Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
مسألة : [حلف لا يكلمه جُمَعاً]
(والجُمَعِ: على عشر جُمَعٍ في قول أبي حنيفة، وفي قولهما: على
الأبد).
قال أحمد : يعني بقوله: الأبد: أيام الجُمُعَات على الأبد، ولا يدخل
ما بين الجُمَع من الأيام، وقد بيَّنه محمد في الجامع الكبير.
فأما أبو حنيفة: فإنه مرَّ على الأصل الذي قدَّمنا.
وأما أبو يوسف ومحمد: فإنه لم يكن للجُمَع حال معهودة يَرجع
الكلام إليها، فتناولت جُمَعَ الأبد(١).
مسألة : [حلف ألا يكلّم الناس]
قال أبو جعفر: (ومَن حلفك أن لا يكلم الناس، فكلَّم واحداً منهم:
حنث).
وذلك لأن الناس اسمٌ للجنس، وهو لا يمكنه استيعاب جميع الناس
بالكلام، فتناول الواحد منهم؛ لأن اسم الجنس يتناول الجزء منه إذا تعذّر
استيعاب الكلّ.
قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ﴾ (٢): عُقِل من اللفظ
تحريم الجزء منه.
والدليل على أنَّ الناس للجنس: دخول الألف واللام عليه؛ لأنهما
(١) الأصل ٣٦٤/٣-٣٦٨، الهداية وفتح القدير ٤٢٧/٤-٤٣٠، بدائع الصنائع
٥٠/٣-٥٢.
(٢) المائدة: ٣.

٤٤٢
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
يدخلان إما للجنس، أو للمعهود، فإذا لم يكن هناك معهود، فهما
للجنس، وقد بيًّا هذا المعنى في ((شرح الجامع الكبير)).
مسألة : [حلف لا يكلم ناساً]
قال أبو جعفر: (وإن حلف لا يكلم ناساً: لم يحنث حتى يكلم ثلاثة
منهم).
قال أبو بكر: وذلك لأن: ناساً: اسمٌ للجمع، وليس فيه دلالة
الجنس، فهو على أدنى الجمع، وهم ثلاثة.
مسألة : [حلف أنه لا يأتدَّم]
قال أبو جعفر: (ومَن حلف أن لا يأتدَّم: فإن الإدام في قول أبي حنيفة
وأبي يوسف: كل ما اصطُبخ(١) به، والملح إدام، والشواء ليس بإدام.
وقال محمد: كل شيء الغالب عليه أنه يؤكل بالخبز، فهو إدام).
قال أحمد : أصل الإدام في اللغة: هو الجمع، يقال: آدم الله بينكما:
أي جَمَع الله بینکما.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد أحدكم أن يتزوج امرأة،
فلينظر إليها قبل أن يتزوجها، فإنه أحرى أن يُؤْدَم بينهما))(٢).
(١) اصطبخ: ما يصبغ به الخبز في الأكل، ويختص بكل إدام مائعٍ، كالخل
ونحوه، وفي التنزيل: ﴿وَصِيْغْ لِلْأَكِينَ﴾. المصباح المنير (صبغ).
(٢) سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ١٦٩/٢. قال الترمذي: هذا حديث
حسن، سنن ابن ماجه ٣٤٤/١. وفي الهامش: في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله
ثقات.

٤٤٣
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
يعني يؤلَّف بينهما.
ومع ذلك؛ فقد اتفق الفقهاء على أنه ليس كل شيء جُمع إلى شيء
كان إداماً له، ألا ترى أنه لو جَمَعَ لقمة إلى أخرى، فأكلهما لم يكن
مؤتدِماً، فصحَّ أنَّ اليمين تناولت جمعاً على وصف، وهو أن تُجمع إليه
قبل الأكل، فيصير مستهلَكاً فيه، حتى يصير مجموعاً إليه غير متميز منه،
نحو الخل والملح ونحوهما.
وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((نِعْمَ الإدامُ
الخَلُّ) (١).
فما كان بهذا الوصف فهو إدام، وما عداه فلم يثبت أنه مراد باليمين،
فلا يدخل فيها بالشك.
فإن قيل: رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام ((أنه وَضَعَ تمرةً علىُ
كِسْرة(٢)، فقال: هذه إدام هذه))(٣).
قيل له: سماه إداماً بالتقييد، لا على الإطلاق.
وأيضاً: لا نعلم أحداً من الفقهاء جعل التمر إداماً (٤).
(١) صحيح مسلم ١٤ /٦.
(٢) في (ر): لقمة.
(٣) المعجم الكبير بمعناه (٧٣٢) ٢٨٦/٢٢، وفي الهامش قال المحقق: ورواه
أبو داود (٣٢٤٢ و٣٢٤٣ و٣٨١٢)، والترمذي في الشمائل (١٨٢)، وفي إسناد
الرواية الأولى لأبي داود: يحيى بن العلاء البجلي، رُمي بالوضع، وفي باقي
الروايات: یزید بن أبي أمية، وهو مجهول.
(٤) فتح القدير ٤٠٦/٤، وفيه أنه روي عن الشافعي فيه وجهان.

٤٤٤
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
وقد قال الله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًا﴾(١)، يعني السمك،
ومع ذلك لا يدخل في اليمين إذا حلف: أن لا يأكل لحماً.
وسمَّى الله الشمس سراجاً (٢)، ولا يدخل في حلفه: أن لا يقعد في
السراج.
فإن قيل: روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((سيدُ إدام
الدنيا والآخرة: اللحم)»(٣).
قيل له: وقوع اسم الإدام(٤) عليه لا يُدْخله في اليمين ما لم يكن
متعارفاً.
ولمحمد: أن مَن يبيع البيض والجبن(٥) ونحوهما يسمى إدامياً، فدل
هذا على أنهما أُدُم (٦).
(١) النحل: ١٤.
(٢) قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. نوح: ١٦.
(٣) عزاه السيوطي في الجامع الصغير للطبراني في الأوسط، وللبيهقي في شعب
الإيمان، ورمز لضعفه، ونقل المناوي في فيض القدير ١١٩/٤ عن الهيثمي أن في
سنده: سعيد بن عتبة القطان قال: لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا
يضره، وقال ابن القيم: إسناده ضعيف. اهـ.
(٤) في (د، م): اللحم.
(٥) في (حـ)، لوحة ١٩٣ ب: ((الخبز)).
(٦) شرح الجامع الصغير (خ)، لوحة ٩٥أ، المبسوط ١٧٥/٨، الهداية
وشرحها فتح القدير ٤٠٥/٤.

٤٤٥
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
مسألة : [حلف أن لا يضرب رجلاً]
قال أبو جعفر: (ومَن حلف أن لا يضرب رجلاً: كان ذلك على
ضربه إياه في الحياة).
قال أحمد : وذلك لأن المقصود من الضرب الإيلام، وذلك معدومٌ
بعد الموت(١).
مسألة : [حلف لا يغسِّل رجلاً]
قال: (ومَن حلف لا يغسِّل رجلاً: كان ذلك على الحياة والموت).
لأن المقصد فيه التنظيف، وهو موجود بعد الموت.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((مَن غسَّل ميتاً، فليغتسل))(٢).
مسألة : [حلف لا يخرج إلى مكة]
قال: (ومن حلف أن لا يخرج إلى مكة، فخرج من بلده يريدها:
حنث)
لأن الخروج اسمٌ للانفصال من البلد إلى خارجه، وقد وُجد، ألا
ترى أنك تقول: خرج الحاج إلى مكة في أول ذي القعدة، ويكون إطلاقه
صحيحاً.
مسألة : [حلف لا يأتي مكة]
قال: (ولو حلف لا يأتي مكة: كان ذلك على دخولها).
(١) شرح الجامع الصغير (خ)، لوحة ١٠٣ أ. الهداية وفتح القدير ٤ /٤٦٠.
(٢) سنن ابن ماجه ٢٦٩/١، سنن أبي داود ١٧٩/٢، وينظر التلخيص الحبير
١٣٦/١، ٦٨/٢، وبيَّن ضعفه.

٤٤٦
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
لأنك تقول: أتيتُ فلاناً، فيُعقَل منه حضوره عنده(١).
مسألة : [حلف لا يصوم، ثم أصبح صائماً]
قال : (ومن حلف أن لا يصوم، ثم أصبح صائماً، فأفطر: حنث).
لأن الصوم هو الإمساك، والبقاء عليه دوام على ذلك الجزء، وحكمه
حکمه، فحنث بأول جزء منه(٢).
مسألة : [حلف : لا يصلي]
قال: (ولو حلف أن لا يصلي: لم يحنث حتى يصلي ركعة وسجدة).
وذلك لأن الصلاة أفعال متغايرة مختلفة، وأقل ما يتناوله الاسم
منه: فعل ركعة وسجدة؛ لأنها تشتمل على أفعال الصلاة، وما بعدها
تكرار لها، فلا اعتبار به في الحنث، كما لم يعتبر في الصوم بقاؤه على
الإمساك إلى الليل، إذ كان ما بعد الجزء الأول كأنه تكرار له، ودوام
(٣)
عليه(٣).
مسألة : [حلف لرجل أن يأتيه إن استطاع]
قال: (ومَن حلف لرجل أن يأتيه إن استطاع: فذلك على الصحة إن
لم يمرض، أو يمنعه سلطان، أو يجيء مَن (٤) لا يقدر أن يأتيَه معه).
وذلك لأن الصحيح مستطيعٌ. قال الله تعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوٍ
(١) الهداية وفتح القدير ٣٨٨/٤، الدر المختار مع رد المحتار ٧٥٦/٣.
(٢) الهداية وفتح القدير ٤٥٤/٤، المبسوط ٣١/٩، رد المحتار ٨٢٧/٣.
(٣) المصادر السابقة.
(٤) في (د، م): ((ما)).

٤٤٧
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
أُسْتَطَعْنَا لَخَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾(١).
فكذَّبهم الله في قولهم إنهم غير مستطيعين مع وجود الصحة، وزوال
العذر، وإذا كان كذلك، كان حكم اليمين محمولاً عليه؛ لأنه حقيقة
اللفظ.
* قال أبو جعفر: (فإن عنى استطاعة القضاء: دِين في القضاء وفيما
بینه وبین الله تعالى).
قال أحمد : إنما يُصَدَّق فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يُصدَّق في
القضاء، هذا الذي نعرفه من مذهبهم، وأما ما ذكره أبو جعفر من أنه يُديَّن
في القضاء لا نعرفه من مذهبهم.
وإنما صُدِّق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن معناه حينئذ: إن كان في
معلوم الله وقوع ذلك، هذا معنى استطاعة القضاء، وقد يطلق نفي
الاستطاعة على ما ليس في المعلوم وقوعه مجازاً، وذلك لأن ما لا
يستطيعه لا يقع من فعله، كما أنَّ ما ليس في المعلوم وقوعه لم يقع، فدِيْن
فيما بينه وبين الله تعالى؛ لاحتمال اللفظ له، ولم يُصدَّق في القضاء؛ لأن
الحقيقة خلافه.
مسألة : [حلف لا يتكلم فقرأ القرآن]
قال أبو جعفر: (ومَن حلف لا يتكلم، فقرأ القرآن، فإن قرأه في
الصلاة: لم يحنث، وإن قرأه في غير الصلاة: حنث).
وذلك لأن مَن قرأ القرآن فقد تكلم بالقرآن، كما أنه إذا قرأ حديث
(١) التوبة: ٤٢.

٤٤٨
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
رسول الله عليه الصلاة والسلام فقد تكلم به، وإذا قرأ الشعر، فقد تكلم
به، فكان القياس أن يحنث في الوجهين جميعاً، قرأه في الصلاة أو في
غيرها، لكنه تُرِك القياس إذا قرأه في الصلاة؛ لأنه معلوم أنه لم يُرِد بهذه
اليمين مَنْع نفسه من الصلاة، فصارت حال الصلاة مستثناةً من يمينه، لما
وصفناه(١).
مسألة : [حلف لا يلبس حُلْياً]
قال أبو جعفر: (مَن حلف أن لا يلبس حُلْياً، فلبس خاتم فضة: لم
يحنث، وليس ذلك بحُلي).
وذلك لأنه لا يقال للرجل إذا كان في إصبعه خاتم فضة: أنه قد لبس
الحلي، وقد نُهي الرجل عن لبس الحلي، وأبيح له لبس خاتم الفضة،
فدل ذلك على أنه ليس بحلي.
مسألة : [حَلَفَتْ لا تلبس حُلياً]
قال: (ومَن حلف من النساء: لا تلبس حلياً، فلبست لؤلؤاً: لم تحنث
إلا أن يكون فيه ذهب، فتحنث، وهو قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف
ومحمد: اللؤلؤ وحده حُلي، وقال محمد: الفضة وحدها حُلي).
لأبي حنيفة: أنه قد ثبت أنَّ الذهب حلي بقوله تعالى: ﴿وَمِمَا يُوقِّدُونَ
عَلَيْهِ فِي النَّارِ أَبْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾(٢)، ولا يجوز أن يكون المراد اللؤلؤ؛ لأنه لا يوقد
عليه في النار.
(١) الهداية وفتح القدير ٤٢٠/٤، المبسوط ٢٢/٩.
(٢) الرعد: ١٧.

٤٤٩
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
وقال: ﴿ وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِيْهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ
خُوَارٌ﴾(١).
وكانوا اتخذوه من ذهب، فثبت أنَّ اسم الحلي يتناول الذهب.
وأما اللؤلؤ فإنه لا يسمى حُلياً على حِدَة، ألا ترى أنَّ بائعه لا يسمى
بائع حُلي، ولا يُتعارف حُلياً وحده.
ولأبي يوسف ومحمد: أنَّ الله تعالى قد سماه حلياً بقوله:
﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾(٢).
ولأبي حنيفة: أنَّ شرط دخوله في اليمين مع وقوع الاسم عليه، مقارنةً
العرف له، ألا ترى أنَّ الله تعالى قد قال: ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾(٣)،
ولو قال: لا آكل لحماً، لم يدخل فيه السمك وإن سمَّاه الله لحماً، لعدم
العرف في وقوع الاسم(٤).
مسألة : [حلف لا يتغدى، فشرب سويقاً]
قال أبو جعفر: (ومَن حلف لا يتغدى، فشرب سويقاً، فإن كان من
قوم غداؤهم ذلك: حنث، وإن كان ممن لا يَعُدُّ ذلك غداء: لم يحنث).
وذلك لأن الأيمان محمولة على المتعارَف، وغداء كل قوم على
(١) الأعراف: ١٤٨.
(٢) فاطر: ١٢.
(٣) فاطر: ١٢.
(٤) فتح القدير ٤٥٨/٤.

٤٥٠
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
حسب ما يتعارفونه، فيكون المتعارَف كالمنطوق به في اليمين.
مسألة : [بيان وقت الغداء]
قال: (وقت الغداء: من طلوع الفجر إلى زوال الشمس).
لأن الغُدْوَةَ اسمٌ لأول النهار، وتقول: غدوتُ إلى فلان، تعني مضيتَ
إليه في أول النهار، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعِرْباض بن سارية
وقد دخل عليه: ((تعالَ إلى الغداء المبارك وهو يتسخَّر))(١).
فسمَّى السَّحور غداء، لقُرْبه من وقت الغداة، وهو إلى وقت الزوال،
لقول الله تعالى: ﴿وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾(٢)، فقَّدَ الغُدُوَّ إلى وقت
الزوال، والآصال بعده.
مسألة : [بيان وقت العَشاء]
قال: (ووقت العَشاء: من زوال الشمس إلى أن يمضيَ أكثرُ الليل).
وذلك لما روى أبو هريرة ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى إحدى
صلاتي العَشِيِّ: الظهر أو العصر، فسلَّم في ركعتين))(٣).
فسمى صلاة الظهر صلاة العشي.
وإنما كان إلى أن يمضيَ أكثرُ الليل؛ لأن بعد مضيِّ الأكثر يكون
السَّحَر، ومعلومٌ في العادة الفرق بين العشاء وبين وقت السحر.
(١) سنن أبي داود (٢٣٤٤) ٧٥٧/٢ (ط الدعاس) وسكت عنه، سنن النسائي
(٢١٦٥).
(٢) الرعد: ١٥.
(٣) صحيح مسلم ٦٧/٥.

٤٥١
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
مسألة : [بيان وقت السَّحَر]
قال: (ووقت السَّحَر: إذا مضى الأكثرُ من الليل إلى طلوع الفجر).
لأنه كذلك في اللغة والعادة(١).
مسألة : [حلف لا يخرج من المسجد]
قال أبو جعفر: (ومَن حلف أن لا يخرج من المسجد، فأمر إنساناً
فحَمَلَه حتى أخرجه منه: حنث، وإن أخرجه منه مكرهاً: لم يحنث).
قال أحمد : إذا أَمَر إنساناً فأخرجه: فهو الخارج، كما لو ركب دابة،
فخرج كان هو الخارج، وإذا كان مُكرَهاً: فهو مخرَجٌ، وليس بخارج (٢).
مسألة : [حلف لا يضرب امرأته]
قال: (ومَن حلف لا يضرب امرأته، فمدَّ شعرها، أو خَنَقها، أو
عضّها: حنث).
وذلك لأن الضرب عبارةً عن إيلامٍ يوصله إليها بفعلٍ منه يتصل بها،
فإذا فعل ذلك: فقد حصل معنى الضرب(٣).
مسألة : [حلف لا يهب لرجل شيئاً]
قال: ((ومن حلف أن لا يهب لرجل شيئاً، أو لا يتصدق عليه، فوهب
له، أو تصدق به علیه، فلم یقبل ذلك منه: حنث).
(١) الكتاب وشرحه اللباب ٢٢/٤، فتح القدير ٤ /٤٠٧.
(٢) فتح القدير ٣٨٨/٤، تبيين الحقائق ١٢٠/٣.
(٣) الهداية ٤ / ٤٦٢.

٤٥٢
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
وذلك لأن عقد الهبة إنما هو إيجابٌ من جهة الواهب، ليس هو عقداً
على شيء من جهة الموهوب له، فإذا عَقَد، فقد فعل المحلوفَ عليه،
فحنث، ولا يعتبر فيه قبول الموهوب له(١).
ألا ترى أنَّ الإباحة لما كانت من جهة المبيح، من غير أن يتناول شيئاً
من جهة المباح له، كان عقد اليمين فيها على قوله: قد أبحتُ لك، دون
غيره، كذلك الهبة والصدقة.
مسألة : [حلف لا يبيعه]
قال: (ولو حلف أن لا يبيعه، أوأن لا يقرضه شيئاً، فباعه إياه، أو
أقرضه؛ فلم يقبل: لم يحنث).
قال أحمد : وذلك لأن عقد البيع يتناول البدلَيْن جميعاً، فاحتيج فيه
إلى قبول من جهة البدل(٢) الآخر، وكذلك القرض(٣).
مسألة : [حلف لا يأكل لحماً]
قال: (ومَن حلف أن لا يأكل لحماً، فأكل كَبداً أو كَرِشاً: حنث).
(١) بدائع الصنائع ٨٣/٣.
(٢) في (د): ((الذي))، وفي (م): في الأصل: ((البدل))، وفي الهامش: ((الذي))،
وأشار إلى أنه صح. قلت: ((البدل)): هو الصواب، والله أعلم.
(٣) بدائع الصنائع ٨٣/٣، شرح الجامع الكبير (خ) ٥/ لوحة ١٩أ، وفيه:
((بالنسبة للقرض، ما ذكر من عدم الحنث بعدم قبول القرض، إنما هو رواية ابن
سماعة عن محمد في نوادره، وأما الرواية الأخرى عنه: أنه يحنث إذا أقرضه وإن لم
يقبل منه)).

٤٥٣
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
وذلك لأنه لحمٌ على الحقيقة وإن اختص باسم العضو، وهو كقولك:
العضلة، والضلع، واختصاصه بهذا الاسم غير مُخْرِجه من أن يكون
لحماً، ألا ترى أنه يُتَّخذ منه ما يُتَّخذ من اللحم، ويصلح لما يصلح له
اللحم.
وليس كذلك الشحم والإلية؛ لأن الشحم لا يسمى لحماً، ولا يصلح
لما يصلح له اللحم، ألا ترى أنه يُصهر فيُذاب، واللحم لا يصلح لذلك،
فثبت بذلك مفارقتهما لمعنى اللحم من الوجه الذي ذكرنا(١).
مسألة : [حلف لا يشتري رأساً]
قال: (ومَن حلف لا يشتري رأساً، فإنه عند أبي حنيفة على رؤوس
البقر والغنم خاصة، وقال أبو يوسف ومحمد: على الغنم خاصة).
قال أحمد: حَمَل أبو حنيفة رحمه الله الأمر فيه على المعتاد
والمتعارَف الذي كان في زمانه من أكل الرؤوس، وقد كان عامة الناس
يأكلون رؤوس البقر، كما يأكلون رؤوس الغنم، وهذه العادة جارية بعدُ
في كثيرٍ من البلدان.
ووجه قولهما: أنَّ العادة كانت غير جارية في وقتهما بأكل رؤوس
البقر، فانصرفت اليمين إلى رؤوس الغنم خاصة (٢).
مسألة : [حلف لا يشتري شحماً]
قال: (ومن حلف أن لا يشتريَ شحماً: فهذا على شحم البطن خاصة
(١) شرح الجامع (خ) ٥ / لوحة ٢٩ب، بدائع الصنائع ٥٨/٣، المبسوط
١٧٦/٨.
(٢) المبسوط ١٧٨/٨، بدائع الصنائع ٥٩/٣.

٤٥٤
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
في قول أبي حنيفة).
لأن شحم الظهر لا يتعارفه الناس شحماً على الإطلاق، ألا ترى أنه
يُباع ويُشترى مع اللحم، وإنما هو لحم سمين.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ
ظُهُورُهُمَا ﴾(١)، وهذا يدل على أنه شحم.
قيل له: هو كذلك، إلا أن الإطلاق لا يتناوله في العرف، وقد قال
تعالى: ﴿لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًا﴾(٢)، يعني السمك.
ولو حلف لا يشتري لحماً، فاشترى سمكاً: لم يحنث، لوجود العرف
بخلافه.
* (وقال أبو يوسف ومحمد: إن أكل من شحم الظهر: حنث أيضاً).
لأنه شحمٌ في الحقيقة، لا فرق بينه وبين شحم البطن في المعنى(٣).
مسألة : [حلف لا يأكل هذا الدقيق]
قال: (ومن حلف أن لا يأكل هذا الدقيق، فصُنع خبزاً، فأكله:
حنث).
وذلك لأنه ليس في العادة أكل الدقيق على هيئته، وفي العرف إطلاق
اللفظ بأنا نأكل دقيق كذا وكذا، ويراد به الخبز، فانصرفت اليمين إليه.
(١) الأنعام: ١٤٦.
(٢) النحل: ١٤.
(٣) المبسوط ١٧٦/٨، بدائع الصنائع ٥٨/٣.

٤٥٥
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
مسألة : [حلف لا يأكل هذه الحنطة]
قال: (ولو حلف أن لا يأكل هذه الحنطة: لم يحنث في قول أبي
حنيفة حتى يقضمها قضماً، ويحنث في قول أبي يوسف ومحمد إن
قضمها، أو أكلها خبزاً).
قال أحمد : الأصل في هذه المسألة ونظائرها عند أبي حنيفة: أنَّ لفظ
اليمين متى انتظم حقيقة متعارَفة، ومجازاً متعارَفاً، كانت اليمين منصرفة
إلى الحقيقة دون المجاز؛ لأنها قد حصلت على الحقيقة، فانتفى دخول
المجاز فيها، لاستحالة كون لفظة واحدة حقيقة ومجازاً.
وإذا ثبت ذلك، وكانت الحنطة مأكولةً في العرف على هيئتها، مقلوةً
ومطبوخة، انتظمت اليمين الحقيقة لا محالة، فانتفى دخول المجاز فيها
وإن كان في العرف أنهم يقولون: أكلنا من حنطةِ موضعٍ كذا، يريدون به
الخبز.
وعندهما: دخل في اليمين الأمران جميعاً؛ لوجود التعارف فيهما (١).
مسألة : [حلف بالمشي إلى بيت الله]
قال: (ومَن حلف بالمشي إلى بيت الله: فإنه يمشي، وعليه حجة أو
عمرة، وإن شاء ركب وأراق دماً).
قال أحمد : كان القياس عندهم: أن لا يلزمه بهذا القول شيء؛ لأن
المشي إلى البيت في نفسه ليس له أصل في الوجوب، وكل ما لا أصل له
في الوجوب: لا يلزم بالنذر.
(١) ينظر شرح الجامع الكبير (خ) ٢٤/٥أ، المبسوط ١٨٠/٨.

٤٥٦
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
ألا ترى أنه لو قال: لله عليَّ أن أمشيَ إلى مسجد الجامع: لم يلزمه
بهذا القول شيء؛ لأن المشي إلى المسجد الجامع ليس بواجب في نفسه،
إلا أنهم تركوا القياس فيه، وألزموه الإحرام؛ لما روي ((عن ابن عباس
رضي الله عنهما في قصة أخت عُقبة بن عامر، حين نذرت أن تمشيَ إلى
البيت، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركب، وتُهدي،
وتحج))(١).
ولأنه قد جرت عادة الناس في ذلك بإيجاب إحرام، فصار اللفظ
عبارة عن إيجاب إحرام في العرف، فلزمه(٢).
فصل : [فِي ذِكْرِ الفَرْق بين بعض الصيغ]
قال أحمد : ولا خلاف بين أصحابنا في قوله: عليَّ المشي إلى بيت
الله، وإلى مكة، وإلى الكعبة: أنه يوجب إحراماً.
* ولا خلاف بينهم أيضاً: أنه لو قال: عليَّ المشي إلى الصفا
والمروة، أو قال: عليَّ الذهاب إلى بيت الله، أو: الخروج إلى مكة: لم
يلزمه شيء.
وحملوا حكم هذه الألفاظ على القياس، إذ لم يَرِد في تعلّق حكم
ءِ
الإحرام بها سُنَّةً، ولا جرت عن الناس بإطلاقها عادةً في إيجاب الإحرام.
* واختلفوا في قوله: عليَّ المشي إلى الحرم، أو: إلى المسجد
الحرام، فقال أبو حنيفة: ليس عليه شيء، وقال أبو يوسف ومحمد: عليه
إحرام.
(١) سبق.
(٢) تبيين الحقائق ١٥٢/٣.

٤٥٧
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
لأبي حنيفة: أنَّ الذي جرت به العادة، قولهم: عليَّ المشي إلى البيت،
ومكة، والكعبة، وما عدا ذلك فلم تَجْر به عادة، فهو محمولٌ على
القیاس.
فإن قيل: لما لم يَصِل إلى المسجد الحرام، أو إلى الحرم إلا بإحرام؛
لأنه لا يجوز له دخول الحرم بغير إحرام، صار ذلك عبارة عن إيجاب
إحرام.
قيل له: فينبغي أن يلزمه لو قال: عليَّ المشي إلى دار الندوة، أو: إلى
دار الخَيْزُران؛ لأنه لا يصل إليها إلا بإحرام، فلما لم يلزمه بذلك شيء
باتفاق المسلمين، دلَّ على سقوط هذا الاعتلال.
* وإنما وجب عليه دم إذا ركب في نَذْره المشي إلى البيت؛ لما في
حديث ابن عباس رضي الله عنهما ((أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر
أخت عقبة بن عامر أن تركب وتُهديَ هدياً)) (١).
وقد روي ((أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بصوم ثلاثة أيام))(٢)،
وهذا معناه عندنا أنها كانت أرادت اليمين بنذرها المشي، فلما لم تفٍ به،
لزمتها الكفارة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد(٣).
مسألة : [حلف لا يدخل داراً بعينها]
قال أبو جعفر: (ومَن حلف أن لا يدخل داراً بعينها، فهُدمت حتى
صارت صحراء، فدخلها: حنث).
(١) سبق.
(٢) سنن أبي داود ٢٠٩/٢.
(٣) انظر المختلف بين الأصحاب (خ)، لوحة ٤٦، تبيين الحقائق ١٥٢/٣.

٤٥٨
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
قال أحمد : قد بيَّنَّا وجه هذه المسألة فيما تقدم، وقلنا إن اليمين متى
تعلَّقت بالعين: كانت باقيةً مادام الاسم باقياً عليها على وجه، وقد بينَّاها
أيضاً في ((الجامع الكبير))(١).
* قال: (ولو بُنيت حماماً، أو جُعلت بستاناً، ثم دخلها: لم
يحنث).
لأن الاسم قد زال عنها، حتى صار لا يسمى داراً بحال، واليمين إنما
تناولتها على أنها دار، ألا ترى أنه لو حلف لا يأكل هذا التمر، فجعل منه
ناطف(٢)، فأكله: لم يحنث؛ لزوال اسم التمر عنه.
مسألة : [حلف لا يدخل بيتاً بعينه]
قال أبو جعفر: (ومن حلف أن لا يدخل بيتاً(٣) بعينه، فهُدم، فصار
صحراء، ثم دخله: لم يحنث).
قال أحمد : البيت اسمٌ للبناء، وفي زوال البناء: زوال اسم البيت،
وفي زوال الاسم: سقوط اليمين، وليس البيت كالدار؛ لأن زوال بناء
الدار لا يزيل عنه اسم الدار، ويزيل اسمَ البيت.
مسألة : [حلف لا يأكل رُطَبَة معينة]
قال أبو جعفر: (ومن حلف لا يأكل هذه الرطبة، فأكلها بعد ما
(١) أي شرح الجامع الكبير.
(٢) الناطف: نوع من الحلواء. ينظر تاج العروس (نطف).
(٣) المراد بالبيت: اسم لسقف واحد، وأصله من بيت الشعر أو الصوف، سُمي
به لأنه يُبات فيه، ثم استعير لفرشه، وهو معروف عندهم، يقولون تزوج امرأة على
بیت. المغرب ص٥٥.

٤٥٩
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
صارت تمراً: لم يحنث).
لأن الاسم زائل، وتلك الرطوبة معنى مقصود باليمين، وفي زوالها:
زوال الیمین.
وكذلك لو حلف أن لا يأكل هذا اللبن، فصُنع شِيْرازاً(١)، ثم أكله: لم
يحنث، للعلة التي وصفنا، وقد بيًّّا هذه المسائل في ((شرح الجامع
الکبیر))(٢).
مسألة : [حلف لا يكلم رجلاً يوماً بعينه أو ليلة بعينها]
قال أبو جعفر: (ومَن حلف أن لا يكلم رجلاً يوماً بعينه، أو ليلة
بعينها: فهو على بياض نهار ذلك اليوم، وسواد الليلة).
لأن اليوم عبارة عن بياض النهار، والليل عن سواد الليل، فلا يدخل
فيه غيره.
مسألة : [حلف لا يكلمه يوماً]
قال: (ولو كان حلف لا يكلمه يوماً، فإن قال ذلك مع طلوع الفجر:
کان ذلك على ذلك اليوم إلى غروب الشمس منه).
لما ذكرنا من أنَّ اليوم عبارة عن بياض النهار، وقد أمكن استيفاؤه
بکماله في هذا اليوم.
(١) الشيراز: مثال دينار: اللبن الرائب، يستخرج منه ماؤه، وقال بعضهم: لبن
يُغلى حتى يثخن، ثم ينشف حتى ينثقب، ويميل طعمه إلى الحموضة. المصباح المنير
(شرز) ٣٣١/٢.
(٢) شرح الجامع الكبير (خ) ٥ / لوحة ٢٣، المبسوط ١٨٢/٨، الهداية ٣٩٦/٤.

٤٦٠
كتاب الأَيْمان والكفارات والنذور
* قال: (وإن كان ذلك في بعض النهار: كان على بقية ذلك اليوم
والليلة، التي تليه إلى مثل الوقت الذي حلف فيه من اليوم الثاني).
وذلك لأن قوله: يوماً: يقتضي استيفاء يوم بكماله، وهو بياض النهار
الكامل، وذلك لا يمكن في مسألتنا إلا بمجيء مثل الوقت الذي حلف فيه
من اليوم الثاني، ودخل فيه الليل، لأنه توسط وقتين قد دخلا في اليمين،
فدخل فيهما على وجه التبع، كما لو قال: لا أكلمك عشرة أيام، دخلت
فيه الليالي المتوسطة للأيام.
مسألة : [حلف لا أكلمك ليلة]
قال: (وكذلك لو قال: لا أكلمك ليلة، فإن قاله عند غروب الشمس:
فهو على سواد تلك الليلة، وإن قاله في بعض الليل: فإلى مثل الوقت
الذي حلف فيه من الليلة الثانية).
للعلة التي وصفنا في اليوم.
مسألة : [حلف لا يكلمه يومين]
قال : (وإذا حلف لا یکلمه یومین، ولم ینو یومین بأعیانهما: فهو على
يومين بليلتيهما، وكذلك إذا ذكر ليلتين: فهو عليهما بيوميهما).
وذلك لأن إطلاق لفظ جمعٍ من الأيام، يقتضي مثلها من الليالي،
وإطلاق لفظ جمعٍ من الليالي، يقتضي مثلها من الأيام، كذلك حكمها في
اللغة، وقد بيَّا ذلك في موضع قد تقدَّم ذكره في هذا الكتاب، فكرهنا
الإطالة بإعادته(١).
(١) ينظر كتاب الصيام، وينظر بدائع الصنائع ٥١/٣، فتح القدير ٤٢١/٤.