسمة إنما هي تمييز الحقوق وتعديلها، وهي القسمة
المستحقَّة بالملك، فأما إتلاف جزء من مال كل واحد منهما، فإن ذلك
غير مستَحق بالملك، فلا يُجَبَر واحدٌ منهما عليه، ألا ترى أنه لو كان
بينهما لؤلؤة، أو ياقوتة: لم يجز أن يكسرها ويقسمها بينهما.
(١) المبسوط ٢٠/١٥، بدائع الصنائع ٢٠/٧.
(٢) سبق.
(٣) سبق.

٤٦٩
كتاب القسمة
مسألة : [تحرِّي القاسم العدل]
قال: (ولا ينبغي للقاسم أن يقسم في شيء مما ذكرنا بردِّ شيءٍ
يشترطه لبعض أهل القسمة على بقيتهم ما قَدَرَ على ذلك).
قال أحمد : يعني أنه لا يُدخِل في القسمة دراهم، ولا غير ما اقتسما
عليه (١)، لأجل زيادة قيمة ما يأخذها أحدهما، وذلك لأن لزوم الدراهم
إنما يكون من طريق البيع، وهما لم يأمراه بالبيع والشراء، وإنما أمراه
بالقسمة.
وأيضاً: فإن القسمة إنما هي تعديل الحقوق، وتمييزُ ملك كل واحد
منهما، وإفرادُه عن ملك غيره، وهذا معنى مستَحَقٌّ بالملك، ولا يستحق
بالملك أخْذُ دراهم، ولا إعطاؤها بالقسمة.
مسألة : [عدم جمع القاسم أنصبة الشركاء إلا باتفاقهم]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي له أن يَجمع نصيب بعضهم مع نصيب
بعض، إلا باتفاقهما جميعاً على ذلك).
وذلك لأنه إذا جمع نصيب اثنين في موضع، لم يتميز بذلك نصيب
كل واحد من نصيب صاحبه، والقسمة إنما هي تمييز الحقوق، وإفرازُها
من حق الغير.
وأيضاً: فإنه يحتاج مع ذلك إلى قسمة ثانية، فلا ينبغي أن يفعله إلا أن
يرضيا بذلك.
(١) في (ر، حـ): ((ولا غير مالٍ قسما عليه)).

٤٧٠
كتاب القسمة
مسألة : (ما ينبغي مراعاته عند قسم الدور]
قال أبو جعفر: (ولا ينبغي أن يقسمها بينهم حتى يقوِّمها ذراعاً ذراعاً
على ما يتناهى إليه كل ذراع منها من شارعٍ، ومن غامضٍ (١)، ثم يصورها
صورة؛ ثم يُقْرِع بينهم عليها).
وذلك لأنه لا يصل إلى تعديلها، والتسوية بين أنصبائها إلا من هذا
الوجه.
وأما القرعة: فإنما هي لتطبيب النفوس، وقد روي ((عن النبي عليه
الصلاة والسلام في قسمة خيبر: أنه جعلها سهاماً، وأقرع فيها))(٢).
وأنه قال للرجلين اللذين اختصما إليه في مواريث قديمة قد دَرَست:
(استهما، وتوخَيا الحقَّ، ويُحلِّل كلَّ واحدٍ منكما صاحبه))(٣).
((وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه))(٤).
ولا خلاف بين أهل العلم في جواز القرعة في القسمة، والمعنى فيها
تطييب النفوس، لئلا يسبق إلى ظنِّ بعضهم أنَّ غيره أوثِر عليه، وليس فيها
إيطال حق واحدٍ منهم.
ولو اقتسموها بغير قرعة: جاز بالاتفاق أيضاً.
(١) الغامض: المطمئنُّ المنخفض من الأرض، ودار غامضة: إذا لم تكن على
شارع. لسان العرب (غمض) ٢٠٠/٧.
(٢) تقدم، وينظر السيرة النبوية لابن هشام مع الروض الأنف ٤٩/٤، عيون
الأثر ١٨٠/٢.
(٣) سنن أبي داود ٢٧١/٢، وتقدم.
(٤) سبق.

٤٧١
كتاب القسمة
وذكر محمد في كتاب القسمة: أنَّ القياس أن لا تجوز القسمة على
القرعة، وأنه أجازها استحساناً.
وجه القياس: أنَّ القسمة في معنى البيع، والبيع لا يصح وقوعه
بالقرعة؛ لأنه في معنى بيع الملامسة والمنابذة التي نهى النبي عليه الصلاة
والسلام عنها (١)، إذ كان موقوفاً على فِعْلٍ يوقعه غير العقد، إلا أنه تَرَكَ
القياس، وأجازها، لما ورد فيها من الآثار.
ولأن القسمة مستحَقَّةٌ بالملك، يُجْبِرِ الحاكمُ عليها، وقد كان للحاكم
أن يعيِّن ملك كل واحد منهم بغير قرعة، فأجازها بالقرعة أيضاً لنفي
التهمة عنه(٢).
مسألة : [مراعاة جعل المقسوم سهاماً على نصيب الأقل]
قال أبو جعفر: (وينبغي له أن يُجزِّىء ما يحاول قسمته بين أهله من
الدور والعقار، على أقل أنصباء أهلها فيه، ثم يُقْرع بين أهل القسمة بعد
أن يبيِّن لهم أنَّ مَن خَرَجَ سهمُه أولاً أعطاه جزءَه من الدار من الجانب
الكذا منها، ثم مما يليه، حتى يستوفيَ حقّه، ثم يفعل ذلك بهم واحداً
واحداً، حتى يستوفوا أجزاءهم كذلك).
وذلك لأنه لابدَّ لصاحب الأقل من أن يَحْصُل له نصيبُه متميزاً من
غيره، ولا يمكنه أن يجزئه على قدر أنصبائهم؛ لأنه لا يأمن أن يخرج
النصيب الأقل لصاحب الأكثر، والنصيب الأكثر لصاحب الأقل، ولكنه
(١) سنن أبي داود ٢٢٨/٢.
(٢) بدائع الصنائع ١٩/٧، المبسوط ٣/١٥، ٧، ٢٥، ٥١، الهداية ونتائج
الأفكار عليها ٣٦١/٨، الدر المختار وحاشية رد المحتار ٢٦١/٦.

٤٧٢
كتاب القسمة
يجزئه على الأقل، كأنه إن كان أقل الأنصباء فيها الثَّمُن، جزَّه أثماناً، فإن
كان لواحد فيها النصف: أعطاه أربعة أثمان من جانبٍ واحد، ولا يفرِّق
نصيبه؛ لأن فيه ضرراً عليه (١).
مسألة : [التصرفات التي يحق للمقسوم له فِعْلُها في حقه أو حق الغير]
قال أبو جعفر: (ومَن أصابه في قسمته حُجْرة سُفْلٍ، وعُلْوٍ من
دار، فأراد أن يفتح في حائطها باباً من حُجْرة له سواها في دارٍ
أخرى، ليتطرّق من تلك الحجرة في هذه الدار: لم يُمنَع مما يفعله في
حائطه.
ثم يُنْظَر فإن كان ساكنُ الحجرتين واحداً: لم يُمنَع من التطرُّق في هذه
الدار.
وإن كان ساكنُ هذه الحُجْرة التي مِن وراء هذه الدار، غيرَ ساكنِ
الحجرة التي وقعت له من هذه الدار: لم يكن له أن يتطرّق فيه).
قال أحمد : المسألةُ أنه وقعت له حجرة، ولها طريقٌ في دار قوم،
وله دارٌ أخرى خَلْفَ الحجرة، فَتَحَ منها باباً إليها، ليستطرق الحجرة،
وطريقُها في الدار التي لغيره، فيكون اعتباره على ما ذكر، وذلك لأن
ساكن الموضعَيْن إذا كان واحداً: فله أن يَصِيْر من إحداهما إلى الأخرى
بحقِّ السكنى، فله أن يستطرق حينئذ من الحجرة التي هو ساكنها في
طريقها إلى دار القوم.
وأما إذا كان ساكن الدار التي خَلْف الحجرة غيرَ ساكن الحجرة: فليس
لساكن الدار أن يستطرق الدار التي فيها طريق الحجرة؛ لأنه لما لم يكن له
(١) بدائع الصنائع ١٩/٧، الدر المختار وحاشيته رد المحتار ٢٦٢/٦.

٤٧٣
كتاب القسمة
حق السكنى في الحجرة، فهو إنما يَصِيْر إليها على جهة الاستطراق إلى
الدار، فصار بمنزلة مَن استطرق طريقاً شارعاً إلى دارٍ ليس له فيها حق
الاستطراق، فليس له أن يفعل ذلك إلا بإذن صاحبها(١).
مسألة : [ادعاء أحد الشركاء الغلط في القسمة]
قال أبو جعفر : (ومَن ادعى غلطاً من أهل القسمة، أو حَيْفاً بعد وقوع
القسمة، وأنكر ذلك أصحابُه، سُئل البينة على ذلك، فإن أقام بينة عليه:
فُسخت القسمة ثم استؤنفت إن طلب ذلك أهلُها).
قال أحمد: لا يصدَّق مدَّعي الغلط إلا ببينة؛ لأن القسمة محمولة
على الصحة، كسائر العقود إذا وقعت، هي محمولة على الصحة، ولا
يُصدَّق مدَّعي الفساد على ما يدَّعيه إلا ببينة، فإن أقام بينة: قُبِلت منه، لأنه
استدرك بها حقاً لنفسه (٢).
مسألة : [قسمة غير العقار عند طلب أحد الشركاء]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الغنم بين جماعة، فطلب بعضُهم
قسمتها: قُسمت، وكذلك الإبل، والبقر، والثياب، والدواب، والحنطة،
والشعير).
قال أحمد : معناه: أنَّ كل صنف من ذلك يُقْسَم على حِدَة، ولم يُرِد
به أنَّ بعضها يُقْسَم في بعض؛ لأن الأصناف المختلفة لا يُقسَم بعضها في
بعض إلا بتراضي الجميع.
(١) بدائع الصنائع ٢٩/٧، المبسوط ٢٣/١٥.
(٢) المبسوط ٦٤/١٥، بدائع الصنائع ٢٦/٧.

٤٧٤
كتاب القسمة
مسألة : [قسمة الرقيق]
قال أبو جعفر: (وأما الرقيق، فإن أبا حنيفة كان لا يقسمهم، وقال
أبو يوسف ومحمد: يقسم الرقيق كما يقسم ما سواهم).
وجه قول أبي حنيفة: أنَّ القسمة تعديل الحقوق على المساواة، وذلك
غير ممكن في الرقيق، لتفاوت ما بين بني آدم.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((الناس كابل مائة، لا تجد فيها
راحلة))(١).
وفي خبر آخر: ((أنه ليس شيء يفي الواحد منه بألفٍ من جنسه، إلا
بنو آدم)) (٢).
وقال الشاعر:
إلى الفضل حتى عُدَّ ألفٌ بواحد
ولم أر أمثالَ الرجال تفاوتاً
وإذا كان كذلك، وكانت هذه المعاني التي ينبغي فيها التعديل
والمساواة، غير مضبوطة في الرقيق، لم تصح قسمتهم.
فإن قيل: قد يمكن قسمتهم على اعتبار القِيَم.
قيل له: لا اعتبار بالقيمة في ذلك، دون تعدي المنافع، وهذا سديدٌ
على ما ذكرنا من قوله في اعتبار السُّفْل، والعُلْو بالمنافع، ودلَّلنا على
وجوب اعتبار المنافع، وأن مَن لم تحصل له منفعة بالقسمة، لم يستحق
القسمة على شریکه.
(١) صحيح البخاري مع الفتح ٢٨١/١١، صحيح مسلم ١٦ / ١٠١.
(٢) لم أقف عليه.

٤٧٥
كتاب القسمة
والقيمة فإنما يُصار فيها إلى ظاهر حاله، دون المعاني التي يتفاوت
فيها الناس، وظاهر الحال لا يدل على ما وصفنا؛ لأن تلك المعاني من
العقل، والفطنة، والفهم، والصبر، والحِلم، والوفاء، والصدق،
والشجاعة، وحُسْن الخلق، والدين، وما جرى مجرى ذلك، وهذه معاني
مبتغاةً من الرقيق، لا سبيل إلى الإحاطة بها، والوقوفِ على كُنَّهها.
وأما سائر الحيوان فليس يُبْتَغى منه شيءٌ من ذلك، والمُبْتغى منه ما
يمكن مشاهدته في الحال، وهو الشدة، والعبولة(١)، والسِّمَن في الغَنَم،
والمأكولِ من الحيوان، والجَرْي في الفرس، وذلك كله يمكن الوصول
إلى معرفته في الحال، من غير تفاوت يقع فيها.
* وأما أبو يوسف ومحمد، فإنهما جَعَلا الرقيق كسائر الحيوان، في
إيجاب قسمته على القِیم.
مسألة : [قسم الرقيق ومعهم ثياب غيرها]
قال أبو جعفر: (وإن كان مع الرقيق سواهم من الثياب أو غيرها: قَسَمَ
ذلك بينهم، وأدخل فيه الرقيق في قولهم جميعاً).
قال أحمد : قد ذكر محمد هذه المسألة في كتاب القسمة على ما ذكره
أبو جعفر، وهي محمولة على أنَّ الملاَّك تراضَوْا بالقسمة؛ لأنه لا خلاف
بينهم أنَّ القاضي لا يقسم الأجناس المختلفة بعضها في بعض، إلا أن
يتراضَوْا بالقسمة عليها، فيكون ذلك بيعاً يقع بينهم بالتراضي.
(١) العُبولة: عَبْل الشيء عبالة، فهو عَبْل، مثل: ضَخُم ضَخَامة، فهو ضخم،
وزنا ومعنى، ورجل عَبْل الذراع: ضخم الذراع، وامرأة عبلة: تامة الخلق. المصباح
المنير (ع.ب.ل) ٣٨/٢.

٤٧٦
كتاب القسمة
فأما القسمة المستحقّة بحق الملك، وما يُجْبر القاضي عليه منها،
فإنما يكون في الجنس الواحد، لا في الأجناس المختلفة بعضها في
بعض، فما ذكر من قسمة الرقيق مع الثياب محمولة على التراضي (١).
مسألة : [اشتراط الخيار في القسمة]
قال أبو جعفر : (ولا بأس بشرط الخيار في القسمة).
قال أحمد: ما يجوز في البيع من هذه الشروط: فهو جائز في
القسمة، وما لا يجوز مثله في البيع: لا يجوز في القسمة؛ لما وصفنا من
أنَّ القسمة الواقعة على القِيَم هي في معنى البيع (٢).
مسألة : [حكم الشفعة وخيار الرؤية في القسمة]
قال أبو جعفر: (ولا شفعة في قسمة، ولا خيار رؤية).
قال أحمد : يعني أنَّ القوم إذا اقتسموا داراً بينهم: لم تجب فيها شفعة
للجار؛ لأن الشريك أولى منه، ولا تُحسب لبعضهم على بعض، لما فيه
من فسخ ما دخلوا فيه من القسمة.
ويدل عليه أيضاً: ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((فإذا وَقَعَت
الحدود فلا شفعة)»(٣).
وإيقاع الحدود هو القسمة، فنفى الشفعة بالقسمة، كما لو قال:
إذا وَهَبَ: فلا شفعة، وإذا تزوج على دار: فلا شفعة: يُعقَل به نفي
(١) المبسوط ٣٦/١٥، بدائع الصنائع ٢١/٧.
(٢) المبسوط ٤٠/١٥، بدائع الصنائع ٢٨/٧.
(٣) صحيح البخاري ٣٤٥/٤.

٤٧٧
كتاب القسمة
الشفعة بهذا العقد.
وأيضاً: فإن كل واحد منهم شريك فيما وقع له بالقسمة من جهة
أصحابه، وليس لأصحابه شركةً قائمة بعد القسمة فيما وقع له، فالشريك
أولى ممن لا شركة له في حال الأخذ، ألا ترى أنَّ مَن وجبت له شفعة
بالشركة، ثم قاسم: بَطَلَت شفعته، لبطلان ما به استحق.
وأما قوله: ولا خيار رؤية: فمعناه: ولا شفعة في خيار رؤية، وهو أن
يشتري داراً لها شفيع، فسلّم الشفعة والمشتري لم يكن رأى الدار، فردَّها
على بائعها بخيار الرؤية: فلا شفعة له في الدار؛ لأنه ليس حكمه حُكْم
البيع المستقبل، وإنما هو بمنزلة فَسْخ البيع بخيار الشرط، وبموت العبد
قبل القبض، وذلك لأنه عاد إليه بغير قبوله، والبيع لا يكون إلا بالتراضي.
وليس يعني أن لا خيار رؤية في القسمة؛ لأن خيار الرؤية قد يجب في
القسمة عندهم(١).
مسألة : [حق الولي في القسمة عن مال الصغير]
قال أبو جعفر : (ولأبي الصغير، ووصيِّه أن يقاسما على الصغير).
قال أحمد : كل مَن له ولاية في التصرف في الشراء والبيع: فله
القسمة؛ لأنها في معنی البيع(٢).
مسألة : [إذا ورد الاستحقاق على المقسوم]
قال أبو جعفر: (وإذا كانت الدارُ بين رجلين نصفين، فاقتسماها،
(١) بدائع الصنائع ٢٨/٧، الهداية والعناية ٣٣٤/٨.
(٢) المبسوط ٤١/١٥، بدائع الصنائع ١٨/٧.

٤٧٨
كتاب القسمة
فأخذ أحدُهما الثلث من مقدَّمها، وقيمتُه ستمائة درهم، وأخذ الآخر
الثلثين من مؤخّرها، وقيمتها ستمائة درهم، ثم استُحق نصفُ ما في يد
صاحب المقدَّم، فإن أبا حنيفة رحمه الله قال في ذلك: يرجع صاحبُ
المقدَّم على صاحب المؤخَّر بربع ما في يده، وإن شاء أبطل القسمة.
وقال أبو يوسف ومحمد (١): يردُّ ما بقيَ في يده، ويبطل القسمة،
ويكون ما بقيَ من الدار بينهم نصفين).
وجه قول أبي حنيفة في إيجابه التخيير بين الرجوع بما يخصه فيما في
يد الآخر، وبين فَسْخ القسمة: أنَّ القسمة في ذلك لما كانت في معنى البيع
بما قدَّمنا، صار كمن اشترى داراً بدار، فاستُحق نصفها، فالمستحقُّ ذلك
من يده بالخيار: إن شاء فسخ البيع، ورجع بالدار التي سلِّمها إلى البائع،
وإن شاء رجع بحصة ما استَحَقَّ فيما في يده، وهذا اتفاقٌ بينهم في البيع،
فكانت القسمة عنده بمثابته.
وإنما قال: يرجع بربع ما في يد الآخر: من قِبَل أنَّ ملكهما قد تبيَّن أنه
قد كان الباقي من الدار، وقيمته تسعمائة؛ لأن المستَحَقَّ ثلثمائة، فينبغي
أن تكون هذه التسعمائة بينهما نصفين، فيجب أن يحصل لكل واحد منهما
ما قيمته أربعمائة وخمسون، وفي يد صاحب المقدَّم ثلثمائة بعد
الاستحقاق، فيرجع مما في يد صاحبه بما قيمته مائة وخمسون، وذلك
ربع ما في يده.
* وأما أبو يوسف ومحمد: فإنهما ذَهَبًا في ذلك إلى أنه قد تبيّن أنه
(١) وفي رواية أبي حفص رحمه الله: ذكر محمداً مع أبي حنيفة، وهو الأصح،
نقله السرخسي، في المبسوط ٤٤/١٥، بدائع الصنائع ٢٤/٧.

٤٧٩
كتاب القسمة
كان لهما شريكٌ ثالث، فتبطل القسمة؛ لأنه لا تجوز قسمة الشريكين دون
الثالث (١)
.
مسألة : [البيع قبل القسمة دون إذن الشريك]
قال أبو جعفر : (وإذا كانت الدارُ بين رجلين، فباع أحدُهما نصيبه من
بیت منها: فلشریکه أن يُطل بیعه).
وذلك لأنه لو جاز بيعه، لحصل لهما شريكٌ ثالث في بعض الدار،
دون بعض، وفيه ضرر على الشريك؛ لأنه يقاسم المشتري البيت وحده،
دون سائر الدار، ويقاسم البائع بقيةَ الدار، فيتفرَّق نصيبه فيها، وهو قد
كان استحقَّ بَدْءاً بحقِّ ملكه في الدار جَمْعُ(٢) نصيبه في موضع منها، فليس
للشريك إيطال حقه من ذلك.
مسألة : [الأشياء التي يصح بيعها من الشريك قبل القسمة]
قال أبو جعفر: (ولو كانت ثياب بين رجلين، أو غَنَم، أو ما أشبه
ذلك مما يُقْسَم، فباع أحدهما حصته من شاة، أو من ثوب، أو مما سوى
ذلك منها: لم يكن لشريكه أن يُبْطل ذلك عليه في رواية محمد، وكان له
أن يُبطل ذلك عليه في رواية الحسن بن زياد)(٣).
وجه رواية محمد: أنه لا ضرر على شريكه في مشاركة المشتري إياه
في الشاة، وليست مثل مسألة الدار؛ لأن في تفريق نصيبه في الدار ضرراً
عليه، وليس في تفريق نصيبه في الغنم ضرر؛ لأنه لا يمكن أن يكون
(١) المبسوط ٤٤/١٥، بدائع الصنائع ٢٤/٧.
(٢) في (ر.ح): ((جميع)).
(٣) ورواية الحسن هي اختيار الطحاوي، كما في المختصر ص٤١٨.

٤٨٠
كتاب القسمة
نصيبه من الجميع مجتمعاً في حيِّز، كما استحق جميع نصيبه من الدار في
حيّز.
وأما وجه رواية الحسن: فهو أنه قد استحقَّ بالملك إفرادَ نصيبه من
نصيب شريكه، ورَفْعَ الشركة والشيوع في ملكه، وجوازُ بيعه يُبْطل عليه
حقّه في هذا الوجه؛ لأن الشركة تبقى أبداً بينه وبينه فيها(١).
مسألة : [حكم إقرار الشريك في دارٍ ببيت منها لثالثٍ أو وصيته]
قال أبو جعفر : (ومَن كان بينه وبين رجل دار، فأقرَّ ببيتٍ منها لرجل،
وأنكر ذلك صاحبُه: قُسِمت الدار بين الشريكين، فإن وقع البيت في
نصيب المقِرِّ: دَفَعَه إلى المقَرِّ له، وإن وقع في نصيب المنكِر: قُسِم ما
أصاب المقِرُّ بالقسمة بين المقِرِّ وبين المقَرِّ له، يضرب المقَرُّ له بذرع
البيت، ويَضرب فيه المقِرُّ بذَرْع نصف الدار بعد البيت، فیکون لكل واحد
منهما ما أصابه منه).
قال أحمد : أما مادامت الشركة قائمة، فالمقِرُّ غيرُ مصدَّقٍ في إقراره،
لما فيه من الضرر على شريكه، حَسْب ما قلنا في بيعه لنصيبه من بيتٍ
بعینه.
وأما إذا اقتسما، فإن وَقَعَ البيتُ في نصيب المقِرِّ: سلَّمه إليه، لاعترافه
بأنه أولى به منه، كمَن اشترى عبداً، ثم أقرَّ به لغيره.
وأما إذا وقع في نصيب الآخر: فإن المقَرَّ له يضرب فيما في يد المقِرِّ
بمثل ذَرْع البيت، ويضرب المقِرُّ بذَرْع نصف الدار بعد البيت، فيكون
نصيبه بينهما على ذلك؛ لأن إقراره قد تضمن أنَّ الدار مثلاً إن كانت مائة
(١) مختصر اختلاف العلماء ٣٢٩/٤.