Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
كتاب المكاتبة
لما لم تجب في البياعات إلا عند الفساد: لم يصح أن تكون بدلاً في
العقد(١).
مسألة : [حرمة المكاتبة على مولاها]
قال: (والمكاتبة حرامٌ على مولاها ما دامت مكاتبة).
وذلك لأنها قد صارت في يد نفسها، خارجة عن مولاها، فكان أقل
أحوالها أن تكون بمنزلة الجارية المرهونة، لا يجوز للراهن وطؤها.
وأيضاً: فإن المولى في هذه الحال لا يملك منافعها، والوطء من
منافعها، ولا يجوز له تناوله منها.
وأيضاً: فإن الوطء بمنزلة إتلاف جزء منها في الحكم، للدلائل التي
قد ذكرتُ في غير هذا الموضع، ولا سبيل له إلى تناول شيء من أجزائها.
فإن قيل: لما لم يجز تزويجها إلا بإذن المولى، دلَّ على أنه يملك
وطأها.
قيل له: هذا فاسد؛ لأن الصغيرة لا تتزوج إلا بإذن وليها، ولا يدل
ذلك على أنَّ وليها يملك وطأها.
وأيضاً: فإن الوطء قد صار في ملكها، بدلالة أنها إذا وُطئت بشبهة،
کان المهر لها دون المولى(٢).
مسألة : [حكم المكاتبة الفاسدة]
قال أبو جعفر: (ومَن كاتب عبدَه مكاتبةً فاسدة، فأدى إليه ما كاتبه
(١) المبسوط ٢١٥/٧، ٨/٨، بدائع الصنائع ١٣٩/٤.
(٢) بدائع الصنائع ٤ /١٤١، ١٥١، المبسوط ١٦٦/٧، ٩/٨.

٣٦٢
كتاب المكاتبة
عليه: عَتَقَ، وكان عليه أن يسعى في بقية الكتابة إن كانت في قيمته
لمولاه).
قال أحمد: من الكتابة ما إذا أدَّى ما سمَّى فيها: لم يَعْتُق، نحو أن
يكاتبه على ثوب، أو على ميتة، أو على حُلَّة، أو نحو ذلك من الأشياء
التي لا يصح أن تكون بدلاً بحال، أو لا يوقف له على مقدار.
وقالوا: إذا كاتبه على قيمته: فالكتابة فاسدة، فإن أدى القيمة: عَتَّق،
والفرق بينهما: أن لأعلى القيمة مقداراً معلوماً، وهي جنس واحد، فإذا
أدى ذلك: عَتَقَ من جهة الشرط، وكذلك لو كاتبه على خمر أو خنزير،
فأدى: عَتَقَ، وكان عليه القيمة؛ لأن العقد على الخمر قد يصح بحال فيما
بين الذميين، فهو عقدٌ فيما بين المسلمين وإن كان فاسداً، ويَعتق بالأداء
لوجود الشرط.
ألا ترىُ أنَّ مثله يُملَك به في البيع إذا اتصل به القبض، وأما ذكر
الثوب في العقد، فليس بتسمية، ولا يوقَف على الثوب المعقود عليه،
فيتعلق العتق بأدائه، لأجل وجود الشرط، فلذلك لم يَعتق بأداء الثوب،
وصار بمنزلة الكتابة على حُلَّةِ.
وأما الميتة، فليست ببدل بحال، ألا ترى أنَّ مثله إذا وُجد في البيع:
لم نجعله عقداً، ولم يتعلق به الملك بحال، فصار كقوله: قد كاتبتك: ولم
يسمّ شيئاً.
فإن قيل: فهلاً أعتقتَه بقوله: قد كاتبتُك: إذا أدى، كما لو قال: بعتك،
فقبل ملکه إذا قبض.
قيل له: الفصل بينهما: أنَّ الكتابة يتعلق العتق فيها بأداء المسمى في
العقد، مما يصح أن يكون بدلاً بحال، إذ غير جائز وقوع العتق فيها بنفس

٣٦٣
كتاب المكاتبة
العقد، فيجب حينئذ أن يحصل الأداء على الوجه المشروط.
وقوله: كاتبتُك: لم يتعلق العتق فيه بأداء مسمى مشروط، فَبَطَل.
وقوله على حُلَّة: فإنه لا يصح أن يكون تسمية في شيء من العقود
بحال، فصار وجوده وعدمه سواء، وكذلك تسميته ثوباً، أو دابة،
لاختلاف أجناسها وتعذَّر الوقوف على حَدِّها(١).
مسألة : [اختلاف المولی ومكاتبه فیما كاتبه عليه]
قال أبو جعفر: (ومَن اختلف هو ومکاتبہ فیما کاتبه علیه، فإن أبا
حنيفة كان يقول: يتحالفان ويتردَّان المكاتبة، ثم رجع عن هذا القول فقال:
القول قول المكاتب، ولا يتحالفان، وقال أبو يوسف ومحمد: يتحالفان،
ويترادَّان).
وجه قول أبي حنيفة: أنَّ حصول الكتابة وصحَّتها باتفاقهم، يمنع
فسخها بالاختلاف، والدليل عليه: أنَّ المشتري لو كاتب العبد، ثم
اختلف، لم يتحالفا، وكان القول قول المشتري مع كونه في ملكه، لأجل
حصول الكتابة، كذلك حكم اختلافهما في عقد الكتابة بعد وقوعه.
فإن قيل: لو باعه المشتري، ثم اختلفا في الثمن: لم يكن بينهما
تحالفٌ، ولا يمنع ذلك وجوب التحالف عند اختلافهما في البيع إذا لم
يبعه، وهذا نظير اختلافهما في عقد الكتابة.
قيلٍ له: ليس الأمر كذلك؛ لأن المانع من التحالف بعد بيع المشترى
إياه تعذّر الفسخ فيه، لأجل كونه في ملك غيره، وإذا كاتبه، فهو في
(١) الأصل ٤١٩/٣، المبسوط ٢١٤/٧، ٨/٨، بدائع الصنائع ١٣٧/٤،
الهداية والكفاية عليها ٨ /١٠٠-١٠٤.

٣٦٤
كتاب المكاتبة
ملكه، وكان وقوع الكتابة مانعاً من التحالف مع بقاء الملك، كذلك إذا
اختلفا في نفس الكتابة، وجب أن يكون بهذه المنزلة(١).
مسألة : [مكاتبة المولىُ عبده على عبدٍ غيره]
قال أبو جعفر: (ومَن كاتب عبده على عبدٍ لغيره: كانت المكاتبة
فاسدة، وإن أجازها ربُّ العبد أيضاً: لم تجز).
قال أحمد : ذكر محمدٌ هذه المسألة في كتاب: المكاتب، فقال: إذا
كاتَّبَه على عبدٍ بعينه لرجل: لم تجز الكتابة، ولم يذكر حُكْمَه إذا أجازه
صاحبُ العبد.
وقال في كتاب: الشرب: إذا كاتبه على أرض في يده: فالكتابة جائزة،
وهذا يدل على أنّ الإجازة تلحقه من مالك الأرض.
وقد روى ابن سماعة عن محمد: أنَّ الكتابة موقوفة، فإن أجازها
صاحب العبد: جازت، وإن لم يُجِزْ: فسدت، يعني إذا كاتبه على عبد
غيره.
وقد روى الحسن بن أبي مالك(٢) عن أبي يوسف: أنَّ الكتابة فاسدة،
فإن أدى: عَتَقَ، وهو قول أبي حنيفة.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه إذا أدى: لا يعتق.
(١) الأصل ٧٩/٤، مختصر اختلاف العلماء ٤١٨/٤، المبسوط ٦٤/٨.
(٢) الحسن بن أبي مالك، تفقه على أبي يوسف، قال الصميري: ثقة في
روايته، غزير العلم، واسع الرواية، كان أبو يوسف يشبهه بجَمَلٍ حمل أكثر مما
يطيق، مات سنة ٢٠٤ هـ. ينظر الجواهر المضية في طبقات الحنفية ٩٠/٢، الطبقات
السنية ٥٠/٢، الفوائد البهية ص ٦٠.

٣٦٥
كتاب المكاتبة
والصحيح من ذلك: أنَّ الكتابة موقوفة، فإن أجازها مالك العبد:
جاز، وكان على المكاتَب قيمة العبد للمجيز، كمن اشترى جارية بعبد
غيره، فيوقَف الشراء على إجازته، فإن أجازها: جاز، ولزم المشتري قيمة
العبد للمجيز(١).
مسألة : [عجز المكاتب عن سداد نجم الكتابة]
قال أبو جعفر: (وإذا حَلَّ على المكاتب نَجْمٌ من نجوم مكاتبته،
فعجز عنه، فردَّه مولاه في الرِّقِّ برضاه دون السلطان: جاز ذلك).
لأن الكتابة مما يلحقه الفسخ، فيجوز لهما التراضي على فسخها،
كما يجوز تراضيهما على فسخ البيع والهبة، وغيرهما من العقود التي
يلحقها الفسخ بغير سلطان.
وأيضاً: كما جاز إيقاع العقد بغير سلطان، جاز فسخه أيضاً.
* قال : (فإن رفعه إلى السلطان، وقد أخلَّ بنجم، فإن وَجَدَ له مالاً
حاضراً، أو مالاً غائباً يُرجى قدومه: أخَّره يوماً أو يومين، فإن جاء: قضى
منه کتابته).
ووجه التأخير: أنَّ هناك مالاً يمكن قضاء الكتابة منه، فليس إذاً
بعاجزٍ، فتأخيره هذا المقدار لا يوجب الحكم بعجزه، كما أنَّ الغريم إذا
أقرَّ بالدين عند القاضي، وقال له: لا تحبسني حتى أُحضر الدراهم،
وأقضيَه، أمهله هذا القدر، وكذلك لو قال: أبيع عبدي هذا الآن، وأقضي
الدين من ثمنه: لم يأمر بحبسه.
(١) الأصل ٤٢٥/٣، بدائع الصنائع ١٣٩/٤.

٣٦٦
كتاب المكاتبة
* قال : (فإن لم يكن شيء مما ذكرنا: ردَّه في الرِّقِّ، في قول أبي
حنيفة ومحمد).
لأنه قد تبيَّن عَجْزُه عن القيام بشرط الكتابة، وأداءِ المال حسبما لزمه
بالعقد، ولو جاز أن لا يُردَّ في الرِّقِّ مع عجزه عن نجمٍ من نجوم الكتابة:
جاز أن لا يُحكم به وإن عجز عن جميع نجومها، وهذا لا يقوله أحد،
فدل أنَّ العجز واقعٌ بأول نجم.
قال: (وقال أبو يوسف: لا يردُّه إلى الرق حتى يتوالى عليه
نَجْمان)(١).
مسألة : [موت المولىُ لا يُبْطل عقد الكتابة]
قال أبو جعفر: (ومَن مات وله مكاتبٌ: كانت الكتابة على حالها
موروثة عن المولى، كما يورث سائر ماله، وكان ولاء المكاتب إذا أدى
لمولاه، لا لورثته).
وذلك لأنهم وَرِثوا مالاً، ولم يَرِثُوا رقبةَ المكاتب؛ لأنها لا يصح
تمليكها، ومِن أجل ذلك قالوا: إنه لو كان ذا رحم مَحْرم لبعض الورثة: لم
يعتق عليه، ولو كان زوجاً لابنة الميت: لم يفسد نكاحها؛ لأنها لم تملكه.
ومما يدل على أنَّ الورثة لا يملكونه: أنهم لو ملكوه، لبطلت الكتابة؛
لأن العقد تضمَّن عتقا موقَعاً من جهة الميت، فلا جائز انتقال ذلك العتق
(١) المبسوط ٢٠٧/٧، ٤/٨، الهداية مع شروحها ١٤١/٨، وفي المبسوط:
((وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله قال: هذا إذا كانت النجوم مستوية، فإن كانت
متفاوتة، فكَسَرَ نجماً واحداً: يُردُّ في الرق؛ لأنه لما عجز عن أداء الأقل، فالظاهر عن
أداء الأكثر أعجز)).

٣٦٧
كتاب المكاتبة
إلى غيره؛ لأن كل عتق وُقِّف على مالك، ثم انتقل ملكه إلى غيره: بطل
العتق الموقوف عليه، ولا خلاف أنَّ موت المولى لا يبطل الكتابة، فدلّ
على أنَّ الورثة لم يملكوا رقبته، وإنما وَرِثوا ما عليه من مال الكتابة، فإذا
أدىُ: كان العتق واقعاً على حكم ملك المولى، فكان ولاؤه له(١).
مسألة : [موت المكاتَب دون أن يترك وفاءً لكتابته]
قال أبو جعفر : (وإذا مات المكاتب في حياة المولى، أو بعد وفاته،
ولم يترك وفاءً: فهو عاجزٌ ميتٌ من مال مولاه).
وذلك لفوات شرط العتق، وهو الأداء.
مسألة : [لو مات المكاتب وترك مالاً للوفاء]
قال: (ولو ترك مالاً فيه وفاء بمكاتبته: أُدِّيت عنه كتابته، وجُعل كأنه
قد مات حُرّاً).
قال أحمد : وروي نحوه عن علي رضي الله عنه (٢)، وزيد بن ثابت،
وعبد الله بن مسعود، وابن الزبير.
* وروي عن ابن عمر أنه يموت عبداً.
الدليل على صحة قولنا: أنَّ أداء الكتابة وصحة ما يتعلق به من العتق،
ليس مقصوراً على أدائها بنفسه، ولا على مباشرة قَبْضٍ من المولى لها.
والدليل على ذلك: أنَّ غيره لو أدى عنه في حياته، أو وكّل المولى
(١) تبيين الحقائق ١٧٤/٥، بدائع الصنائع ١٥٤/٤، الهداية ١٥١/٨.
(٢) ينظر لهذا الأثر والآثار التالية: مصنف عبد الرزاق ٣٩١/٨، السنن الكبرى
١٠/ ٣٣١، مختصر اختلاف العلماء ٤/ ٤٣٢.

٣٦٨
كتاب المكاتبة
غيرَه بقبضها: عَتَقَ به، فلما لم تكن صحة الأداء موقوفة على مباشرته إياه،
لم يكن تعذّر الأداء من جهته بالموت، مانعاً من جواز الأداء من ماله،
وحصول عتقه في الحکم قبل موته بلا فصل.
فإن قيل: إنما عَتَقَ بأداء غيره عنه في حياته؛ لأنه ممن يلحقه العتق،
ولا يلحقه العتق بعد الموت، فلا معنى للأداء؛ لأنه لا يَعْتق به، لاستحالة
عتق الميت.
قيل له: لا نعتقه بعد الموت، وإنما نقول: إذا صح الأداء، حُكِمَ بأنه
كان حراً قبل الموت بلا فصل، وليس يمتنع حصول العتق قبل الموت بلا
فصل بأداءٍ يحصل بعد الموت.
كما لو حَفَرَ رجل بئراً في طريق المسلمين، ثم مات، وترك عبداً،
فأعتقه الوارث، ثم وقعت فيها دابة، فماتت: أنّ الوارث يضمن القيمة،
ويُحكَم عند الوقوع بأنه كان جانياً يوم الحفر، في باب ما يضمنه الوارث
من قيمة العبد.
وكما لو أنَّ رجلاً جرح رجلاً، ثم مات الجارح، ثم مات المجروح:
أنا نحكم عند موت المجروح بأن الجارح كان جانياً قبل الموت؛
لاستحالة كونه جانیاً بعد الموت.
فإن قيل: موته يوجب فسخ الكتابة؛ لأنه لا يصح ابتداؤها بعد
الموت.
قيل له: ليس سبيل الابتداء في ذلك سبيل البقاء، ألا ترى أنَّ العبد
الآبق لا يجوز بيعه، ولو اشتراه، ثم أَبَقَ من يد البائع: لم يبطل البيع.
ولو ابتدأ عقد نكاح امرأة وهي معتدة من غيره: لم يصح، ولو طرأت
عليها عِدَّة من وطء شبهة وهي تحت زوج: لم ینفسخ نكاحه.

٣٦٩
كتاب المكاتبة
وأيضاً: فإن هذا اعتلالٌ منتقض؛ لاتفاق الجميع على أنَّ المولىُ لا
يصح منه ابتداء كتابة، ولو عقدها في الحياة، ثم مات: لم يبطل.
فإن قيل: لما كان شرط الكتابة حصول العتق عند الأداء، ويستحيل أن
يصير حراً في هذه الحال: لم يصح أداؤها، إذ لم يحصل به العتق
المستحق بعقد الكتابة.
قيل له: من قولك: إن حكم الأداء أن يقع العتق معه في جميع
الأحوال، هو موضع المنازعة بيننا وبينكم، لأنا نقول: إن الأداء يوجب
العتق، ولا نقول: إنه يوجبه في وقت وجوده لا محالة، بل يوجبه تارة
عقیب الأداء، وتارة قبله، بالدلائل التي ذكرناها.
وكما جاز أن يكون المولى معتِقاً تارة في حال الأداء، وتارة قبل
الموت بلا فصل، کذلك حکم العبد.
ودليل آخر: وهو قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ
دینٍ﴾(١).
فحَكَمَ ببقاء دين الميت بعد موته، وأوجب قضاءه من ماله، والمكاتبة
دينٌ على الميت، فوجب أداؤه من ماله، وأن يُجعل الباقي لورثته، ومَن
ادعى سقوطه بالموت، فهو تارك لحكم الآية بلا دلالة، فإذا وجب الأداء
بعد الموت، تعلق به حكم العتق، لأن الناس فيه على قولين: منهم مَن
يجعله عاجزاً، ويسقط الأداء، ومنهم مَن يثبت الأداء، ويجعله حراً قبل
الموت، فلما بطل بظاهر الآية قولُ مَن أسقط الأداء: ثبت قولنا.
(١) النساء: ١١.

٣٧٠
كتاب المكاتبة
فإن قيل: هذا في الأحرار.
قيل له: بل هو في الأحرار والمكاتبين إذا تركوا وفاء؛ لعموم اللفظ
إلا ما قام دليله.
وأيضاً: فلم نجد دَيْناً يُبطله الموت، فوجب أن لا تبطل الكتابة
بالموت.
فإن قيل: فأنت تبطله إذا مات عاجزاً.
قيل له: ليس الموت يبطله، وإنما يبطله العَجْز.
وأيضاً: لما كان عِثْق المكاتب مضمَّناً بأداء الدين، أشبه استحقاق
الميراث الذي صحته مضمَّنة بأداء الدين الذي على الميت، فلو مات
رجل، وترك ديناً عليه يحيط بماله، لمَنَعَ ذلك الورثة من ملك ماله.
ولو أبرأ الغريم من الدين، فسقط حقه: ملك الورثةُ المال بالموت.
ولو كان بعضهم قد مات قبل إبراء الغريم: ورث عنه نصيبه ورثته،
فكذلك المكاتب، لما مات وعتْقه مضمَّنٌ بأداء المال، وجب أن يكون
حکمه موقوفاً على الأداء على ما وصفنا.
وأيضاً: لما اتفق الجميع على أنَّ موت المولى لا يبطل الكتابة، لأجل
إمكان الأداء بوجود المال، وجب أن يكون ذلك حكمه بعد موت
المكاتب، لوجود المال الذي يصح به الأداء، ولم يمتنع أن يحصل في
الحكم معتَقاً بعد الموت، كما جاز أن يصير المولى معتقاً بعد الموت.
فإن قيل: إنما جاز أن يكون المولى معتقاً بعد الموت بأداء المكاتب؛
لأن الميت يجوز أن يلحقه حكم عتقٌ يبتدأ بعد موته، بأن يوصيَ بعتق
عبده، فيبتدأ عتقه، ويلحق الميت ولاؤه، ولما لم يصح إيقاع عتق على
میت بعد موته، لم یجز أن يلحقه حكم العتاق بوجه بعد موته.

٣٧١
كتاب المكاتبة
قيل له: كل ما استشهدت به من تأكيد جواز وقوع العتق منه بعد
الموت، لتقدم السبب الموجب له من جهته في حال حياته، فهو مؤكّد
لجواز حصول عِثْق المكاتب بعد موته بالأداء، ألا ترى أنَّ موت المولىُ:
لم يجعل المكاتب في معنى مَن قال له المولىُ: إن دخلتُ الدار فأنتَ حرٌّ،
ثم مات، فدخل: فلا يَعتق ، بل فُصِّل بين الكتابة واليمين بعد موت
المولى، فدل على أنَّ الموت لا تأثير له في بطلان الكتابة أيهما مات.
وقولك: إنه يصح من المولىُ عتقٌ بعد موته بالوصية، فإنما تعلق ذلك
بتقدم سببه في حال الحياة، ولولا تقدم الوصية، لما صح أن يلحقه حكم
العتق، فإنما تعلّق جوازه بسبب موجود قبل الموت، فكذلك المكاتب
يجوز أن يلحقه العتق بالسبب المتقدم وإن لم يجز ابتداء عتقه بعد موته.
فإن قالوا: الكتابة فيها معنى اليمين، واليمين يبطلها الموت.
قيل لهم: فينبغي أن يبطلها موت المولى، كما تَبطل اليمين بموته (١).
مسألة : [ثبوت الخيار للمكاتبة إذا حَبِلت من مولاها]
قال: (وإذا عَلقت (٢) المكاتبة من مولاها: كانت بالخيار، إن شاءت
عجَّزت، فصارت أمَّ ولدٍ لمولاها، وإن شاءت مضت على مكاتبتها،
وأخذت عُقْرها من مولاها، فاستعانت به على المكاتبة).
وذلك لأنها قد استحقت العتق من غير جهة الكتابة، فكان لها أن
تعجّز لتحصيل ما استحقته من عتق الاستيلاد، وإن شاءت مضت على
(١) الأصل ١١/٤، ١٨، مختصر اختلاف العلماء ٤٣١/٤، بدائع الصنائع
٤/ ١٥٤.
(٢) أي حبلت، وكان في بطنها علقة من مولاها.

٣٧٢
كتاب المكاتبة
كتابتها؛ لأنها مستحقة للعتق بها، فلا يجوز فسخ شرطها إلا برضاها(١).
مسألة : [حكم المكاتبة على نصف العبد]
قال: (ومَن كاتب نصف عبده على مال، فإن أبا حنيفة كان يقول:
نصفه مكاتَبٌ على ذلك المال، فإذا أدى إليه: عَتَقَ، وسعى له في بقية
قيمته، وقال أبو يوسف ومحمد: يكون العبد كلَّه مكاتباً على ذلك المال).
قال أحمد : من أصل أبي حنيفة: أنَّ العتق يتبعَّض، وقد بيَّنَّاه فيما
سلف(٢)، فكذلك الكتابة.
ومن أصلهما: أنَّ العتق لا يتبعَّض، فكذلك الكتابة؛ لأنها عقدٌ على
العتق، فعَقْده على بعضه: عَقْدٌ على جميعه، كما أنَّ عِثْق بعضه: عِثْقٌ
لجمیعه.
* وقول أبي جعفر: إنه إذا أدى: عَتَق، وسعى في بقية القيمة، في
قول أبي حنيفة: معناه: عَتَق ذلك النصف المكاتب، وأما النصف الباقي،
فهو رقيقٌ في قوله، ولا يعتق إلا بالسعي(٣).
مسألة : [مكاتبة أحد الشركاء في حصته دون إذن لشريك]
قال: (ومَن كاتب عبداً بينه وبين آخر، أو كاتب نصفَه بغير إذن
شريكه: فلشريكه إبطال ذلك، ما لم يودَّ العبدُ الكتابة).
وإنما کان للشريك فسخه من وجهين:
(١) بدائع الصنائع ١٥١/٤، المبسوط ٢٣٧/٧.
(٢) أول كتاب العتق.
(٣) المبسوط ٤٣/٨، بدائع الصنائع ٤ /١٤٧.

٣٧٣
كتاب المكاتبة
أحدهما: أنَّ كتابة البعض تمنع تصرُّفَ المولى في بيعه، وسائر وجوه
التمليك في نصيبه، فكان له أن يبطله، ليصل به إلى حقه في التصرف.
والوجه الآخر: أنه يؤدي إلى العتق، وفي العتق استهلاكُ نصيبه،
وإخراجه من يده.
* قال أبو جعفر : (فإن لم يُبطل المولى الذي لم يكاتبه المكاتبة، حتى
أداها العبد إلى الذي كاتبه عليها: فإنه قد عَتَقَ نصيبُه بذلك).
وذلك لوجود شرط العتق وهو الأداء.
* قال: (وكان أبو حنيفة يقول: إن وقعت المكاتبة على العبد كله:
كان للذي لم يكاتبه أن يرجع على الذي كاتبه بنصف ما قبض من العبد،
ثم يكون العبد كعبدٍ بين رجلين أعتقه أحدهما).
وذلك لأن نصيب الذي کاتب: مکاتبٌ، کَسْبه له دون المولى،
ونصيب الآخر: عبدٌ غير مكاتَب، وكَسْبُه لمولاه، فإذا أخذ الكتابة من
مالٍ: نصفه لشريكه: كان له أن يأخذه منه، وكان بمنزلة المكاتب إذا أدى
كتابته، ثم استُحق نصف المؤدى، فلا يبطل العتق، ولا يرجع الذي كاتب
على العبد بشيء؛ لأنه جعل المال بدلاً من النصفين، فاستحق نصف
المال، ولم يسلّم أيضاً للعبد إلا نصف الرقبة.
* قال أبو جعفر : (فإن كانت المكاتبة وقعت على نصيبه من العبد:
كان الجواب كذلك، غير أنه يكون للمكاتب أن يرجع على العبد بما أخذ
منه شریکه، فیستسعیه فیه).
وذلك لأنه شَرَطَ جميع المسمى بدلاً من نصف الرقبة، وقد سلَّم
للعبد ما شُرِط له، ولم يسلّم للمولى من المال إلا نصفه، ويرجع به عليه.
* قال أبو جعفر: (وقال أبو يوسف ومحمد: سواء وقعت المكاتبة

٣٧٤
كتاب المكاتبة
على كل العبد، أو على نصيبه منه، وهو كما قال أبو حنيفة: إذا كاتب
جمیعه.
وإن كانت المكاتبة من المولى وقعت على نصيبه من العبد بإذن
شريكه: كانت جائزة، وللذي لم يكاتب أن يرجع على الذي كاتب بنصف
ما قبض، ويرجع الذي کاتب به على العبد).
قال أحمد: وذلك لأن إذنه له في الكتابة، ليس بإذنٍ له في قَبْض
نصيبه من الكسب، فله أن يرجع عليه بنصف المقبوض.
مسألة : [إذن الشريك بقبض بدل المكاتبة]
قال: (وإن كان الشريك أذن له في قبض المكاتبة: كان كذلك أيضاً،
إلا أنه ليس للشريك أن يرجع عليه بشيء مما قبض، ويَعتق نصيبُه،
ويكون كعبدٍ بين رجلين أعتقه أحدهما).
وذلك لأنه إذا أذن له في قَبْض المكاتبة، كان بمنزلة رجلٍ أَذِنَ لرجلٍ
في قضاء دَيْنه من ماله، فلا يكون له بعد القضاء أن يرجع فيه.
* قال : (وإن نهى الشريكُ شريكَه عن قَبْض الكتابة، أو مات قَبْل
قبض شريكه: انقطع إذنه).
وذلك لأنه بمنزلة مَن أَذِن لرجل في قضاء دينه من ماله، ثم نهاه قبل
أن يقبضه، فيَبْطُل إذنه بالنهي، وكذلك ينقطع بالموت، وذلك لأن ملكه
انتقل إلى الوارث، ولم يكن من الوارث إذن فيه.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: هذه مكاتبةٌ لجميع العبد، وهو مكاتَب
للمَوْلَيَيْن، فإن أذن أحدهما لصاحبه في قَبْض الكتابة، فقبضها: عَتَق العبد
منهما، وإن كان لم يأذن له في قبضها: لم يَعتق بقبض الذي كاتبه إياها،
حتى يقبض المولى الآخر حصته منها).

٣٧٥
كتاب المكاتبة
وذلك لأن الذي كاتَبَ عاقِدٌ على نصيب نفسه، ووكيل للشريك في
العقد على نصيبه، والوكيل في الكتابة لا يستحق القبض بعقد الكتابة،
وشَرْط الكتابة حصول العتق بأدائها إلى مستحقها، ولم يحصل ذلك، فلم
يَعتق حتى يقبض الآخر نصيبه منها(١).
مسألة : [حكم ما يعتقه المكاتب من عبيده وسائر تبرعاته]
قال أبو جعفر: (ولا يجوز عِثْقُ المكاتب لعبده، ولا هبتُه شيئاً من
ماله، عَتَق أو لم يَعْتُق).
وذلك لأن مال المكاتب موقوف، ولا ينعقد العتق إلا في ملكٍ
صحيح، فلا يجوز عتقه ولا هبته، لأن الهبة تبرع، ولا يجوز تبرع الإنسان
في غیر ملکه.
وأيضاً: فإن عقْد الكتابة إنما تضمن جواز تصرف المكاتب فيما يُعينه
على أداء الكتابة، والعتق والهبة ليس فيهما ذلك، بل فيهما ضررٌ عليه،
ومَنْع من الأداء.
وأيضاً: فإن حق المولى هو المانع من وقوع ملك المكاتب في ماله،
فصار من هذا الوجه كالوارث إذا كان على الميت دَيْن يحيط بماله، فيمنع
حق الغرماء من وقوع ملكه في مال الميت، فكما لم يجز عتقُ الوارث
وهبتُه، لأجل حق الغرماء المانع من وقوع ملكه، وَجَبَ أن لا يجوز عِثْق
المكاتب وهبتُه، لوجود هذه العلة.
قال أحمد : وكذلك قالوا في كفالته بمالٍ ليس عليه، إنها غير جائزة،
(١) الأصل ٥١٦/٣، مختصر اختلاف العلماء ٤٢٣/٤، بدائع الصنائع
٤ / ١٤٧.

٣٧٦
كتاب المكاتبة
لأنها تبرع بمنزلة القرض، وقَرْضه لا يجوز لهذه العلة.
وقالوا: إن أجاز المولى تصرفه على هذه الوجوه، لم يجز أيضاً، لأنه
لا ملك له فيه، كما أنَّ الغرماء لو أجازوا عتق الوارث وهبته لمال الميت،
لم يجز بإجازته(١).
مسألة : [حصول العتق للمكاتبَيْن مكاتبةً واحدة بأداء واحد منهما]
قال أبو جعفر: (ومَن كاتب عبدَيْن له على ألف درهم مكاتبةً واحدة،
إن أدَّيا عَتَقًا، وإن عَجَزَا رُدًّا في الرِّق: كانا بذلك مكاتبَيْن جميعاً، وللمولى
أن يأخذ كلَّ واحدٍ منهما بالمكاتبة كلها، فأيُّهما أداها: عَتَق، وعَتَقَ
صاحبه، وكان له أن يرجع على صاحبه بحصته منها).
وذلك لأن هذه لما كانت كتابة واحدة، تعلّق عتقهما بأداء جميعها،
فصار جميع المال على كل واحد منهما؛ لأنه لا يُستحق العتق إلا بأداء
جمیعه، فصار كل واحد منهما ضامناً عن صاحبه.
وإنما جاز الضمان في ذلك على هذا الوجه؛ لأن عتقه مستَحقٌّ بأداء
جميع الكتابة، فكان جميع الكتابة عليه، وشُرِط معه عِثْق الآخر.
ولو كاتبه وحده على جميع المال: جاز، فلا يُبطله شَرْط عتق الآخر
معه، وإنما صار في معنىُ مَن كوتب على جميع المال، لأن عِتْقه معلَّق
بأدائه.
وليس هذا بمنزلة ضمان المكاتب مالاً ليس عليه عن غيره: فلا يجوز؛
لأن الكفالة تبرع، والمكاتب لا يملك ذلك، ولا يتعلق بكفالته عن غيره
(١) الأصل ٥٤/٤، بدائع الصنائع ١٤٤/٤، المبسوط ٢١٣/٧، ٥٩/٨،
الهداية ٨/ ١١١.

٣٧٧
كتاب المكاتبة
على غير الوجه الذي ذكرنا عتاقه، فلذلك اختلفا.
قال: (فإن أداها أحدُهما: عَتَقا جميعاً، ورَجَعَ على صاحبه بالنصف).
وإنما عَتَقًا؛ لأنه قد جعل أداءه شرطاً في عتقهما، وإنما رجع على
صاحبه بنصفه؛ لأن المال عليهما، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه بما
عليه بأمره، فيرجع عليه بما يؤديه عنه.
* قال أبو جعفر : (وكذلك ما أداه أحدهما من شيء: كان له أن يرجع
على صاحبه بنصفه).
قال أحمد : وذلك لأنهما يتساويان في ضمان المال، كأن جميعه على
كل واحد منهما، وكل واحد مع ذلك كفيل عن الآخر، فأشبها من هذا
الوجه رجلين كَفِلا عن رجلٍ بألف درهم، على أنّ كل واحد منهما كفيل
ضامن عن صاحبه، فما أدى أحدهما من شيء: رجع به على الآخر.
· ولا يشبه هذا رجلين اشتريا عبداً بألف درهم، على أنَّ كل واحد
منهما كفيل ضامن عن صاحبه، فلا يرجع أحدهما على الآخر بشيء،
حتى يؤدي أكثر من النصف، ثم يرجع عليه بالفضل، وذلك لأن كل واحد
من هذين عليه نصف المال من أصل ما عليه خاصة، والنصف الآخر عليه
من جهة الكفالة، فلو جاز له أن يجعل ما يؤديه عن صاحبه قبل أن يؤديَ
ما عليه، لجاز لصاحبه إذا حصل عليه ضمان ذلك، أن يجعله عن الآخر،
مما عليه من کفالته، فیؤدي ذلك إلى بطلان الرجوع رأساً، حتى يؤدي ما
عليه خاصة.
وأما مسألة الكتابة، فليست كذلك؛ لأنا لو جعلنا على كل واحد
منهما نصف المال من أصل ما عليه: لم يصح أن يضمن النصف الآخر من
جهة الكفالة، فوجب أن يكون جميع المال على كل واحد منهما من جهة

٣٧٨
كتاب المكاتبة
واحدة، وهي جهة الكتابة، كالكفيلين عن الغير، إذا كَفِلا على أنَّ كل
واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه، لأن جميع المال على كل واحد من
جهة واحدة، وكل واحد كفيل عن صاحبه، فوجب أن يتساويا فيما
ضمنا، كذلك المكاتبان كتابة واحدة.
مسألة : [ما يلزم المكاتبَيْن عند الاقتصار على ذكر ثمن المكاتبة]
قال أبو جعفر: (ولو كانت المكاتبة وقعت على ألف درهم، ولم
يذكر شيئاً غير ذلك: كان على كل واحد منهما حصته منها لمولاه، لا
شيء عليه غير ذلك).
قال أحمد : كل واحد في هذه الحال مكاتب على حدة بحصته من
الألف، كرجل قال لرجلين: قد بعتُكما هذين العبدين، هذا منك، وهذا
من الآخر، جميعاً بألف درهم: فيجوز إذا قَبِلا، ويكون ثمن كل واحد
منهما حصته من الألف.
ولا يشبه هذا ما تقدم، وذلك لأنهما لا يصيران مكاتبين كتابة واحدة
إلا أن يقول لهما: قد كاتبتُكما على ألف درهم، على أن تؤدياها إليّ في
كذا وكذا نجماً، أو على أنَّ كل واحد منكما ضامنٌ عن صاحبه، فإذا
أوقعها على أحد هذين الوجهين، بأن يجعل نجومَهما واحدة، وما عليهما
مالاً واحداً، أو شَرَط على أنَّ كل واحد منهما ضامن ما على صاحبه وإن
كانت حالة، فهذه كتابة واحدة.
وأما إذا كانت الكتابة حالَّة، ولم يشرط الضمان: فكل واحد منهما
مكاتب على حِدَته بحصته من المال؛ لأن النجوم إذا كانت واحدة،
والمال واحد، فقد جعل أداء المال على النجوم شرطاً في عتقهما؛ لأنه
قال: على أن تؤدياها إليّ في كذا وكذا نجماً، وإن كانت حالَّة وشرط

٣٧٩
كتاب المكاتبة
الضمان، فقد صرح بأن أحدهما لا يعتق إلا بأداء الجميع.
وأما إذا كانت حالَّة، ولم يشرط الضمان: فليس في اللفظ دلالة على
أنَّ أداء جميع المال شَرْط في عتقهما، فلذلك لم نجعله شرطاً(١).
مسألة : [موت أحد المكاتبين مكاتبة واحدة]
قال أبو جعفر: (وإذا كاتبهما مكاتبة واحدة، إن أدَّيَا عَتَقًا، وإن عَجَزا
رُدًّا، فمات أحدهما: كان للمولى أن يأخذ الباقي بجميع الكتابة).
لأن المال لم يسقط عن الميت، ألا ترى أنه لو ترك وفاءً: أَخَذَ من
ماله.
* قال: (ولو لم يمت، ولكن المولى أعتق أحدَهما: سقطت حصته
من الكتابة).
وذلك لأنه قد استوفى رقبته بالعتق، فلا يجوز أن يستوفي بدلها، ألا
ترى أنه لو أعتقهما: سقط جميع المال.
وليس العتق كالموت؛ لأنهما جميعاً لو ماتا لم يسقط مال الكتابة،
وأَخَذَ مما تركاه.
* قال: (فإذا أعتق أحدَهما: كان له أن يأخذ كل واحد منهما بحصة
الذي لم يَعتق).
وذلك لأن الضمان قد صحَّ في حال الكتابة، فلا يسقط بالعتق وإن
لم يصح ابتداؤه في هذه لحال، كما لو ملك المكاتَب امرأته: لم يفسد
نكاحها، ولو ابتدأ عقد النكاح بعد الملك: لم يصح، وكما لو وجب
(١) الأصل ٤٢٨/٣، بدائع الصنائع ١٤٥/٤، المبسوط ١٣/٨.

٣٨٠
كتاب المكاتبة
على امرأة تحت زوج عِدَّة من غيره بوطء بشبهة: لم يفسد نكاحها، ولو
أراد أن يبتدئ العقد وهي معتدة من غيره: لم يصح، ولهذا نظائر
كثيرة(١).
* قال: (فإن أدَّاها الذي عتق: رجع بها على المكاتب).
وذلك لأنه ضمن عنه بأمره، وكما كان يرجع عليه بحصته لو أداها
قبل العتق.
مسألة : [كفالة المكاتَب للمولى على دين الكتابة]
قال أبو جعفر: (ولا تجوز الكفالة للمولى بما على عبده من الكتابة
في غير ما ذكرنا).
وذلك لأن مال الكتابة لا يثبت إلا في رِقِّ يُستحق به العتق، فمَن
ضمنه على غير هذا الوجه: لم يصح ضمانه، ألا ترى أنَّ رجلاً لو قال
للمولى: كاتِبْ عبدَك على ألف درهم، على أني ضامنٌ له دونه: لم يصح،
لأنه لم يتعلق برقِّ يستحق به العتق.
وأيضاً: فإن ضمان الحرِّ للمال ضمانٌ صحيح، ومال الكتابة ليس
بدَيْن صحيح؛ لأن له إسقاطه عن نفسه بالعجز، فلا يخلو حينئذ من أحد
أمرین:
إما أن تلزمه الحر ضماناً صحيحاً، فيكون قد لزمه على غير الوجه
الذي على صاحب الأصل، وهذا لا يجوز، لأنه مال واحد، لا يجوز أن
يلزم أحدهما على غير الوجه الذي لزم صاحب الأصل.
(١) الأصل ٤٢٩/٣، بدائع الصنائع ١٤٥/٤، المبسوط ١٣/٨، ١٩.