Indexed OCR Text
Pages 1-20
شَرْعَ أخْصِ الطَّوَِّيّ (٢٢٩ - ٣٢١ هـ) (في اَلْفِقْهُ الْخَنَفِيّ) لِلإِمَامِ إِ كْرِ الرَّازِيِّالْتَضَاضِ (٣٠٥- ٣٧٠ هـ) الَجَلّد الثّامِن أعدّ الكتَابَ للطّبَاعَةِ وَاجَعَه وصَتْهُ تحقيمُ د/ زينب محمّد حَسَ خلائه أ.د/ سائد بكداش دَارُ الشَِّ الإسْلامِيَّة دَارُ السَّرة -3 شَح المُخْصِ الطَّوَإِيِّ ٨ حُقُوقُ الطّبْعِ مَحْفُوظَة لِلْمُعْتَنِى ◌ِالْكِتَابْ الطّبْعَة الأولى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠م شركة دار البشائر الإسْلاميّة لِلِطَّاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتوزيعِ ش. م.م انتها الشيخ رمزي ومشقية رحمه الله تع الى سنة ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م بيروت - لبنانُ صَفْ: ١٤/٥٩٥٥ هَاتفُ: ٧٠٢٨٥٧ e-mail: bashaer@cyberia.net.lb فَاكس: ٧٠٤٩٦٣ / ٩٦١١ .. دَارُ السَّمِعِ - المَدِيْنَةُ المُنَوّرةُ يُطلَبُ الكِتَابُ مِنْهَا عَلَى العنَانِ التَّالى: البَرِيدُ الإلكتروني SRAJ1000@hotmail.com ٥ كتاب أدب القاضي كتاب أدب القاضي مسألة : [تسوية القاضي بين الخصمين في كل شيء] قال أبو جعفر: (وينبغي للقاضي أن يُنصِف الخصمَيْن في مجلسهما، والنظرِ إليهما، والمنطقِ، ولا يرفع صوتَه على أحدهما ما لم يرفعه على الآخر، ولا يُطلِق وجهه لأحدهما في شيء من المنطق لا يفعل بالآخر مثله). قال أحمد: الأصل في ذلك: أنَّ عليه التسوية بين الخصمين(١)، والدليل عليه: قول الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَ إِن يَكُنْ غَنِيَّا أَوْ فَقِيْرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَىَ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾(٢). فأفاد بقوله تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾: وجوب التسوية (١) الكتاب مع اللباب ٨١/٤، شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي (خ) ٢ / لوحة ١٥٦ ب، تحفة الفقهاء ٣٧٢/٣. (٢) النساء: ١٣٥. ٦ كتاب أدب القاضي بين الخصوم؛ لأن القسط هو العدل(١). قال الله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾(٢)، يعني العدل، وأكَّده بقوله: ﴿فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَىَّ أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُاْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾. قال ابن عباس: هو الرجلان يجلسان عند القاضي، فيكون لَيُّ القاضي، وإعراضُه لأحدهما دون الآخر(٣). وقد وردت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما دلت عليه الآية، وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا عبد الله بن مهران الدنيوري قال: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا عباد بن كثير عن أبي عبد الله عن عطاء بن يسار عن أم سلمة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن ابتُلي بالقضاء بين المسلمين، فليعدِل بينهم في لَحْظه، وإشارته، ومَقْعده أو مجلسه، ولا يرفع صوتَه على أحد الخصمين ما لم يرفع على الآخر))(٤). وحدثنا عبد الباقي حدثنا محمد بن عبدوس حدثنا عبد الرحمن بن (١) تفسير الطبري ٣٠١/٩، تفسير القرآن العظيم ٥٧٨/١. (٢) سورة الرحمن: ٩. (٣) تفسير الطبري رقم الأثر (١٠٦٨٣) ٣٠٧/٩. (٤) سنن الدارقطني ٢٠٥/٤، السنن الكبرى ١٣٥/١٠، مجمع الزوائد ٢٠٠/٤، وفيه: رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير باختصار، وفيه عباد بن كثير الثقفي، وهو ضعيف. ٧ كتاب أدب القاضي صالح حدثنا ابن أبي زائدة عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال: ((أتى رجل علياً رضي الله عنه، فأضافه، فقرَّب إليه في خصومة، فقال علي رضي الله عنه: أخصمٌ أنت؟ قال: نعم، قال: فتحوَّل عنا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نضيِّف الخصم إلا ومعه خصمه))(١). فأوجب بذلك التسوية بينهما. وحدثنا عبد الباقي قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل حدثنا محمد بن مصفى حدثنا بقية حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن أبي مريم عن أبي هريرة: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قام فينا يوم تبوك، فقال: إياكم والإقراد، قالوا: يا رسول الله! وما الإقراد؟ قال: يكون أحدكم أميراً أو عاملاً، فتأتي الأرملة واليتيم والمسكين، فيقول: اقعد حتى أنظر في حاجتك، يُتركون مقرَّدين، لا تُقضى لهم حاجة، ويأتي الرجلُ الغنيُّ و أو الشريف، فيُقْعِده إلى جنبه، فيقول: ما حاجتك؟ فيقول: حاجتي كذا وكذا، فيقول: أُقضوا حاجته، وعجِّلوا بها))(٢). فقد دلَّ هذا على وجوب التسوية بينهم في التقدم إليه. (١) السنن الكبرى ١٣٧/١٠، مجمع الزوائد ٢٠٠/٤، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: الهيثم بن غصن، ولم أجد من ذكره، وبقية رجاله ثقات، نصب الراية ٧٣/٤، وقال الزيلعي: تفرد به الواسطي. (٢) كنز العمال (١٤٧٠٥) ٢٩/٦، وعزاه للحلية لأبي نعيم، وكذا في النهاية لابن الأثير (فرد) ٣٦/٤، وقال: يقال: أفرد الرجل: إذا سكت ذلا، وأصله: أن يقع الغراب على البعير، فيلقط القردان، فيقرُّ ويَسكن؛ لما يجد من الراحة. ٨ كتاب أدب القاضي مسألة : قال أبو جعفر: (ولا ينبغي له أن يشدَّ على عضد أحدهم، ولا يلقُّنْه حُجَّتَه). وذلك لأن فيه تركَ التسوية، وإيجابَه لأحدهما على الآخر. مسألة : [تجنب القاضي البيع والشراء في مجلس القضاء] قال أبو جعفر: (ولا ينبغي له أن يشتريَ ويبيعَ في مجلس القضاء لنفسه، ولا بأس بذلك منه في غير مجلس القضاء). والأصل في ذلك: أنَّ كل ما شَغَلَ قلبَه عن شيءٍ من أمر القضاء، فالواجب عليه أن یترکه. والدليل عليه: ما حُدِّثنا عن أبي داود حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقضي الحَكَمُ بين اثنين وهو غضبان))(١). فأفادنا بذلك أنَّ كل ما شَغَلَ قلبَه عن شيءٍ من أمر القضاء، فينبغي أن يتجنّبَه في حال القضاء. ويدل عليه أيضاً: ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن یوسف الترکي قال: حدثنا کثیر بن يحيى صاحب البصري. قال عبد الباقي: وحدثنا أخو خطاب قال: حدثنا خالد بن خداش (١) سنن أبي داود ٢٧١/٢، صحيح البخاري مع الفتح ١١٦/١٣، صحيح مسلم ١٥/١٢. ٩ كتاب أدب القاضي قالا: حدثنا القاسم بن عبد الله بن عمر حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي طوالة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريَّان))(١). فهذا أيضاً يدل على ما ذكرنا؛ لأنه إنما أمره بذلك ليُقْبل بهمِّه وفِكْره على القضاء، ولا يكون له مانعٌ من استيفاء حُجَج الخصوم، وفَهْم (٢) معانيهم(٢). [مسألة : ] قال : (ولا ينبغي أن يُسارَّ أحدَ الخصمين). وذلك لأن فيه ترك التسوية، وهو أيضاً يوجب التهمة (٣). مسألة : [كيفية بداية الفصل بين الخصمين] قال: (وإذا تقدَّم إليه الخصمان، فإن ابتدأهما، فقال: ما لكما؟ أو تركهما حتى يبتدئاه المنطق: فلا بأس بذلك). قال أحمد : يجوز له أن يبتدئهما؛ لأنه لا يمنع المساواة بينهما، ولأن (١) السنن الكبرى ١٠٥/١٠، سنن الدارقطني ٢٠٦/٤، مجمع الزوائد ١٩٨/٤، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه القاسم بن عبد الله بن عمر، وهو متروك كذاب، وقال البيهقي: تفرد به القاسم العمري، وهو ضعيف، والحديث الصحيح في الباب قبله يؤدي معناه. (٢) تحفة الفقهاء ٣٧٢/٣، الكتاب ٨٢/٤. (٣) شرح أدب القاضي للخصاف الصدر الشهيد ٣٤٣/١، الكتاب ٨٢/٤، الهداية وفتح القدير ٣٧٣/٦. ١٠ كتاب أدب القاضي فيه ضرباً من التأنيس لهما، وتسكيناً لرَوْعهما، وإزالةً للحَصْرِ (١) عن المدعي إن کان ممن يُخشى منه الحَصْر. وإن تركهما: فلا بأس أيضاً حتى يبتدئا هما؛ لأن على القاضي أن يقضيَ بما يسمع، وليس عليه أن يحمِلَهما على الخصومة. [مسألة : ] قال أبو جعفر: (فإذا تکلم صاحب الدعوى: أسكت الآخر حتى يفهم حُجَّته، ثم يأمره بالسكوت، ويستنطقُ الآخر). وذلك لأن ازدحامهما على الكلام، يمنع القاضي من فهم الدعوى. ويدل عليه أيضاً: ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لعلي رضي الله عنه: ((إذا قضيت بين اثنين، فلا تقضٍ للأول حتى تسمع كلام الآخر))(٢). فهذا يدل على أنه إنما يسمع قولَ الآخر بعد قول الأول، وأنهما لا يتكلمان في حالةٍ واحدة (٣). (١) الحصر: المنع، من باب: طَلَب، ومنه الحُصْر: بالضم: من الغائط، كالأسر من البول: وهو الاحتباس. والحَصَر: بفتحتين: العِيُّ، وضيق الصدر، والفعل من الأول: حُصِر مبنياً للمفعول، فهو محصور، ومن الثاني: حَصِر، مثل: لَبِس، فهو حَصْر، ومنه إمام حَصْر، فلم يستطع أن يقرأ، وضم الحاء فيه خطأ، المغرب ص١١٨. (٢) جامع الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٢٧٧/٢، قال الترمذي: هذا حديث حسن، سنن أبي داود ٢/ ٢٧٠، نصب الراية ٦٠/٤. (٣) شرح أدب القاضي للخصاف ٣١٨/١، المبسوط ٧٨/١٦، شرح مختصر = ١١ كتاب أدب القاضي مسألة : [لزوم تفريغ القاضي ذهنه لسماع الحُجَج] قال: (وليس ينبغي للقاضي أن يقضيَ إلا مُقْبِلاً على الحُجَج، مفرِّغاً نفسَه لها، فإن دخله هَمٍّ أو غضبٌ أو نعاسٌ: كَفّ عن ذلك حتى يذهب عنه ذلك). وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان))(١). وفي حديث أبي سعيد: ((لا يقضي إلا وهو شبعان ريان))(٢). والمعنى في جميع ذلك: أنه لا يأمن مع هذه الأحوال الإخلالَ باستيفاء حُجَج الخصوم، وأن يكون ذلك مانعاً له من إدراك حقيقة الحكم فیما یجب علیه إنفاذه. مسألة : [إمهال الخصوم لأداء حججهم] قال: (ولا ينبغي له تعجيل الخصوم عن حُجَجهم، ولا التخويفُ لهم). وذلك لأن فيه بَخْسَ حقهم في المبالغة في استيفاء الحجج، والإدلاء بها، ولا ينبغي له أن يمنعهم حقهم في ذلك؛ لأنه منصوبٌ لإيصال ذوي الحقوق إلى حقوقهم، فكيف يجوز له أن يبخسهم حقاً هو لهم؟. الطحاوي للإسبيجابي ٢ / لوحة ١٥٦ ب، فتح القدير ٣٧٤/٦. (١) تقدم. (٢) تقدم. ١٢ كتاب أدب القاضي مسألة : [استحباب إحضار القاضي أهل العلم في مجلسه ليصوِّبوه] قال: (وإن كان خيراً له أن يَقعد عنده العلماء من أهل الفقه والصلاح: قعدوا معه، وإن كان يَدخله حَصْرٌ من جلوسهم معه، أو شُغلٌ عن أمور الناس: جلس وحده). قال أحمد: يجوز له أن يُقعدهم عنده، ليشاورهم فيما ينويه مما يُشكل عليه، وليستعين برأيهم واجتهادهم في إمضاء أحكامه. وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أسلم بن سهل حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله حدثنا أبي عن حفص بن سليمان عن كثير بن شنظير عن أبي العالية ((عن عقبة بن عامر قال: جاء خصمان إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: اقض بينهما يا عقبة، قلت: يا رسول الله! أقضي بينهما وأنت حاضر؟ قال: اقضِ بينهما، فإن أصبتَ: فلك عشر حسنات، وإن أخطأتَ: فلك حسنة واحدة))(١). وقد روي نحو هذه القصة لعمرو بن العاص، وقد ((أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يقضيَ بحضرته))(٢)، لينبهه على خطئه إن أخطأ. (١) الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد ٢٠٧/١٥، سنن الدارقطني ٢٠٣/٤، التعليق المغني، والقول المسدد، وفيهما: أن إسناد الحديث ضعيف. (٢) الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد ٢٠٦/١٦، سنن الدارقطني ٢٠٣/٤، المستدرك ٩٩/٤، وصححه الحاكم، وفي هامش المستدرك: أنَّ الذهبي في تلخيصه رده، قال : ... فرج ابن فضالة ضعفوه، وفي القول المسدد بعد نقله تضعيف الذهبي، قال ابن حجر: في إسناده: فرج بن فضالة: وثَّقه الإمام أحمد في الشاميين، وضعفه النسائي والدارقطني. ١٣ كتاب أدب القاضي وحدثنا عبد الباقي حدثنا بشر بن موسى حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم أخبرنا داود بن عمرو عن حسان بن عطية قال: ((لما ولي فضالة بن عبيد القضاء قال لأصحابه: أُحضُروني كما كنتم تحضرون، وكان بين رجلين تلاحٍ، فأخذ أحدُهما بلحية صاحبه فنتفها، فاختصما إلى فضالة، فقال: خُذْ من لحيته، فإن لم تفِ، فخذ مما وَلِيَ ذلك من وجهه وشاربه وحاجبه، وأشفاره، ورأسه. فقال له رجل من أصحابه: لو أنَّ رجلاً جنى على رجل، أكنت آخذاً به أخاه؟ قال: فعرف الذي قال، قال: فلذلك أمرتُكم أن تحضروني)). فله في إحضار أهل العلم أكبر الفوائد؛ لما ذكرنا، ولأنه لا يأمن أن يَزِلَّ، فيقضي بغير الحق، فينبهوه عليه. * قال: (وإن كان يدخله حَصْرٌ من جلوسهم معه، أو شُغلٌ عن أمور الناس: جلس وحده). وذلك لأن الحصر يُشغل خاطره، ويَقطعه عن فَهْم حُجَج الخصوم وكلامهم. وقد نهاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضيَ وهو غضبان، والحَصْرُ أَوْلى أن يمنعه (١). مسألة : [تجنب القاضي ما يتعبه] قال: (ولا ينبغي له إتعاب نفسه بطول الجلوس). (١) شرح أدب القاضي للخصاف ٣٥٥/١-٣٦٦، تحفة الفقهاء ٣٧٢/٣، بدائع الصنائع ٥/٧-٦، المبسوط ٧٩/١٦. ١٤ كتاب أدب القاضي لأن ذلك يقطعه عن فهم ما يحتاج إليه واستقصائه(١). مسألة : [تنظيم القاضي لدخول الرجال والنساء عليه] قال : (وينبغي له أن يقدِّم الرجالَ علىُ حِدَة، والنساءَ علىُ حِدَة). لأن ذلك أَصْوَن للفريقين، وكما جُعِل الرجال على حدة، والنساء على حدة في الصلاة. * قال: (وإن رأى أن يجعل لكل فريق يوماً على ما يرى من كثرة الخصوم: فلا بأس بذلك). وذلك لأنه أبعد من اجتماع الرجال والنساء في مجلس واحد، واختلاط بعضهم ببعض. مسألة : قال: (ويُقدِّم الناسَ على منازلهم في مجيئهم إلى مجلسه(٢)). لما في حديث أبي هريرة الذي قدَّمنا، أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إياكم والإفراد، يكون أحدكم عاملاً أو أميراً، فتأتي الأرملة والمسكين واليتيم، فيقول: اقعد حتى أنظر في حاجتك، ويأتي الغنيُّ أو الشريف فيُقعده إلى جنبه، ويقول: ما حاجتك؟ اقضوا حاجته، وعجلوا (٣) بها)»(٣). فقد دل هذا الخبر على أنَّ مَن جاء أولاً استَحق النظر في أمره، لأنه (١) المبسوط ٧٩/١٦. (٢) الأول فالأول، كما في المختصر ص٣٢٦. (٣) سبق. ١٥ كتاب أدب القاضي نهاه عن تأخير قضاء حاجة المسكين الذي جاءه أولاً، وتقديم حاجة الغني(١) عليه؛ لأن السابق قد استَحق ذلك قبل مجيء الآخر، فلا يُسقط مجيء الآخر حقّه في التقدیم. مسألة : قال: (وله أن يقدِّم الغرباءَ إذا رأى ذلك ما لم يَضُرَّ بأهل البلد). وإن رأى أن يسوِّي بينهم: فَعَلَ، وذلك لأنه إذا خاف أن يَلحق الغريبَ بمقامه ضررٌ: جاز له أن يقدِّمه، إذ ليس فيه ضررٌ على غيره، فإن كان فيه ضرر على غيره: سوَّى بينهم، إذ ليس أحدهما بأولى به من الآخر (٢). مسألة : [شهود القاضي الجنازة وعيادته المريض] قال: (ولا بأس بأن يشهد القاضي الجنازة، ويعودَ المريض، ويجيبَ دعوة الجماعة). وذلك لأن هذه سُئِنٌ مندوبٌ إليها، فلا يوجب القضاء عليه تَرْكها، ولأن هذه الأشياء لا تعلّق لها بشيء من أمور الخصوم؛ لأن الناس كلهم متساوون فیه. وقد ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يشهد الجنائز، ويعود المرضى، ويجيب الدعوة)) (٣)، وهو أفضل الحكّام، وقد قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ (١) في (د، م): الغير. (٢) شرح أدب القاضي للخصاف ٢٤٥/١، ٢٥٢-٢٥٥، المبسوط ٨٠/١١. (٣) السنن الكبرى ١٠٨/١٠، وأورد أحاديث فيها حث من النبي صلى الله عليه = ١٦ كتاب أدب القاضي لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾(١). [مسألة : إجابة القاضي الدعوة] قال: (ولا يجيب الدعوة الخاصة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا بأس بأن يجيب الدعوة الخاصة للقرابة). وذلك لأنه يطمع الناس فيه، ويوجب التهمة. وكما لا يجيب غير القرابة في الدعوة الخاصة، كذلك القرابة. ولمحمد: أنَّ في ذلك صلةَ الرحم، وهو مأمور بها، فلا يمنعه منها القضاء، وكما جاز أن يقبل الهدية من ذي الرحم المَحْرم، ولا يقبلها من غيره، كذلك إجابة الدعوة. وأيضاً: في الفرق بين الدعوة الخاصة والعامة، أنه ليس له أن يضيِّف أحدَ الخصمين دون الآخر، ويجوز له أن يضيِّفهما جميعاً، وأن يتخذ دعوةً عامة للناس(٢). مسألة : [قبول القاضي للهدية] قال : (ولا ينبغي له أن يقبل الهدية إلا من ذي رَحِمٍ مَحْرم منه). وذلك لما روى أبو حميد الساعدي ((أنّ رسول الله عليه الصلاة وسلم بفعل هذه الأمور. (١) الأحزاب: ٢١. (٢) شرح أدب القاضي للخصاف ٣٥١/١، تحفة الفقهاء ٣٧٤/٣، المبسوط ٨١/١٦. ١٧ كتاب أدب القاضي والسلام بعث ابنَ اللَّتْبِيَّة على الصدقة، فلما رجع، قال: هذا لكم، وهذا أُهديَ لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هلاّ جلس في بيتِ أبيه وأمه، حتى تأتيَه هديتَه))(١). وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((هدايا الأمراء غُلول))(٢) . * ويقبل من ذي المَحْرِم؛ لأن هناك سبباً يوجب له قبول الهدية غير القضاء، وهو الرحم، وأما الأجنبي، فظاهرُ أَمْره أنه أهدى إليه للقضاء، ولأن قبوله للهدية يطمَّع الناس فيه(٣). مسألة : [لا يخلو القاضي بأحد الخصمين] قال: (ولا ينبغي له أن يخلوَ في منزله بأحد الخصمين دون الآخر). وذلك لما في حديث علي رضي الله عنه ((أنّ النبي صلى الله عليه (١) صحيح البخاري ١٣ /١٤٠، صحيح مسلم ٣١٨/١٢. (٢) السنن الكبرى ١٣٨/١٠، شرح السنة ٨٩/١٠. وفي الهامش: أخرجه أحمد، وفي سنده: إسماعيل بن عياش، وروايته عن غير الشاميين ضعيفة، وهذا منها، وينظر فيض القدير للمناوي ٣٥٣/٦، فقد نقل عن الحافظ ابن حجر جزمه بضعفه. (٣) المبسوط ٨٢/١٦، شرح أدب القاضي للخصاف ٣٥٣/١، الكتاب ٤/ ٨١، تحفة الفقهاء ٣٧٤/٣. وقد ذكر الخصاف والقدوري ((أنه إن كانت من الأجنبي ممن جرت عادته بالإهداء إليه قبل القضاء: تقبل هديته إن كانت مماثلة، أو دون ما جرت به العادة، إلا أن تكون له خصومة: فلا تقبل)). ١٨ كتاب أدب القاضي وسلم نهى أن يُضيِّف أحدَ الخصمين))(١). ولأنه یوجب تُهمته. مسألة : [جواز القضاء في المنزل] قال: (لا بأس بأن يقضيَ في منزله، وحيث أحبَّ، إلا أنَّ الأحسن أن يقضيَ حيث الجماعة). إنما جاز له أن يقضيَ في منزله، لما رُوي ((أنَّ عمر بن الخطاب وأُبيَّ بن كعب اختصما إلى زيد بن ثابت في منزله، قال زيد بن ثابت: هلاّ بعثتَ إليّ يا أمير المؤمنين، فأتيتُك، فقال عمر: في بيته يُؤْتَىُ الحَكَم))(٢). وقعوده حيث الجماعة أفضل؛ لأنه أجدر أن لا يُحجَب عنه أحد(٣). وقد روى أنس ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقضي بين الناس على باب مسجد الكعبة))(٤). مسألة : [القضاء بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة] قال: (وينبغي له أن يقضيَ بما في كتاب الله تعالى، فإن أتاه شيء ليس في كتاب الله تعالى: قضى فيه بما أتى فيه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن لم يجده فيه: نظر فيما أتاه عن أصحاب رسول الله عليه (١) ينظر نصب الراية ٧٣/٤. (٢) السنن الكبرى ١٤٤/١٠. وقول عمر ((في بيته ... )): إنما هو مَثَل، ينظر مجمع الأمثال للميداني (٢٧٤٢)، أخبار القضاة ١٠٩/١. (٣) شرح أدب القاضي للخصاف ٣٠٠/١، ٣٠٤، ٣٠٩، شرح مختصر الطحاوي للإسبيجابي (خ) ٢ / لوحة ١٥٧ أ. (٤) لم أقف عليه. ١٩ كتاب أدب القاضي الصلاة والسلام، فقضى به). وذلك لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَئِكَ اللَّهُ﴾(١). وقال الله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانتَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ﴾(٢). وقال: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهَ﴾(٣). وقال تعالى: ﴿فَأَتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُبُلَ﴾(٤). مسألة : [لا يخالف القاضي الإجماع، والأدلة على حجية الإجماع] وإذا اجتمعت الصحابة على شيءٍ اتبعه وأخذ به، لا يجوز له خلافهم، لقيام الدلائل الموجبة لصحة الإجماع. فمنها: قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمَ﴾ (٥). فأمَر باتباع سبيلهم. (١) النساء: ١٠٥. (٢) الحشر: ٧١. (٣) النساء: ٨٠. (٤) الأنعام: ١٥٣. (٥) النساء: ١١٥. ٢٠ كتاب أدب القاضي وقال: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾(١). ومعنى قوله: وسطاً: أي عدولاً(٢)، كما قال الشاعر: إذا طُرقت إحدى الليالي بمُعْضَل هم وسطٌ یرضی الأنامُ بحکمهم فقد دلت هذه الآية على صحة الإجماع من وجهين: أحدهما: قوله: وسطاً، والوسط: العدل، ومَن كان عدلاً: لزم قبول قوله؛ لأنا نعلم أنه لا يقول إلا حقّاً. والثاني قوله: ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾(٣). ولا يكونون شهداء عليهم إلا وهو محكومٌ بصحة قولهم وشهادتهم، كالرسول لما جُعِل شهيداً عليهم، لزمهم قبول قوله. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾(٤). ومن كان بهذه الصفة لا يجوز عليهم الاجتماع على ضلال. (١) البقرة: ١٤٣. (٢) تفسير القرآن العظيم ١٩٦/١، وهو أحد وجهي تفسير الآية. (٣) البقرة: ١٤٣. (٤) آل عمران: ١١٠.