Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب المكاتبة
الكتابة يتناول الحالّ والمؤجل، كالبيع والنكاح وسائر العقود، إذ ليس في
اللفظ ما يقتضي التأجيل، إلا أن يقول قائل: إن لفظ الكتابة يختص
بالأجل، وأن هذا العقد لا يُسمَّى كتابة إلا أن يكون مؤجَّلاً، فيكون
متحكِّماً قائلاً بما لا يمكنه إقامة الدليل عليه من جهة لغةٍ، ولا شَرْعٍ، ولا
يقدر خصمه أن يقابله بمثله، فيقول: والبيع يختص بالأجل، وكذلك
النكاح، وسائر عقود المداينات، أو يقول له: بل لفظ الكتابة يختص
بالحال، دون المؤجل، وأنه متى كان مؤجلاً لم يسمَّ كتابة، فيقوم مقامه
في الدعوى، ولا یمکنه الانفصال منه بمعنی یوجب أن یکون أولی به منه.
ويدل عليه أيضاً: ما حدثنا ابنُّ قانع قال: حدثنا علي بن محمد بن أبي
الشوارب قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا همام عن العبد الحوري عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((أيما عبد كُوتب على مائة دينار، فأداها إلا عشرة دنانير: فهو
عبد، وأيما عبدٌ كوتب على مائةٍ أُوقيَّةٍ، فأداها إلا عشرة أواق: فهو
عبد))(١).
فهذا الحديث يدل على معنيين: على الكتابة الحالَّة، وعلى أنَّ
الإيتاء(٢) غير واجب على المولىُ.
وأيضاً: فلما كان عقد الكتابة يتناول رقبة العبد بمال يثبت في ذمته
(١) سنن أبي داود ٣٤٦/٢، سنن ابن ماجه ٧٧/٢، وفي الزوائد: فيه حجاج
بن أرطاة، وهو مدلس، السنن الكبرى ٣٢٣/١٠.
(٢) في (ر.جـ): ((الإيتاء)). في (د،م): ((الإبراء))، وسيأتي بعد قليل لفظ:
((الإيتاء)» في كلام المصنف أكثر من مرة، وأن المراد به: إيتاء المولى بعض مال
الكتابة للعبد، وحطّه عنه، أي إبراؤه من بعض ما وجب عليه.

٣٤٢
كتاب المكاتبة
على وجه الثمن عن رقبته، وجب أن يجوز عاجلاً ومؤجلاً، فالبيع نفسه
لما كان هذا معناه: جاز عاجلاً وآجلاً.
فإن قيل: يلزمك في السَّلَّم أن تجيزه حالاً، كما أجزتَه مؤجَّلاً.
قيل له: بأية علة يلزمنا عليه السَّلَم ونحن فإنما علَّلنا في الكتابة بأن
العقد تناول بدلَيْن: أحدهما رقبة العبد، والآخر ثمنٌ يثبت في ذمته بَدَلاً له
من رقبته.
وبهذا المعنى جازت عقود البياعات عاجلة وآجلة، وهذه العلة غير
موجودة في السلم، لأن السلم مبيعٌ في الذمة، فلا يجوز إلا مؤجلاً؛ لأن
لفظ السلم يقتضي التأجيل، وهو مخصوص من جملة بيع ما ليس عند
الإنسان، فمتى أسقطنا منه الأجل، حَصَلَ بيع ما ليس عنده في غير
السلم، فلا يجوز لعموم نهي النبي عليه الصلاة والسلام(١).
وليست الدراهم التي في ذمة العبد مبيعة، بل هي ثمنٌ كأثمان
البياعات، فوجب أن تكون حالَّة كسائر أثمان البياعات.
فإن قيل: لما قال تعالى: ﴿فَكَاِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَءَاتُوهُمْ﴾(٢):
اقتضى اللفظ حالَيْن:
إحداهما: حال العقد، والثانية: حال الإيتاء، فوجب أن يكون مؤجَّلاً.
قيل له: ومِن أين وَجَبَ التأجيل إذا كان هناك حالان؟
هذا على تسليم أنَّ على المولى إيتاءَه، وما أنكرت أن يكون الإيتاء
(١) سبق.
(٢) النور: ٣٣.

٣٤٣
كتاب المكاتبة
سقوط بعضها عقيب(١) العقد بلا فصل، فلا مدخل للتأجيل فيه.
وعلى أنه لو كان الإيتاء على معنى: أن يعطيَه المولى شيئاً يستعين به
على أداء الكتابة، مع أنه لا يقول به أحد: لم يقتض التأجيل؛ لأنه يؤتيه
ذلك عقيب العقد في المجلس، فالتأجيل ساقط، كما قال تعالى:
﴿فَاَنكِحُوُهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَانُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾(٢)، ولم يقتض تأجيلاً
لأجل ذِكْره العقد والإيتاء، كذلك الكتابة.
فإن قيل: لما كان العبد ممن لا يملك، وَجَب أن يكون هناك حالٌ
يَتوصَّل بها إلى الكسب، حتى يصح له الأداء، وإلا ردَّه في الرق في الحال
للعجز، فلا یکون للكتابة معنی.
قيل له: مال الكتابة يثبت في ذمته بالعقد، ويصير به المكاتب في يد
نفسه بعقد الكتابة، وتصير له ذمة كالحرِّ، فَيَصِلُ إلى الكسب، ويؤديه،
ويوهَب له، ويستقرض، ويكون بمنزلة رجلٍ معسرٍ اشترى عبداً، فيثبت
المال في ذمته بالعقد من غير تأجيل، فكونه فقيراً لا يقتضي التأجيل في
ثمن ما يشتريه.
وعلىُ أنَّ مِن قول المخالف: أنه إذا كان مفلساً، كان البائع أحق
بمتاعه، فينبغي أن لا يصح البيع من المعسر إلا مؤجلاً، للعلة التي
ذكرناها في الكتابة.
فإن قيل: لأنه يبيع ما يحصل لهم من المتاع، ويقضي به دينه،
(١) في (د، م): ((عند عقده)).
(٢) النساء: ٢٥.

٣٤٤
كتاب المكاتبة
والمكاتب لا یمکنه بیع رقبته.
قيل له: والمكاتب يستقرض، ويوهَب له، ويُتُصدَّق عليه، وهذه كلها
وجوهٌ قد يصل بها إلى أداء الكتابة، كما يصل المشتري إلى أداء الثمن من
وجوه.
وعلى أنه على قولك: ينبغي أن لا تجوز كفالة المعسر بالمال، إلا
مؤجلة؛ لأنه لا يحصل له بها بدل يستعين به في أداء ضمان الكفالة، كما
قلتَ في الكتابة، ويجب أيضاً أن لا يجوز نكاح المعسر، إلا بمهر مؤجل
لهذه العلة.
مسألة: [حَطَّ بعض بدل الكتابة ليس على الوجوب]
قال : (وليس عليه أن يضع من مكاتبته شيئاً).
وذلك لأن الله تعالى لما أمر بعقد الكتابة، وهي تقتضي بدلاً يثبت
على العبد، فقد اقتضت الآية لزوم البدل؛ لأن عقد الكتابة يتضمنه، كما
يتضمن عقدُ البيع ثمناً يثبت على المشتري، وما أوجبت الآيةُ ثبوته على
المكاتب بالعقد، فلا جائز لأحدٍ إسقاطه، إلا بدلالة تدل عليه.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوُهُم مِّن مَالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾(١):
يتضمن وجوب الإیتاء.
قيل له: وما في هذا من الدلالة على أنَّ المخاطَب به المولى في إيتاء
بعض مال الكتابة، وحطّه عن العبد؟
فإن قيل: لأن الخطاب به توجه إلى الموالي المخاطَبين بالكتابة.
(١) النور: ٣٣.

٣٤٥
كتاب المكاتبة
قيل له: وما الدليل على ذلك؟
وما أنكرتَ أن يكون ذلك خطاباً لجميع الناس، بأن يتصدقوا على
المكاتب، ويُعينوه على أداء كتابته، كما قال تعالى في شأن الصدقات:
﴿وَفِ الْرِقَابِ﴾(١)، وقال: ﴿وَمَآ أَدْرَنِكَ مَالْعَقَبَةُ فَكُ رَقَبَةٍ﴾(٢).
ولمَ اقتصرتَ بالخطاب على المولى، دون سائر الناس بغير دلالة؟
وأيضاً: ما أنكرتَ أن يكون في مضمون الآية ما ينفي ما قلتَ من
خطاب المولى دون غيره من الناس؛ لأنه قال: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اَللَّهِ الَّذِىّ
ءَتَنْكُمْ﴾(٣)، وما أطلق عليه اسم: مال الله: فهو الذي سبيله أن يكون
صدقةً، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في شأن اللقطة: ((فإن جاء
صاحبُها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء))(٤): يعني أنَّ سبيله الصدقة.
وكما روي في الخبر: ((إذا بلغ بنو الحُكْم ثلاثين رجلاً، اتخذوا مال الله
دُوَلاً))(٥) : يعني ما سبيله الصدقة، وصَرْفه في جهات القربة إلى الله تعالى.
(١) التوبة: ٦٠.
(٢) البلد: ١٢.
(٣) النور: ٣٣.
(٤) سنن ابن ماجه ٧٤/٢.
(٥) المعجم الكبير، إلا أنه قال: (اتخذوا آيات الله دولاً) (١٢٩٨٢) ١٢ /١٨٢،
الفتح الرباني ٣٢/٢٣، مجمع الزوائد ٢٤٦/٥، قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه
ابن لهيعة، وفيه ضعف، قال محقق المعجم الكبير (حمدي سلفي) تعقيباً: نعم إذا
كان الراوي عنه من العبادلة، وهنا ليس كذلك، وذكر الهيثمي طرقاً أخرى، وما ذكره
المؤلف كأنه مركب من طريقين.

٣٤٦
كتاب المكاتبة
فلما أمر بالإيتاء من مال الله، والأشياء كلها - وإن كانت لله وملكاً له -
فإن إطلاق لفظ مال الله، إنما هو فيما سبيلُه أن يُصرف في جهة القربة:
عَلَمْنا أنه أراد إعلامَنا جواز دفع صدقاتنا إليه وإن كان عبداً لغني، ومالُه
موقوف على مولاه، ومعلوم أنّ المولى لا يجوز له أن يعطيَ مكاتَبه من
صدقاته الواجبة عليه، فاقتضى مضمون اللفظ: نفي تأويل المخالف لنا في
معنى الإيتاء.
ويدل لفظ الآية على نفي قول المخالف من وجوه أُخر:
أحدها: قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾(١): فأمرنا
بإيتائهم مما آتانا، وحطّ الكتابة لا يسمى إيتاء؛ لأن الإيتاء في الحقيقة هو
الإعطاء، ومَن أبرأ إنساناً من مالٍ عليه: لا يقال إنه أعطاه شيئاً.
والثاني: أنه أمرنا بأن نؤتيَهم مما آتانا الله، وما في ذمة المكاتب من
مال الكتابة: لم يؤتَه بعد؛ لأن الإيتاء هو الإعطاء، وهو يقتضي القبض،
وذلك غير مقبوض، فلا يقع عليه الاسم.
ومن جهة أخرى: أنه ليس بدَيْن صحيح؛ لأنه على عبده، ويمكن
العبدُ إسقاطَه عن نفسه بالعجز، فلم يملكه بعد ملكاً صحيحاً، فلا يصح
إطلاق اللفظ فيه بأنه مما آتانا الله.
وأيضاً: فلو كان الإيتاء واجباً، لوجب أن يستحق المكاتب إسقاطه
عن ذمته بالعقد الموجب له، ومحالٌ أن يكون العقد هو الموجب له، وهو
المسقط له بعينه؛ لأن شيئاً واحداً لا يصح أن يكون سبباً لإيجاب شيء،
(١) النور: ٣٣.

٣٤٧
كتاب المكاتبة
وإسقاطه فى حال واحد.
وعلى أنه لو سقط عقيب العقد، لَمَا كان ذلك القدر مما آتانا الله؛ لأنا
لم نستحقه قط على المكاتب.
فكيف ما تصرَّفت الحال فتأويل المخالف لنا ساقطٌ لا يحتمله لفظ
الآية.
وقد يصح هذا التأويل لمن قال: هو على الندب؛ لأنه لا يسقط بنفس
العقد، ولأنا نقبضه، ثم نعطيه بعضه، فيكون هذا التأويل مطابقاً للفظ
الآية.
* ويدل عليه من جهة السنة: حديث عمرو بن شعيب الذي قدّمنا عن
النبي عليه الصلاة والسلام، أنه قال: ((أيما رجل كاتب غلاماً له على مائة
أوقية، فأداها إلا عشر أواق: فهو عبد)).
فجعله عبداً مع أداء تسعة أعشار الكتابة، وليس أحدٌ من القائلين
بوجوب حطًّ بعض الكتابة، إلا وهو يوجب حطّ العشر وأكثر، وهذا
الحديث يوجب بطلان قولهم.
ويدل عليه حديث الزهري وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت:
((جاءت بريرة، فقالت: إني كاتبتُ أهلي على تسع أُواقٍ، في كل عام
أوقية، فأعينيني، فقالت: إن أحبَّ أهلُك أن أعُدَّها عِدَةً واحدة، ويكون
ولاؤك لي، فعلتُ، فذهبتْ إلى أهلها، فَأَبَوْا، وقالوا: على أن يكون
ولاؤك لنا، فذكرت ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام» (١).
(١) صحيح البخاري مع فتح الباري ١٤٤/٥.

٣٤٨
كتاب المكاتبة
فأخبرته أنهم كاتبوها على تسع أواق، وذكرت عائشة ذلك لرسول الله
عليه الصلاة والسلام، فلم يقل: إن الذي عليها أقل من ذلك؛ لأن عليهم
أن يحطُّوا عنها بعضها، فدلَّ ذلك على أنَّ حطَّ بعض الكتابة ليس على
الوجوب.
ويدل عليه أيضاً حديث عائشة: ((أنَّ جُوَيْرِيَةَ جاءت إلى النبي عليه
الصلاة والسلام تستعين به في كتابتها، فقال لها عليه الصلاة والسلام: فهل
لك في خير من ذلك؟ أقضي عنك كتابتك، وأتزوجك، قالت: نعم. قال:
قد فعلت))(١).
فَبَذَلَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام لجويرية أداءَ جميع كتابتها عنها إلى
مولاها، ولو كان الحطّ واجباً، لكان الذي يقصد إليه رسول الله صلى الله
عليه وسلم بالأداء عنها باقي كتابتها.
وأيضاً: قد روي عن عمر وعثمان والزبير أنهم لم يكونوا يرَوْن الحطَّ
واجباً، ولا يُروى عن أحد من نظرائهم خلافه، فصار إجماعاً (٢).
فإن قيل: قد روي عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ
اللَّهِ﴾ (٣): أنه الربع(٤).
(١) سنن أبي داود ٣٤٧/٢، شرح معاني الآثار ٢١/٣.
(٢) موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص ٤٠٠، ٤٣٩، موسوعة فقه عثمان بن
عفان ص١٨١ .
(٣) النور: ٣٣.
(٤) مصنف عبد الرزاق ٣٧٥/٨، مصنف ابن أبي شيبة ٣٨٧/٤، جامع البيان
للطبري ١٠٠/١٨.

٣٤٩
كتاب المكاتبة
قيل له: ليس فيه دلالة على أنه كان يراه واجباً، ويجوز أن يكون قَدْر
المندوب إلیه.
وعن بريدة: ﴿وَءَاتُوُهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ﴾: حثُّ الناس على ذلك(١).
وعن إبراهيم مثله.
والمولى وغيره سواء (٢)، وهذا موافقٌ للتأويل الذي قدَّمناه في صدر
المسألة.
* ومن طريق النظر: أنَّ سائر عقود المعاوضات لا تقتضي وجوب
حطِّ بعض البدل، كذلك الكتابة قياساً عليها(٣).
مسألة : [مكاتبة المميز غير البالغ]
قال أبو جعفر: (وجائزٌ للرجل أن يكاتب عبدَه وإن كان العبد لم
يبلغ، إذا كان يعقل الشراء والبيع).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يَبْنَغُونَ الْكِنَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ
فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾(٤).
وهذا يدل من وجهين على ما ذكرنا:
(١) الدر المنثور ١٩١/٦.
(٢) جامع البيان ١٨ / ١٠٢، أحكام القرآن للجصاص ١٨١/٥.
(٣) الهداية وشروحها ٩٦/٨، تبيين الحقائق ١٥١/٤، أحكام القرآن ١٨١/٥ -
١٨٤، ٣٧٢.
(٤) النور: ٣٣.

٣٥٠
كتاب المكاتبة
أحدهما: قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِنَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ
فَكَاتِبُوهُمْ﴾: يتضمن الكبير والصغير ممن يصح منه ابتغاء الكتابة إذا كان
يعقلها، فانتظمه لفظ العموم.
والثاني: قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، ويروى عن إبراهيم والحسن
في قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: صِدْقاً ووفاء(١).
وعن مجاهد وعطاء: مالاً(٢).
وقد توجد هذه الأوصاف في بعض الصغار، فصحَّ دخولهم في حكم
اللفظ.
وأيضاً: فكما جاز أن يأذن له في الشراء والبيع، ويستحق المولى
كسبه، جاز أن يملِّكه كسبه، ويشرط له العتاق بأدائه؛ لأن فيه نفعاً له، ولا
ضرر عليه فيه، كما أنَّ الصبي إذا وُهب له هبة: جاز له قبولها، وقَبْضها،
لما له فيه من النفع، من غير ضررٍ يلحقه.
مسألة : [لا يُشترط في عقد الكتابة النص على أنه يكون حراً]
قال أبو جعفر : (ولا يضرُّ المكاتب بأن لا يقول له مولاه في مكاتبته:
إذا أديتَ إليّ جميع ما كاتبتُك عليه، فأنت حرٌّ، ويَعتق إذا أدى ذلك إليه).
(١) جامع البيان ٩٩/١٨، مصنف عبد الرزاق ٣٧١/٨، مصنف ابن أبي شيبة
٤ /٥٣٠، وروي عن الحسن غيره.
(٢) مصنف عبد الرزاق ٣٧٠/٨، مصنف ابن أبي شيبة ٥٣٠/٤، الدر المنثور
١٩٠/٦.

٣٥١
كتاب المكاتبة
وذلك لأن لفظ الكتابة يتضمن ذلك ويقتضيه، كما يتضمن لفظُ البيع
تمليكَ البدلَيْن من كل واحد من المتبايعين، وكما يقتضي لفظُ النكاح
تمليك البُضْعِ ببدل يستحقه، ويُكتفى في جميع ذلك بإطلاق لفظ العقد،
دون تفسير ما يتضمنه.
مسألة : [حكم المكاتب إذا عجز عن الأداء]
قال أبو جعفر: (ولا يَعتق المكاتب حتى يبرأ من جميع الكتابة، من
غير عجزٍ يلحقه قبل ذلك).
قال أحمد : روي نحو ذلك عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وعائشة
وأم سلمة، وهو إحدى الروايتين عن عمر(١).
وروي عن عمر أنه قال: إذا أدَّى النصفَ: فهو غريمٌ، ولا رِقَّ عليه(٢).
وقال ابن مسعود(٣) في إحدى الروايتين: إذا أدى ثلثاً، أو رُبُعاً: فهو
غریم
وهو قول شريح.
(١) مصنف عبد الرزاق ٤٠٨/٨، مصنف ابن أبي شيبة ٣١٦/٤، السنن الكبرى
٣٢٤/١٠، موسوعة فقه عمر بن الخطاب ص٤٣٩. وفيه: قال القرطبي في تفسيره:
الإسناد عن عمر بأن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم، خيرٌ من إسناد: إذا أدى الشطر
فلا رِقَّ علیه. قاله أبو عمر، يعني ابن عبد البر.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣١٨/٤، مصنف عبد الرزاق ٤١٠/٨، السنن الكبرى
١٠/ ٣٢٥.
(٣) مصنف عبد الرزاق ٤٠٦/٨، ٤١١، مصنف ابن أبي شيبة ٣١٧/٤، السنن
الكبرى ٣٢٦/١٠.

٣٥٢
كتاب المكاتبة
وروى إبراهيم عن عبد الله قال: إذا أدى قيمة رقبته: فهو غريم(١).
وقد روي عن ابن عباس: أنَّ المكاتب يعتق بعقد الكتابة، ويكون مال
الكتابة ديناً عليه(٢).
وليس يوجد لهذه الرواية مَخْرَجٌ صحيح، ولا يُعرَف له سند، وهو مع
ذلك قول شاذ، ولا نعلم أحداً قال به.
* والحجة لقولنا: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي
صلى الله عليه وسلم: ((أيما عبد كوتب على مائة دينار، فأداها إلا عشرة
دنانیر: فهو عبد))(٣).
ومن رواية عمرو بن شعيب أيضاً عن أبيه عن جده عن النبي عليه
الصلاة والسلام قال: ((المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم)) (٤).
وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا موسى بن زكريا قال: حدثنا عباس
قال: حدثنا محمد قال: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا هشيم عن أبي
بشر جعفر بن إياس عند نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم)) (٥).
(١) مصنف عبد الزراق ٤١١/٨، السنن الكبرى ٣٢٦/١٠.
(٢) أحكام القرآن للجصاص ١٨٥/٥، مصنف عبد الرزاق ٤٠٥/٨ كشاهد،
وينظر موسوعة فقه ابن عباس ص٥٠٣.
(٣) سبق.
(٤) الموطأ مع شرحه تنوير الحوالك ١٤٦/٢، سنن أبي داود ٣٤٦/٢، السنن
الکبری ٣٢٤/١٠.
(٥) هذا طريق آخر للحديث السابق، وينظر مصنف عبد الرزاق ٤٠٨/٨،
=

٣٥٣
كتاب المكاتبة
* ومن جهة النظر: إن المشتري لا يستحق قبض شيء من المبيع إلا
بأداء جميع الثمن، فوجب أن تكون الكتابة مثله؛ لأنهما جميعاً عقد
معاوضة.
فإن قيل: ينبغي أن يعتق بنفس العقد، كما يملك المشتري المبيع
بنفس العقد.
قيل له: لو كان كذلك، لم يكن عقد كتابة، وكان يكون عتقاً على
قبول مالٍ في الحال، فقد عقلنا الفصل بين الكتابة وبين العتق الموقّع في
الحال.
وأيضاً: فإن المكاتب قد صار في يد نفسه بعقد الكتابة، فهو نظير
ملك رقبة المبيع للمشتري، والعتق بمنزلة قبض المبيع، فلا يجوز أن
يستحقه إلا بالأداء(١).
مسألة : [زواج المكاتب والمكاتبة دون إذن المولى]
قال أبو جعفر: (وليس للمكاتب ولا المكاتبة أن يتزوجا في مكاتبتهما
بغير إذن مولاهما).
وذلك لأن رِقَّ المولى باقٍ عليهما بما قدَّمنا، ولا يجوز لهما أن
يتصرفا في ملك الغیر بغير إذنه.
ويدل عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((المكاتَب عبدٌ ما بقي
مصنف ابن أبى شيبة ٣١٦/٤، وأخرجه أبو داود ٣٤٦/٢ بإسناد حسن.
(١) الأصل ٤١١/٣، ١٩/٤، بدائع الصنائع ١٣٤/٤، ١٥٣، المبسوط ٤/٨،
٥٢، الهداية ٩٥/٨، تبيين الحقائق ١٥٠/٤.

٣٥٤
كتاب المكاتبة
عليه درهم))(١).
وقال: ((أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه: فهو عاهر))(٢).
وليس التزويج مما تقتضيه الكتابة؛ لأنه إن كان رجلاً فعقد النكاح
يُلْزِمه دَيْناً لا يثبت حق المولى في بدله، وهو البُضْع، فلا يجوز له ذلك؛
لأن الذمة التي يثبت ذلك فيها، هي حقٌّ للمولىُ، وليس ذلك كالإجارة؛
لأن تلك المنافع مما يصح ثبوت حقِّ المولى فيه.
وأيضاً: فإنه تلزمه النفقة للمرأة في كسبه، والنفقة ليست بدلاً عن
شيء، وإنما هي على وجه الصلة، وليس للمكاتب أن يتصرف في ماله
بالصلة والهبة ونحوها.
وأما إذا كانت مكاتَبة، فإن المولىُ مالكٌ لُبُضْعها، وإنما مُنْعَ من وطئها
بعقد الكتابة، وكذلك إذا وُطئت بشبهة، فإنما تستحق مهرها دون المولى؛
لأن المولى قد ملَّكها كسبها بعقد الكتابة، فأما البضع فلم يخرج عن
ملکه، فلم يجز لها أن تتصرف فيه بغير إذنه.
ولها أن تُزوِّج أمتها، وليس تزويجها الأمة كتزويجها نفسَها؛ لأن
المولى لا يملك أمتها، ويملك رقبتها، وبُضْعها، فكان لها أن تتصرف في
مالها، بما يوصلها إلى أداء الكتابة.
(١) تقدم.
(٢) سنن أبي داود ١ / ٤٨٠، مشكل الآثار ١٣٤/٧، السنن الكبرى ١٢٧/٧،
قال محقق مشكل الآثار: إسناده حسن، الفتح الرباني ١٦ /١٥٦، وفي القول المسدد:
صححه الترمذي، وابن حبان والحاكم، وأقره الذهبي.

٣٥٥
كتاب المكاتبة
مسألة : [زواج المكاتب والمكاتبة بإذن المولى]
قال أبو جعفر : (ولهما أن يتزوجا بإذنه).
وذلك لأن المنع كان من أجله، ولحقه، فإذا رضي به: جاز.
فإن قيل: فهلاّ كان ذلك كهبته وكفالته في أنهما لا يجوزان وإن أذن
لهما المولى.
قيل له: لأن المولى لا يملك كَسْبه، ولا معتبر فيه بإذنه، ويملك
رقبته، فجاز تصرفه فيها بالتزويج بإذنه.
مسألة :
قال: (وللمكاتبة الخيار إذا عَتَقَت في ردِّ ذلك النكاح).
وذلك لأن بدل البضع لم تستحقه بعقد النكاح، وإنما استحقته
بالكتابة، كأنه حَصَل للمولى، فجعله لها، وكل مَن لم تستحق بدل البضع
بعقد النكاح، فلها الخيار إذا ملكت بضعها كالأمة، غير المكاتبة.
قال أحمد : وقال زفر: لا خيار لها؛ لأن بدل البضع حصل لها(١).
مسألة : [حق المكاتب في الخروج للتجارة والكسب]
قال: (وللمكاتَب وللمكاتبة أن يَخْرُجا إلى حيث أحبًّا، وليس
لمولاهما مَنْعهما).
وذلك لأنهما في أيدي أنفسهما كالحرِّ، ويدُ المولى زائلة عنهما.
(١) الأصل لمحمد بن الحسن ١٠٧/٤، المبسوط ٢٢٥/٧، الهداية وشروحها
١١٠/٨، بدائع الصنائع ١٤٦/٤.

٣٥٦
كتاب المكاتبة
* قال: (وإن كان اشترط ذلك عليهما: كان شرطه باطلاً).
قال أحمد: الأصل في ذلك: أنَّ الشروط التي لا يوجبها عقد الكتابة
على وجهين :
الأول: شرطٌ راجع إلى نفس البدل، أو المبدَل عنه، وشرط خارج
عنهما، فالأول يُفسدها، مثل أن يكاتبها وهي حامل، واستثنى(١) ما في
بطنها، فهذا الشرط يفسد الكتابة؛ لأن عقد الكتابة عليها يقتضي دخول
الولد فيه، وهو لم يرض بأن يكون المال المسمَّى فيه بدلاً عنهما جميعاً،
ففسدت الكتابة به، لأنها مما يلحقها الفسخ، ولا يصح إلا بتسمية
صحيحة في العقد.
وأما الشرط الآخر: فإنه لا يفسدها؛ لأنه لم يتعلق بالبدل، ولا
بالمبدَل عنه، فصار لغواً، ولا يفسد الكتابة، لأنها قد تصح على ضروبٍ
من المجاهيل، ألا ترى أنه يصح على عبدٍ وسط.
وهي تفارق البيع من هذا الوجه، فكل ما جاز على المجهول: لم
تُفسده الشروط التي قدَّمنا وَصْفَها.
فإن قيل: هلأَّ كان كالنكاح في امتناع فساده بالشروط، سواء كانت في
البدل أو في غيره.
قيل له: هي تفارقه من جهة أنَّ عقد النكاح لا يفتقر في صحته إلى
تسمية البدل، وعقد الكتابة لا يصح إلا ببدلٍ مسمى في العقد(٢).
(١) في (ر.حـ): ((ويستبين)).
(٢) الأصل ٤١١/٣، بدائع الصنائع ١٤١/٤، الهداية والعناية عليها ١٠٩/٨.

٣٥٧
كتاب المكاتبة
مسألة : [صحة مكاتبة العبد على نفسه وماله]
قال أبو جعفر : (وجائزٌ للرجل مكاتبةُ عبده على نفسه، وعلى ماله
وإن كان ماله أكثر مما كاتبه عليه).
وذلك لأنه گسبه، ويدخل تحت کتابته سائر أكسابه التي کان حُكْمها
أن تكون للمولى لولا الكتابة، فلما جازت الكتابة على أكسابه التي
يستفيدها في المستأنف، جازت أيضاً على أكسابه الموجودة في حال
العقد، ولا تعتبر زيادته على مال الكتابة، كما لا يعتبر ذلك فيما يستفيده
بعد العقد.
مسألة : [مكاتبة الرجل عبده على الخدمة]
قال: (وجائزٌ للرجل أن يكاتب عبده على أن يخدمه شهراً، أو على
أن يبنيَ له داراً؛ استحساناً، وليس بقياس).
قال أحمد : وجه القياس: أنَّ الخدمة مستوفاة من ملك المولى؛ لأن
الرقبة في ملكه، فلا يصح شَرْطها بدلاً من الرقبة، إذ كانت الرقبة التي
الخدمة من منافعها في ملكه، ألا ترى أنه لو كاتبه على ثوبٍ في يده
للمولى: لم يصح؛ لأنه في ملك المولى، فلا يصح أن يجعله بدلاً عن
ملكه، إذ يمتنع أن يكون البدلان جميعاً من ملكِ واحدٍ في عقود
المعاوضات.
ألا ترى أنَّ المؤاجر لا يجوز له أن يستأجر العبدَ الذي أجَّره من
المستأجر؛ لأن المنافع حادثة على ملكه، وليس كذلك المال المطلق؛ من
قِبَل أنه يثبت في ذمة العبد بعقد الكتابة، ثم يُستوفى من كسبه الذي لا
ملك للمولى فيه بعد الكتابة.
وجهة الاستحسان: أنّ المنافع الحادثة التي ليست موجودة في حال

٣٥٨
كتاب المكاتبة
العقد: ليست ملكاً لأحد، فجاز أن يشترطها بدلاً من الرقبة، كما يشترط
مالاً مطلقاً، فتصح الكتابة به؛ لأنها حادثة على مِلْك المكاتب، وملْكُ
المکاتب لا يملكه المولى.
وأيضاً: فإن المنافع لما كان لها قيمة بالعقد، صارت بمنزلة سائر
الأموال؛ ألا ترى أنه لو كاتبه على مال، ثم استأجر المكاتب للخدمة
شهراً: صحت الإجارة؛ لأن المنافع الحادثة في هذه الحال ليست ملكاً
للمولى وإن كانت الرقبة في ملكه، فكذلك يجوز أن تُجعل هذه المنافع
بدلاً من الرقبة في عقد الكتابة(١).
مسألة : [حكم مصالحة المكاتَب على تعجيل بعض مال الكتابة
والبراءة من بقيته]
قال أبو جعفر : (وإذا كاتب عبداً له على مال مؤجل، ثم صالحه قبل
حلول الأجل على أن يعجِّل له بعضَ ذلك المال، ويبرأ من بقيته: لم يجز
ذلك فيما روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف من قوله، وأما محمد
فروى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه جائزٌ، ولم يحك خلافاً).
قال أحمد : كان القياس عندهم أنه لا يجوز كسائر الديون المؤجلة،
إذا وقع الصلح فيها على تعجيل بعضها، والبراءة من بقيتها، وذلك لأن
الأصل الذي تعتبر به هذه المسائل ونظائرها: أن يراعى ما وقع عليه
الصلح، فإن كان مما أوجبه له عقد المداينة: لم يكن له حكم العقد،
وكان آخذاً لبعض حقه، أو لحقّه.
وإن كان مما لم يوجبه له عقد المداينة: فهو إنما يريد استحقاقه بعقد
(١) الأصل ٤١٢/٣، المبسوط ٤/٨، بدائع الصنائع ١٣٩/٤.

٣٥٩
كتاب المكاتبة
مستقبَل، وهو عقد الصلح، فاحمِلْه على ما تجوز عليه عقود البياعات،
فما جاز فيها: جاز في ذلك، وما لم يجز فيها: لم يجز فيه.
ومعلوم أنَّ مَن كان له على آخر ألفٌ مؤجلة، فهو غير مستحق
لخمسمائة حالَّة إلا بعقد، فكأنه باع الألف بالخمسمائة: فلا يجوز.
وهذا هو القياس في مسألة صلح المكاتَب، إلا أنهم تركوا القياس،
وجعلوه كأنه حطّ البعضَ، وعجَّل له العبدُ البقية، لا على وجه العقد؛
لأن ما على المكاتَب ليس بدَيْنٍ صحيح؛ لأنه على عبده، والمولى لا
يثبت له على عبده دينٌ صحيح، ولأنه يمكنه إسقاطه عن نفسه بالعجز،
فلما وجدوا له وجهاً في الصحة، حُمِل عليه.
وقالوا: لو كاتبه على حنطة موصوفة، فصالحه منها على شعير
موصوف إلى أجل: لم يجز، وكان ودَيْن الحرِّ في هذا الوجه سواء؛ لأنه
ليس له وجهٌ في الصحة يُحْمَل عليه(١).
مسألة : [دفع الزكاة للمكاتب]
قال : (وجائزٌ للمكاتب قبولُ الزكوات وغيرها).
وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَفِ الرِّقَابِ﴾(٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا
اُلْعَقَبَةُ أَفَقُّ رَقَبَةٍ﴾(٣).
(١) ينظر مصنف ابن أبي شيبة ٤٧١/٤، الجامع الصغير مع شرحه النافع الكبير
ص٤١٩، المبسوط ٦/٨، الدر المختار ومعه حاشية رد المحتار ١٠٨/٦.
(٢) التوبة: ٦٠.
(٣) البلد: ١٣.

٣٦٠
كتاب المكاتبة
* قال : (وجائزٌ للمولىْ أَخْذُ ذلك منه قضاءً من الكتابة).
وذلك لأنه لا يأخذها صدقة، وإنما يأخذها من مال الكتابة (١).
وقد رُوي أنَّ بريرة كان يُتَصدَّق عليها، فتهديه للنبي عليه الصلاة
والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هو لها صدقة، ولنا
هدية))(٢).
مسألة :
قال أبو جعفر : (ولا تجوز المكاتبة على القيمة).
وذلك لأنها مجهولة كثيرة الجهالة، ألا ترى أنَّ مثلَها لا يكون تسميةً
في النكاح، لو تزوج امرأة على مهر مثلها: کان ذلك كلا تسمية، وكان لها
إن طلقها قبل الدخول المتعة.
ويفارق هذا الكتابةَ علىْ وَصِيْفٍ؛ لأن القيمة لا يتحصل لنا
مقدارها إلا بالحرز والظن، فلا تحصل معلومةً بيقين، والوَصيف معلومٌ
على الحقيقة، متيقَّنٌ أنه وَصِيفٌ، واختلاف المقوِّمين في قيمته لا يسلبه
اسم الوَصيف، ويكون ذلك كالاختلاف في الصفة، لا في عين
المسمَّى، وأما القيمة نفسها فمختلفة المقدار، ليس يوقف منها على
حدٍّ معلوم.
وأيضاً: فإن الذي يجب عند أداء الكتابة الفاسدة هو القيمة، وما لا
يثبت إلا مع الفساد: لا يصح أن يكون بدلاً في العقد، ألا ترى أنَّ القيمة
(١) الهداية وفتح القدير ٢٠٤/٢، بدائع الصنائع ٤٥/٢، ١٤٦/٤.
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ١٥٥/٥.