Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ كتاب العشق مسألة : [العتق المعلق بقيد] قال أبو جعفر : (ومَن قال لعبده: أنت حرٌّ قبل موتي بشهر: كان كما قال، فإن مات المولى بعد هذا القول بأقل من شهر: بَطَل هذا القول، فلم يَعمل شيئاً). قال أحمد : هذا عِتْقٌ موقَعٌ بصفة، وهو أن يقع عند الموت قبل ذلك بشهر بعد اليمين، وذلك لأن وجود شهر بعد اليمين شَرْط في العتق، لأن الأيمان إنما تنعقد على شروط مستقبلة، ولا تنعقد على شروط ماضية، ألا ترى أنه لو قال: أنتِ طالق إن دخلتِ الدار: كان ذلك على دخول مستقبل. وإذا كان كذلك، فاليمين إنما تناولت شهراً بعد اليمين يليه الموت، وليس وجود الشهر موجباً للعتق دون الموت، ولا وجودُ الموت يوجبه دون وجود شهر. فإذا وُجِد شهرٌ بعد اليمين يليه الموت، فقد وُجِد شَرْط العتق، فَيَعْتِق عند أبي حنيفة قبل ذلك بشهر، كقوله: أنتِ طالق قبل رمضان بشهر، فيقع في أول شعبان، ويفترقان من جهة أنَّ الشهر الذي يليه الموت لا يحصل معلوماً إلا بوجود الموت، فإن وُجِد حصل الشهر معلوماً، فحُكِمَ بوقوع العتق قبله، وقد بيًّّا ذلك في مسائل من هذا الكتاب، واستقصينا شرحه في ((الجامع الكبير)). * وأبو يوسف ومحمد يجعلانه حراً بعد الموت؛ ويكون عتقه من الثلث. وإنما لم يكن مدبَّراً؛ لأن عتقه لم يكن مستحقاً بالموت على الإطلاق قبل مضيِّ الشهر، فإذا مضى الشهر صار مدبّراً، لأن عتقه قد صار مستحقاً ٣٢٢ كتاب العثْق بالموت على الإطلاق. * قال أبو جعفر: (وأما أبو حنيفة فإنه يقول: يعتق قبل موته بشهر، كما قال إذا مضى شهر ثم مات، فإن كان المولى صحيحاً يوم القول: كان العبد حراً من جميع المال، وإن كان مريضاً مرضاً مات منه: كان حراً من الثلث). قال أحمد: وذلك لأن وجود الموت بعد الشهر الذي هو شَرْط يمينه، يوجب عتقه عند أبي حنيفة قبل ذلك بشهر، كأنه أعتقه في وقت القول(١). مسألة : [تعليق العتق قبل قدوم فلان بزمن] قال أبو جعفر: (ومَن قال لعبده: أنت حرٌّ قبل قدوم فلان بشهر، فقَدِمَ فلان قبل شهرٍ: كان عبداً، وبطل هذا القول، وإن مضى شهر، ثم قَدِمَ: فإنه يكون حرّاً بعد القدوم في قولهم جميعاً). قال أحمد : وجود شهرٍ بعد اليمين، يليه القدوم: شَرْطٌ في يمينه، فإذا وُجِدَ: وَقَعَ حينئذ، ولا يقع قبله (٢)؛ لأن القدوم مما يجوز أن يكون، ويجوز أن لا يكون، فلا يجب الحكم بعتقه قبل الوجود(٣). مسألة : [حكم قول العبد لغيره : اشترِ لي نفسي] قال أبو جعفر: (ومَن قال له عبدُ رجلٍ: اشترِ لي نفسي من مولاي (١) بدائع الصنائع ٤ /١١٤. (٢) في (ر، حـ): ((بعده)). (٣) في (ر، حـ): ((بأن يعتقد قبل الدخول)). ٣٢٣ كتاب العِتْق بألف درهم، فاشتراه منه بذلك، فإن كان قال له: إني أشتريه لنفسه، فباعه إياه مولاه على ذلك: فالعبد حرٌّ، وولاؤه للمولى). وذلك لأنه لما باعه على هذا الوجه، فقد أجاز توكيل العبد إياه بالشراء لنفسه، فصار ذلك كخطاب العبد له ببيع نفسه منه، فيَعتق، لأن بيع المولى عبدَه من نفسه: عِثْقٌ على مال، وذلك لأن البيع يتضمن إزالة ملك البائع بالبدل المشروط، وإزالة ملكه إلى العبد يوجب عتقه، لأنه لا يصح أن يملك نفسه، إذ لا يجوز أن ينتقل إليه الرق الذي يملكه المولى، لأنه لو انتقل إليه، لقام فيه مقامه، فثبت أن تمليكه نفسه، إنما هو عِتْقٌ موقعٌ من جهة المولى. * قال: (وإن لم يتبين لمولاه أنه يشتريه لنفسه: كان عبداً للمشتري، ولم يَعتق). وذلك لأنه لا يصح توكيل العبد؛ لأن توكيله بذلك لا يجوز إلا بإذن مولاه. وأيضاً: فظاهر بيعه منه، يقتضي نَقْل ملكه إليه دون عتقه، فلا يجوز أن نجعله عتقاً على مال، وهو إنما قَصَدَ إلى عقد البيع، دون العتق(١). مسألة : [إبهام المولىُ العتق بين عبده وعبد غيره] قال أبو جعفر: (ومَن قال لعبده وعبدٍ غيره: أحدُكما حرٌّ، ولم يَعْنِ بذلك عبده: لم يَعتق عبدُه، وكذلك لو قال لعبدٍ وحُرٍّ: أحدُكما حرٌّ). وذلك لأن قوله: أحدكما حُرٍّ: يوجب حرية أحدهما بغير عينه، (١) بدائع الصنائع ٧٦/٤. ٣٢٤ كتاب العِثْق ويقتضي تخييراً للمولى في صرفه إلى أيهما شاء، فلا يخلو إذا كان هذا هكذا، من أن يوقع العتق على عبده، فيكون ذلك خلاف موجَب القول؛ لأن قوله لم يقتض عتق واحدٍ بعينه، فلا يجوز إيقاع ما لم يوقعه، فقد بَطَلَ هذا القسم. أو يوقع عتقاً، ويكون له الخيار في صرفه إلى عبده أو عبد غيره، فإن أو جبنا ذلك له، کان له صرفه إلى عبد غيره، وإلى الحرِّ، فلا يلزمه به عتق عبده، فإذا لم يقتض هذا القول منه إيقاع عتق عبده: لم يلزمه به شيء(١). مسألة: [إضافة عتق أحد عبديه إلى مال، وإبهام المعتَق منهما] قال أبو جعفر: (ومَن قال لعبديه: أحدُكما حُرٌّ على ألف درهم، فقَبِلا: فله أن يوقع العتق على أحدهما، ويلزمه المال). وذلك لأن المال تَبَعٌ للحرية في هذا الموضع، وله الخيار في صَرْف الحرية إلى أيهما شاء، فمَن صَرَفَ إليه الحرية: لزمه المال. وإنما كان المال تابعاً للحرية؛ لأن الحرية لم تقع إلا بقبولها على المال المشروط. مسألة : [إضافة العتق إلى قدرٍ من المال، ثم إضافته إلى قدر آخر] قال: (ولو قال: أحدُكما حُرٍّ على ألف درهم، فَقِبلا، ثم قال: أحدُكما حُرٌّ بمائة دينار، فقَبِلا: كان قوله الثاني باطلاً). وذلك لأن أحدهما قد عَتَقَ بقوله الأول، فلم يعمل القول الثاني؛ لأنه صادف حُرّاً وعبداً، كمن قال لعبد وحُرٍّ: أحدُكما حُرٍّ: فهو لغوٌ. (١) بدائع الصنائع ١٠٦/٤. ٣٢٥ كتاب العتْق مسألة : قال: (ولو قال لهما القولين جميعاً قَبْل القبول، ثم قَبِلا: كان للمولى أن يُلزم المالين جميعاً أحدهما، فيجعله حُرّاً بذلك، وكان له أن يجعل أحدَهما حراً على أحد المالين، والآخر حراً على المال الآخر). وذلك لأن قوله: أحدكما: يتناول واحداً بغير عينه، وكذلك قوله ثانياً: يتناول واحداً بغير عينه، يجوز أن يكون الأول؛ لأنه لم يَعتق بعد، ويجوز أن يكون غيره، فلما قَبِلا ذلك بالمالين، فقد رضي كل واحد منهما بلزوم أحد المالين، وبلزوم المالين جميعاً، إذ كان مقتضى قول المولى يوجب له الخيار في صَرْف الحريتين إلى أحدهما، أو إليهما جميعاً. فكان للمولى أن يجعل الحريتين بالمالين لأحدهما، وله أن يجعل إحداهما بأحد المالين لأحدهما، والأخرى بالمال الآخر للآخر، لأن المال تابع للحرية، والخيار للمولى في الحرية. ألا ترى أنه لو قال لأحدهما: أنت حرُّ بألف درهم، فلم يقبله، حتى' قال: أنت حرٌّ بمائة دينار، ثم قَبِل: عَتَق، ولزمه المالان، كذلك ما وصفنا. * قال أبو جعفر: (وإن مات المولى، ولم يوقع من ذلك شيئاً: فإنه يَعتق من العبدين رقبةٌ ونصف على المالين جميعاً، ويسعيان جميعاً في نصف رقبة، یسعی كل واحد في ربع قيمته لورثة مولاه). وذلك لأن أحدهما حُرُّ لا محالة، والآخر يَعتق في حال، ولا يعتق في أخرى، فيَعتق منهما رقبةٌ ونصف بالمالين جميعاً؛ لأن المال لازم في جميع الأحوال، إما لهما، أو لأحدهما، فهو عليهما جميعاً لتساويهما في لزومه. ٣٢٦ كتاب العِتْق ويسعى كل واحد في ربع قيمته، لأنه قد عَتَق منه ثلاثة أرباعه بنصف المالين. مسألة : [إضافة عتق العبدين إلى مال يختلف قدره بينهما] قال: (ولو قال: أحدُكما حُرُّ بألف درهم، والآخر بخمسمائة درهم، فقَبلا، عَتَقا، وكان على كل واحد منهما خمسمائة درهم، لا شيء عليه غيرها). وذلك لأن قوله: أحدكما: يتناول واحداً منهما بغير عينه، وقوله: والآخر حُرٍّ: يتناول واحداً غير الأول، فلما قَبِلا: عَتَقا جميعاً، وقد لزم أحدهما خمسمائة، والآخر ألف، ولا يجوز أن يلزمهما جميعاً ألف؛ لأن المعتَق بالألف، غير المعتَق بالخمسمائة، فلزوم الخمسمائة لكل واحد منهما متيقَّن، والخمسمائة الفاضلة مشكوكٌ فيها لمن لزمت، فلم يجز أن نُلزمها أحدهما بالشك. كرجلين عَلِمْنا أنَّ لرجلٍ على أحدهما خمسمائة، وعلى الآخر ألف، ولا يُعرَف صاحب الخمسمئة من صاحب الألف: فلم يلزم كل واحد منهما إلا خمسمائة. ألا ترى أنَّ رجلين لو قالا لرجل: لك على أحدنا ألف درهم: لم يلزم واحداً منهما بذلك شيء، كما لو قال ذلك لعشرة رجال، أو مائة رجل. وكما لو علمنا أنَّ لرجل على رجل ببغداد ألف درهم: لم نلزمه أحداً إلا بعد أن يعرفه بعينه. وليست هذه كالمسألة الأولى، لأن في تلك المسألة يجوز للمولى أن يصرف الحرية إلى أحدهما بالمالين جميعاً، وإلى كل واحد منهما بأحد المالين، فلما كان له الخيار في الحرية، وكان المال تابعاً لها، فمَن ٣٢٧ كتاب العِتْق حصلت له الحرية استحق عليه المال، وفي مسألتنا لا خيار للمولى؛ لأنهما قد عَتَقا جميعاً، وبقي حكم المال(١) فیمن يلزمه. مسألة : [إضافة المولى العتق إلى مال لأكثر من عبد وقبولهم قبل التعیین] قال: (ولو قال: أحدُكما حُرُّ بألف درهم، والآخر حُرٌّ بمائة دينار، فقَبِلا : عَتَقًا، ولم يكن له على واحد منهما شيء). وذلك لأن الحرية قد حصلت لهما بالقبول، بحيث لا خيار للمولى فيهما، وبقيَ أحد المالين على أحدهما، والآخر على الآخر، ولا يعرفه بعينه، فلا يلزمه شيء، ألا ترى أنا لو علمنا أنَّ لرجل على أحد رجلين ألف درهم، وعلى الآخر مائة دينار، ولا نعرف صاحبَ المالَيْن بعينه: لم نُلزمهما شيئاً حتى نتيقَّن(٢). مسألة : [اختلط عبده بحُرٌّ فلم يُعرَفا] قال: (ومن اختلط عبدُه بحُرٍّ، فلم يُعرَفا: قضى القاضي بالاحتياط في ذلك، وجَعَل على كل واحد منهما أن يسعى في نصف قيمته لمولى العبد، وأعتق أنصافهما). وذلك لأن المولى ممنوعٌ من التصرف فيهما، ما لم يتبيَّن الحرَّ من العبد، وهما أيضاً ممنوعان من التصرف لأنفسهما، ما لم يُعْرَف الحرُّ بعينه، ولا خيار للمولى في ذلك؛ لأن الحرية ليست موقَعة من جهته، فیکون تعيينها موقوفاً علی بیانه. (١) في (د،م): ((اللفظ)). (٢) بدائع الصنائع ٧٧/٤. ٣٢٨ كتاب العتّق فالاحتياط للفريقين أن يسعى كلّ واحد في نصف قيمته، ويحكم بحرية نصفه، كما أنَّ المولى لو قال لعبديه: أحدكما حُرٌّ، ثم مات قَبْل البيان: عَتق من كل واحد منهما نصفُه عند بطلان الخيار؛ لأن كل واحد منهما حُرٌّفي حال، وعبدٌ في أخرى(١). مسألة : [العتق في حال مرض الموت] قال أبو جعفر : (ومن أعتق عبدَيْه وهو مريض مرض موت، ولا مال له غيرهما: عَتَق من كل واحد منهما ثلثه، وسعى لورثة مولاه في ثلثي قیمته). قال أحمد : الدليل على نفاذ عتقه في ثلث كل واحد منهما: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم))(٢)، وهو مالكٌ لا محالة لثلث کل واحد منهما، بحيث لا حقَّ لغيره فیه. والدليل عليه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم، زيادةً في أعمالكم))(٣). وفي حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول تعالى: ابنَ آدم! اثنتان ليست لك واحدة منهما، جعلتُ لك نصيباً في (١) بدائع الصنائع ١٠٦/٤. (٢) سبق. (٣) شرح معاني الآثار ١٨٠/٤، سنن ابن ماجه ١١٦/٢. قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد ضعيف، طلحة بن عمرو ضعَّه الجماعة، وله شاهد في الصحيحين وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص وابن عباس. ٣٢٩ كتاب العِثْق مالك حين أخذت بكَظَمك(١) لأطهِرك، وأزكِيَك، وصلاةُ عبادي عليك بعد انقضاء أجلك))(٢). فأخبر عليه الصلاة والسلام أن له نصيباً في ماله، فثبت أنه مالكٌ لعتق الثلث من جميع العبيد، فوَجَبَ أن ينفذ في ثلث الجميع، إذ كان مالكاً، لعموم لفظ النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضاً: لا خلاف بين المسلمين أنه لو وهبهم، أو أوصى بهم: أنَّ ذلك جائز في ثلث جمیعهم، لا يختص به بعضهم دون بعض، إذ كان مالكاً لذلك منهم، من حيث لا حقَّ للغير فيه، فكذلك العتق. وأيضاً: لما تساويا في السبب الموجب لاستحقاقه، وَجَبَ أن يتساويا في استحقاقه، اعتباراً بما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام ((في رجلين أقاما بينة على بعير، فقضى به بينهما نصفين))(٣). فلما تساويا في السبب الموجب للاستحقاق، ساوى النبي عليه الصلاة والسلام بينهما فيه. وكما أنَّ أصحاب الديون إذا تساووا في ديونهم: تساووا فيما يستحقونه من مال الميت، كذلك العبيد، لما تساووا في استحقاق العتق؛ (١) كظم الرجل: غيظه إذا اجترعه، أي ردَّه وحبسه، والأصل في الكظم: الإمساك على غيظ وغم، والكظم: مخرج النفس. لسان العرب (كظم) ٥١٩/١٢ . (٢) سنن ابن ماجه ١١٦/٢، قال البوصيري في الزوائد: في إسناده مقال، وليس فيه: أنه من كلام الله تعالى، سنن الدارقطني ١٤٩/٤، وفي التعليق المغني على سنن الدارقطني: وفي إسناده مبارك بن حسان، وهو لين الحديث. (٣) سبق. ٣٣٠ كتاب العِثْق لتساويهم في اللفظ الموجب ذلك لهم من المولىُ، وَجَبَ أن يتساووا في استحقاقه. ومما يدل على نفاذ العتق في جميعهم: اتفاق الجميع على أنه لو برئ* من مرضه: عَتَق جميعهم، كما لو وَهَب، ثم برئ: صحت هبته في جميعهم، فمعلومٌ أنَّ البرء لا يوجب عتقاً لم يقع، فصحَّ أنَّ ذلك العتق قد كان واقعاً في حال المرض في جميعهم، فانتفى رَفْع شيءٍ منه بالقرعة، لاتفاق المسلمين على أنَّ عتقاً واقعاً لا يجوز ارتفاعه بالقرعة. فإن احتج مخالفنا في ذلك بخبر عمران بن حصين: ((أنَّ رجلاً أعتق ستة أعبُدٍ له عند موته، لا مال له غيرهم، فأقرع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة))(١). قيل له: ليس في هذا الخبر بيان موضع الخلاف بيننا، وذلك لأن تلك كانت قضية من النبي عليه الصلاة والسلام في شيء بعينه، وليس بعموم اسمٍ يتناول ما تحته. وقول الراوي: ((فأعتق اثنين)): يحتمل أن يريد به شائعين في الجميع، لا بأعيانهما، كما قال: ((في أربعين شاة: شاة)»(٢)، وهي شاة شائعة في الجميع. ويدل عليه ما حدثنا محمد بن يعقوب الأصم في كتابِ محمد بن (١) صحيح مسلم (٣٩/١)، سنن أبي داود ٣٥٣/٢. (٢) الفتح الرباني ٢١٦/٨، سنن أبي داود ٣٦١/١، جامع الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٤٠٣/٢، وفي القول المسدد: قال ابن حجر: سنده جيد، وله شواهد صحيحة ٢١٧/٨. ٣٣١ كتاب العِتْق عبد الله بن عبد الحكم قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني جرير بن حازم والحارث بن نبهان عن أيوب بن أبي تميمة عن محمد بن سيرين وأبي قلابة عن عمران بن حصين ((أنَّ رجلاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق أعبداً له ستةً عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فأثبتهم النبي عليه الصلاة والسلام، فأعتق ثُلُثَ ذلك الرقيق)). وقوله: ((ثلث ذلك الرقيق))، يقتضي حقيقته ثلثاً شائعاً في الجميع، كما لو أقرَّ فقال: له ثلث هذا الرقيق: كان شائعاً في الكل، ولم يَصْدُق على أنه أراد واحداً بعينه. وحدثنا ابن قانع قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا محمد بن منهال عن يزيد بن زريع عن يونس عن الحسن عن عمران بن حصين: ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في رجلٍ أعتق عند موته ستة أعبُدٍ، جزَّاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأعتق الثلث)). وهو مثل الخبر الأول في دلالته على ما دل عليه. وقد روى الحسن عن عمران بن حصين: «أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: لو أدركتُه، ما صليت عليه))(١). وكذلك روى أبو زيد الأنصاري عن النبي عليه الصلاة والسلام. فدل على أنه إنما تغيَّظ عليه؛ لأنه أضرَّ بالورثة في عتقه لجميعهم، لأنه جعل حقهم في السعي، وتعجّل لنفسه عتق الثلث. (١) شرح مشكل الآثار ٢٠٨/٢، سنن أبي داود ٣٥٣/٢، قال الشيخ الأرناؤوط - في هامش مشكل الآثار عن الحديث -: رجاله ثقات، رجال الصحيح، إلا أنَّ أبا قلابة لم يسمع من أبي زيد الأنصاري، قاله أبو حاتم في المراسيل. ٣٣٢ كتاب العثْق ويدل على أنَّ الثلث الذي أعتقه النبي عليه الصلاة والسلام منهم كان شائعاً في الجميع: أنه لو أراد اثنين بأعيانهما، لما كاد أن يتفق أن يكونا ثلث مال الميت، سواء لا يزيد ولا ينقص؛ لأن ذلك غير موجود في العادة، فعلمنا أنَّ المراد ثلثٌ شائع في الجميع، وهو الذي تجوز و صیته فیه. وأيضاً: فلو ورد لفظ الخبر غير محتمل لما قلنا، لما جاز الاعتراض به على الأصول التي قدَّمنا؛ لأن أخبار الآحاد لا يُعتَرض بها على الأصول. وجِهَةُ اعتراضه على الأصول: أنه لا خلاف بين الأمة أنَّ نَقْل الحرية عمن وقعت عليه غير جائز بالقرعة، وإذا حُمِل الخبر على ما ادَّعوه، كان فيه نَقْل الحرية ممن وقعت عليه، لأنه لا خلاف أيضاً أنه مالكٌ لثلث كلِّ واحد منهم، جائز التصرف فيه، فأوجب ذلك نفاذ عتقه في ثلث كل واحد منهم، والقرعة تنقله عمن استحقه، وتجعله لمن لا يستحقه. ومن جهة أخرى: أنَّ هذا من جنس القِمار والميسر اللذَيْن حرَّمهما الله تعالى، وحقيقته: أن يستحق بالقرعة ما لم يكن يستحقه لولاها من الحرية، التي استحقها غيره. ومن جهة أخرى: اعتراضه على إيجاب النبي عليه الصلاة والسلام العتق فيما يملكه المعتق، وما روي من قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم))(١)، وما كان هذا وَصْفه من أخبار الآحاد، فهو محمول عندنا على ما لا يخالف الأصول. (١) سبق. ٣٣٣ كتاب العِثْق فإن قيل: فما وجه القرعة إن كان عتق ثلث الرقيق شائعاً في الجميع؟ قيل له: القرعة إنما هي الضرب، ومعناه أنه ضَرَب لكل واحد منهم بقيمته في الثلث، وقسم الثلث بينهم على ذلك. وأيضاً: يحتمل أن يكون خبر القرعة إن صح على الوجه الذي ادعوه، في حال ما كان يجوز استرقاق الحر، كما روي عن سُرَّق ((أنّ النبي عليه الصلاة والسلام باعه في الدَّين وكان حراً))(١). ويجوز أن يكون قبل تحريم القمار والميسر، فصار منسوخاً بالتحريم. فإن قيل: فقد جازت القرعة في قسمة الغنائم وغيرها، وقال النبي عليه الصلاة والسلام لرجلين: ((استهِما، وتوخَّيًا الحقَّ)(٢). ((وكان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه))(٣). قيل له: ليست هذه القرعة مما اختلفنا فيه في شيء، من قِبَل أنَّ القرعة في هذه المواضع على جهة تطييب النفوس، ولو اقتسموا بغير قرعة: جاز، وكذلك إخراج النساء في السفر؛ لأنه لم يكن لهم حقٌّ في السفر، إذ كان له أن لا يُخرِج واحدة منهن، وإنما كان يُقرع عليه الصلاة والسلام بينهن، لئلا يَسْبق إلى ظن بعضهن أنه قَصَدَ إيثارها على غيرها، ڤيُورِثها ذلك وحشة. وليس في إيجاب القرعة في شيء من ذلك إسقاط حقٍّ واحدٍ، ونَقْله إلى غيره، وفي إيجاب القرعة بين العبيد إسقاطُ حقٍّ واحدٍ، وإخراجه منه (١) سبق. (٢) سنن أبي داود بمعناه ٢٧١/٢. (٣) صحيح البخاري ١٦٧/٥، صحيح مسلم ١٧ /١٠٢. ٣٣٤ كتاب العِتْق رأساً، ونَقْله إلى مَن لا يستحقه. ونظيرها في القسمة، أن يقترعا على أنَّ مَن خرجت قرعته، فله جميع المال، لا حقَّ للآخر فيه، وهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو ضربٌ من الميسر والقمار، فكذلك القرعة في العبيد، هي بهذه المنزلة سواء، لا فرق بینھما. وقد تكلمنا في هذه المسألة بأكثر من هذا في ((شرح الجامع))، واكتفينا به عن الإعادة في هذا الموضع(١). مسألة : [موت أحد العبدين الموصى بعتقهما قبل سعايتهما] قال أبو جعفر: (فإن مات أحدُهما بعد ذلك، قبل أن يسعى في شيء، ولم يترك شيئاً: سعى الباقي للورثة في أربعة أخماس قيمته). وذلك لأن الورثة أربعة أسهم، وللعبيد سهمان ثلث مال الميت، فكان المال مقسوماً بينهم على ستة، فلما مات أحدهما من غير سعي، مات مستوفياً لوصيته، ولم يخرج من سعايته بشيء، فصار ذلك شيئاً تالفاً من جملة مال الميت، فيدخل ضرورة على الورثة، وعلى الموصى له الباقي، فيكون باقي المال بينهما على ما كان استحقاه في الأصل: للورثة أربعة، وله سهم، فلذلك سعى في أربعة أخماس قيمته(٢). مسألة : [تعليق العتق بأحد الوقتين أو الفعلين] قال أبو جعفر: (ومَن قال لعبده: أنت حرٌّ اليوم، أو غداً: لم يَعتق (١) شرح معاني الآثار ٣٨١/٤، شرح مشكل الآثار ٢٠٩/٢، المبسوط ٧٤/٧، بدائع الصنائع ٩٩/٤، ٣٣٧/٧. (٢) بدائع الصنائع ٩٩/٤، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٨٥/٣. ٣٣٥ كتاب العِثْق حتى يجيء غد). قال أحمد : إذا علَّق العتق بأحد وقتين: وقع بآخرهما، وإذا علَّقه بأحد فعلين: وقع بأولهما، وإذا علَّقه بفعل، أو وقت(١): وقع بالفعل. وحكى أبو جعفر عن أبي يوسف في هذا: أنه يقع بالوقت قبل وجود الفعل. أما إذا أدخل حرف التخيير بين الوقتين، فإنما يقع بآخرهما، من قِبَل أنا لو أوقعناه بالوقت الأول، كنا قد جعلناه حراً في الوقتين جميعاً، وهو فإنما جعله حراً بأحدهما، لأنا إذا أعتقناه اليوم، فهو عتيق غداً أيضاً، وذلك خلاف موجَب اللفظ. وأيضاً: فإن تعليقه العتق بالوقت، يوجب أن يكون عتقاً موقعاً بصفة، فلا يوقعه أو يتيقن وجود الصفة، ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق بائناً، أو رجعياً: أنا نوقعه رجعياً؛ لعدم اليقين بحصول البينونة. وأما إذا أدخل حرف التخيير بين الفعلين، فإن إيقاعه بأحد فعلين: لا يقتضي كونه حراً مع الفعل الآخر؛ لأنه إذا قال: إن دخلتُ الدار، أو کلمتُ فلاناً، فأنت حر، فأوقعناه بالدخول، لا نكون موقعین له بالكلام، إذ جائز أن لا يوجد الكلام أبداً، ووقوعه اليوم يقتضي كونه حرّاً غداً؛ لأن غداً لا محالة موجود بعد اليوم. وأما إذا دخلتُ الدار، فإنه يقع بالفعل، إن تقدَّم أو تأخر؛ لأنه إن تقدم صار كالفعلين إذا دخل عليهما حرف التخيير، فيقع بأولهما، وإن (١) في (ر): ((بفعل ووقت)). ٣٣٦ كتاب العِثْق تأخر صار الوقت معه كهو مع وقت غيره، فلا يقع إلا بآخرهما(١). مسألة : [موت المولى دون بيان مراده في عبده من العتق أو التدبير] قال أبو جعفر: (ومَن قال لعبده: أنتَ حرٌّ، أو مدبَّرٌ، ثم مات المولى، وقد قال ذلك في صحته: عَتَق نصفُه من جميع المال، ونصفَه من الثلث). وذلك لأنه حرٌّ في حال، ومدبّرٌ في حال، فله نصف كل واحد منهما، فيعتق نصفه بالحرية البتات، والنصف الباقي بالتدبير (٢). مسألة : [إبهام الحرية ممن له ثلاثة أعبد والتعليق بأو] قال: (ومَن كان له ثلاثة أعبُد، فقال لأحدهم بعينه: أنتَ حرٌّ، أو هذا لأحد الآخرَيْن منهما، وهذا للباقي منهما: عَتَق الأخير ، وقيل له: أوقع العتق على أي الباقين شئت). قال أحمد: وذلك لأن حرف التخيير، وهو: ((أو)): دخل بين الأوليين، والثالث معطوف على الحُرِّ منهما. وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يحكي عن الفرَّاء(٣): أنه يجب أن يكون له الخيار بين الأول، وبين الآخرين جميعاً، فيقال له: إن اخترتَ (١) في (د، م): ((بأحدهما))، وانظر بدائع الصنائع ٨٥/٤. (٢) بدائع الصنائع ١٠٥/٤. (٣) الفراء: يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسدي مولاهم الكوفي النحوي، صاحب الكسائي شيخ النحاة، واللغويين والقراء، كان يقال له: أمير المؤمنين في النحو، وكان ثقة، وسمي بذلك لأنه كان يفري الكلام، مات سنة ٢٠٧ هـ. الأنساب ٣٥٢/٤، سير أعلام النبلاء ١١٨/١٠. ٣٣٧ كتاب العتّق اللفظ الأول: عَتَق الأول، وإن اخترتَ اللفظ الآخر: عَتَق الآخران جميعاً. قال: وذلك لأن الواو للجمع، فكأنه قال: هذا حُرٍّ أو هذان، كما أنه لو قال: والله لا أكلم هذا، أو هذا وهذا، أنه إن كلُّم الأول: حنث، وإن لم يكلم الأول، وكلّم أحد الآخرين: لم يحنث حتى يكلمهما جميعاً، كأنه قال: والله لا أكلم هذا أو هذین. وكان أبو الحسن رحمه الله يجيب عن ذلك بأن قوله في مسألة الإيقاع: ((أو هذا))، وهذا لا يجوز أن يكون للجمع؛ لأن الخبر الأول لا يصح أن يكون لهما جميعاً مجموعين، إذ لا يجوز أن يقال: ((أو هذان حُرٍّ)، ويحتاج إلى استئناف حرية أخرى في حال الجمع؛ لأنه يحتاج أن يقول: أو هذان حُرَّان، فلما لم يصح أن يكون الخبر الأول خبراً عنهما مجموعيْن: لم يجز لنا حَمْله على ذلك، وجعلنا قوله: ((وهذا)»: عطفاً على الحرِّ منهما، كأنه قال: وهذا حُرٍّ. وأما قوله: والله لا أكلِّم فلاناً، أو: فلاناً وفلاناً: فإنه ليس يمتنع أن يكون الخبر الأول خبراً عنهما جميعاً، فينفي به كلامهما مجموعَيْن في اللفظ، ألا ترى أنه يصح أن يقول: والله لا أكلم هذين: فلذلك حملنا الواو على الجمع في هذا الموضع(١). (١) بدائع الصنائع ٤ /١٠٥-١٠٦. ٣٣٩ كتاب المكاتبة كتاب المكاتبة مسألة : [استحباب مكاتبة العبد] قال أبو جعفر: (وإذا أراد الرجل أن يكاتب عبده، وقد علم منه الخيرَ الذي أَمَرَ الله بمكاتبة أهله من العبيد: فإنه جائزٌ له أن يكاتِب على ما يتراضيان عليه من قليل الأموال وكثيرها، وعاجلها وآجلِها). قال أحمد : قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾(١)، وهو على الندب عند عامة الفقهاء(٢). وقد روي فيه عن عمر رضي الله عنه: ((أنه رفع الدِّرَّة على أنس بن مالك، وقد طلب منه سيرينُ(٣) عبدُه الكتابةَ، وقال له: كاتِبْه))(٤). وليس في هذا دلالة على أنه كان يراها واجبة على المولى؛ لأنه قد (١) النور: ٣٣. (٢) المبسوط ٣/٨، بدائع الصنائع ١٣٤/٤، مواهب الجليل على مختصر خليل ٣٤٤/٦، المنهاج للنووي مع مغني المحتاج ٥١٦/٤، المغني لابن قدامة ١٠ / ٣٦٥. (٣) سيرين مولى أنس بن مالك الأنصاري كتابة، وكان سيرين معروفاً، وروى شيئاً يسيراً من الحديث. الطبقات الكبرى ٨٥/٧. (٤) صحيح البخاري ١٤١/٥، مصنف عبد الرزاق ٣٧٢/٨، جامع البيان للطبري مختصراً ٩٨/١٨، أحكام القرآن للجصاص ١٨٠/٥. ٣٤٠ كتاب المكاتبة يأمر على جهة الإرشاد والحض، دون الإيجاب والحتم. والدليل على أنه على الندب دون الإيجاب: اتفاق الجميع على جواز بيعه وعتقه. وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾(١)، يقتضي جواز بيعه، وصحة البيع تنفي الكتابة. ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن باع عبداً وله مال))(٢): وظاهره يقتضي جواز بيعه مع طلبه الكتابة. ومن الدليل على ذلك أيضاً: أنا لم نَرَ في الأصول مَن استُحق عليه العقد على ملكه، كالبيع والهبة وسائر العقود، فلما كان في سائر الأصول أنَّ الإنسان غير مستَحقِّ عليه العقد على ملكه، وأنه مخيَّرٌ بين فِعْله وتَرْكه، رددنا حكم الكتابة إلى ما اتفقنا عليه، واستدللنا به على أنَّ عقد الكتابة على الندب. فإن قيل: قد يُجبر الإنسن على بيع ملكه، لأجل دين يلحقه. قيل له: ليس الإجبار واقعاً على البيع، وإنما يقع على قضاء الدين، إذ کان یمکنه، ثم إن شاء باع، وإن شاء لم يبع [أدلة جواز المكاتبة الحالَّة]: وإنما جازت الكتابة الحالَّة، لقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾(٣)، واسم (١) النساء: ٢٩. (٢) سبق. (٣) النور: ٣٣.