Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ كتاب العتّق استفدنا بذلك أنَّ عتق أحد الشريكين لنصيبه من العبد، لا يوجب عتق نصيب الآخر بحال، لنفيه عِثْق مَن لا يملك، وهو غير مالك لنصيب الشريك. ويدل عليه: أنه لو قَصَدَه بالعتق، لم يعتق بالاتفاق، فعلمنا أنه غير مالك له، وعتْقه لا ينفذ فيه لعموم نفيه العتق عما لا يملك، وأن نصيب شريكه غير تابع لنصيبه، فيعتق بعتقه، وإذا ثبت ذلك في أحد الشریکین، صح أنَّ العتق مما يتبعض. ويدل على ذلك أيضاً: اتفاق الفقهاء على أنَّ الشريكين إذا أعتقا جميعاً نصيبَهما من العبد معاً: عَتَقَ منهما، وكان لكل واحد منهما نصف ولائه، فدلَّ على أنَّ عتق كل واحد منهما واقع في نصيبه، دون نصيب الشريك، فثبت بذلك جواز تجزُّى العتق. وإذا صح ذلك في الشريكين، ثبت مثله في المالك الواحد إذا اعتق بعضَ عبده، في أنّ عتقه يجب أن يكون مقصوراً على الجزء الذي أوقعه؛ لأنه إذا ثبت أنه مما يتبعض، صار كإزالة الملك بسائر وجوه التملیکات، مثل البيع والهبة ونحوهما. فإن قيل: على ما قلنا من نفي النبي عليه الصلاة والسلام العتق إلا في ملك، وأنه لو قَصَدَ إلى نصيب شريكه بالعتق لم يَعْتق: هذا ينتقض عليك في قولك: إن رجلاً لو أوصى لرجل بما في بطن جاريته، فأعتقها الوارث بعد موته، جاز عتقه فيها، وفي ولدها، وهو غير مالك للولد، وأنه لو قَصَدَه بالعتق دون الأم، لم يعتق، فقد أوجب ما وصفنا معنيين: أحدهما: بطلان احتجاجك. والثاني: أنه ليس يمتنع جواز عتق الرجل فيما لا يملكه إذا كان متعلقاً ٢٦٢ كتاب العثْق بملكه، فیعتق بعتقه. قيل له: هذا لا يلزم، من قِبَل أنّ عموم لفظ النبي عليه الصلاة والسلام في نفي العتق عما لا يملكه المعتق، ينفي ذلك كله، فإذا قامت الدلالة على جوازه في موضع، لم تبطل دلالة اللفظ في نفيه عما لم تقم الدلالة عليه. وعلى أنا إن قصدنا بجهة الحِجَاج إلى ما ذكرنا على وجه الاعتلال، لم يلزم عليه ما ذكرت؛ لأنا نقول: إن المعنى في امتناع نفاذ عتقه في نصيب شريكه، أنه غير مالك له، ولا نصيبُ شريكه تَبَعٌ لنصيبه، إذ غير جائز أن يكن أحد النصفين تَبَعاً لصاحبه. وأما الولد فهو تبع للأم مادام متصلاً بها، كعضوٍ بعينه منها، نحو اليد، والرِّجْل، فيستحيل وقوع العتق في جميعها دون عضو منها بعينه، فلذلك وجب عتق الولد بعتق الأم من طريق السراية. ودليل آخر للمسألة: وهو أنَّ بقاء ملكه لمَّا لم يكن موقوفاً على بقاء ملك صاحبه، وجب أن لا يكون إسقاط ملكه بالعتق موقوفاً على إسقاط ملك صاحبه، ولَمَا جاز أن يملك المولىُ بعضَه، ويزول ملكه عن بعضه بالعتق. وأيضاً: كما جاز تمليك بعضه بالبيع والهبة والوصية، وجب أن يجوز إزالته بالعتق؛ لأن في الجميع إزالة الرِّقِّ عن ملكه، فلا فرق بين إزالته بالعتق أو البيع. فإن قيل: روى همام عن قتادة عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه ((أنَّ ٢٦٣ كتاب العِثْق رجلاً أعتق شقْصاً (١) له في مملوك، فأعتقه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ليس لله شريك))(٢). وفي بعض الألفاظ قال: ((هو حرٌّ كله، ليس لله شريك))(٣). وهذا يقتضي نفاذ العتق في جميعه. قيل له: ليس في هذا الخبر بيان حال عِثْق النبي عليه الصلاة والسلام إياه، وقد يجوز أن يكون أعتقه حين ضَمِن المعتِقِ. وأما لفظ مَن روى أنه قال: هو حُرُّ كله: فإنه يحتمل الإخبار عما يؤول إليه حالُه من الحرية، وأنه قد وَجَبَ إخراجه إليها، فأطلق عليه لفظ الحرية في الحال، ومرادُه أنه قد استحقها وإن لم تكن واقعة في الحال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((إن إبراهيم أعتق أمه مارية)) (٤). (١) الشقص، والشقيص: النصيب في العين المشتركة من كل شيء. النهاية ٤٩٠/٢. (٢) شرح مشكل الآثار ٤٢٣/١٣، شرح معاني الآثار ٣٠٧/٣، سنن أبي داود ٣٤٨/٢، السنن الكبرى ٢٧٣/١٠، الهداية على البداية للغماري ٣٤٠/٨. وفيه: أخرجه أحمد بسند حسن، فتح الباري ١١٩/٥، وفي هامش المشكل بتحقيق الأرناؤوط : إسناده صحيح. (٣) الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد ١٥٧/١٤، السنن الكبرى ٢٧٤/١٠. (٤) المستدرك ٢٣/٢. وفي تلخيصه للذهبي: حسين: متروك، السنن الكبرى ٣٤٦/١٠، سنن الدار قطني ١٢١/٤، وفي التعليق المغني على الدارقطني يفهم من سياقه ترجيح كون الحديث معلولاً، نصب الراية للزيلعي ٢٨٧/٣، وقال: الحديث معلول، الهداية على البداية ٤٠٢/٨، وفي الجوهر النقي ٣٤٦/١٠ عارض ابن التركماني توهين البيهقي للحديث، بأن الحاكم أورده مرفوعاً، وذكر له متابعاً يقويه، = ٢٦٤ كتاب العِثْق وإنما استَحقَّت به حريةً تحصل لها بعد الموت؛ لأنها إنما صارت به أُمَّ ولد. وفي الخبر: ((أنَّ أم الولد أعتقها ولدُها))(١). وإذا احتمل ذلك ما وصفنا، وَجَبَ حَمْل معناه على موافقة الأخبار الموجبة لتبعيض العتق. فإن قيل: وما رويتموه من أخبار ابن عمر على اختلاف ألفاظه، يحتمل وقوع العتق في جميعه في الحال، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يجزئ ولدٌ والدَه، إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه، فيعتقه))(٢). ولم يُرِد به معنى استئناف عتق، بل يقع العتق بنفس الشراء. وكذلك قوله: ((ثم يعتق العبد))، ((وكُلّف عِثْق ما بقي)): على معنى أنَّ العتق قد نَفَذَ فیه. قيل له: لا يصح أن يقال: كُلّف عتقه، وعليه عتقه وهو قد عَتَقَ قبل ذلك. وقوله: (فیشتریه فیعتقه)): معناه: بالشراء، وذلك صحیح جائز. فإن قيل: قوله في حديث أبي المليح: ((ليس لله شريك))، ينفي بقاء الرق فيه؛ لأن بقاءه فيه، يوجب الشركة مع وقوع العتق في البعض. و کذا ابن حبان، وابن حزم. (١) سنن ابن ماجه (٢٥٤٣)، ٧٧/٢، وفي الزوائد: في إسناده: الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، قال البخاري: إنه كان يتهم بالزندقة، السنن الكبرى ١٠ /٣٤٦. (٢) صحيح مسلم ١٠/ ١٥٢. ٢٦٥ كتاب العِثْق قيل له: إنما نفى بقوله: ليس لله شريك: أن يبقى نصفُه عبداً يتصرف فيه تصرُّف المُلاَّك، ونصفُه حراً، بل أفاد إخراجَ جميعه إلى الحرية. على أنه ليس فيه إثبات الشركة بوجه؛ لأن النصف الذي قد خرج إلى الحرية هو الله، لا حقَّ لأحدٍ فيه، والنصف الباقي هو ملكٌ لا شركة فيه لأحد، وإنما كان يكون فيه معنى الشركة أن لو كان العتق موقَعاً لله ولغيره، فأما إذا كان نصفه حراً خالصاً لله، والنصف الباقي للذي لم يعتق، فأي شركة هاهنا؟ وأيضاً: فإنما كان يثبت فيه معنى الشركة، لو كان الذي للآدمي منه على الوجه الذي هو الله، فأما إذا كان الذي لله: الحرية، والذي للآدمي: ملك، فكيف يكون بينهما شركة؟ والمعنى الذي لله، مضادٍّ للمعنى الذي للآدمي. فإن قيل: أليس لو جعل نصفَ داره مشاعاً مسجداً: لم يصح، ولم يكن خروج نصفه لله خالصاً، وبقاء نصفه على ملكه موجباً لجواز ذلك؟ قيل له: لا يشبه هذا العتقَ؛ لأن المسجد لم تصح فيه قُربة بعد، فيعتبر فيه خروجه خالصاً لله، ولم يصح الموضع مسجداً على هذا الوجه، فلذلك لم يصح، والعتق قد صحَّ في نصيب المعتق لا محالة، فلذلك افترقا. فإن قيل: روی حماد عن أيوب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أعتق نصيباً له في عبد، وكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل، فهو عتيق)) (١). (١) صحيح البخاري ١١٥/٥، سنن أبي داود ٣٥٠/٢، شرح مشكل الآثار ٤١٦/١٣. ٢٦٦ كتاب العِثْق فهذا اللفظ يقتضي كون جميعه حراً إن كان المعتق موسراً. قيل له: معناه: فقد استحق أن يعتق، ليوافق معاني الألفاظ الأُخَر، ولا ینافيها. فإن قيل: لمَّا لم يجز أن يتبعض الاستيلاد في الأمة، واستحال ثبوته في أحد النصفين دون الآخر، وكان ذلك لأجل ما استحقته من الحرية، فالحرية نفسها أحرى بأن لا تتبعَّض. قيل له: قد يتبعَّض الاستيلاد عندهم في بعض الأحوال، وهو أنَّ مُدَبَّرة بين رجلين، لو استولدها أحدُهما: كان نصيبُه منها خاصة أمَّ ولد له، دون نصيب شريكه، وقد لا يتبعَّض في حالٍ، وهي الحال التي لا یمکن فيها نقل نصيب الشريك إليه. وليس المعنى فيه: ثبوت حق الحرية لها، وإنما المعنى فيه: أنَّ الاستيلاد ليس بمعنى موقَع، وإنما هو حرية تحصل لها، متعلقة بالنسب، فإذا انتقل إليه نصيب الشريك، سرى فيه الاستيلاد، لاستحالة وقوع الاستيلاد في نصفها ابتداء، دون النصف الآخر إذا كان الجميع في ملك واحد. وليس يمتنع إيقاع الحرية في بعضها دون بعض؛ لأنه يصح أن يقول له: نصفُك حُرُّ، فيعتق ذلك النصف خاصة، ثم قال مخالفنا: يعتق النصف الباقي بعتق هذا النصف، وقلنا نحن: لا يعتق، فليس يمتنع حصول العتق في النصف بالإيقاع. فإن قيل: لمَّا لم تتبعَّض حرية الأصل، وجب أن لا يتبعَّض العتق الموقع. ٢٦٧ كتاب العِثْق قيل له: إنما لم تتبعَّض حرية الأصل؛ لأنها ليست موقَعة، فهي كالاستيلاد والنسبِ، والعتقُ الموقَع إنما يثبت من جهة الإيقاع، فيصح ثبوته في بعضه دون بعض. وأيضاً: فما يطرأ من الرق على حرية الأصل، إنما جهته القهر والغلبة، وذلك يمتنع وجوده في بعض الرقبة دون بعض، والعتقُ الموقع من جهة القول، قد يجوز أن يُخَصَّ به البعض دون الكل. فإن قيل: لمَّا كان العتق موجباً للتحريم، كان مثل الطلاق في امتناع تبعيضه. قيل له: ليست علة امتناع تبعيض الطلاق ما ذكرتَ؛ لأنها لو كانت كذلك، لما جاز بيع النصف، ولا هبته، لوجود العلة التي ذكرت، وإنما المعنى فيه: أنَّ النكاح في الأصل لا يجوز وقوعه في بعض الشخص دون بعض، فكان كذلك حكمه في زواله، ولما جاز ثبوت الرق في بعضٍ دون بعض، لم يمتنع مثله في الزوال. وقد استقصينا القول في هذه المسألة في ((شرح الجامع الكبير))، فاكتفينا به عن إعادته، واقتصرنا في هذا الموضع على الجملة التي ذكرنا، كراهة الإطالة. * وأما الحجة في إيجاب السعاية في النصف الذي لم يَعتق: فهي ما روى يحيى بن سعيد القطان ويزيد بن زريع قالا: حدثنا سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة عن النَّضْر بن أنس عن بشير بن نَهِيك عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((مَن أعتق نصيباً في مملوك، فعليه خَلاصُهُ ٢٦٨ كتاب العثْق كله في ماله، فإن لم يكن له مال: استسعىُ العبدُ غيرَ مشقوقٍ عليه))(١). وقد رواه عن قتادة جماعة بهذا اللفظ. فأفاد عليه الصلاة والسلام امتناع بقائه على الرق بعد عتق بعضه، وأوجب إخراجه إلى الحرية بالسعاية، إذ لم يجب الضمان على الشريك، فدل ذلك على امتناع جواز بيع النصف الذي لم يعتق؛ لأنه قد أوجب إخراجه بالسعاية إلى الحرية، وذلك ينافي البيع. وأيضاً: لما أوجب السعاية، جعله بمنزلة المكاتب، فمَنَع ذلك من بیعه، کما امتنع بيع المكاتب(٢). مسألة : [عتق العبد على مالٍ، وقبوله له في المجلس] قال أبو جعفر: (ومَن أعتق عبده على مال، فإن قَبِلَ ذلك منه في مجلسه الذي تكلم فيه قبل أن يقوم منه، أو يأخذ في عمل آخر : عَتَقَ، ولزمه المال، وإن لم يقبله في مجلسه: بَطَلَ ذلك القول). قال أحمد : وذلك لأن قوله: أنت حر على ألف درهم: عقدُ معاوضة بمنزلة البيع، واقتضى ذلك من العبد قَبولاً في المجلس، كما يقتضيه عقد البيع بقوله عليه الصلاة والسلام: ((البِّعان بالخيار، ما لم يتفرَّقَا))(٣). فعلَّق خيار القبول على المجلس، فصار ذلك أصلاً في نظائره من (١) صحيح البخاري ٩٩/٥، صحيح مسلم ١٣٩/١١. (٢) الأصل ٢٣٢/٤، ٢٣٨، شرح الجامع الصغير للصدر الشهيد (خ) لوحة ٨٩، شرح معاني الآثار ١٠٥/٣، شرح مشكل الآثار ٤٠٨/١٣، الهداية وفتح القدير ٢٥٥/٤-٢٦٧، بدائع الصنائع ٨٧/٤. (٣) صحيح البخاري ٤ /٢٦٢. ٢٦٩ کتاب العثْق العقود المقتضية للقبول في المجلس، في تعلقها بالمجلس دونما بعده (١). مسألة : [أثر تعليق العتق بأداء مبلغ من المال] قال أبو جعفر: (ومَن قال لعبده: إذا أدَّيتَ إليَّ ألف درهم، فأنت حرٌّ: كان العبد بهذا القول مأذوناً له في التجارة، وإن أدى إلى مولاه ألف درهم كما قال: عَتَق، وإن أحضر الألف إلى مولاه، فأبى مولاه قَبَولَ ذلك منه: ◌ُجبر على ذلك). قال أحمد: قوله: إذا أديتَ إليَّ ألف درهم فأنت حر: فيه معنيان: أحدهما: معنى اليمين، والآخر: معنى الكتابة وإن لم يكن كتابة محضة، فهو من حيث كان يميناً، لم يتعلق على المجلس؛ لأن شرط الأيمان لا تختص بالمجلس إذا لم يكن في اللفظ دليل على اختصاصها بالمجلس، وذلك لأن: ((إذا)): للوقت، كأنه قال: أيَّ وقت شئت. ألا ترى أنه لو قال لامرأته: إذا شئتِ فأنتِ طالق: كان على المجلس، وعلى ما بعده؛ لأنه قد ملَّكها المشيئة في سائر الأوقات. وتفارق من هذا الوجه البيعَ ونظائرَه من العقود التي لا تتعلق على الأخطار؛ لأن العتق معلّق على الأخطار، لو قال: إذا دخلتَ الدار فأنت حرٌّ: صح، ولو قال: إذا دخلتَها فقد بعتك: لم يصح. ولما كان ذلك كذلك، لم يتعلق الأداء بالمجلس، فمتى جاء بالألف: أُجبر على قَبوله، ما لم يبعه أو يُملِّكه غيره، وذلك لأن فيه معنى الكتابة؛ لأنه يستحق(٢) العتق بأداء المال، كما يستحقه المكاتب، فأشبه المكاتب (١) الهداية وشروحها ٣٠٥/٤، تبيين الحقائق ٩٣/٣. (٢) في (ر.حـ): ((لا يستحق)). ٢٧٠ كتاب العِثْق من هذا الوجه، وفارقه من جهات أخرى، وهي أنه لا يصير به في يد نفسه، ولا یزول تصرُّف المولى عنه. وقال أصحابنا: لو باعه: جاز بيعه. فإنْ مَلَكَه بعد ذلك، ثم أحضر المال: لم يُجبر المولى على قَبوله. فإن قَبِلَه: عَتَق، وذلك لأنه لما صح بيعه: بَطَلَ ما كان ثبت له من حق الكتابة؛ لأن صحة البيع تنافي بقاء معنى الكتابة، إذ كان المكاتب لا يجوز بيعه، فحصل ذلك القول يميناً محضة، ليس فيها معنى الكتابة، كقوله: إن دخلتَ الدار فأنتَ حرٌّ، ونحوه من الأيمان. * وإنما صار العبد مأذوناً له في التجارة؛ لأنه لا يصل إلى أداء المال إلا بالتصرف في وجوه التكسب، وقد أوجب له حق الأداء، بدلالة ما ذكرنا من إجباره على القَبول إذا جاء بالمال، فإذا أوجب له حقاً لا يصل إليه إلا بالتصرف، صار ذلك إذناً منه له في التصرف في التجارة(١). مسألة : [إعتاق العبد وقد كان له مال قبل ذلك] قال أبو جعفر: (ومَن أعتق عبده: فالمال الذي اكتسبه قبل العتق للمولى). وذلك لأنه مال المولى؛ لأن العبد لا يملك(٢). وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((مَن باع عبداً وله مال: فمالُهُ (١) الهداية وشروحها ٣٠٧/٤- ٣١٠، تبيين الحقائق ٩٣/٣. (٢) شرح معاني الآثار ٢٦/٣-٢٧، فتح القدير ٣٠٩/٤. ٢٧١ كتاب العِثْق لمولاه، إلا أن يشترط المبتاع))(١). ولا فرق بين زوال ملكه بالبيع أو العتق في ذلك. وأيضاً: حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: حدثنا الأنصاري قال: حدثنا عبد الأعلى بن أبي المساور عن عمران بن عمير عن أبيه، وكان مملوكاً لعبد الله بن مسعود، فقال له عبد الله: يا عمير! بَيِّن لي مالك، فإني أريد أن أعتقك، إني سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((مَن أعتق عبداً: فمالُه للذي أعتق))(٢). مسألة : [تقديم لفظ العتق على المال] قال أبو جعفر : (ومَن قال لعبده: أنت حرٌّ، وعليك ألف درهم: كان حراً بغير شيء، في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: إن قَبِل ذلك العبد: كان حراً، وكان عليه المال). وجه قول أبي حنيفة: أنَّ قوله: أنت حرٌّ: يقتضي إيقاعاً في الحال، ما لم يُعلّقه بشرط، أو يُضِفْه إلى وقت. وقوله: وعليك ألف درهم: كلامٌ مستأنَفٌ غير متعلق بما قبله؛ لأن الواو في هذا الموضع للاستئناف، كقوله: أنت حرٌّ، وأنت قائم. ولم يختلفوا أنه لو قال: أنتَ حرٌّ، وأنت تصلي، أو: وأنت مريض: أن فعْل الصلاة، وحدوثَ المرض لا يصيران شرطاً في الحرية، كذلك (١) صحيح مسلم ١٩١/١٠. (٢) السنن الكبرى ٣٢٦/٥، سنن ابن ماجه (٢٥٥٧) ٨١/٢. وفي هامشه: في الزوائد: في إسناده إسحاق بن إبراهيم المسعودي، قال البخاري: لا يتابَع في رفع حديثه. ٢٧٢ كتاب العِثْق قوله: وعليك ألف درهم: ابتداءً وخَبَرٌ، وهو كلامٌ مستأنَفٌ غير مضمَّن بما قَبْله. * وجعله أبو يوسف ومحمد بمنزلة قول الرجل لآخر: احمل هذا المتاع إلى بيتي، ولك درهم: أنّ ذلك أجرة مشروطة بحمل المتاع، كذلك ما وصفنا. وفَصَل أبو حنيفة بينهما: بأن العادة جارية بمثله في الإجارة، ولم يَجْرِ مثلُه في العتق ونحوه(١). مسألة : [تعليق العتق بالمشيئة] قال: (ومَن قال لعبده: أنت حرٌّ إن شاء الله تعالى: لم يعتق). وذلك لأن الاستثناء يدخل في الكلام لرفع حكمه، وقد بيَّنَّا فيما سلف. مسألة : [تعليق العتق بمشيئة فلان] قال: (ومَن قال لعبده: أنت حرٌّ إن شاء فلان: فله المشيئة في المجلس خاصة). وذلك لأن هذا كلامٌ خَرَجَ مخرج التمليك، وألفاظُ التمليك تتعلق على المجلس، والأصل فيه: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا))(٢). فجعل خيار القبول مقصوراً على المجلس؛ لأن قوله: بعتُك هذا العبد (١) بدائع الصنائع ١٥٢/٣، ٧٣/٤، الهداية وفتح القدير ٧١/٤. (٢) سبق. ٢٧٣ كتاب العِثْق بألف درهم: يقتضي تمليكاً منه، كقبول العقد، وكان على المجلس، فعطفنا عليه نظائره من ألفاظ التمليك. وأيضاً: اتفق السلف من الصدر الأول على أنَّ المخيَّرة خيارها مقصورٌ على المجلس، والتخيير من ألفاظ التمليك، فاعتبرناه في نظائره من المشيئة ونحوها. وكذلك قوله: أمرُك بيدك، أو: أَمْر عبدي في العتق بيدك، وما جرى مجراه. وكذلك قوله: إن هويتَ، أو: أحببتَ، أو: أردتَ؛ لأن معانيها تفويض العتق إلى رأيه واختياره. مسألة : [تعليق العتق بالشرط] قال: (ولو قال: أنتَ حرٌّ إن دخلتَ الدار: عَتَقَ بالدخول، ولا يَعتق قبل ذلك). وذلك لأن الإيقاع إذا كان متعلقاً باللفظ، واللفظ أوجب عتقه بالدخول، لم يجز إيقاعه قبل ذلك. فإن قيل: ما أنكرتَ أن لا يعتق رأساً، وقد روي نحوه عن عطاء. قيل له: الدليل عليه: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم)) (١). وهذا عتقٌّ في الملك؛ لأنه مالكٌ للعبد، فعموم لفظه يتضمن العتق الموقَع في الحال، والمضمَّن بالشرط. (١) سبق. ٢٧٤ كتاب العثْق وأيضاً: قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((المسلمون عند شروطهم))(١). فإذا علَّقه بشرط، وَجَبَ أن يتعلق به. وأيضاً: قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾(٢)، فاقتضى جواز طلاق السُّنَّة قبل وجود وقت السنَّة، بأن يقول لزوجته: أنت طالق للسنَّة، فيقع بعد مجيء وقت السنَّة، فيكون طلاقاً معلّقاً بشرط. * قال : (وللمولى أن يبيع العبد قبل وجود الشرط)(٣). كما أنَّ له أن يطأ المرأة إذا قال لها: أنت طالق للسنَّة قبل مجيء وقت الطلاق (٤). مسألة : [التدبير، وحكم بيع المدبّر] قال أبو جعفر: (وإذا قال لعبده: أنتَ حرٌّ بعد موتي: لم يكن له بيعه بعد ذلك، ولا تملیکه). قال أحمد : التدبير(٥) على وجهين: أحدهما: يمنع البيع، والآخر: لا يمنعه. (١) المستدرك ٥٧/٢، سنن أبي داود ٢٧٣/٢، شرح السنة ٢٠٩/٨، كشف الخفاء ٢٧٣/٢ وفيه: أنَّ البخاري علَّقه جازماً به في كتاب الإجارة ٤٥١/٣، وينظر معه الفتح في المكان نفسه. (٢) الطلاق: ١ . (٣) في (ر.ح): ((مجيء وقت السنة)). (٤) بدائع الصنائع ١٢٨/٣، ١٥٧، ٨٦/٤ (٥) ينظر المغرب ص ١٦٠، أنيس الفقهاء ص١٦٩، المبسوط ١٧٨/٧. ٢٧٥ كتاب العِثْق فالذي يمنع البيع: هو الذي يستحق فيه العتق بالموت على الإطلاق، من غير شرط آخر. والذي لا يمنع البيع: هو الذي لا يستحقه بالموت دون وجود معنى غيره، مثل قوله: أنتَ حر إن متُّ من مرضي هذا، أو: من سفري هذا، وما جرى مجراه. فأما الحجة في حظر بيع المدبّر الذي ذكرنا وصفَه فهي: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا موسى بن زكريا قال: حدثنا علي بن حرب قال: حدثنا عمرو بن عبد الجبار - ثقة - عن عمه عبيدة بن حسان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((المدَبَّر لا يُباع ولا يُشترى، وهو حُرٌّ من الثلث))(١). فعمومه ينفي جواز بيع جميع المدبّر، إلا أنَّ الفقهاء متفقون على جواز بيعه إذا لم يستحق العتق بالموت على الإطلاق، فخصصناه من اللفظ بدلالة الاتفاق، وبقي حكم اللفظ فيما عداه. ومن جهة النظر: أنه يستحق العتق بموت مولاه على الإطلاق، فأشبه أمَّ الولد لمَّا كانت مستحقَّةً للعتق بموت مولاها على الإطلاق: لم يجز (١) سنن ابن ماجه (٢٥٤١) ٧٦/٢. قال ابن ماجه: عن ابن أبي شيبة يقول: هذا خطأ. يعني حديث: ((المدبّر من الثلث)). قال أبو عبد الله: ليس له أصل، وفي هامشه: في الزوائد: في إسناده علي بن ظبيان، كذَّبه ابن معين. سنن الدارقطني ١٣٨/٤، السنن الكبرى ٣١٤/١٠، نصب الراية ٢٨٥/٣، وفيه: عن أبي حاتم: عبيدة: منكر الحديث، وأبو معاوية عمرو بن عبد الجبار الجزري راويه عنه: مجهول الحال، ثم قال الزيلعي: وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر من قوله. اهـ، وأما ابن حزم في المحلى ٦٦٤/٩ فقال بوضع الحديث. ٢٧٦ كتاب العِشْق بيعها، كذلك حكم المدبَّر قياساً عليها. وليس هو بمنزلة قوله: إن متُّ مِن مرضي هذا فأنت حر؛ لأنه لا يستحق العتق بموته على الإطلاق، ألا ترى أنه لو بَرَأ من مرضه، ثم مات: لم یعتق، فلذلك فارق ما وصفنا. ودليلٌ آخر: وهو اتفاق الجميع على وقوع العتق بالموت، فلا يخلو من أن يكون عتقه على معنى العتق المعلَّق بالشرط، مثل دخول الدار ونحوه، أو عِثْقاً مستحقاً قبل الموت، يوجب له حقاً في رقبته، يمنع من بيعه. فلما وجدنا ذلك نافذاً بعد الموت، ووجدناه لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حرٌّ، ثم مات، فدخل: لم يعتق: علمنا أنَّ عتق المدبَّر مستحَقٌ قبل الموت، كعتق أم الولد، فمَنَع بيعه، وفارق العتق المعلَّق بشرط الدخول ونحوه، ألا ترى أنه قد نَفَذَ مع زوال ملكه. فإن قيل: إنما نَفَذَ بعد الموت كما تنفذ الوصايا، وكما لو أوصى بعتق عبده بعد موته: نفذ. قيل له: أما الوصايا، فإن صحة زوال الملك فيها لم يتعلق بالوصية؛ لأن الموت يوجب زوال الملك، كان هناك وصية أو لم يكن، ثم حينئذ يصرف ذلك الملك إلى الموصى له، فيكون أولى به من الوارث إذا خرج من الثلث، والموت لا يوجب عتقاً غير مستحق قبله. وأما الوصية بالعتق، فإنها تحتاج إلى استئناف عتقٍ من الموصى له (١)، (١) في (ر.حـ): ((الموصي))، والصواب ما أثبته والله أعلم، لأن الموصي يكون ميتاً حال تنفيذ الوصية. ٢٧٧ كتاب العِثْق وفي مسألتنا لا تحتاج إلى ذلك ولو كان نفاذه من طريق الوصية فحسب، لما وقع بالموت، قبل إنفاذ الوصي(١) إياه. فإن قيل: لما كان عتقه من الثلث، أشبه العبد الموصى به لرجل، فلا یمنع بیعه. قيل له: لو كان كذلك، لوجب أن يجوز بيعه لو أعتقه في المرض؛ لأنه من الثلث. وأيضاً: روي عن عثمان وابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله أنَّ ولد المدبَّرة بمنزلة أمه(٢)، من غير خلاف نعلم عن أحدٍ من الصحابة علیهم، وذلك عندنا يجري مجرى الإجماع. وإذا ثبت أنَّ ولدها بمنزلتها في التدبير، ثبت أنَّ حق الحرية ثابت في رقبتها، لولا ذلك ما سرى في ولدها، كما لا يسري(٣) فيه قوله: إذا جاء رأس الشهر فأنت حر، فأشبه المكاتَبة وأمَّ الولد، في أنّ حق الحرية لما سرى في أولادهن، مَنَعَ ذلك بيع الأمهات. فإن قيل: روى جابر بن زيد ((أنَّ ولد المدبّرة لا يكون بمنزلتها))(٤)، (١) في (ر.حـ): ((القاضي)). (٢) مصنف عبد الرزاق (١٦٦٨٢) ١٤٤/٩، السنن الكبرى، وفيها عن عثمان وابن عمر وجابر بن عبد الله ٣١٥/١٠، سنن الدارقطني عن ابن عمر ١٣٧/٤، المحلى لابن حزم عن ابن عباس ٦٧١/٩، موسوعة فقه ابن عباس ص٥٠٤. (٣) في (ر.حـ): ((كما يسري)). (٤) مصنف ابن أبي شيبة (٢٠٦٣٩) ٣٢٣/٤، ولفظه: ((عن جابر بن زيد قال: ولد المدبّرة عبد)). ٢٧٨ كتاب العتّق وهو أحد قولي الشافعي رحمة الله عليه(١). قيل له: أما جابر بن زيد فهو تابعي، وليس بخلافٍ على الصحابة، وأما مَن دونه، فهو أبعد من أن يكون خلافاً في ذلك. فإن قيل: روى جابر بن عبد الله ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبّرا)(٢). قيل له: ليس في هذا بيان موضع الخلاف؛ لأنه معلوم أنَّ بيعه تناول عيناً، فيحتاج أن نعلم العين على أي صفة كانت؟ وقد اتفقنا على جواز بيع بعض المدبّر، وهو الذي لا يستحق العتق بالموت على الإطلاق، بل به، وبمعنى سواه، فجائز أن يكون الذي باعه النبي عليه الصلاة والسلام هو ما كان بهذا الوصف، فيسقط الاحتجاج به؛ لأنه ليس خصم یرده إلى ما اختلفنا فيه، أولی منا بردِّه إلى ما وصفنا. وأيضاً: قد روى محمد بن المنكدر عن عطاء عن جابر: ((أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام إنما باع خدمة المدبّر))(٣). وأيضاً: لو ثبت أنه عليه الصلاة والسلام باع المدبَّر الذي اختلفنا فيه ، (١) السنن الكبرى ٣١٦/١٠. (٢) صحيح البخاري ١٢٥/٥. (٣) سنن الدار قطني ١٣٨/٤، السنن الكبرى ٣١١/١٠، فتح الباري ١٢٥/٥، وأعل البيهقي الحديث وضعفه، ونقل عن الدارقطني أنَّ الصواب فيه الإرسال، ولكن ابن التركماني دفع ذلك بما قاله ابن القطان، بأنه لا يبعد أن يكون الحديث عند عبد الملك من طريقين: مرفوعاً ومرسلاً، وابن طريف وابن فضيل اللذين ضعف الحديث بسببهما: صدوقان مشهوران. ٢٧٩ كتاب العِثْق وسلمنا لهم ما ادَّعوه: احتمل أن يكون باعه في حال ما كان يجوز بيع الحر، كما روى سُرَّقٌ(١) «أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام باعه في دينٍ كان عليه وكان حُرّا))(٢). وكما قال جابر: «كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام))(٣). وإنما كان ذلك عندنا في حال ما كان يجوز بيع الحر. ورُوي نحو قولنا في ذلك عن زيد بن ثابت(٤). وقد اتفق عامة فقهاء الأمصار(٥) على أنَّ عِتْق المدبّر من الثلث. وقال عبد الله بن مسعود، ومسروق، وإبراهيم: هو من جميع المال(٦). (١) سُرَّق: بضم السين وتشديد الراء، ابن أسد الجهني صحابي، سكن مصر. ينظر تقريب التهذيب (٢٢١٧) ص ٢٧٤. (٢) السنن الكبرى ٥٠/٦، وقال: بأن الذين مدار الحديث عليهم كلهم ليسوا بأقوياء، ثم قال: وفي إجماع العلماء على خلافه: دليل ضعفه أو نسخه إن كان ثابتاً، واستدل أيضاً بما رواه أبو داود في مراسيله من أثر عن الزهري في عدم بيع الحر، المراسيل لأبي داود ص١٦٢، وفي هامشه: رجاله ثقات. (٣) سنن ابن ماجه (٥٤٤) ٧٧/٢، في هامشه: في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، المستدرك ٢٢/٢، السنن الكبرى ٣٤٧/١٠. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وشاهده صحیح، ووافقه الذهبي عليه. (٤) مصنف ابن أبي شيبة (٢٠٦٦١) ٣٢٥/٤، السنن الكبرى ٣١٣/١٠. (٥) شرح السنة ٣٦٩/٩. (٦) انظر شرح السنة ٣٦٩/٩، نيل الأوطار ٢١٥/٦، وفيه إشارة مجملة = ٢٨٠ كتاب العِثْق وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا بشر بن موسى قال: حدثنا ابن الأصبهاني قال: حدثنا علي بن ظبيان الكوفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المدبَّر من الثلث))(١). فإن قيل: إنما رَفَعَه علي بن ظبيان وحده، ووَقَفَه غيرُهُ. قيل له: لا يمنعه ذلك من صحة الرفع، إذ ليس يمتنع أن يرويَه عن النبي عليه الصلاة والسلام تارة، ويفتي به تارة، فيصحان. ومذهب عبد الله في ذلك إنما يرويه جابر الجعفي عن القاسم عن مسروق عن عبد الله(٢)، فقَبِلْتُموه، مع إكثار الناس في الطعن على جابر، فعلي بن ظبيان أولى بقبول خبره. وحديث عبيدة بن حسان الذي قدَّمناه في صدر المسألة، يوجب ذلك أيضاً. * ومن جهة النظر: أنَّ عتقه موقَع بالقول بعد الموت من جهة الوصية، فوجب أن يكون معتبراً من الثلث كسائر الوصايا والفرق بينه وبين أم الولد: أنَّ أم الولد لم تستحق العتق من جهة القول، وإنما استحقته من جهة الحكم، فخرجت به من أن تكون مالاً، فلذلك اختلفا(٣). لمواقف العلماء من هذه المسألة، وانظر موسوعة فقه ابن مسعود ص ٢٨٣. (١) تقدم. (٢) عن عبد الله يعني ابن مسعود، ولم أقف على هذا الطريق. (٣) المبسوط ١٧٨/٧، بدائع الصنائع ١١٢/٤، الهداية وفتح القدير ٣٢٢/٤.