Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ كتاب الدعاوى والبينات مسألة : [تنازع المسلم والذمي ابن جارية لهما] قال أبو جعفر: (وإذا كانت الأمة بين مسلم وذمي، فأتت بولد، فادعياه جميعاً معاً: فإنه ابنُ المسلم منهما، ويضمن نصفَ قيمة الأمة لشريكه، ويكون نصف العُقْر بنصف العقر قصاصاً). قال أحمد: أقل أحوالهما أن يُصدَّقا على الدِّعوة، فيكون مسلماً بإسلام أبيه المسلم، وكان يكون حينئذ أولى به من الذمي؛ لأن الذمي لا ولاية له على ابنه الصغير المسلم، وإذا كان أولى به وبثبوت يده عليه، كان أولى بالدعوة، وبطلت دِعوة الذمي(١). مسألة : [تنازع مسلمَيْن ابنَ جاريةٍ لهما، وإثبات بطلان قول القافة ] قال أبو جعفر: (وإن كانت بين مسلمَيْن، فادعياه جميعاً معاً: جُعل ابنهما، وجُعلت الأمة أمُّ ولدٍ لهما). قال أحمد : روي هذا القول عن علي وعمر رضي الله عنهما (٢) من غير مخالفٍ لهما من الصحابة نعلمه في ذلك. والدليل على صحته: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((الولد للفراش))(٣)، فلا يخلو كل واحد منهما من أن يكون فراشاً يلحق به (١) المبسوط ١٧ /١٢٨. (٢) مصنف عبد الرزاق ٣٥٩/٧، وروي عن عمر غير هذا، وهو اتباع قول القافة، ينظر معالم السنن ٢٧٥/٣، السنن الكبرى ٢٦٨/١٠، قال البيهقي: وفي ثبوته عن علي فيه نظر، وانظر موسوعة فقه عمر ص٧٣٣، وكذا موسوعة فقه علي ص ٥٨٤. (٣) صحيح البخاري مع الفتح ١٤٨/١٣، صحيح مسلم ٣٦/١٠. ٢٢٢ كتاب الدعاوى والبينات النسب، أو ليس بفراش، فلما اتفق المسلمون على قبول دعوة كل واحد منهما لو انفرد بها، دلّ على أنَّ الفراش لكل واحد منهما، فوجب أن يلحق النسب بهما لعموم اللفظ. وأيضاً: لما تساويا في السبب الموجب لثبوت النسب، وجب أن يتساويا في استحقاقه، والدليل عليه: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ((في رجلين تنازعا بعيراً، وأقاما البينة عليه، فقضى النبي عليه الصلاة والسلام به بينهما نصفين)) (١)؛ لتساويهما في السبب الموجب لاستحقاقه، وهو البينة. وكما أنَّ أحد الابنين يستحق المال بالنسب الذي أدلى به، ثم لما اجتمعا وتساويا في النسب (٢) الموجب للاستحقاق، تساويا في استحقاق الميراث. وأيضاً: فليس يمتنع كون الولد من مائهما جميعاً، ويدل عليه ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري: ((أنه رأى جاريةً مُجِخَّاً(٣)، يعني مُقْرِباً، فقال: لمن هذه؟ قالوا: لفلان، فقال: أيطؤها؟ قالوا: نعم، قال: لقد هممتُ أن ألعنه لعنةً تدخل معه في قبره، كيف يورِّته وهو لا يحل له؟ أم كيف يسترقُّه وقد غداه في (١) سبق. (٢) في (د، م): ((السبب)). (٣) المجح: الحامل المقرب التي دنا ولادها. النهاية لابن الأثير (حجج) ٢٤٠/١. ٢٢٣ کتاب الدعاوى والبينات سمعه وبصره؟))(١). فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بجواز كون الولد من مائه، ومن ماء غيره، ولذلك قال: ((كيف يورِّته وهو لا يحل له؟»: يعني: أنَّ لغيره فيه شركة، فلا يحل له أن يدَّعيه، فينفرد بالدِّعوة. ((أم كيف يسترقه؟)): يعني: لا يدَّعيه وله فيه شركة، فإن وطئها وهي حبلى، فقد غداه في سمعه وبصره، فدل ذلك على أنّ الولد قد يكون من رجلین. وأيضاً: فليس يخلو القول في هذه المسألة من أحد معنيين: إما إثبات النسب منهما، أو قبول قول القافة (٢) في إلحاقه بأيهما ألحقوه به، فلما بطل اعتبار قول القائف بدلالة الكتاب والسنة واتفاق الأمة والنظر، ثبت قولنا الذي وصفنا. [أدلة موسعة على بطلان قول القافة] والدليل على بطلان قول القافة: أنَّ القائف إنما يُخبر عن ظنِّ وحُسْبان، ولا يُرجَع من خبره إلى حقيقة، وبذلك عرَّفت العرب القافة، يقول العرب: تقوَّف الرجل: إذا قال الباطل والظن الذي لا يفضي إلى حقيقة. (١) صحيح مسلم ١٤/١٠، السنن الكبرى ٤٤٩/٧، ليس فيها: ((ولقد غداه في سمعه وبصره))، مصنف عبد الرزاق ٢٨/٧. (٢) القافة: جمع قائف الذي يعرف الآثار. والقائف: الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه. لسان العرب ٢٩٣/٩، النهاية ١٢١/٤. ٢٢٤ کتاب الدعاوى والبينات قال جرير(١): وأُحدوثة من كاشح (٢) يتقوّف وقال حذاري خيفة البَيْن في النوى قال أبو علي النحوي(٣): قال أهل اللغة في قوله يتقوَّف: إنه يقول الباطل والظن الذي لا يُفضي إلى حقيقة. وإذا ثبت أنَّ القائف إنما يُرجع في خبره إلى ما وصفنا من الظن والحسبان، لم يجز قبول خبره؛ لقول الله تعالى: ﴿اَجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الَّنِّ إِنَّ بَعْضَ اُلَّنِّ إِثٌْ﴾ (٤). وقال: ﴿وَإِنَّ الَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحِّ شَيْئً﴾(٥). وقال: ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ﴾(٦). فلم يجز قبول خبر القائف إذ كانت حقيقته ما وصفنا. (١) جرير بن عطية بن الحطفي التميمي البصري، شاعر زمانه، مدح خلفاء بني أمية، مات سنة ١١٠ هـ، سير أعلام النبلاء ٥٩٠/٤، البداية والنهاية ٢٧١/٩. (٢) الكاشح: المتولي عنك بوده، ويقال: طوئ فلان كَشْحه: إذا قطعك وعاداك .. والكاشح: العدو المبغض، لسان العرب ٥٧٢/٢. (٣) أبو علي النحوي: الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي الفسوي صاحب التصانيف الكثيرة، وفيه اعتزال، مات سنة ٣٧٧هـ، تاريخ بغداد ٢٧٥/٧، سير أعلام النبلاء ٣٧٩/١٦، ميزان الاعتدال ٤٨/١. (٤) الحجرات: ١٢. (٥) النجم: ٢٨. (٦) الإسراء: ٣٦. ٢٢٥ کتاب الدعاوى والبینات ويدل على بطلانه: قول الله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوْاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ﴾(١). فأخبر الله تعالى أنا إذا لم نعلم له أباً، لم يجز أن ننسبه إليه، وقول القائف لا يفضي إلى علم، فلا يجوز الحكم به في إثبات النسب منه. * ويدل عليه: ما روي عن عائشة رضي الله عنها ((أن نكاح الجاهلية كان على أربعة أنحاء: أحدها: أن يجتمع الرهط على امرأة في طُهْر واحد، ثم إذا ولدت: لَحِقَ الولد بمن ألحقه القائف منهم، فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم، هَدَمَ نكاح الجاهلية، وأقرَّ نكاح الإسلام اليوم)) (٢). فأخبرت أن قبول خبر القائف في إثبات الأنساب كان من أحكام الجاهلية، وأنه منسوخ. * وأيضاً: فإن القائف لا يخلو مِن أن يرجع في حقيقة ما يخبر منه مِن حُكْم النسب إلى الشَّبَه، أو إلى الظن من غير شَبه، فإن كان يرجع إلى الشَّبَه، فقد أبطل النبيُّ عليه الصلاة والسلام حُكم الشَّبَه في ذلك، بما روي عنه عليه الصلاة والسلام: ((أنَّ رجلاً قال له: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟. قال: حُمْر. قال: فهل فيها من أورق(٣)؟ قال: نعم. قال: فمن أين جاءه ذلك؟ قال: (١) الأحزاب: ٥. (٢) صحيح البخاري ١٥٠/٩. (٣) الأورق: الأسمر. ينظر النهاية ١٧٥/٥. ٢٢٦ كتاب الدعاوى والبينات لعل عِرقاً نَزَعه. قال: فلعل هذا نزعه عرق))(١). فأبطل عليه الصلاة والسلام حُكْمَ الشَّبَه في هذا الخبر. وقال عليه الصلاة والسلام في قصة عبد بن زمعة: ((احتجبي منه يا سودة، لما رأىُ مِن شَبَهِهِ بآل أبي وقاص))(٢). فأبطل حُكْمَ الشَّبَه، ولم يعتبره في إثبات النسب. فالكتاب والسنة دالان معاً على بطلان قول القائف. * وأيضاً: فقد أوجب الله تعالى اللعان بين الزوجين إذا قذفها، ولو قذفها بنفي ولدها: لاعنها، وألحق الولد بأمه، لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولو كان لقول القائف تأثير في ذلك، لوجب أن يرى القائف، ليعلم صدق الصادق منهما من الكاذب، فلما حَكَمَ الله تعالى باللعان لأجل القذف، سواء كان هناك ولد أو لم يكن، فقد حكم ببطلان قول القائف؛ لأن اعتبار قول القافة يؤدي إلى بطلان اللعان، لأنه إن كان يوجب حكماً، فينبغي أن يكون حكمه ثابتاً في سائر الأحوال. : وأيضاً: قال النبي عليه الصلاة والسلام في قصة هلال بن أمية وامرأته: ((إن جاءت به على صفة كَيْت وكَيْت: فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به على صفة كَيْت وكَيْت: فهو لشريك بن سَحْماء، فلما جاءت به على الصفة المكروهة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا الأيمان لكان لي ولها شأن))(٣). (١) صحيح البخاري مع الفتح ٣٦٤/٩، صحيح مسلم ١٣٣/١٠. (٢) صحيح البخاري ١٤٨/١٣، صحيح مسلم ٣٧/١٠. (٣) صحيح مسلم بعضاً منه ١٢٨/١٠، سنن أبي داود ٥٢٢/٢. ٢٢٧ كتاب الدعاوى والبينات فدل ذلك على بطلان اعتبار حكم الشَّبَه من وجهين: أحدهما: إخباره بدءاً بأن إحدى الصفتين توجب أن يكون للزوج، والصفة الأخرى توجبه للمقذوف به(١)، فلو كان لاعتبار الشَّبَه حُكْم، لما لاعَنَ بينهما حتى تلد، فيُعرَف الصادق منهما. والوجه الآخر: أنها لمَّا جاءت به على الصفة المكروهة، لم يُلحقه بالمقذوف به مع وجود الشبه. وأيضاً: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((الولد للفراش)) (٢): قد انتظم ذلك جميع الوجوه التي يثبت من جهتها النسب؛ لأن قوله: ((الولد)): اسمٌ للجنس، فلا شيء مما يدخل في الجنس منه إلا وقد اشتمل عليه اللفظ. وكذلك قوله: ((للفراش)): فليس يخلو حينئذ مما اختلفنا فيه من دعوة الرجلين ولدَ جاريةٍ بينهما، من أن يكون دعوةً على فراش، أو لغير فراش، فإن كان لفراش: فهو لهما، وإن كان لغير فراش: فقد نفاه النبي صلى الله عليه وسلم بقصوره حكم جميع الأنساب على الفراش، فلا مدخل لقول القائف إذاً في شيءٍ من النسب. * ويدل على بطلانه من طريق النظر: اتفاق الجميع على بطلان قول القائف في النكاح، وأنه لو قال في مسألتنا: هو من غير الموليَيْن: لم يُلتفت إلى قوله، فدل على أنه لا اعتبار بقوله في شيء من ذلك. فإن قيل: فقد روي ((عن عمر في رجلين وَفَعَا علىُ جارية في طُهْرٍ (١) في (ر.حـ): (المقذوفة)). (٢) سبق. ٢٢٨ کتاب الدعاوى والبینات واحد، فجاءت بولد، فادعياه: أنه دعا لهما القائف))(١). فلولا أنَّ قول القائف كان مقبولاً فيه، لما سأله. قيل له: فإن كان قول القائف مقبولاً، فينبغي أن يصح ثبوت النسب منهما؛ لأن القافة قالوا: إنه قد أخذ الشَّبَه منهما، فألحقه بهما، وأنتم لا تقولون به. وإنما وجه سؤاله القافة: أنه قد كان عَلِمَ أنَّ ذلك كان من أحكام الجاهلية، فأوجب أن يمتحن القافة في إقامتهم على الحكم بذلك، أو تَركهم له، والدليل على ذلك: ما روي أنه قام إلى القائف، فضربه حتى أضجعه (٢)، ولو كان قوله حكماً وعياراً في ذلك لما ضربه، وإنما ضربه لإقامته على الحكم بالقيافة على ما كان عليه أهل الجاهلية. فإن احتجوا: بحديث الزهري عن عروة عن عائشة: ((أنَّ النبي صلىُ الله عليه وسلم دخل عليَّ مسروراً، تَبْرُق أساريرُ وجهه، فقال: أما علمت أنَّ مُجَزِّزاً المدلجي دخل آنفاً، فرأى أسامة وزيداً في قَطِيفة قد بدتْ أقدامُهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضُها من بعض))(٣). فقالوا: سرورُ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، يدل على أنَّ قول القائف يوجب ضرباً من العلم، لولا ذلك لما كان لسروره بذلك وجه. قيل لهم: إن المحتجَّ بهذا لعارٍ من الحِجَاج والشبهة، وما في قولها: (١) مصنف عبد الرزاق ٣٦٠/٧، السنن الكبرى ٢٦٣/١٠، وانظر موسوعة فقه عمر ص٧٣٣. (٢) السنن الكبرى للبيهقي ٢٦٣/١٠. (٣) صحيح البخاري ١٢ /٤٦، صحيح مسلم ٤٠/١٠. ٢٢٩ کتاب الدعاوى والبينات ((إن النبي صلى الله عليه وسلم دخلَ عليها مسروراً، وأخبر عن مجزِّر بما أخبرها به)): ما يدل على أنَّ سروره كان لأجل قول مجزِّزْ. وليس يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم سُرَّ لحالٍ أخرى غير هذه، وأخبر مع ذلك عن مجزِّز بما أخبر به، إذ ليس في لفظ الخبر دليل على أنَّ سروره کان لأجل قول مجزز على ما ادعاه خصمنا. وعلى أنا لو سلَّمنا لهم أنَّ سروره كان لأجل قول مجزِّز، لم يكن فيه دلالة على ما ادعاه، لأنه معلوم أنَّ مُجزِّزاً أخبر عن نسبٍ ثابتٍ لفراش النكاح، وكان صادقاً فيه، ولا خلاف بين الأمة أنه لا مدخل لقول القائف في فراش النكاح، فكيف يُحتج به في غيره، وهو غير مقبول فيما ورد فيه بعینه؟ وأيضاً: فمِن أين لهم أنَّ مُجزِّزاً لم يكن عَلِمَ قبل ذلك ثبوتَ نسب أسامة بن زيد بالفراش المتقدم، حتى يستدلوا به على أنه قال ذلك من طريق الشبه والظن والحسبان، ومُدِّعي ذلك لا تُقبل دعواه إلا بدلالة، ولا سبيل له إلى إقامة دليل عليها، فإن مَن لجأ إلى مثل هذا الحِجَاج في إثبات الأحكام، لضعيف النظر، قريب العَقَر (١). فإن قيل: فما وجه سرور النبي عليه الصلاة والسلام بذلك؟ (١) العَقَر: بفتح العين والقاف: من باب فرِحَ وطَرِب: أن تُسلِم الرجُلَ قوائمُه، فلا يستطيع أن يقاتل من الفَرَق والدهش، كما في مختار الصحاح (عقر)، وفي القاموس المحيط (عقر) عَقِر: كفرح، فَجِئْه الرَّوْعُ، فلم يقدر أن يتقدم أو يتأخر، ودُهِش. أهـ، وعليه فيكون معنى: قريب العَقَر: أي قريب الوقوع في معارك النقاش العلمي، والله أعلم. د/ سائد. ٢٣٠ کتاب الدعاوى والبينات قيل له: لا سبيل إلى ذلك، إلى أن يثبت أنّ سرور النبي صلى الله عليه وسلم كان من أجل قول مُجزِّز، فيلزمنا الجواب لك عنه. وعلى أنه لو ثبت أنَّ سروره کان من أجل ذلك، لما دل على اعتبار قول القافة، وإثبات النسب بخبره، إذ ليس يمتنع أن يتضمن القول معاني يقع السرور ببعضها، دون جميعها. وإنما يلزمنا الجواب لك لو ثبت أولاً أنَّ سروره كان من أجل قول مُجرِّز، ثم ثبت مع ذلك أنه لا وجه لسروره إلا إخباره بنسب أسامة من زید، وهو میئوس من وجوده. على أنا نتبرع بالجواب، فنقول: لو ثبت أنَّ سروره كان من أجل قول مُجرِّز، فإن وجهه: أنَّ المنافقين كانوا يطعنون في نسب أسامة من زيد، وذلك لأن أسامة كان أسود، وزيد أبيض، ولم يكن يردُّهم عن الخوض فيه إخبارُ النبي صلى الله عليه وسلم بصحة نسبه، وقد كان أهل الجاهلية يعتقدون الحكم بقول القافة، فلما أخبر مُجزِّرْ بذلك، سُرَّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام، لما فيه من تكذيب المنافقين، من حيث يعتقدون به بطلان قولهم، وظهور كذبهم، لا وجه لسرور النبي صلى الله عليه وسلم غير ذلك. ولا جائز أن يكون سرور النبي عليه الصلاة والسلام بقول مُجرِّر من جهة أنه أفاده به علماً لم يكن عَلِمَه قبله، ومَن قال ذلك: فقد نَسَبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلى ما لا يليق به، ولا يجوز عليه، وذلك لأنه معلومٌ أنَّ أسامة كان مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وابنَ مولاه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالماً قبل قول مُجرِّز بصحة نسبه وولائه، ولو لم يكن كذلك، لما استجاز النبي عليه الصلاة والسلام أن ٢٣١ کتاب الدعاوى والبينات ینسبه إلى أبيه بالنسب، وإليه بالولاء. ويَلزم خصمنا أن يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن عالماً بأن أسامة ولدُ زيد إلا بعد قول مُجرِّز، وهذا افتراء على رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان أتقى لله، وأشد اعتصاماً بحدوده مِن أن يَنسب أسامة إلى أنه ولد زيد، ومولاه وهو شاكٌّ فيه. فقد بطل أن يكون قول مُجزِّز قد أفاد النبيَّ عليه الصلاة والسلام علماً لم یکن عَلِمَه قبله. * وأيضاً: فإن كان مُجرِّزاً إنما أفاد النبي عليه الصلاة والسلام ذلك من جهة ما رأى من الشَّبَه، فاعتبار النبي وتشبيهه، وردُّه الشيء إلى شكله ونظيره، أَوْلى من اعتبار مجزِّز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال في امرأة هلال بن أمية: ((إن جاءت به على صفة كيت وكيت، فهو لهلال، وإن جاءت على صفة أخرى، فهو للمقذوف بها))، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن حال الشَّبَه قبل الولادة، فكيف بمَن رآه بعد الولادة وربَّاه، ونَسَبَه إلى أبيه بالولادة، وإلى نفسه بالولاء. وقولُ هذا القائل يوجب أن لا يكون النبي عليه الصلاة والسلام عالماً بكون أسامة مولوداً من زيد إلا بعد قول مُجزِّز، وإن قولاً يؤدي إلى هذا، لظاهرَ الفساد، بيِّن الاستحالة. فإذاً لا وجه لسرور النبي صلى الله عليه وسلم بقول مجزِّر إن ثبت على ما ادعوه إلا ما وصفنا، من سقوط قول المنافقين على أصلهم بما يعتقدون صحته. فإن قيل: على ما قدَّمنا من سقوط اعتبار قول القائف مع الفراش، ومع زواله، أنَّا إنما نعتبر قول القائف في تأكيد دعوة أحد المدَّعيين ٢٣٢ کتاب الدعاوى والبينات للولد، لا في إثبات الحكم به منفرداً عما وصفنا، كما نقول جميعاً في الذي في يديه الشيء والخارج، إذا أقاما البينة على النِّتاج: أنَّ الذي هو في يديه أولى، فصار لليد مزية في تأكيد بينته، وإبطال بينة الخارج، ولو انفردت اليد عن البيئة لم توجب بطلان بينة الخارج. قيل له: سؤالك هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن تجعل مزية اليد فيما اتفقنا عليه أصلاً، وترد عليه مسألة القافة قياساً، فإن كان هذا مرادك، فإن القياس لا يصح إلا بعلة مُسْتخرَجةٍ من الأصل، يُرَدُّ بها إليه الفرع، بعد إقامة الدلالة عليها، وهذا ما لا سبيل لك إلى إيجاده، فسؤالك فيه ساقط. والوجه الآخر: أن تقول: لما لم يمتنع تأكيد البينة باليد، لم يمتنع تأكيد الدِّعوة بقول القائف، فيكون هذا أشد إعلالاً من الأول؛ لأنا نقول لك: وإذا لم يمتنع ذلك في اليد، لم يمتنع في القافة، وأيُّ معنى أوجب تَعَلُّقَ أحدهما بالآخر؟ وعلى أنا لو سلمنا لك ما ادعيت، لم يحصل في يدك منه شيء؛ لأن كلاً منا، إنما هو في الوجوب، لا في الجواز، وأنتَ فإنما أريتنا جواز ما قلت، وإذا جاز، فلمَ قلتَ: إنه واجبٌ القضاء به؟(١). فلم يقتض هذا السؤال منا جواباً ولا انفصالاً مما ذكر، غير أنا نتبرع ببيان فساد ما قال على جهة قبول السؤال، فنقول: إن اليد إنما جاز أن يكون لها مزية في تأكيد بينة النّتاج؛ لأنها مما يتعلق به الحكم بانفرادها من غير بينة، لأن كل مَن وجدنا في يده شيئاً، (١) في (ر.جـ): ((فلمَ قلتَ: بوجوب الحكم بقول القافة؟)). ٢٣٣ كتاب الدعاوى والبينات تَركْناه في يده، وجعلناه له بالظاهر، حتى يستحقه غيره، وقول القائف لو انفرد عن دعوة المدعيين للولد، مع وجود الفراش أو عدمه: لم يكن له حكمٌ بتة، فلذلك جاز تأكيد البينة باليد، ولم يجز تأكيد الدِّعوة بقول القائف، إذ كان سبيله أن(١) يتعلق به في نفسه حكم، حتى إذا انضاف إلى غيره أكَّده، فأما ما لا حكم له في حال انفراده، فكيف يجوز أن يُؤكّد به غيره؟ * قال أبو جعفر : (وقال أبو يوسف: لا يكون ابن ثلاثة لو ادعوه). وذهب في ذلك إلى الأثر الذي ورد عن الصحابة: عمر وعلي، وإنما ورد في الاثنين، ولم يَرِد في أكثر منهما. * (وقال محمد: يكون ابن ثلاثة، كما يكون ابن اثنين، ولا يكون ابن أكثر منهم). وذلك لأنا لو صدَّقنا في أكثر من ثلاثة، لوجب أن يُصدَّقوا ولو كانوا مائة، وهذا تفخُّشٌ، فجعل الثلاثة في حد القلة، والأكثر منها في حد الكثرة اجتهاداً. قال أحمد: ومذهب أبي حنيفة في هذا: أنهم مصدَّقون وإن كانوا أکثر من ثلاثة بالغاً ما بلغ العدد، وذلك محفوظ عنه، وهو القیاس على ما قدّمنا من حجاج(٢). (١) في (ر.ح): ((أن لا يتعلق)). (٢) بدائع الصنائع ٦/ ٢٤٤، الجوهر النقي ٢٦٢/١٠، المبسوط ١٢٦/١٧، وانظر نيل الأوطار ٨٠/٧، وموقف جمهور الفقهاء من القيافة، وإثبات الحكم بها. ٢٣٤ کتاب الدعاوى والبينات مسألة : [تنازع امرأتين ورجل في ولد يدّعيه كل منهم] قال أبو جعفر: (وإذا كان الصبي في يدي رجل وامرأتين، فادعى ءُ الرجل أنه ابنه، وادعته كلّ واحدة من المرأتين أنه ابنها من ذلك الرجل، أو من غيره، فإن أبا حنيفة قال: أجعله ابنَ الرجل والمرأتين جميعاً). قال أحمد : ينبغي أن تكون المسألة على أنهما امرأتاه؛ لأنهما إن كانتا أجنبيتَيْن لم تُصدّقا على النسب إلا بشهادة امرأة، وقد بيَّا ذلك فيما تقدَّم، ولكن لو أقاموا البينة: كان ابن المرأتين والرجل في قول أبي حنيفة. * (وفي قولهما: يكون ابنَ الرجل، ولا يكون ابنَ المرأتين). قال أحمد: أبو حنيفة لا يُثبت الولادة من المرأتين؛ لأن ذلك مستحيل، ولكنه يثبت لهما الحقوق المتعلقة بالولادة، من نحو الحضانة والرضاع والنفقة، وهذه حقوق قد يجوز أن تُستحق مع عدم الولادة؛ لأن الجدة تستحق ذلك وليس لها ولادة الصبي، وإذا كان كذلك، لم يمتنع الحكم لهما بهذه الحقوق، لأجل قيام البينة عليها وإن لم تَثبت الولادة. فإن قيل: قد علمنا أنَّ إحدى البَيِّنتَيْن كاذبة لا محالة، ونحن فمتى قبلناهما، فقد حكمنا بقبول بينةٍ هي كاذبة في الحقيقة. قيل له: لا يجوز أن نقول: إن إحدى البيِّنتين كاذبة، وذلك لأن البينة تَحتاج في الشهادة بالنسب إلى معاينة الولادة، وإنما يُرجع فيها إلى الخبر، وليس يمتنع أن يقع الخبر إلى كل واحدة منهما بولادة المرأة التي شهدت له، على حسب ما يتفق من اليد، وظهور النسبة إليها. فأشبهت في هذا الوجه، الشهادة على الملك لرجلين، لكل واحدٍ بكماله، أنَّ الشهادة على الملك، لما كانت من جهة ظاهر اليد والتصرف، لا من جهة الحقيقة، لم يمتنع أن يظهر لكل واحد من الفريقين في حالٍ ما ٢٣٥ کتاب الدعاوى والبینات يسعه معه إقامة الشهادة بالملك، فلم تبطل الشهادة. وأيضاً: فإن أصحابنا جميعاً قد أجازوا مثله في ولادة الشاة، إذا قالت إحدى البيِّنتين أنها شاته، ولدت في ملكه من شاته هذه، وقالت الأخرى: إنها شاة هذا الآخر، ولدت في ملكه من شاته هذه لشاةٍ أخرى، وليست الشاة المدَّعاة في يد واحدٍ منهما: أنه يُقضى بها بينهما نصفين، فلم تبطل الشهادة من أجل ما ذُكر من بطلان قول إحدى البينتين. وعلى أنَّ شهادة كل واحد من الفريقين، إذا وقعت لصاحبها بالملك، فإنها تستحيل أن تكونا صحيحتين في الحقيقة، لاستحالة كون شيءٍ ملكاً الرجلين، لكل واحد جميعه في حالٍ واحد، ثم لم يمتنع قبولهما، كذلك ما وصفنا. وليس هذا عند أبي حنيفة رحمه الله مثل البيِّنتين إذا شهدت إحداهما أنه قَتَلَ عَمْراً بالكوفة يوم النحر، والأخرى أنه قَتَل زيداً بمكة يوم النحر: فلا تُقبل واحدة منهما؛ لأن سبيل هذه الشهادة أن تقع على معاينة القتل، ومُحالٌ وقوع ذلك في وقت واحدٍ في المكانَيْن، فقد تيقنّا أنَّ إحدى البينتين قد قصدت الكذب فيما شهدت به، وليست إحداهما بأولى أن تكون كذلك من الأخرى، فبطلتا جميعاً. وقال أبو يوسف ومحمد: لما استحال وجود الولادة من المرأتين الولدٍ واحد، امتنع قبول البينة عليها، والحكم بها، كما قلنا جميعاً في البيِّنتين إذا قامت إحداهما على أنه قَتَلَه يوم النحر بالكوفة، والأخرى على أنه قَتَلَ آخر يوم النحر بمكة: أنهما باطلتان، لا تُقبل واحدة منهما، كذلك ٢٣٦ كتاب الدعاوى والبينات الولادة من المرأتين(١). مسألة : [تنازع الوالد وولده ابناً لجارية بينهما] قال أبو جعفر: (وإذا كانت الجارية بين رجل وابنه، فجاءت بولد، فادَّعياه جميعاً: كانت دعوة الأب أولى من دعوة الابن). قال أحمد : وذلك لأن دعوة الأب تنفذ في ملك الابن، ودِعوة الابن لا تنفذ في ملك الأب، فلما كانت للأب هذه المزية، كان أَوْلاهما بصحة الدِّعوة(٢). مسألة : [إقامة شخص البينة بشراء عبد سبق إقراره به لغيره] قال أبو جعفر : (ومَن أقرَّ بعبدٍ في يديه أنه لرجل، فقُضي له به عليه، ثم أقام البينة أنه كان اشتراه منه قبل ذلك: لم يُلتفت إلى بينته). قال أحمد : وذلك لأنه قد أكذبها بإقراره له في الوقت الذي شهدت له به الشهود، ألا ترى أنَّ رجلاً لو أقام البينة على عبد في يدي رجل أنه له، ثم أقرَّ المدعي أنه للذي في يديه: أنَّ ذلك يُبطل بينته، ولم يجز أن (١) لا استحالة اليوم في كون الولد ابن الرجل والمرأتين، فكلنا يسمع بطفل الأنبوب أو التلقيح الصناعي، فيمكن أن تكون بداية تكوينه من إحداهما، ثم ينقل إلى الأخرى، وتتم حصانته ونموه واكتماله وتغذيته فيها ومنها، ولا تخفى المشاكل الناجمة عن ذلك: نسبته، حضانته، ميراثه، وكذا القتل، كان هذا محالاً في الزمن السابق لأن المسافة طويلة، ووسيلة النقل بطيئة، أما الآن مع السرعة الفائقة في النقل، فالأمر غير مستحيل. انظر بدائع الصنائع ٢٥٣/٦، مختصر اختلاف العلماء ٣٤٦/٣، خلق الإنسان بين الطب والقرآن للدكتور محمد علي البار ص ٥١١-٥١٨. (٢) المبسوط ١٢٧/١٧، المختلف بين الأصحاب (خ)، لوحة ٨٤ ب. ٢٣٧ کتاب الدعاوى والبینات يُحكَم له ببينته، وكذلك لو حكم له به، ثم أقرَّ له به: ردَّه إليه، وبطلت بینته، فكذلك مسألتنا. مسألة : [إقامة البينة على ملكية عبد بعد نكوله عن اليمين فيه] قال أبو جعفر: (ولو لم يكن قُضي به للمدِّعي بما ذكرنا، ولكن قُضي به للمدَّعى له بنكول من المدعى عليه عن اليمين له، ثم أقام البينة على ابتياعه إياه قَبْل ذلك من المدّعي، فإن أبا حنيفة ومحمد قالا: هذا والأول سواء، وكذلك رواه محمد عن أبي يوسف. وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنّ القاضي يسمع من بينته في هذا، ويقضي له بها). وجه قول أبي حنيفة: أنَّ النكول لا يخلو من أن يكون إقراراً، أوبَذْلاً، فإن كان إقراراً أو بمنزلة الإقرار، فقد بيَّنًا وجهه، وإن كان بذلاً، فقد لزمه حكمه من طريق الحكم، فلا سبيل له إلى فسخه، ولا تُقْبل بينته عليه؛ لأن كل مَن ألزم نفسه حقاً، فلا سبيل له إلى فسخه، ولا يكون خصماً في إبطاله، ألا ترى أنَّ رجلاً لو باع عبداً، ثم أقام البينة أنه لغيره، باعه بغير إذنه، لم يُلتفت إلى ذلك منه؛ لأنه يريد فسخ ما ألزمه نفسه من العقد، فكذلك لو أراد استحلافه، لم يكن خصماً له، لما وصفنا، فكذلك ما قلنا. * وذهب أبو يوسف في ذلك إلى أنَّ النكول ليس بصريح الإقرار، فلا يكون فيه إكذابٌ للبينة، إذ جائز أن يكون إنما نكل تصوناً عن اليمين، وإن كان صادقاً فيها. مسألة : [إذا قَدَر الدائنُ على مثل حقه المجحود في مال المدين] قال أبو جعفر : (ومَن کان له على رجل مال، فجحده إياه، ثم قدر له ٢٣٨ کتاب الدعاوى والبينات على مثله من جنسه: أخذه قصاصاً به). وذلك لأنه قد استحق أَخْذه، ولا يسع المدين مَنْعه، والدليل عليه: أنهما لو ارتفعا إلى القاضي: أجبره القاضي على دفعه إليه، ولو امتنع من دَفْعه: أَخَذَه القاضي منه، وَدَفَعَه إليه. · قال : (ولا يأخذ أجود ممَّا له). كما لا يقضي القاضي بأجود من حقه، ويدل على صحة هذا الأصل: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم لهند: ((خُذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف»(١)، فدل ذلك على معنيين: أحدهما: أنَّ مَن كان له قِبَل إنسان حق: جاز له أَخْذُه بغير أمره. والثاني: أنَّ الذي يجوز له أَخذه منه: مقدار حقه، لا أكثر منه(٢)؛ لقوله: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)». مسألة : [إذا مات مَن أقر بنسب أحد عبدين قبل البيان] قال أبو جعفر: (ومَن قال لعبدين له: أحدُ هذين ابني، ثم مات، ولم يُبيِّن: عَتَقَت منهما رقبة، وسعى كلّ واحد منهما في نصف قيمته لورثته، ولم يثبت نسب واحدٍ منهما). قال أحمد: قوله: ((أحدُ هذين ابني)): تحته معنيان: أحدهما: الحرية، والآخر: النسب، ويصح إثبات الحرية في مجهول؛ لأنه لو قال: أحدهما حرٌّ: وقعت الحرية، ولزمه البيان، وكما جاز ثبوت (١) صحيح البخاري ١٤٦/١٣، صحيح مسلم ١٢/ ٧. (٢) مختصر اختلاف العلماء ١٧٣/٤، الهداية ٣٨١/٧. ٢٣٩ كتاب الدعاوى والبينات رقبة مجهولة في ذمته للظهار والقتل وغيره، ولزمه تعيين ما في الذمة، وفي واحدٍ بعينه، جاز إيقاعه في مجهول، ثم یکون إليه بيانه. وأما النسب، فليس بمعنى يوقع، فيثبت في الذمة، وإنما هو جزئية(١) تثبت بينهما، ولا يصح ثبوت ذلك إلا في عين، إذ لم يكن ثابتاً في الذمة، فإقراره بالنسب إخبارٌ عن حقٍ لغيره، فلذلك فلم يصح إثباته في مجهول، فسقط حكم النسب فيما وصفنا. وتثبت الحرية منقسمة عليهما، فاستحق كل واحد منهما نصف رقبته، وسعى في النصف، كرجل قال لعبدين له: أحدكما حرٌّ، ثم مات قبل أن يبيِّن: فَيَعتق من كل واحدٍ نصفه، ويسعى في نصف قيمته؛ لأن كل واحد منهما في حالٍ رقيق، وفي حالٍ حرٌّ، فانقسمت الحرية نصفين، لتساويهما في استحقاقهما. والأصل في وجوب استعمال الأحوال فيما ذكرنا حديث: جرير بن عبد الله: ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سَرِيّةً إلى خَثْعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فأمر لهم بنصف العَقْل))(٢). ووجه دلالته على ما ذكرنا: أنه لما احتمل أن يكون سجودهم إظهاراً للإسلام، وقبولاً لما دُعوا إليه، واحتمل أن يكون خوفاً منهم على وجه التعظيم، كما يفعل أهل الشرك بعظمائهم، حَكَمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بنصف العقل، وأسقط النصف؛ لأن دماءهم صارت محظورة في (١) في (ر.ح): ((حرمة تثبت)). (٢) سبق. ٢٤٠ كتاب الدعاوى والبينات حال، ومباحة في أخرى. وروي عن عمر أنه ((قضى في رجل أوطأ دابته إصبع رجل، فمات: نصفَ الدية))(١). ولا وجه له غير اعتبار الأحوال فيه، كأنه لما احتمل عنده أن يكون موته حادثاً من وطء الإصبع، واحتمل غيره: قضى فيه بنصف الدية، لوجوبها في حالٍ، وسقوطها في أخرى. ويدل عليه أيضاً: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه قضى ببعير لرجلين بينهما نصفين، لمَّا أقاما عليه البينة جميعاً))(٢). والمعنى فيه: أنَّ كل واحد لو انفرد ببينته استحقه، فلما تساويا في جهة الاستحقاق، جعلهما النبي عليه الصلاة والسلام متساويين في الاستحقاق، وكذلك العبدان لما تساويا في استحقاق الحرية، وجب أن یتساویا فیما یحصل لهما. فإن قيل: فهلا اعتبرتَ الأحوال في إثبات النسب، كما اعتبرتها في الحرية. قيل له: هذا سؤال مستحيل، من قِبَل أنك لا تخلو من أن تسومنا به إثبات نسبهما جميعاً، أو إثبات النسب من نصفِ كلِّ واحد، كما أعتقنا من كل واحد النصف، ولا جائز إثبات نسبهما جميعاً، وإنما هو أقر بنسب أحدهما، ولا يجوز إثبات نسبه من نصف كل واحد منهما؛ لأن النسب لا يتبعَّض بحال، وثبوت بعضه یوجب ثبوت جمیعه، وقد دللنا (١) مصنف عبد الرزاق ٤٤/١٠، السنن الكبرى ١٨٣/١٠. (٢) سبق.